إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الجمعة، 6 مارس، 2009

دلالات التواصل الإنساني

محمد الهادي عمري
لعلّ مشكل الإنسان هو الأشدّ التصاقا بالفلسفة و الأقرب إلى فضائها و طقسها نظرا لخصوبة و تنوّع إحالات و عمق التناقضات الراسبة بقاعه و يمكن ردّ مجمل التلوينات الفلسفية إلى هذا الهمّ الأساسي وفق ما أشار الى ذلك كانط. و لعلّنا لا نخون روح النصوص الفلسفية بالإشارة الى الطابع الإعضالي الذي ميّز دلالة الإنسان و ما أنتجه من أنظمة رمزية عبّرت عن أشكال حضوره في العالم كما ساهمت في تحديد حزمة علائقه مع الآخر، فسؤال ما الإنسان لا ينفصل عن سؤال الغيرية ألم ينتبه الفلاسفة إلى أنّ هذا السؤال يتنزّل في سياق مساءلة القضايا الكبرى التي نقصي لا تخلد لأناها و إنّما الى أنا تتلقّاها "سواء كانت هذه الأنا آخر أو 
آخر الآخر، شبيها أو مختلفا، تاريخا أو جسدا، صديقا أو عدوّا...  سؤال الإنسان إذن يضعنا إزاء مشكلة الإنساني بين الوحدة و الكثرة و يلزمنا بالتفكير في التنوّع و الاختلاف الذي يخترق معيش الإنسان و ما يصدر عنه بما فيه من صدام و عنف و ما قد يتضمّنه من اعتراف أو احترام يؤكّد حاجة الإنسان الى الآخر فهابرماس ينبّهنا الى أنّ :"الاعتراف المتبادل بالآخر في غيريته يمكن أن يصبح أيضا علامة لهويّة مشتركة" على اعتبار أنّ الهويّة فضاء للفرد، تتعيّن في الزمن و تتحرّك في أبعاده وتؤثّر بأحداثه لكن ما أهمّية النظر في مسألة التواصل الإنساني ضمن اللحظة الراهنة ؟ قد تكون لهذه المسألة ما يبرّرها في زمن الانتظار لقيم المردودية و النجاعة و الاستهلاك و المشهدية و التوحيد الذي تتلحّف به أدبيات العولمة و الثقافة الكونية / الرقمية التي غيّبت الإنساني و فاقمت الحيرة و الوجع، مع ما يضاف الى ذلك من تناهي مذهل لأشكال الاحتواء و تزايد مظاهر العنف و اختزال الإنسان في بعد واحد دون الانتباه إلى أنّ سؤال ما الإنسان ؟ هو فاتحة أسئلة مدارها الكلّي متجسّدا في المتعدّد من الدلالات و المعاني، هذه المعاني التي تحدّد مسافة سفرنا الأنطلوجي من الفراغ الى الامتلاء و من الوحدة الى الكثرة، و من الغربة الى الألفة و من العداوة الى الصداقة، من وحدة الأنا الخاوية الى معيّة الذات الممتلئة أي إلى ذاك الإنسان فينا الذي يستشرف الكلّي مطلبا أملا أن لا يتحوّل هذا المطلب الى سبب لشقائنا و مشروعا لتبرير الاستبداد و العنف و الهيمنة و التسلّط، و في هذا الإطار ستنشغل هذه الورقة بمسألة الوسائط التي صاغها الإنسان لحظة حضوره في العالم و لقائه بذاته و بالآخر و الأشياء و ستتوقّف هذه الورقة عند أربعة وسائط هي اللغة و الفنّ و الدين والصورة، لعلّ كثرة الوسائط التي أنتجتها الإنسانية و عبّرت بها و من خلالها عما يضطرم في سحيق الإنسان من رغبة جامحة في كشف حجب الوجود و تعرية مجاهيله و هتك مغاليقه، قد عبّرت عن هذا السعي الذي لا يستقرّ و الجهد الذي لا يكلّ لكائن ملقى في العالم و عليه أن يجرّب جحيم الكيان و غموض العالم و هذه الأشكال الثقافية تعبّر عن تجربة الوجود في تردّدها و التباسها و غموضها كما في إرهاصاتها و صراعها و احتمالاتها المضرمة و إمكانياتها. يبدو أنّ التساؤل عن علاقة الإنسان بأنظمته الرمزية سؤالا غريبا في عصر تحكمه النجاعة و المردودية و التحوّلات المتسارعة لكن لعلّ غرابته تلك هي التي تميّزه عن أشباه الأسئلة إذ متى كان الفيلسوف في وفاق مع مدينته أو عصره ؟ و متى كانت أسئلته تقاس بمدى نجاعتها و انخراطها في السائد، قد يكون هذا تبرير غير كاف للمساءلة، و لكن التبرير الأهمّ هو أنّ الأنظمة الرمزية من المساءلة الملتحفة بالإنسان و الممعنة في القدم بل هي أقدم من أيّة ذاكرة بدء بالأسطورة و صولا إلى الصورة لذلك فهي لا تشير إلى الإنسان في مستوى الفعل و العمل بل تبيّن وجهته في التفكير و النظر لأنّها كانت دوما شكلا من أشكال القول بل كانت قولا يصل الى اكتماله لحظة تأزّم وجودنا في الفراغات الموحشة التي ترتسم على سطح الواقع فبين آمال الإنسان من هذه الرؤى و ما آلت إليه تحت وقع التوظيف المصلحي الضيّق للأيادي القذرة و الإرادات المنسلخة نقرأ واقع العلاقات الإنسانية اليوم. في كلمة أنظمته التواصل كيفيات وجودنا تجعلنا نضع ذواتنا في عمق علاقاتنا الحوارية بالعالم و بالآخر، إنّها ما به نعاني ثقل المصير و نجرّب لذّة الكشف عن المعنى رغم ما ينكشف لنا في العالم من نقص و عدمية تفقد أرقى القيم قيمتها.
I ـ  اللغة بين تكبير التواصل و الانسداد:
بادئ ذي بدء يمكن أن ننظر الى مفهوم اللسان من زاويتين إمّا من جهة الاستعمال الفردي و وقتها نكون إزاء الكلام. و إمّا من جهة كونه ": نظام من العلامات و الرموز" كما ورد في المعجم التقني و الفلسفي لالاند و هو تقريبا نفس التعريف الذي يقدمّه "ديسوسير" إذ يعتبر كغيره من الألسنيين أنّ اللغة مؤسّسة اجتماعية و اصطلاحية لها وظيفة تواصلية و هذا الموقف العلمي يتقاطع في أكثر من موقف مع التصوّرات الفلسفية التي اتّخذت من اللغة موضوع مساءلة و لعلّ المحاورات الأفلاطونية تجسّد بدقّة أنّ مسألة اللغة هي من بين المسائل المعضلة و التي لا تدفع الإحراجات و إنّما تعمّقها، و في هذا الإطار سنحاول مراودة بعض الأسئلة التي اقترنت باللغة على اعتبار أنّ الهدف الأساسي الذي كان يطمح إليه الإنسان و هو يتهيّأ من الخروج من عالم الحيوان المثقل بالإشارات و الأصوات المبهمة، هو وضع أسّس تواصل يعبّر بها عن قدرته الإبداعية فتشكّلت الأصوات و تمّ بناء العلامات وفق صيغ اعتباطية اقترنت أساسا بالاتّفاق الذي يفسّر اختلاف الألسن رغم كونها تعمل بنفس الآلية المتمثّلة في التمفصل المزدوج بما يحمله من قدرة على التحليل و التفكيك و التركيب و الربط و هو أمر يجعل اللغة الإنسانية نسيجة وحدها إذ الطريقة التي وفقها نتكلّم تعبّر عن مبدأ اقتصاد في اللغة غريب إذ الجهاز الصوتي مكوّن من عدد صغير من الأصوات لكن هذه الأصوات إذا ما ركّبت و حللّت نتحصّل على عدد لا متناهي من العلامات و العلامات بدورها خاضعة لمجرى الخطاب و تحوّلاته (مارتينيه). إنّ انتظارات الإنسان وهو يبني صرح اللغة في سحيق أزمنة الماضي و آماله ليشكّل اللغة كرؤية للعالم يمكن أن تفهم في إطار جدلية الذات و الآخر لحظة اكتساب اللغة بما هي نتاج تواصل و شرط إمكان الوجود الإنساني فعلا. فتعلّم اللغة هو في حدّ ذاته مدخل أساسي إلى عالم الآخرين و ممّر للانتساب الى ممكلة الإنسان، فأنسنة الإنسان ليست نتاج تطوّر طبيعي من خلال تحقيق الاستعدادات البيولوجية، بل هي عملية تظلّ رهينة الاشتراطات الاجتماعية التي تعيّن مميّزاته النوعية و تنقل له خبرات الجماعة التي راكمتها عبر تاريخها من خلال رموز اللغة بما هي خزّان كلّ ذلك فاللغة هي شرط إمكان أنسنة الإنسان و في غيابها يصير الإنسان "وحشا خلوّا من المعنى" وفق عبارة روزنتال. و اللغة بما هي نتاج تواصل تكون علامة على أنّ الإنسان مجعول للتواصل بصورة قبلية فالعلامات اللغوية بما هي شكل تعبيري إلى جوار الأشكال التعبيرية الأخرى تكشف عن وجودنا للآخرين بلغة "ج بول سارتر" و هو ما يبرز وحدة الإنسان و اللغة، إنّ وجود اللغة في حدّ ذاته يشير إلى أنّ هناك من يشاركني في هذه الرموز بحيث يكون قادرا على تفكيكها و فهم مضامينها فالعلامات اللغوية لا يمكن أن تكون من إبداعي الفردي، إذ هي مؤسّسة تتعالى عليّ لتشمل غيري فهي ما يوحدّ بيننا و يمكنّنا من التفاهم و إدراك مواضيع اختلافنا و تمايزنا و تقاربنا، كلّ ذلك لا يمكن أن يتمّ إن لم يوجد حدّ أدنى يؤسّس عالما مشتركا هو عالم الإنسان ألم يصرخ سقراط حين أزعجه صمت الآخر: " تكلّم حتّى أراك" ثمّ ألم يردّد ديكارت في لحظة لاحقة، "اللغة رداء الفكر" ليعلن من ثمّة أنّ اللغة هي الضامن الذي يخرج الإنسان من حيّز الحيوانية إلى حيّز الإنسان ذلك أنّ التفكير هو شكل من أشكال اللغة الصامتة كما بيّنت الدراسات اللسانية و بعض التأمّلات الفلسفية المعاصرة (مرلوبوتي / لوفافر) فالألسني المعاصر "بنفينيست" اعتبر أنّ اللغة هي شرط اكتساب المقولات المنطقية التي بها يتمّ تنظيم الواقع و إدراكه و هي فضاء ترتيب الأفكار و استحضارها و توليدها يقول ميرلوبنتي في ظاهرية الإدراك: "الكلام لا يترجم فكرا و إنّما يحقّقه" بلغة أخرى اللغة لا تترجم لنا خصائص الإنسان فحسب و إنّما تسهم في تحقّقه و تمثّل عنصرا لا غنى عنه لتشكيل ماهيته بما هو كائن الحريّة و الإرادة و الوعي. تلك هي إذن بعض الآمال/ أو لنقل تلك هي انتظارات الإنسان من وراء اللغة كتعبيرة ثقافية صاغها متطلّعا لعالم مفعم بالغايات لكن السؤال العالق بقلق الإحراج و المفارقة يتعلّق بما أسماه نيتشه بالمآل أي بما انتهت إليه اللغة لحظة طلاقها الغايات و معانقتها لعالم الوسائل ألم يكتب ليقول "الإنسان صانع اللغة و لكنّه أوّل ضحاياها". فإذا ما كانت اللغة لحظة تجلّي المكبوت و المهمّش و اللامعقول كما تمثّلها ميشال فوكو، و إذا ما كانت اللغة لا تقول ما تقول حين تقول، فإنّنا مع برغسون نكتشف حدودها و قصورها، إذ كثيرا ما تقف الألفاظ حجايا بين الإنسان و ذاته و بين الإنسان و العالم وهو ما يؤكّد عدم التجانس بين اللغة و حياة الذات. و هذه القطيعة تبدو في الواقع قطيعة مزدوجة فهي قطيعة بين الأنا و عالمه الداخلي و بين الأنا و الآخر و مردّها عدم قابلية ترجمة التجربة الذاتية الى ألفاظ بحيث يمكن تحويلها إلى موضوع تواصل، فالإنسان يعيش دوما إحباطا غير قابل للردّ فهو يرغب في التواصل لكنّه لا يستطيع ذلك. و يمكن بلورة هاتين القطيعتين من خلال أطروحات كلّ من " هنري برغسون" و غاستون برجي. فالأوّل: يبيّن لنا أنّ عالم الذات هو ديمومة متجدّدة لا يمكن إرجاعها فهي ليست حالات نفسية متعاقبة و متكرّرة بل هي عالم الكيف غير المتجانس و المتنوّع دائما لذلك تصبح مقولة الزمن لاغية لأنّ الزمن يقتضي فهم الأشياء و ربّما ذلك ما يفسّر لما يعرف "برغسون" اللغة بما هي اختزالية تشتيتية يتمّ بناؤها على نحو تعاقبي لذلك فهي تشوّه سيلان المشاعر و الانفعالات و تفسد تجدّدها الدائم فاللفظ لا يبقى من الشعور إلاّ خصائصه العامة إذ يفرغه من بعد الشخصي و يوهمنا بثباته و يقدّم المشاعر على أنّها مكرورة و متعاقبة فتحجب عن الذات حقيقة مشاعرها و تخدعها و تجعلها أمام ظلّ كينونتها فكي يترجم عالم الذات إلى ألفاظ ينبغي أن يتحوّل إلى عالم جامد، إنّ الألفاظ التي بها نتواصل تذوب الأنا في قوالب النحن فيغيب الأنا الشخصي في ثنايا الأنا الغير شخصي يكتب "برغسون" في كتابه "محاولة حول معطيات الوعي المباشر: ها نحن أمام ظلّ لأنفسنا إذ نتوهّم أنّنا حللّنا شعورنا و لكنّنا استبدلناه في الواقع بحالات جامدة يمكن ترجمتها إلى كلمات". أمّا "غاستون برجي" فإنّه يؤكّد أنّ ما تحياه الذات من انفعالات و مشاعر و حالات مختلفة هو من الفرادة بحيث لا يمكن فتحه للآخرين إلاّ على وجه الإيماء والإشارة، فالإنسان مكره على أن يحيا في عزلة لا سبيل لاختراقها عبر تشريك الآخر فيها، فاللغة وظيفيا تهدف إلى التواصل و كشف حجب الذوات و العالم، لكن التواصل يهدف دوما إلى نقل ما لا يمكن نقله، إذا التجربة الذاتية لا يمكن أن يدركها الآخر في فرادتها، فحالات مثل الألم أو اللذّة لا يمكن للآخر أن يستشعرها في أدقّ تفاصيلها ، و تتجلّى هذه القطيعة بوضوح في الموت فوفاة صديق تبرز غربتي بالنسبة إليه فأنا أحضر جنازته كغريب و مهما كان فإنّ الحزن يظلّ تجربتي و يبقى الموت بالنسبة لي تجربة مجهولة فنحن نموت كما نولّد بمفردنا، و يلخّص "برجي" أطروحته فيقول:" لا يقدر الآخرون على اختراق وعيي كما أنّني لا أقدر على فتحه لهم حتّى لمّا أريد ذلك" و لقد استنتج نيتشة من خلال النبش وراء أكوام الفكر أنّ أوهاما عديدة قد سيطرت على الإنسان و ينتهي إلى كون اللغة أداة خداع و وسيلة للمراوغة نتيجة كونها مبنية على أقنعة الاستعارات الميّتة و رياء الكنيات ألم يقل:" كلّ لفظ هو حكم مسبق و في ذلك يكمن خطر اللغة على الفكر" و في لحظة معاصرة يدعونا ميشال فوكو إلى العمل جديّا على تهشيم بعض الكلمات لاستجلاء المعنى الآخر الذي تخفيه وإلى جواره "رولان بارت" كتب يقول: "إنّ اللغة فاشية فأن نخطب هو أن نخضع" ممّا يعني أن اللغة لا تحقّق التواصل إلاّ على جهة الزيف و المغالطة لذلك نفهم أنّ ما تخفيه اللغة أحيانا يقوله الجسد و لعلّي ذلك ما تفطّن إليه هنري لوفافر لحظة مساءلته لعلاقة اللغة بالواقع إذ يقول:" ما قبل اللغة و ما بعد اللغة يوجد الصمت، إنّ في الكلمات ليل عميق المعاني ليل شفّاف يظهر أيضا في العيون و النظرات ينتظر الكلام." فاللغة لا تسمح لنا بالقول أحيانا و تجبرنا على القول بغير علاماتها و أصواتها و تجاربنا الفردية تؤكّد كثيرا أنّنا نحتاج للكلمات فلا تأتي أحيانا.
II ـ الفنّ من أمل الطقوسى إلى مآل الاستعراضي:
يشير لفظ الفنّ في معناه القديم و الواسع في اللغة الاغريقية و اللاتينية الى المهارة و المقدرة في الممارسة تبعا لما كان يقصده القدامى من أغراض جمالية و أخلاقية أو نفعية و كانت الفنون تنقسم عندهم الى فنون جميلة تختصّ بإدراك الجميل / و فنون السلوك تختصّ بإدراك الخير / و فنون نفعية تختصّ بإدراك النافع. أمّا المصطلح بمعناه الحديث فينطبق فحسب على تلك النشاطات الإنسانية التي تميل باتّجاه النزعة الجمالية و لعلّ ذلك ما عملت فلسفة الفنّ على رصده انطلاقا من مشكلات علاقته بالطبيعة و طرح أسئلة من قبيل هل يوجد جمال طبيعي ؟ هل الفنّ محاكاة للطبيعة ؟ هل يمكن أن يصير القبيح في الطبيعة جميلا بواسطة الفنّ ؟ هذه الأسئلة عمّقت مسائل أخرى في نظرية الفنّ. هل للفنّ قيمة وجودية ؟ هل هو انعكاس لواقع غير مرئي أم هو تحويل ذاتي للواقعي ؟ هل في مقدور الفلسفة أن تستبين حقيقة الإبداع أيمكن شرحه ؟ أيكون حدسا خارقا أم وليد جهد و معاناة ؟ هل الحتميات التاريخية و الاجتماعية و النفسية عوامل كافية لشرحه ؟ ثمّة مشكلة أخرى تتعلّق بتلقّي العمل الفنّي، فما طبيعة المتعة الجمالية ؟ هل الجميل موضوع حكم ذوقي / ذاتي فحسب ؟ أم الأمر يتعلّق بما هو موضوعي ؟ ثم ّما جوهر الجميل ؟ إنّ الأسئلة السابقة تفترض هذا السؤال كأساس لأنّ الفنّ يعرف بالرجوع إلى معيار محدّد هو الجميل، لذلك تقدّم فلسفة الفنّ نفسها تاريخيا بالدرجة الأولى على أنّها ميتافيزيقا الجميل. إنّ التجربة الجمالية كما ينبهنا كانط هي التجربة الأصيلة للتواصل بين البشر و هي توحي بوحدة الفكرة الإنسانية فالتجربة الفنّية في تنوّع أساليبها التعبيرية و تجسيدها لرؤى الإنسان في العالم تجذّر تجربة هذا الكائن في الوجود بما توفّره من استيضاءات للملتبس و المبهم من حولنا و لقد قامت محاولات كثيرة لتفسير طبيعة الفنّ الجوهرية و الوقوف على الخاصّية التي بها يتميّز الفنّ عن مظاهر النشاطات الإنسانية الأخرى و لقد قام العديد من الفلاسفة أمثال أفلاطون و شيلار و لانش بتعريف الخاصّية غير النفعية للفنّ، و البعض الآخر أجمع على أنّ الخوف الوهمي من قوى الطبيعية المجهولة هو أحد الينابيع الرئيسة في الإبداع الفنّي لدى الإنسان البدائي و الفنّ في المجتمعات البدائية شديد الارتباط بالتعابير الثقافية الأخرى كالسحر و الأسطورة التي لم تكن خالية تماما من الأغراض المادية و النفعية. يهدف الإنتاج الفنّي في المجتمعات البدائية الى بلوغ غاية سحرية طقوسية، اذ تعبّر الصور الفنّية عن إرادة الإنسان البدائي في مواجهة مخاطر الطبيعة و مصارعته للحيوان فيتوهّم تحقيق حاجاته لمجرّد رسمه لصورة الحيوانات على جدران الكهوف ليعبّر عن مشاغله الحياتية و على نمط تمثّله السحري للعالم فيكتسي الأثر الفنّي طابعا طقوسيّا متميّزا للعالم حتّى و إنّ كان تصويرا له. لذلك يخفي البدائي الرسوم الفنّية و يواريها عن الأنظار نظرا لطابعها القدسي فالإنسان البدائي لم يرقى الى مستوى الوعي إنّ للفنّ قيمة مستقلّة عن الغايات النفعية و الممارسات السحرية و لعلّ ارتباط الجميل بالنافع نجد له صدى لدى "سقراط" "لا أستطيع أنّ أسمّي الدروع المزخرفة جميلة إذا كانت لا تحمي المقاتل من ضربات الأعداء و على العكس من ذلك فالدروع التي تؤدّي مهمّتها الأساسية أداء جيّدا جميلة و إن كانت زخرفتها قليلة القيمة". (سقراط دميم الخلقة و جميل الروح) الى جانب ارتباط الفنّ بوظائف سحرية و نفعية ارتهن الى وظائف لاهوتية فلم يكن القصد من نحت الحجارة إثارة الإعجاب الفنّي و توليد اللذّة الجمالية بل يعبّر الأثر الفنّي عن هاجس إدراك المطلق و تقديس للآلهة لذلك لا يجوز لغير رجال الدين (قساوسته) رؤية هذه التماثيل ممّا يعني أنّ خلق الجمال لم يكن غاية مستقلّة بل كان يهدف أساسا إلى التعبير عن معتقدات دينية، تلك كانت آمال الإنسان و كأنّ الجمال في حدّ ذاته يعدّ ثانويا بالمقارنة مع ما هو نفعي أسطوريا أو لاهوتيا.
إنّ الأثر الفنّي قد تحرّر اليوم من صيغته الطقوسية بحكم الأهمّية المطلقة لقيمة الاستعراضية، لقد تحرّر من كلّ الأبعاد النفعية و السحرية ليصبح إنتاجا للجمال أي إبداعا فنّيا مستقلاّ، هناك إذا نقلة نوعية من الفنّ الطقوسي إلى الفنّ الاستعراضي و لم يعد الأثر الفنّي صورة مخفية عن الأنظار العامة و أمّا اليوم فإنّ العاشق و الفيلسوف و منظّم الجنازات يمكن أن يحدّدوا الجمال بصورة عظيمة الاختلاف و لكنّهم جميعا يحدّدون حالة واحدة، شرطا نوعيا واحدا صفة معيّنة تجعل الجميل متميّزا عن غيره من الأوصاف، فالمرء يختبر الجمال في الجميل بصورة مبهمة و مباشرة في آن واحد فهو يسمعه و يكتشفه و يلمسه و يحسّ به و يفهمه، و هذا الاختبار يأخذ شكل صدمة و ربّما كانت علّة ذلك ما للجمال من طابع يوحي بالمفارقة إذ أنّه يحطّم التجربة اليومية ليطلّ على ما هو كلّي لذلك ليس هنالك على ما يبدو سوى تعريف واحد قادر على المحافظة على المضمون المعاش للجمال رغم كونه أقلّ التعاريف دقّة أعني الجمال بوصفه "وعدا بالسّعادة" على حدّ تعبير "ستندال". فهذا التعريف لا يعانق ما هو مؤقّت و متلاشٍ معا في وضع البشر و الأشياء لذلك ليس من الهيّن تحديد طبيعة الخلق الفنّي بسبب اللبس الذي يسود علاقة الفنّ و الجمال و الواقع فإذا كان الرأي الشائع يميل الى الخلط بين الجمال الطبيعي و الجمال الفنّي فإنّ مسألة الخلق و الإبداع شائكة ملتوية تحتاج الى طرح دقيق إذ بالرغم من تعدّد الأجوبة منذ العصر اليوناني القديم لم يرفع اللبس و لم تغب المفارقات ذلك لأنّ منطق الخلق الفنّي لا يمكن أن يختزل في عميلة التقليد أو المحاكات فالأثر الفنّي لا يعبّر عن واقع الكثرة و كثرة الواقع بقدر ما يغيّرها و لا يصفها بقدر ما يخلق واقعا جديدا مغايرا لها. إنّ مفهوم الخلق الفنّي يطرح إشكالية هامّة من إشكالات الجمالية الحديثة و المعاصرة فبعد أن ساد التفسير اللاهوتي و حصرت عملية الخلق داخل علاقة الإنسان بالإله، الأمر الذي أدّى بالفلسفة اللاهوتية إلى اعتبار الإله هو الخالق الوحيد تكوّنت ميتافيزيقيا الخلق الإنساني ليصبح الخلق صفة إنسانية الإنسان ذلك أنّ الإنسان الصانع Fabert حسب عبارة "برغسون" يحقّق وجوده عن طريق الفعل الفنّي الذي يختلف عن تكرار الإنتاج التقني و رتابته " و في هذا السياق يتنزّل القول السارتري "الجمال صفة لا يمكن أن تنطبق إلاّ على ما هو خيالي." و إذا كان الفنّ نشاطا يرتبط بالتخيّل فإنّ ذلك لا يعني تعارضه مع الواقع فإدراك الواقع لا يتعارض مع التمثّل الخيالي بل يتفّق معه و ينحو نحوه و لقد اعتبر "هيدغير" مجالي الواقع و الخيال الفنّي متضايفين بواسطة الحقيقة التي يكشف الفنّ عنها و التي ينتزعها من الأرض التي تختفي فيها لأنّ الفنّ ليس نشاطا تخيليّا فحسب و إنّما هو : " مشروع كاشف " و العبارة لهيدقير "أصل العمل الفنّي" و من زاوية أخرى يعتبر "فرويد" أنّ الخلق الفنّي هو البديل عن اللعب الطفلي فالفنّان يكون أبا لأعماله لكن مع مشاركة تؤدّيها الصدفة و الضرورة فتلك صفة تتّصف بها كلّ أبوّة كما أنّ العمل الفنّي ينفلت من "الغايات" التي يلاحقها الفنّان و ينفلت منه ليصبح مطيّة للعودة الى الواقع الذي يئس منه. إنّ المقاربة النفسية للأثر الفنّي ادّعت أنّها تحيط بحقيقة هذه التجربة من خلال الوقوف على بواعثها و أسبابها و نتائجها فتمّ تقديم الفنّ باعتباره وسيلة للتوازن النفسي، فالدوافع الغريزية تنشد في الواقع فرصة الإعلاء عبر وساطة المخيّلة لكن "بول كلّي" يعتقد بأنّ الفنّ كتعقيد و الفنّ كتصعيد لا يستوفيان حقيقة هذه التجربة لأنّ وظيفة الفنّ ليست بمعزل عن فعالية الخلق و الإبداع فالفنّان مطالب بأن يدخل في مواجهة مع كلّ القوى التي تأبى إعادة تركيب الواقع نعني بذلك المؤسّسات القائمة كالأخلاق و الدين مثلا و لعلّ ذلك ما لاحظه "هربرت ماركوز" في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد" ألم يقل إنّ "الشعور المباشر بالجمال يثير الإحساس بالسّعادة". إنّ التجربة الفنّية تتأسّس على عوالم مختلفة و متعدّدة الخصائص تجريدية، تاريخية و أسطورية حيث المتشكّل الفضائي لها حركة مستديمة تهجس بالحنين إلى الأبدية و تبعث على الحلم و الاستيهام مدارها في ذلك سطوع الذاكرة و دينامية الفعل فمناخ الأعمال الفنّية فتنة اكتشاف غائمة الملامح عبر إشراق الذاكرة التي تستحضر علامات و أشكال تخصّ علاقة الإنسان بذاته و بالاخر و بالعالم . فالفنّان يحتفي بالرؤى المنفلتة بفعل قوّة المتخيّل حيث المتشكّل حفر في وجود الإنسان و كيانه و اجتراح لدلالات التواصل و الحبّ و الفناء و الأبدية و لعلّ بهذا المعطى يقدّم أكثر ممّا هو كائن كأنّه هجس على شاكلة نيتشه: "أنا هو الذاهب الى الأعماق و لا أبالي بضيق المدى و باتّساعه. "فالفنّان يحدوه توق إلى الاندثار في أفق المجاهل و الخفايا، و رغبة ملحّة في دغدغة المطلق و ملامسته حيث يكون السفر مفتوحا على ألقّ الطفولة و وضيء منارات الذاكرة فالعودة الى البدايات الأولى و الحفر في الطقوس القديمة للإنسان، إنّما هو حنين جارف الى الأشياء البكر التي تجسّد قدرة الفنّان على الخلق و الإبداع ذلك أنّ الآثار الفنّية تجسّد فعلا لقاء الإنسان مع الآخر و مع الزمن في فضاء يتّسع الى أكثر من حلم و تأويل، هناك في الفنّ يستحيل المكان رمزا لأبعاد فلسفية تخصّ علاقة الذات الإنسانية بالعالم ممّا يعني أنّ التجربة الفنّية مغامرة مفتوحة على مناطق و أقاليم مظلمة لم يطأها حدس الإنسان. ألم يقل "شوبنهاور" : "الفنّان هو من أعارنا عينة للنظر الى "العالم".
III ـ  الدين من سديم الخوف إلى تأليه الانسان:
يقول آلان : "ليس الفنّ و الدين شيئين اثنين بل هما الوجه و القفا لنسج واحد لا غير." تجدر الملاحظة أوّلا الى ضرورة التمييز بين الدين كرؤية للعالم و بين الأشكال التاريخية التي اتّخذتها هذه الظاهرة، و الملاحظة الثانية أنّ ليس ثمّة تفسير واحد للدين و بالتالي ليس هناك موقف يجمع بين المحاولات الرامية الى تفسيره يشير هذا المفهوم وفق التحديد المعجمي الى معنى المؤسّسة التي تمارس سلطتها على مجموعة من الأفراد يجمع بينهم القيام بطقوس منتظمة و الإيمان بقيم مطلقة و يتميّز الدين بكونه منظومة من الأحاسيس و الأعمال التي تتّخذ من قوّة ما فوق بشرية موضوعا لها، أمّا في المعنى الانثروبولوجي فإنّ الدين لدى الأقوام البدائية هو الاعتقاد بعالم الأرواح أو هو استرضاء القوى المتعالية و التي يعتقد أنّها تحدّد مجرى الطبيعة و توجّه حياة البشر و هو عند الإغريق و الرومان المقدّس أو المحرّم الذي لا يجوز مسّه أو مخالفته إنّه السرّي و الخطير و الرهيب و الخفيّ، ألم يقل ميرلوبنتي: " الدين حقّ و لكن بحقيقة لا يعرفها هو نفسه "و ليس بعيدا عن "ميرلوبنتي" يبيّن فرويد أنّ الأفكار الدينية تنبع من الحاجة نفسها التي تنبع منها سائر إنجازات الحضارة متمثّلة في ضرورة الدفاع عن النفس ضدّ تفوّق الطبيعة الساحق فالإنسان كان مطالبا بأن يضع حدّا لحيرته و ضياعه و ضائقته أمام قوى الطبيعة المخيفة الأمر الذي يتيح له أن يقيم علاقة معها و أن يؤثّر فيها في خاتمة المطاف. فحقيقة الدين و آليات اشتغاله من زاوية التحليل النفسي تنزّله تنزيلا نفسيا نظرا لكونه نتاج لحاجة الإنسان للحماية و الشعور بالأمن ذلك أن الإحساس المرعب بالقلق أيقظ الحاجة الى الحماية و هي حاجة لبّاها في البداية الأب و لحظة قتل الأب خلق الإنسان أبا أعظم أشدّ بأسا هو الإله إنّ المساءلة الفرودية للدين عبّرت عن علاقة انسلاب و اغتراب جارية في فضاء المخيال و رامية بالأمر إلى حدود العصاب أو المرض أو الوهم بحسب التسميات الفرودية المختلفة ذلك أنّ السكن و الإقامة في خيمة الإلهي هو تغريب للإنسان و دفع به إلى حياة الزيف و الوهم فالأوهام الدينية تتجذّر في قرارة الذات و تضرب بجذورها في البدايات الأولى للتاريخ الإنساني و يعتبر فرويد أنّ تحطيم هذه الأوثان هي مستحيلة فقد كتب يقول في رسالة مارس 1923 "لرومان رولان" "لقد قضيت جزءا هامّا من حياتي مشغولا بتحطيم أوهامي الذاتية و تلك العائدة للإنسانية أيضا". هكذا يبدو فرويد و كأنّه يحمل قلق الإنسان و التاريخ فوق ظهره. فإذا كان الدين يحقّق للفرد و الجماعة انسجاما مع الكون و مقدرة ولو زائفة بحسب التحليل الفرويدي على مواجهة الحياة خاصّة و أنّه يصرّح في كتابه "مستقبل وهم" بجسامة تجربة الوجود للفرد أو الإنسانية فهل يصبح الإنسان سويّا إذا نزعنا عنه بعده الأسطوري و الديني ؟ إنّ القيمة النفعية للدين من وجهة نظر نفسية تبدو ذات أهمّية بالغة و من هنا تتجلّى جدوى الاعتقادات الدينية بقطع النظر عن صدقها أو زيفها. برغم كلّ هذه الأسئلة المنقوصة و ما يقابلها من أجوبة مبتورة و ظرفية فإنّها لا ترقى إلى ما يطمح إليه فرويد من إعادة تشكيل للإنسان الحرّ. هكذا اندفعت الإنسانية إلى الدين إمّا خوفا أو انتظارا للعون أو حماية أو تأليها للإنسان فالدين يظهر عند فيورباخ محورا أساسيا يتمثّل صلب كتاباته جميعها ألم ينبّهنا قائلا: " لقد كان شغلي دائما و قبل كلّ شيء أن أنير المناطق المظلمة للدين بمصابيح العقل حتّى يمكن للإنسان أن لا يقع ضحية للقوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري" "قراءة في ماهية الدين" . ففيورباخ كما يرى أنقلز لا يهدف الى محو الدين و إلغائه بل يسعى الى الوصول به حالة الكمال حيث يعتقد أنّ الفلسفة نفسها يجب أن تدخل حظيرة الدين و تجعله محورا لها لأنّ الدين مازال قائما باعتباره وظيفة أبدية للروح الإنساني فالفهم الأساسي و الأوّلي للدين عند فيورباخ يتخلّص في أنّ "الانتروبولوجي هو سرّ حقيقة اللاهوت" أي أنّ جوهر و حقيقة الدين و معناه العميق هو الجوهر الإنساني، فالدين هو الوعي الأوّل و غير المباشر للإنسان، أي الوسيلة التي يتّخذها الموجود البشري في البحث عن نفسه "جوهر الدين". فالدين يعدّ بمعناه الإنساني قمّة الوعي بالطبيعة و الماهية الجوهرية للإنسان و الدين بهذا المعنى يمكن أن نلتمس جذوره من بعض الشذرات لهيقل إذ كتب يقول "لا يجب أن يقتصر الدين على العقائد الجامدة، و لا يجوز تعلّمه من الكتب و لا يجب أن يكون لاهوتيا بل بالاحرى أن يكون قوّة حيّة تزدهر في الحياة الواقعية للبشر أي في عاداتهم و تقاليدهم و أعمالهم و احتفالاتهم ، يجب أن لا يكون الدين أخرويّا بل دنيوّيا إنسانيا و عليه أن يمجّد الفرح و الحياة الأرضية لا الألم و العذاب و جحيم الحياة الأخرى "و في هذا النصّ وجد الشباب الهيقلي إنجيل تأليه الإنسان فالدين عند هيقل هو صورة الوعي بالذات وهو من عوامل تأصيل الإنسان و تثبيته على الأرض لأنّ الدين مقرّه القلب رمز كلّ ما هو حيّ و تحويل الدين إلى لاهوت جامد يعني تحويل بصر الإنسان عن الأرض إلى السماء حيث عالم الماوراء عالم اغتراب الإنسان و شقائه. خلاصة القول إنّ الفكر الديني يرتبط ارتباطا عضويا بالمعتقد و يبرّره و يطبّقه في شكل طقوس و صيغ ثابتة لذلك فإنّ عملية تحديد وظيفة الدين لا تخلو من أشكال و الجدال فالبعض يختزل وظيفة الدين في تعيير التجربة الإنسانية و تحديد الغايات القصوى للوجود الإنساني و يرى البعض الآخر أنّ تحقيق الانسجام و الوحدة في النسيج الاجتماعي هي الوظيفة الأساسية للدين و يذهب علم النفس الى حدّ الإقرار باضطلاع الدين بتحقيق التوازن النفسي رغم وهميته و ثمّة من يرى أنّ للدين وظيفة ايديولوجية تتعلّق بتبرير و تأييد واقع الحياة و التناقضات مثلما هو الأمر لدى ماركس. فهل يصبح الإنسان سويّا إذا نزعنا عنه بعده الأسطوري و الديني ؟ إنّ القيمة النفعية للدين من وجهة نظر نفسية تبدو ذات أهمّية بالغة و من هنا يتجلّى جدوى الاعتقادات الدينية بقطع النظر عن صدقها أو زيفها برغم كلّ هذه الأسئلة المنقوصة و ما يقابلها من أجوبة مبتورة و ظرفية فإنّها لا ترقى إلى ما يطمح إليه فرويد من إعادة تشكيل للإنسان الحرّ.
VI ـ في تقاطع الصورة و المشهد:
تمثّل الدعاية أسلوبا من أساليب الاتّصال بالجماهير و الأفراد لحملهم على اعتناق فكرة أو تبنّي رأي أو سلوك معيّن من خلال خلق جوّ من الترغيب بالاستفادة من كلّ تقنيات التأثير المتاحة، و الصورة هي أبرز ما تتوسّله الدعاية في أشكالها المختلفة اليوم وفق ما يشير اليه "ريجيس ديبراي" حين يقول: "الصورة هي تضع أسطورة العصر الحديث و ليست الكلمة" و في موقع آخر من كتابه "حياة الصورة و موتها" و تحديدا في مفتتح الأطروحة الثانية:" الصورة على عكس الكلمات في متناول الجميع" فهي في مستوى التلقّي متاحة لكلّ الناس و أثرها أعمق في النفوس إذ تخلق الرغبة و تعيد إنتاجها و تستمدّ الاستراتيجيات الإشهارية معظم عناصرها من قدرة الصورة على المغالطة و توجيه سلوك المستهلك من خلال ما يسمّى بالتسوّق Markiting ذلك أنّ الإنسان الذي يتوجّه إليه الإشهار لا يفكّر عبر البرهنة المنطقية و إنّما يفكّر من خلال الصورة لذلك لا تقدّم لنا الصورة الإشهارية دلائل و براهين و إنّما تبهرنا بصورة محمّلة بأحكامنا و أعرافنا الجاهزة و نماذج عيشنا فنحن نلاحظ مثلا أنّ فكرة النظافة عند الغرب في الستينات من القرن الماضي ارتبطت باللون الأبيض الناصع و بالروائح العطرة لذلك فإنّ الصورة الإشهارية تقدّم مواد التنظيف في علاقة بالبياض لكن في الثمانينات و مع استفحال ظاهرة التلوّث و تطوّر الحسّ البيئي أصبح الإشهار يقدّم لنا مواد التنظيف خالية من الفسفاط و المواد الكيميائية، فالصورة تقدّم منتوجا مثلما بين "رولان بارط" لا يحيل الى وظيفة و نحن لا نشتري سيّارة بل نشتري إغراء الناس. هكذا تشتغل الصورة / الوهم اليوم و هكذا اطّردت الدعاية الحقيقة و أحلّت مكانها الوهم لكن الأوهام أصبحت شرطا للثقافة و المجتمع و نماذج للتلاعب بالفرد و العقول علينا الانتباه الى بنية الصور و أشكال اشتغالها لأنّ لها وظائف دالّة ضمن الوضعيات التي ترتبط بها داخل نسيج العلاقات بين الأفراد أو المجتمعات فالصور تحيل على كلام تضميني يسعى السيميولوجي الى تفكيك دلالته ممّا يعني أنّ الصورة تنفرد عن غيرها من الوسائط بقوّتها الترميزية البالغة التأثير و لعلّ ذلك ما يبرّر ارتباطها تاريخيّا بالفنّ و الدين و حضورها اليوم كتجسيم لقوّة الإنسان التقنية، إنّها تتمتّع بسلطة رمزية مهما كان الوسط الذي تتنزّل فيه و الوضع لتاريخي الذي تربط به و لعلّ هذا ما عمل "ريجبيس ديبراي" على تبيانه حين كتب يقول "أن الصورة وسيلة بشر لا وسائل لهم" . أليس الإنسان هو من ينشد إلى الصورة لسحر فيها تفتنه فتعكس صورته الحضارية و يفتنها إذ يطوعها حتّى يكون بها كائن ثقافة و يتوسّلها ليحقّق عبرها تواصلا مع ما قد يستعصى على التواصل. لكن ما السبيل لمواجهة هيمنة عالم الصورة حتّى يستعيد الإنسان ذاته ؟ في نفس السياق يعمل "غي ديبور" في كتابه "مجتمع المشهد" على رصد شكل آخر تتوسّله الدعاية متمثّلا في المشهد و قد يتبادر للأذهان أنّ المشهد هو المجموع المشكل من الصور إلاّ أنّه ينبّهنا في الأطروحة الرابعة فيقول: "ليس المشهد مجموع صور. و إنّما علاقات اجتماعية بين أشخاص توسطّتها صور" و هو ما يعني أنّه يمكن أن تغيب الصورة دون أن يغيب المشهد فعند متابعة استعراض عسكري فنحن لسنا إزاء صورة و إنّما إزاء نسق من العلاقات و الطقوس فالمشهد يتضمّن مقاصد العرض و دور المشاهدة و مضمون و شكل المشهد و في موقع آخر يكتب فيقول: "إنّ المشهد هو الطور الذي تمكّنت فيه البضاعة من السيطرة الكلّية على الحياة الاجتماعية" أو هو كلّ ما انفصل عن الإنسان ليعرض أمامه و ينتصب قبالته أي هو المظهر الذي يعبّر عن اغتراب الإنسان و انفصاله عن ذاته و عن شبيهه كما عن عالمه فالمشهد ليس إلاّ تضاريس حرب ضروس بين البضائع و السّلع حوّلت الإنسان الى مجرّد كائن ارتكاسي أصابته شظايا المشهد فحوّلت عقله الى عقل بضائعي و أغلقت أمامه سبل التواصل مع ذاته. و لعلّ قيمة الكتاب تكمن في دعوتنا الى التحرّر من سلطة المشهد من خلال العمل على تقويض شروطه الموضوعية أملا في استعادة ما غيّبه في الإنسان لأنّ ما يتعيّن إدراكه أن التواصل حوار و هدف الحوار إفساح المجال أمام البشر للتعرّف و التعارف المتبادل كمقدّمة للفهم و التفاهم و حتّى يكون الحوار حوارا كونيّا لا بدّ أن يتأسّس على الحقيقة و الحريّة لا على أشكال الإلزام القسري التي تفرضها الوسائط الحديثة التي يحرّكها الايديولوجي بغاية التحكّم في ردود الأفعال من خلال خلق حالات التنميط السلوكي. إنّ التواصل الذي ينجزه المشهد لا شخصي بحيث أنّ المشهد لا يتوّجه إلى شخص محدّد و لا تكون ملامح المتلقّي معلومة و واضحة بل يتوجّه إلى عدد كبير من الأفراد بواسطة نسق خطابي و تركيب لمجموعة من الرموز و الدلائل المبنية على قواعد السياق و التشكيل البصري و تشتغل هذه العناصر وفق سنن خاصّة تختلف عن السنن اللفظية و ينتهي المشهد وفق ما يحدّد "غي دي بور" إلى شخصنة البضاعة و بضعنة الإنسان بالاعتماد على استراتيجيات التعمية التي تعمل على إخفاء الطابع الاقتصادي للسلع و التستّر على خلفياتها المادية و تغليفها بالقيم لذلك فإنّ السبيل الوحيد للتخلّص من "الإرهاب" اليومي للمشهد الذي يسخّر كلّ وسائل الاتّصال الجماهيري هو العمل على مداهمة سميائية هذا الخطاب و فضحها تمهيدا لزوال شروط وجودها الموضوعية و من ثمّة تشكيل أوجه للتواصل الكوني القائم على المشهد الذي يعيد الاعتبار لما هو إنساني في الإنسان .
خاتمة: جنائزية الرّاهن.
تطلّ علينا الألفية الثالثة بخطاب جنائزي يعشق منطق النهايات، نهاية التاريخ الايديولوجيا، الأفكار، الرؤى، خطاب يبتلع الخصوصيات الحضارية و الثقافية تحت عنوان ما هو كوني، و يؤجّج حيرة تعكس أشكال الاستلاب المتزايد الذي بات يطبع وجودنا المعاصر. فهل يعود إحساس الإنسان اليوم بفقدان المعنى الى تأرجح أنظمته الرمزية بين المنتظر و المآل؟ و هل يستطيع الانسان أن يرسم بدايات أخرى مغايرة لإرثه الإنساني و الحضاري ؟ أي شيء ينتظره الإنسان من أنظمته الرمزية يبدو أنّ المطلوب سواء كان منشودا أو وهما أو حلما طوباويا فإنّه يعكس أزمة السؤال عن الإنسان ضمن اللحظة الراهنة ليتوّج بؤرة تاريخية هي شهادة ميلاد للعدمية الجديدة عبر ثنايا الفراغ الذي عقب اندثار الاله ألم يقل "ميشال فوكو" في الصفحات الأخيرة من كتابه "الكلمات و الأشياء" "ليس غياب الله أو موته هو المؤكّد بقدر ما هي نهاية الانسان" و يكمن هاجس العدمية في الدعوة إلى إنسان جديد يولد على أنقاض جثّة الإنسان الميّت سليل العقلانية و الحداثة، ذاك هو فوكو العدمي المتمرّد قتل الإنسان و احتضن قتيله الى درجة إحيائه من جديد و ربّما هذا ما قصده القول النيتشي "مات الإله و لكن ستكون هناك ربّما طيلة آلاف السنين مغارات يعرض فيها ظلّه و تلك هي طبيعة الناس، أمّا نحن فيجب علينا أن نهزم ظلّه " إنّ الإنسان الذي ينتهي عند فوكو هو ذاك الغريب عن ذاته إذ يقول: "ما يجب أن أكون أنا الذي أفكّر؟ أنا الذي أكون أنا فكري كي أكون ما لا أفكّر و كي يكون فكري ما لست أنا كائنا فيه ". إنّ الموت الذي يعلنه نيتشه أو فوكو ليس انسداد كينونيا بل هو صرخة الفلسفة التي لا تبدأ إلاّ لحظة تقويض مركزية الحقيقة و استبدادية التاريخ و نرجسية الثقافة ذاك هو الفكر الذي ينسحب من تلك الشواطئ التي أقام فيها طويلا إنّه فكر يرتّل على مسامعنا نعي و أفول المفاهيم الكلاسيكية للإنسان و التاريخ و اللغة و التواصل و يصدر في حقّها بطاقات الوفاة الرسمية. هكذا يبدو السؤال عن الإنسان اليوم ممرّا يحملنا على معاودة ذواتنا المترحّلة في ثنايا الغير و الآخر و المعنى و الخير و السّعادة و الجمال و المقدّس رغم كونها جميعا كما علّمتنا دروس فوكو مواليد تترصّد السلطة ولادتها و تحوّلها الى استراتيجيات للنفي و الإقصاء ذاك هو حال الوسائط الرمزية التي صاغها الإنسان تضطلع دائما بازدواجية التواصل و انسداده ففي علاقتنا بهذه الأنظمة نتأرجح بين الحدّ الإنساني و الحدّ اللاإنساني فينا و علاقتنا بالآخر تتحدّد بالحدّين بين هذا الحدّ أو ذاك. بعدئذ: " نحن نعلم جيّدا أنّه ليس لنا الحقّ في أن نقول كلّ شيء". ميشال فوكو: نظام الخطاب ص: 110.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق