إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الثلاثاء، 17 مارس، 2009

في تجديل العلاقة بين الإنّية و الغيريّة

جاء في معجم لالاند الفلسفي ما يلي: "الغير هو آخر الأنا، منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا، بل بوصفه أنا آخر". و يقول جان بول سارتر: "الغير هو الآخر، الأنا الذي ليس أنا". انطلاقا من هذه التحديدات يمكن أن نلاحظ بأن الغير هو مخالف و مشابه للأنا في نفس الوقت؛ إنّه مماثل له في الإنسانية، أي يتمتّع مثله بمقوّمات الشخص من وعي و حريّة و كرامة و غير ذلك. لكنّه مع ذلك يختلف عنه في الكثير من الخصائص المتعلّقة بالجوانب السيكولوجية و الاجتماعية و الثقافية و غير ذلك. و إذا كان ديكارت قد جعل الأنا منغلقا على ذاته؛ يعيش نوعا من العزلة الأنطلوجية و الإيبيستيمية، فإنّ هيغل أعاد الاعتبار للغير و اعتبر وجوده 
ضروريا بالنسبة لوجود الأنا و وعيه بذاته. انطلاقا من هنا يطرح السؤال التالي: ماذا يشكّل وجود الغير بالنسبة لوجود الأنا ؟ أو ما الذي يميّز وجود الغير بالنسبة لوجود الأنا ؟ و إذا كانت معرفة الموضوعات الطبيعية ممكنة بفضل تطوّر العلوم الدقيقة، فإنّ معرفة الغير كوعي آخر تطرح العديد من الصعوبات؛ فهل معرفة الغير ممكنة ؟ و كيف تتمّ معرفته بوصفه وعيا ؟ غير أنّ العلاقة بين الأنا و الغير لا تنحصر في المستوى المعرفي، بل تتجلّى في مستويات عدّة؛ عاطفية و أخلاقية و اجتماعية...فما هي طبيعة العلاقة التي يجب أن تسود داخل هذه المستويات بين الأنا و الغير؟ و على ماذا يجب أن تتأسّس هذه العلاقة ؟
  І ـ وجود الغير:
* ماذا يشكّل وجود الغير بالنسبة لوجود الأنا ؟ و ما مميّزات الوجود مع الغير ؟
  1 ـ موقف مارتن هايدغر:
يحلّل هايدغر معنى الوجود مع الآخرين، فيخلص إلى أنّ الذات تفقد تميّزها و هوّيتها كاختلاف عندما تدخل في حياة مشتركة مع الغير. هكذا يتميّز الوجود مع الغير بخاصّية التباعد الذي قد يعني غياب تفاهم و تعاطف بين الأنا و الغير. فالأنا في علاقته مع الغير يوجد تحت قبضته و سيطرته، بحيث يقوم هذا الأخير بإفراغ الأنا من إمكانياته و مميّزاته الفردية و يجعله تابعا له. إنّ الغير يمارس على "الموجود هنا" هيمنة خفية، خصوصا و أنّ مفهوم الغير غير محدّد بدقّة بحيث أنّ الذات هي الأخرى جزء منه، و بانتمائها له تزيد من هيمنته و سلطته عليها. و يتجلّى هذا الانتماء في وجود روابط عرفية و قانونية مشتركة بين الأنا و الغير، وهي التي يستثمرها هذا الأخير من أجل بسط هيمنته على الذات و إحكام قبضته عليها. و يؤكّد هايدغر على خاصية التشابه أو اللاتمييز التي توجد بين الأنا و الغير، بحيث تذوب الذات في الغير و تفقد تميّزها و تفردّها الخاصّ. هكذا