إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الجمعة، 6 مارس، 2009

الفلسفة في مواجهة عنف المغالطة

الفلسفة في مواجهة عنف المغالطة من خلال " الدحوضات السفسطائيّة " لأرسطو
إعداد و تقديم الأستاذ: شكري مليكة     المعهد النموذجي بسوسة
" يكمن دور الفلسفة في كشف الأقنعة عن العنف حيثما كان، سواء تخفى في الكلام الخطابيّ و السفسطائيّ أو منح لنفسه مظهر الحقيقة " البديهيّة" " أريك فايل، الفلسفة و الواقع.
توضيح: إنّ الغرضَ من هذه المحاولة ليس اقتراح تمشٍّ في تناول عنصر " الوعي بالمغالطات " المتعلّق ببرامج الثالثة ثانوي بكلّ شعبها، من خلال مَفصلةٍ إشكاليّة لمختلف المعاني التي يتضمّنها، لأنّ ذلك أمر يبقى موكولاً لحريّة الأستاذ، و متعلّقا باختياراته الفلسفيّة الشخصيّة، كما أنّه أمر يبقى مشروطا بصدور الكتاب المدرسيّ و ما سيحتويه من سنداتٍ و من نوافذ تُنير عمليّة توظيفها. كما أنّ غرض هذه المحاولة لن يتعلّق بمقاربة هذا العنوان (الوعي بالمغالطات) بالعودة إلى اليوميّ للتنقيب في بنيته و تفكيك آليات عمله لرصد تجليات حضور المغالطة في نطاقه من خلال الصحافة و السياسة و الإشهار و الإنتاج التلفزيونيّ
و أشكال التواصل المتداولة في الأسر و المدارس و المصانع و الملاعب و المقاهي... لأنّ مثل هذا الغرض يتطلّب بحثا ميدانيّا و عملا على وسائط ثقافيّة عديدة لا يتحقّقان إلاّ من خلال جهد جماعيّ. إنّ غرض هذه المحاولة لن يتجاوز حدود النظر في دواعي الاهتمام الفلسفيّ بالمغالطة باعتماد مثال معيّن هو " الدحوضات السفسطائيّة " لأرسطو من مدوّنته المنطقيّة " الأرغانون" و إبداء بعض الملاحظات النقديّة في شأن قيمة إسهامه و مدى قدرته على استيفاء مطلب الاهتمام بالمغالطة. و لهذا ستتألّف هذه المحاولة من ثلاث لحظاتٍ أساسيّة هي:
I ـ دواعي الاهتمام فلسفيّا، اليومَ، بالمغالطة.
II ـ المغالطة: دلالتها، و آليات عملها، و وسائل إحباطها من خلال " الدحوضات السوفسطائيّة " لأرسطو.
III ـ قيمة الإسهام الأرسطي في التفكير في المغالطة اليوم.
I ـ في دواعي الاهتمام فلسفيّا بالمغالطة اليوم:
يبدو من غير الوجيه إعادة دفع الاهتمام بالمغالطات في الخطاب في عصر أضحى فيه الاحتواء الايديولوجيّ للأفراد و مراقبتهم سلطويّا يتمّ بآليات مرهفة و خفيّة لا تلجأ إلى الخطاب بشكلٍ أساسيّ على نحو ما كان سائدا في السابق، إذ الهيمنة على الإنسان كما بيّن ذلك النقد الفلسفيّ و السوسيولوجيّ مع ماركوز و آدرنو و هابرماس و فروم و بودريار و بورديو و فوكو... أضحت تعتمد: رغد العيش الذي حوّل الوفرة في المجتمع الاستهلاكيّ و ما يرتبط بها من رفاهيّة و تسلية و ملذّات و أناقة... إلى إيديولوجيا جديدة تجعل من المنتجات نفسها و اقتنائها تكييفا للحساسية و للفكر و للسلوك فيتوهّم الأفراد أنّهم يحيون في أفضل العوالم الممكنة و ينعمون بالمساواة و الحريّة و السّعادة. يقول ماركوز (الإنسان ذو البعد الواحد) " إنّ المنتجات تكيّف النّاس ذهنيّا و تشرّطهم و تشكّل وعيا زائفا عديم الإحساس بِما فيه من زيف." سلطة الصورة من خلال الدعاية و الإشهار و الإعلام التي تحوّلت بحكم بنائها و كثافة دفق بثّها إلى ضرب من غسيل الدماغ الذي يصيب الأفراد و يسلب قدرتهم على التفكير بوضوح و الحكم بشكلٍ مستقلّ. يقول اريك فروم (إمّا الامتلاك أو الكينونة) " إنّ الأساليب الإيحائيّة شبه التنويميّة المستخدمة في الإعلانات التجاريّة و الدعاية السياسيّة تعدّ خطرا كبيرا على الصحّة العقليّة، و خصوصا على الصفاء الذهنيّ و التفكير النقديّ و استقلاليّة الوجدان." الإخضاع السلطويّ للأجساد الذي يهدف إلى التحكّم في أدقّ حركات الأفراد و أفعالهم و إشاراتهم من خلال إجراءات انضباطيّة تعضدها مراقبة مستمرّة للسيطرة على الإنسان وعياً و جسدا فيكون نافعا و طيّعا في آن. يقول فوكو (أقوال و كتابات) " إنّ الكيفيّة التي يُراقب بها فردٌ ما، و يضبط بها تصرّفه و سلوكه و استعداداته، و الكيفيّة التي بها يتمّ الزيادة من كفاءته و مضاعفة مهاراته، و الكيفيّة التي بها يوضع الفرد في المكان الذي يجعله الأكثر فائدة: هذا هو الانضباط في نظريّ." إنّ هذا الاعتراض، على وجاهته، لا يفرغ الاهتمام بالمغالطة من أهميّتها لأنّه بالرغم من أنّ العلامة في عالم الإنسان اليوم أصبحت مفتوحة على الصورة و البضاعة و الفعل إلاّ أنّ الكلمة لا زالت تقوم فيها بدورٍ مركزيّ. فهذه التقنيات السلطويّة في توجيه الوعي و السيطرة على الأجساد فضلا عن كونها متقاطعة و متعاضدة يسند بعضها بعضا فإنّها لا يمكن أن تتحقّق دون خطابٍ يحثّ عليها و يبرّرها: فرغد العيش يتحرّك في إطار ايديولوجيا كما بيّن ذلك بودريار هي " ايديولوجيا الجسد " تجد تبريراتها في خطاب حاضرٍ في الإشهار و البرامج التلفزيونيّة و الصحف و المجلاّت و المحادثات اليوميّة بين الأفراد. و لا يتحقّق تأثير الصورة و خاصّة في الدعاية السياسيّة و في الإعلام دون خطاب سياسيّ يحاول التأثير في الحشود استمالة الناخبين و خطاب إعلاميّ يحلّل الأحداث و يعلّق عليها. و لا يتجلّى الإخضاع السلطويّ للأجساد واقعيّا كعلاقة صراع بين القوى في العلاقات المعرفيّة و الجنسيّة و الاقتصاديّة و الأسريّة ... إلاّ من خلال صراع بين خطابات متضادّة، فالنساء مثلاً في مقاومتهن للهيمنة الذكوريّة يرفعن شعارات و يصغن خطابا مضادّا للخطاب المبرّر لتلك الهيمنة. إذا كانت الكلمة لازالت تمثّل محور عالم الإنسان و صيغ التواصل بينه و بين الإنسان، فإنّ ما يمكن معاينته في شأن آليات عملها و قيمتها أنّها موسومة بالعنف. و أخطر أشكال عنف الكلمة لا يكمن في تلك الصيغ المكشوفة و العارية مثل التجريح و التحقير و الكراهية و الشتم... بل في المغالطة التي تختفي خلف شكل الاستدلال المتماسك و السليم و تزعم أنّها تبرهن بشكلٍ عقليّ تحقيقًا للإقناع و الحال أنّها لا تنتج إلاّ استدلالات فاسدة تتحرّك بين مقدّمات و نتائج زائفة رهانها في ذلك الـتأثير في الإنسان قصد تضليله حتّى يكون ذلك معبرا نحو تحقيق مصالح محدّدة. إنّ المغالطة هي أخطر أنواع عنف الكلمة لأنّها توهم أنّها تستدلّ و تقنع و تزعم أنّها تقدّم الحقيقة و تحرّر من الوهم و الخطأ و الحال أنّها تغالط و تؤثّر و تمنح الوهم كشرطٍ للإخضاع. و هذا العنف يسكن عالمنا و يلازم كلامنا و تواصلنا. فيتجلّى في خطب السياسيين و وعظ الفقهاء و الحوارات التلفزيونيّة و سجالات المثقّفين و شعارات الإشهار و التعبئة الدعائيّة و تصريحات رموز الثقافة الجديدة من رياضيين ومطربين و ممّثلّين و صحفيين و سياسيين... الذين قال عنهم ميشال هنري " كلّ الذين يقدّم إليهم المصدح، هؤلاء الكهنة الجدد المفكّرون الحقيقيّون لزماننا" إنّ عنف المغالطة باعتباره أخطر أنواع العنف كانت الفلسفة منذ أفلاطون و أرسطو في إطار صراعهما ضدّ السوفسطائيّة أوّل من انتبه إلى خطورتها على الإنسان و نبّه لها. و هذا الأمر لم يكن عرضيّا بالنسبة إلى الفلسفة لأنّه من صميم هويّتها كخطاب لا يتحدّد إلاّ في اختلافه عن العنف و تناقضه معه و عمله على إنهائه، فقد كانت و لازالت و ستكون خطاب العقل في مواجهة العنف. يقول اريك فايل في مؤلفه "الفلسفة و الواقع": " يطرح العنف و استعماله على الفلسفة مشكلا على درجة عالية من الخطورة و في العمق نظرا إلى كون الفلسفة لا تؤسّس لذاتها و لا تفهم نفسها إلاّ في إطار التعارض مع العنف و استعماله من حيث هي تحديدا إرادة تنشد خطابا كونيّا."و يتضّح ممّا سبق أنّ النشاط الفلسفيّ الراهن لا يُمكنه في رهانه على كشف كلّ الأقنعة التي يختفي وراءها عنف الخطاب اليوم إلاّ أن يستفيد من كلّ النقد الذي استهدف المغالطة عبر كلّ تاريخ الفلسفة بدءا بالإسهام اليونانيّ، ليعمل على رصد آليات عملها المختلفة. و في هذا الإطار يُمكن للجزء السادس من " أرغانون " أرسطو " الدحوضات السوفسطائيّة " أن يمثّل عيّنة تكون رافدا لنشاط الفلسفيّ في هذه المهمّة التي يضطلع بها.
II ـ المغالطة: دلالتها، وآليات عملها وأدوات إحباطها، من خلال " الدحوضات السوفسطائيّة " لأرسطو:
رغم أنّ العنوان الجامع لأعمال أرسطو المنطقيّة وهو " الأرغانون " ليس من وضع أرسطو، و رغم أنّ التدرّج النسقيّ للأجزاء التي تبدأ من كتاب" المقولات " و تنتهي" بالدحوضات السوفسطائيّة " لا يعكس المسار الزمنيّ و التكوينيّ لهذه الأعمال، فإنّها تعبّر عن مشروع هادف إلى تحديد القواعد التي تنظّم عمليّات الفكر عند الاستدلال و تكفل حمايته من التناقض و الخلل من جهة التماسك الصوريّ لتلك العمليّات بغضّ النظر عن المضمون الواقعيّ للقضايا التي تشتغل عليها. و لئن كان هذا المشروع الأرسطيّ امتدادا لنفس الهمّ الأفلاطونيّ المتمثّل في إنقاذ النقاشات في المدينة من أخطار الخطابة السوفسطائيّة بالتأسيس للحكمة الحقّ في مواجهة سرابها الخادع كما يقدّمه السوفسطائيون للشباب الأثينيّ، فإنّ أرسطو قد اضطلع بذلك من خلال تصوّر مغايرٍ على مستوى المنطلقات و الوسائل و الغايات. إنّ فعل التفكير الذي ينبغي وضع قواعد منطقيّة صوريّة تجنّبه التناقض و الخطأ لا يتحقّق من خلال المفهوم (الحدّ)، و لا من خلال الحكم (القضيّة الحمليّة)، بل من خلال الاستدلال كعمليّة ذهنيّة ينطلق في نطاقها الفكر من قضايا أولى هي المقدّمات ليستنتج منها قضيّة جديدة هي النتيجة. إنّ هذه العمليّة الاستنتاجيّة التي تقود الفكر من معطيات انطلاق هي المقدّمات (Les prémisses)، على نحوٍ ضروريّ، إلى نقطة وصول هي النتيجة (La conclusion) هي ما يسمّيه أرسطو بالقياس Le syllogisme يعرّف أرسطو القياس في " التحليلات الثانية " بقوله: "القياس هو قول عندما نصادر فيه على بعض الأشياء، فإنّ شيئا آخر مختلفا عنها ينتج ضرورةً بواسطة تلك المعطيات المصادر عليها وحدها" إذا كان التفكير لا يكون إلاّ استدلاليا، و كان الشكل المنطقيّ للاستدلال هو القياس، وجب حينئذ تحديد القواعد المنطقيّة الصوريّة لبنائه حتّى يكون بحقّ " أرغانون " (الوسيلة) التي تقود الفكر بنظامٍ، بحسب ثلاثة محدّدات أساسيّة وهي: كمّ القضايا التي تكوّنه: إذا ما كانت كليّة (كلّ المواطنين متساوون) أو جزئيّة (بعض النّاس موسيقيون) كيف القضايا التي تكوّنه: إذا ما كانت قضايا موجبة (بعض النّاس رياضيون) أو سالبة (لا أحد من النّاس هو حيوان رباعيّ القوائم). موقع الحدّ الأوسط في المقدّمتين، فكلّ قياس يتضمّن مقدّمتين الأولى هي الكبرى(La majeure) و الثانية هي الصغرى (La mineure) و منهما يتمّ استنتاج النتيجة. ففي هذا القياس: كلّ المواطنين (حدّ أوسط) أحرار(حدّ أكبر). و كلّ الأثيينيين (حدّ أصغر) مواطنون (حدّ أوسط). إذن الأثينيون (حدّ أصغر) أحرار(حدّ أكبر) إنّ هذا القياس لم يسمح بهذا الاستنتاج إلاّ بفضل الحدّ الأوسط الذي مكّن من الربط بين الحدّ الأصغر و الحدّ الأكبر. إنّ هذه المحدّدات الثلاثة هي التي تمكّن من وضع قواعد الاستدلال و من تصنيفه بحسب أشكال des figures وضروب des modes. ففي القياس المذكور آنفا: ورد الحدّ الأوسط في المقدّمة الكبرى موضوعا، و في المقدّمة الصغرى محمولا، كما أنّ القضايا الثلاث التي تؤلّف هذا القياس كانت كليّة موجبة. إنّ هذه المحدّدات تجعل من هذا القياس أكمل أشكال الاستدلال: إنّه قياس Barbara المنتمي إلى الشكل الأوّل. و إذا كان للقياس قواعد بناء و أصناف، فإنّ له محاذير إذا ما أخلّ بها أصبح فاسدا وهي:
ـ لا يُمكن استنتاج أيّة قضيّة من مقدمتيْن سالبتيْن.
ـ لا يُمكن استنتاج قضّية سالبة من مقدّمتيْن موجبتيْن.
ـ تتطابق النتيجة كمّا و كيفا مع أضعف المقدّمتيْن.
ـ إنّ الحدّ الأوسط ينبغي أن يرد على الأقلّ مرّة واحدة كليّا.
ـ لا ينبغي للكمّ أن يكون أكبر في النتيجة من الصيغة التي ورد بها في المقدّمتيْن.
و إذا كان للقياس، كأداة لقيادة عمليّة التفكير بنظام، شروطا صوريّة واحدة ، فإنّه يختلف من حيث المادّة جوهريا بحسب مضمون المقدّمات التي ينطلق منها. فإذا كانت مقدّمات القياس يقينيّة  كان برهانيا و تنزّل في نطاق العلم و الحقيقة، أمّا إذا كانت مقدّماته القياس احتماليّة كان جدليّا و تنزّل ضمن النقاشات العامة و الخاصّة و ما يتصلّ بها من ظنون. و لكن بين هذين المجالين و هما العلم و الجدليّة و هاتين الآليتيْن في الاستدلال و هما القياس البرهانيّ و القياس الجدليّ، يتسلّل صنف ثالث للقياس يختفي تارة خلف قناع العلم و طورا خلف قناع الجدليّة وهو القياس السوفسطائيّ الذي ينطلق من مقدّمات كاذبة و لكنّه يخفي كذبها بوسائل عديدة بعضها لغويّ و بعضها منطقيّ ليخدع المجادل و يغالطه و يوهمه بصواب ما يستنتجه و الحال أنّ ما يقدّمه هو استدلال فاسد على مستوى مقدّماته و بنيته و نتائجه. إنّ المغالطة، إذن، هي استدلال يبدو في الظاهر متماسكا من حيث بنيته المنطقيّة و ظنيّا على مستوى مقدّماته و نتائجه و لكنّه فاسد صورةً و مادةً، شكلا و مضمونا، لأنّه لا يقوم إلاّ على مقدّمات كاذبة و بناء مختلاّ و نتائج مضلّلة بغاية التغليط فيكون شبيها حسب أرسطو بأشياء صنعت من رصاص أو قصدير فتبدو فضيّة أو صنعت من معدن أصفر فتبدو ذهبيّة. يقول أرسطو (الدحوضات):" و تكون خصاميّة الحجج التي تؤدي إلى نتائج أو هكذا تبدو انطلاقا من مقدّمات احتماليّة في الظاهر و لكنّها ليست كذلك في الحقيقة." و يمكن رصد عمل المغالطة في القياس الفاسد و الكشف عن آليات ذلك العمل على مستويين:
* مستوى لغويّ: يقوم على اختلالات دلاليّة تتعلّق باستغلال التباس الألفاظ لأجل التغليط (و سمّاها مؤرخو المنطق بالمغالطات اللفظيّة)
* مستوى منطقيّ: و يقوم على اختلالات منطقيّة في عمليّة بناء القضايا و الربط فيما بينها داخل الاستدلال.
(المغالطات المعنويّة) غير أنّ أرسطو لا يكتفي برصد المغالطات و إزاحة الستار عن آليات التغليط فيها بل يعمل على وضع أدوات مضادة بها يُمكن للمشارك في النقاش أن ينجوَ من تأثيرها و يردّها و يكشف عن المناورات التضليليّة التي اعتمدتها.
ـ المغالطات التي تتعلّق بالخطاب (المغالطات اللفظيّة) يرصد في هذا النطاق ستّ مغالطات وهي: الاشتراك، و الاشتباه، و التركيب، و التقسيم، و النبرة، و صورة الكلام.
أ ـ الاشتراك / L'homonymie تقوم هذه المغالطة على بناء المقدّمات في الاستدلال باستغلال ما يوجد من تعددّ المعاني بالنسبة إلى اللفظ الواحد. فلفظ واجب مثلا يفيد في آن واحد: ما يكون وجوده ضروريا، و ما يجب على الإنسان الالتزام به أخلاقيّا، و لكنّ المغالط يستغلّ هذا الاشتراك ليبني الاستدلال الفاسد التالي: إنّ الأشياء التي يجب أن تكون هي خير. و الشرور يجب أن تكون. إذن الشرور خيرٌ. إنّ الحلّ المضاد لهذه المغالطة، كما يقترحه أرسطو، هو أن تكون إجابة المجادل متعدّدة المعنى حتّى تتصدّى لهذا الالتباس. فعند استنتاج أنّ الشرّ خير، فيجب الردّ، الشرّ يجب أن يكون باعتبار أنّ وجوده ضروريّ و لكنّه ليس ما يجب على الإنسان أن يلتزم به فيكون خيرا.
ب ـ الاشتباه / L'amphibolie إنّ المقدّمة قضيّة حمليّة يتمّ الربط في نطاقها بين ألفاظ ربطا يمكن أن ينجرّ عنه غموض في المعنى فيبقى ملتبسا يفهم على أنحاء مختلفة، وهو ما يتعمدّه المغالط ليبني استدلالات فاسدة لتضليل مجادليه كأن يقول: أليس ما تقول أنّه موجود تقوله عن وجودك. و بما أنّك تقول إنّ هذا الحجر موجود.. إذن، أنت تقول أنّك حجر. إنّ الحلّ الذي يقترحه أرسطو لمواجهة المغالطة هو ذات ما قدّمه بالنسبة إلى مغالطة الاشتراك وهو رصد موضع الالتباس في القياس و الردّ عليه على نحو مزدوج بالقول: نعم إنّ ما أقوله عن نفسي أنّه موجود هو موجود حقّا، و لكن ليس ما أقول أنّه موجود عموما ينطبق عليّ.
ج ـ مغالطة التركيب / La composition يمكن أن يلجأ المغالط في جداله إلى التركيب بين عدد من القضايا لكلّ منها معنى محدّد تركيبا يحوّلها إلى قضيّة ملتبسة المعنى فيستغلّ هذا الالتباس للتغليط كأن يقول لك: إذا أمكننا حمل جسم يزن خمسين رطلا. و إذا أمكننا كذلك حمل جسم ثان له نفس الوزن، و إذا أمكننا حمل جسم ثالث و آخر رابع لهما نفس الوزن. إذن يمكننا حمل ثقل يزن أربع مئة رطل. إنّ هذه النتيجة راهنت على لبس المعنى فأخذت حمل أجسام متفرّقة على أنّه حمل لثقل واحد، و يكون إبطال ذلك باللجوء إلى التقسيم من خلال تحليل ما ركّبه المجادل و بيان أنّ الأمر يتعلّق بقضايا منفصلة لكلّ واحدة منها دلالتها الخاصة فيكون الردّ عليه بأنّ حمل أجسام يزن كلّ واحد منها خمسين رطلا بشكل منفصل لا يعني أنّ الإنسان قادر على حملها جميعا في نفس الوقت.
د ـ مغالطة التقسيم / La division و تتمثّل في استدلال فاسد تُستنتج فيه القضيّة من تحليل المعطى و تقسيم عناصره والحكم على كلّ عنصر من هذه العناصر بما يوهم أنّ الحكم ينطبق على المعطى الأوّل قبل تحليله. كأن يبني المغالط استدلاله على هذا النحو: يتألّف العدد خمسة من العددين ثلاثة و اثنين. و العدد ثلاثة فرديّ، و العدد إثنان زوجيّ. إذن، العدد خمسة فرديّ و زوجيّ في آن واحد. و يكون إبطال مغالطة التقسيم باعتماد الآليّة المضادة وهي التركيب بحيث يتمّ التشديد على أنّ الأحكام التي تنطبق على عناصر شيء ما بعد تحليله لا تنطبق على الشيء في وحدته قبل تحليله إلى تلك العناصر. فالعدد خمسة ليس العدد إثنان الزوجيّ و لا هو بالعدد ثلاثة الفرديّ بل هو عدد قائم بذاته و فرديّ و لا يمكن أن يكون فرديّا و زوجيا في آن واحد.
هـ ـ مغالطة النبرة / L'accentuation و تتمثّل هذه المغالطة في استغلال كيفيّة التلفّظ بالعبارة لإحداث لبس ما يعتمد في بناء استدلال بغاية تغليط المجادلين، كأن ينطلق المتحدّث من هذه القضيّة " أ النّاس سواسية " دون تلفّظ واضح بالألف الاستفهاميّة فتبدو للمستمع و كأنّها قضيّة تقريريّة تؤكّد المساواة بين النّاس و الحال أنّها قضيّة استفهاميّة تتساءل إذا ما كان النّاس متساوين أم لا. و يعتبر أرسطو هذه المغالطة نادرة، و أمر كشفها سهلا.
و ـ مغالطة صورة الكلام / La forme du discours إذا كانت القضيّة المنطقيّة في كلّ استدلال هي حمليّة يتمّ في إطارها الربط بين موضوع و محمول طبقا للمقولات العشر كما حدّدها أرسطو فإنّ المجادل يلجأ إلى الخلط بينها قصد التغليط فيقدّم الكمّ و كأنّه كيف، و الفعل و كأنّه انفعال، و الوضع و كأنّه ملك، و الجوهر و كأنّه علاقة. ففي هذا الاستدلال يلجأ المجادل إلى الخلط بين الفعل و الكيف فيقول: إذا أهداك أحدهم خلاّ فأنت تكون قد حصلت عليه. و إذا تخمّر هذا الخلّ و أصبح خمرة. إذن، فأنت لم تحصل على ما حصلت عليه. و لا يمكن إبطال هذه المغالطة إلاّ بتمييز دقيق بين هاتين المقولتين و هما: الفعل، و الكيف لينهار هذا الاستنتاج و يظهر غلطه.
* المغالطات التي تتعلّق باختلالات منطقيّة في بناء القياس عند الاستدلال (مغالطات معنويّة) يرصد أرسطو في هذا النطاق سبع مغالطات وهي: العرض، الخلط بين المطلق و النسبيّ، مغالطة تجاهل المطلوب، المصادرة على المطلوب، النتيجة، أخذ ما ليس بعلّة على أنّه علّة، الجمع بين المسائل في مسألة واحدة.
أ ـ مغالطة العرض / L'accident تقوم نظريّة أرسطو في المقولات على التمييز بين المقولة الأولى وهي الجوهر و المقولات التسع الأخرى باعتبارها تمثّل أعراضا لذلك الجوهر. و في هذه المغالطة يلجأ المجادل في استدلاله إلى نفي هذا التمييز و أخذ أحد أعراض شيء ما على أنّه جوهره و الشيء ذاته. ففي هذا الاستدلال: كوريسكوس مختلف عن سقراط. وسقراط إنسان.. إذن، كوريسكوس مختلف عن الإنسان. و في هذا الإطار يتضّح الخلط المتعمّد بين أحد أعراض كوريسكوس وهو اختلافه عن سقراط و بين صفة إنسانيّة كجوهر لسقراط و لكلّ إنسان. و إبطال هذه المغالطة يكون ببيان أنّ ما يصحّ على أحد أعراض الشيء لا يصحّ على الشيء ذاته بحيث لا يمكن استنتاج من اختلاف كوريسكوس عن سقراط، وهو أمر صائب، أنّه ليس بإنسان، وهو قول خاطئ.
ب ـ مغالطة الخلط بين المطلق و النسبيّ: و تتمثّل هذه المغالطة في التعامل مع معنى اللفظ دون تحديد لمداه الدلاليّ فيتمّ الخلط بين معناه النسبيّ المشروط بحدود معيّنة و معناه المطلق دون حدّ، مثل القول: الهنديّ أسود البشرة. و لكنّه أبيض الأسنان. إذن الهنديّ أسود و أبيض في آن واحد. ففي هذا الاستدلال الفاسد جعل المغالط من البياض وهو نسبيّ يقف عند حدود الأسنان، ليعمّمها على لون الهنديّ بإطلاق. و لإبطال هذه المغالطة ينبغي تحديد زاوية النظر و العلاقة و الكيفيّة و المدّة الزمنيّة التي يكون من خلالها ذلك القول صائبا حتّى يتسنى التمييز إن كان معناه ينطبق على الشيء بإطلاق أم بشكلٍ نسبيّ و مشروط.
ج ـ مغالطة تجاهل المطلوب: و تتمثّل في تجاهل المجادل للقضيّة المطلوب الاستدلال على صوابها ليتّجه نحو إثبات صواب شيء آخر مغاير لها، ففي هذا الاستدلال: إنّ من يعرف أ يعرف الشيء المسمّى بـ  أ. و لكن من يعرف أنّ كوريسكوس هو كوريسكوس يمكنه أن يجهل أنّه موسيقيّ. إذن من يعرف أ هو جاهل بـ أ. هناك تجاهل لما هو مطلوب، فهو بدل أن يثبت أنّ المعرفة بكوريسكوس هي جهل به، يتجاهل ذلك ليثبت أنّ الجهل بأحد أعراض كوريسكوس هو جهل بكوريسكوس نفسه. و لا إبطال لهذه المغالطة إلاّ برصد إن كان الأمر يتعلّق بنفس المحمول من نفس زاوية النظر، و في إطار نفس العلاقة و نفس الزمان و نفس الكيفيّة بحيث يتيح له ذلك أن يبيّن أنّ ما أبطله المجادل هو العلم بأحد أعراض كوريسكوس و ليس بكوريسكوس نفسه.
د ـ مغالطة المصادرة على المطلوب / La pétition de principe تحدث هذه المغالطة عندما يلجأ المجادل إلى التسليم منذ المقدّمتين بما يتّجه إلى البرهان عليه بواسطتهما في النتيجة، ففي هذا الاستدلال: كلّ إنسان بشر، و كلّ بشر عاقل، إذن كلّ إنسان عاقل. و يتّضح الخلل المنطقيّ القائم في بناء هذا الاستدلال من الطابع التوتولوجيّ للمقدّمة الأولى: كلّ إنسان بشر، و من المصادرة على المطلوب الكامنة في المقدّمة الثانية: كلّ إنسان عاقل، التي تسلّم بمضمون النتيجة التي سيُبرهن عليها فتكون النتيجة حاضرة فيها قبل الانتقال إليها. و يكون إبطال هذه المغالطة برصدها و بيان أنّ ما قدّمه المجادل هو تكرار لأحدى المقدّمتين دون استدلال على النتيجة.
هـ ـ مغالطة النتيجة: و تحدث هذه المغالطة عندما ينطلق المجادل من علاقة سببيّة بين السبب أ و النتيجة ب ليجعلها علاقة متبادلة بينهما بحيث كلّما وجد ب دلّ ذلك على وجود أ. ففي هذا الاستدلال: إنّ الحمّى تجعل الجسم حارّا، و بما أنّ الجسم حارّ، إذن فهو محموم. وهو استنتاج مغالط لأنّه إذا كانت الحمى تجعل الجسم حارّا، فإنّ ذلك لا يعني أنّه كلّما كان الجسم حارّا لا بدّ و أن يكون محموما لأنّ حرارته يمكن أن تنجم عن عوامل أخرى.
وـ مغالطة أخد ما ليس بعلّة على أنّه علّة. تحدث هذه المغالطة عندما يحاول المجادل إثبات ما يريد البرهان عليه بردّه إلى علّة غير علّته الحقيقيّة كأن يتّجه إلى إثبات أنّ تكوّن الماء مردّه تحوّل الهواء إلى ماء بفعل اشتداد البرودة وهو غلط يعلّل تكوّن الماء بغير علّته لأنّ علّة الماء هي في تجمّع ذرّات البخار الموجودة في الهواء.
ز ـ مغالطة جمع المسائل في مسألة واحدة وهي طريقة مغالطة في توجيه النقاش تعتمد دمج عدد من الأسئلة في سؤال واحد لطرحه على المجادَل فلا يميّز بينها فيقع في الغلط و يناقض نفسه بنفسه مهما كانت إجابته. فعندما يطرح عليه هذا السؤال: هل أنّ الملذّات الحسيّة و الملذّات العقليّة خير أم شرّ ؟ فإنّ المجادل إن هو أجاب: بأنّها خير كان مخطئا لأنّ اللذّة الحسيّة مقارنة بالعقليّة ليست خيرا، و إن هو أجاب بأنّها شرّ كان مخطئا لأنّ اللذّة العقليّة هي الخير مقارنة بما في اللذّة الحسيّة من شرّ. و يكون الاعتراض على هذا الصنف من الأسئلة مباشرا ببيان أنّه لا يمكن إثبات محمول أو نفيه إلاّ بالنسبة إلى موضوع واحد لا أكثر. لذلك لا يمكن التساؤل إلاّ عن الملذّات الحسيّة أو العقليّة كلّ على حدة إذا ما كانت خيرا أم شرّا. فلا إجابة، إذن إلاّ على سؤال يرتبط بعلاقة بين موضوع واحد و محمول واحد. إنّ هذا الإسهام الأرسطيّ يعدّ، في نظره كما أوضح ذلك في خاتمة الدحوضات، التتمّة الضروريّة للجدليّة في مواجهة الخطابة السفسطائيّة. فإذا كانت الجدليّة بحاجة إلى تقنيات منطقيّة تمكّن المتحاورين من الدفاع عن أطروحاتهم في إطار النقاش، فإنّ دراسة المغالطات تمكّنهم من الإفلات من حيل السفسطائي عند الإجابة عن أسئلته و كشف غلطها و إثبات ضعف مهارته المزعومة. وهو ما يبرز جدارة الجدليّة بأن تكون فنّا أصيلا في توجيه المناقشات العامة و الخاصّة و إنقاذها من عنف السفسطائيّة حتّى و إن كانت تتحرّك في فضاء الظنّ و لا ترقى إلى الحقيقة نفسها و ما تقتضيه من قياسات برهانيّة.
III ـ قيمة الإسهام الأرسطيّ بالنسبة إلى التفكير في المغالطة اليوم:
إنّ المقصد الأساسيّ لإسهام أرسطو الفلسفيّ هو وضع نظريّة في العلم يبلور من خلالها أسسه و شروطه التي تضع العقل على طريق الحقيقة اليقينيّة. و إذا كان بمؤلفه "الميتافيزيقا" قد بلور أسسه الأنطولوجيّة كعلم أسمى بالوجود من حيث هو موجود، فإنّه من خلال مؤلّفه " الأرغانون" قد حدّد الشروط المنطقيّة للعلم المتمثّل في القياس البرهانيّ. إنّ هذا الإسهام و إن كان قد عبّر عن نفس هاجس أفلاطون في البحث عن أساس وطيد للعلم الحقّ في مواجهة كلّ المعارف الظنيّة، فإنّه قد انتهى إلى نتائج أطردت الجدليّة من إطار العلم لتصبح فنّا في توجيه المناقشات العامة داخل الحياة الخاصة و العامة ليجنّب المشاركين فيها الوقوع في التناقض و يحصّنهم ضدّ المغالطة بالانطلاق من مقدّمات لا تتجاوز حدود الظنّ و الاحتمال. و لكن أيّة قيمة يمكن أن يكتسيها هذا الإسهام في اضطلاع الفلسفة بمهمّتها الأساسيّة وهي مواجهة العنف و العمل على إلغائه بما في ذلك عنف المغالطة ؟ إنّ العودة إلى تاريخ الفلسفة لا يمكن أن تتحوّل إلى نشاط مستقلّ بذاته يصبح بديلا عن فعل التفلسف نفسه، فمثلما يقول ميشال ميار" إنّ اللجوء إلى تاريخ الفلسفة لا يمكنه أن يشكّل فلسفة." و لهذا لا يمكن للعودة لأرسطو من أجل الوقوف عند تناوله للمغالطات في سياق مواجهته للخطابة السوفسطائيّة أن تكون غاية في ذاتها، بل ينبغي أن تكون في سياق حوار بين الحاضر و الماضي يجد منطلقه في إشكاليّات العصر الراهن. فاليوم يتعيّن على الفلسفة أن تضطلع بمهمّتها الأساسيّة وهي اختراق كلّ الأقنعة التي يختفي وراءها العنف، و لكنّها مهمّة تحمل وراءها تراثا نقديا جذريا أدّى إلى انهيار المشروع الميتافيزيقيّ للحقيقة سواء في صيغته الأنطولوجيّة القديمة أو الترنسنداليّة الحديثة، و حمل معه في هذا الانهيار الإرث الأرسطيّ في خصوصيّة إشكاليّته. و لكن بالرغم من كلّ ذلك فإنّ مقاصد أرسطيّة كثيرة، في اهتمامه بالمغالطات، لا زالت تحافظ على راهنيتها. وهي مقاصد تتقاطع عند تحديد المقتضيات المنطقيّة و الاتيقيّة لإنقاذ النقاش بين الإنسان و الإنسان من العنف: إنّ النقاش فضاء تواصل عموميّ يهيّئ البشر للاتّفاق و للقرار، يتعيّن حمايته من عنف المغالطة ليتمّ فيه الدفاع عن الأطروحات و مجادلتها دون تناقض أو تغليط و إن كانت تتجاوز مقدّمات الاستدلال في نطاق النقاش حدود الظنون الاحتماليّة. إنّ عنف المغالطة لا يمكن مجابهتها إلاّ بأدوات منطقيّة تكشف مدى فساد استدلالاتها سواء من جهة بنائها الصوريّ أو مضامينها الماديّة. إنّ هذه المقاصد الأرسطيّة لا يمكنها إلاّ أن تكون راهنة اليوم بحيث يمكن ملامسة صداها في النشاط الفلسفيّ المعاصر الذي يحاول أن يعبّر أنّ أعمق ما فيها من خلال تصوّر جديد للنقاش، وهو أمر يمكن معاينته (على سبيل المثال) من خلال أعمال كل من يورغين هابرماس Jürgen Habermas و كارل أوتو أبل Karl-Otto Apel باتّجاة بلورة إتيقا النقاش. فإذا تعذّر على الفلسفة أن تؤسّس للحقيقة ميتافيزيقيا انطلاقا من عقل جوهريّ و ذات مفكّرة، فإنّه لم يبق لها سوى النقاش كإطار بينذاتيّ يمكن من خلاله أن تحقّق اتّفاقا ينقذ الإنسان من العنف، و من عنف المغالطة على وجه التحديد. و لذلك يتعيّن وضع المقتضيات الأخلاقيّة و المنطقيّة التي بها يكون قادرا على الاضطلاع بهذه المهمّة: فمَن يُشارك في النقاش لا بدّ أن يصادر ضمنيّا على هذا المبدأ المعياريّ الأخلاقيّ وهو إقصاء العنف من أجل إخضاع كلّ موضوعات الخلاف لحجاج هدفه التوصّل إلى اتّفاق مشترك يحتكم إلى الاقتناع بالحجّة الأفضل، غير أنّ هذا المبدأ الأخلاقيّ لا يمكن أن يتحقّق دون نظريّة في الحجاج تعتبر أنّ النقاش ينبغي أن تقوده قواعد خاصة تجعل منه نشاطا تواصليّا يقوم على بحث جماعيّ يهدف إلى إثبات الصلاحيّة الكليّة للقضايا المطروحة، و ذلك من خلال الدفاع عنها بواسطة حجج وجيهة و مقنعة. وهي حجج يتمّ إخضاعها لنقد عقليّ يفحص تلك الأطروحات على مستوى مفترضاتها و نتائجها بواسطة حجج و التدرّج من خلال ذلك نحو اتّفاق يحظى بالاقتناع من قبل جميع المشاركين في النقاش استنادا إلى وجاهة الحجّة الأفضل. إنّ هذا التواصل البينذاتيّ في إطار النقاش يكشف عن عمل عقلٍ إجرائيّ قوامه النقد و الحجاج بحيث يُخضع كلّ الأطروحات للنقد و يكشف عن كلّ أشكال المغالطة الثاوية فيها، و يمتحن مدى جدارتها بأن تتبوّأ صلاحيّة كليّة قادرة على أن تكون محلّ اتّفاق. و بذلك يمكن محاصرة المغالطة قلا يبقى لها من إمكانية لمجاورة الحجج في النقاشات. يقول هابرماس متحدّثا عن هذا الأفق الذي تتيحه إتيقا النقاش بالنسبة إلى الإنسان في مواجهة العنف:" يتيح التفاهم البينذاتيّ حقّا إلى التوصّل إلى اتّفاق غير عنيف بفضل القوّة غير القسرية للحجّة الأفضل." (حوار مع صحيفة لوموند بتاريخ 14 / 09 / 1993) و لكن إذا كان النشاط الفلسفيّ المعاصر قد جسّم هذا المقصد الأرسطيّ في تحرير الإنسان من عنف المغالطة من خلال وضع مقتضيات منطقيّة (حجاجيّة) و إتيقيّة للنقاش، فهل تبدو هذه الشروط كافية اليوم لمواجهة أشكال المغالطة التي يتعرّض لها الإنسان و قد صارت مركّبة و خفيّة و تستعمل اللّغة على أنحاء جديدة تفلت من إطار الاستدلال و الحجاج و تتحرّك خارج التقابل بين الصدق و الخطأ ؟ ينبّهنا التحليل البنيويّ الذي قدّمه جان بودريار Jean Baudrillard للمجتمع الاستهلاكيّ أنّ أشكال المغالطة التي يتعرّض لها الأفراد في إطار هذا المجتمع قد تغيّرت آليات عملها بشكلٍ جذريّ بحيث لم يعد من الممكن مواجهتها بالأدوات التقليديّة التي تلجأ إلى المنطق و الحجاج بل هي تستدعي تحليلا بنيويا ينطلق من الحضارة الاستهلاكيّة كنسق لكشف الدلالة العميقة غير الواعية للمغالطات الزائفة التي يقع في أسرها الأفراد و يمكن إبراز هذا التمشّي من خلال القسم الثالث من مؤلّفه الذي خصّصه لتحليل و سائل الإعلام، و الجنس و الترفيه، حيث قام بتحليل الخطاب الإشهاريّ ليبرز أنّه خطاب يخرج عن إطار الصدق و الخطأ، فهو لا يقدّم استدلالات يمكن إخضاعها لتحليل منطقيّ و الحكم عليها بالصدق أو بالخطأ، وإنّما هو يقدّم خطابا أسطوريا جديدا يقوم على النّبوءة لأنّه لا يهدف إلى الإعلام أو الإقناع، فلا هدف له سوى أن يجعل المتقبّل يأمل. فهو يمنح الأمل للمستهلك في أن تحقّق له البضاعة الوعد المرتقب. إنّ الخطاب الإشهاريّ إذن هو خطاب إشارة بلا لغة و لا معنى و لا حجج قوامه أمر تكراريّ يمنح وعدا مرتقبا. يقول بودريار (المجتمع الاستهلاكيّ) " إنّ الجمل الإشهاريّة لا تفسّر و لا تطرح معنى، فهي ليست بالصادقة و لا بالكاذبة." إنّ هذا الخطاب الذي لا يفسّر و لا ينتج معنى، لا يمكن كشف المغالطات الثاوية فيه من خلال تحليل منطقيّ لبنائه بل ببحث بنيويّ يتقصّى وظيفته. عندئذ يمكن رصد المسافة الفاصلة بين الأوهام التي يحملها الأفراد عن الاستهلاك و عن وظيفته الموضوعيّة. فالاستهلاك ليس اقتناء لموضوعات و خدمات تمنح السّعادة و تحقّق الرفاهيّة و تجسّم فعليّا المساواة، بل إنّ غرضها أن تحتوي التناقضات الاجتماعيّة بتوليد الاختلاف. فالاستهلاك يتيح للأفراد و للمجموعات أن تتمايز فيما بينها و أن تتغيّر باستمرار من خلال ثورات استهلاكيّة هادئة تتمثّل في تغيير دوريّ للبضائع و للخدمات و للملابس و لأشكال الزينة و للسياّرات... و حتّى للمهارات و للخبرات. إنّ هذه الثورات داخل النظام تمكّن من احتواء التناقضات لمنعها من الانفجار و الحيلولة دون ثورة فعليّة تهدّد النظام نفسه. إنّ الإيديولوجيا لم تعد بحاجة إلى خطاب تبريريّ يلجأ إلى المغالطة في صيغتها التقليدية من أجل التضليل و تبرير الواقع السائد، لأنّ المغالطة أضحت تتحرّك على مستوى لاوعي الأفراد و تغالطهم دون أن تتحدّث إليهم. يقول بودريار(المجتمع الاستهلاكيّ) " و هكذا قد تمكّن الاستهلاك وحده من الحلول مكان كلّ الإيديولوجيات، و من الاضطلاع وحده بمرور الزمن بإدماج مجتمع بأسره كما كانت تفعل الطقوس التراتبيّة و الدينيّة في المجتمعات البدائيّة."
قائمة المراجع
Aristote, L'organon,VI Les réfutations sophistiques, traduction et notes J. Tricot ,éd Vrin 1969Jürgen Habermas, Théorie de l'agir communicationnel , éd Fayard 1987Jean Baudrillard, La société de consommation, éd Idées/ Gallimard 1970Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts- Tyteca, Traité de l'argumentation,éd de l'université de Bruxelles,1992Michel Meyer, De la problématologie, éd Pierre Mardaca 1986
مهدي فضل اللّه، مدخل إلى علم المنطق ( المنطق التقليديّ ) ، دار الطليعة، بيروت1977

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق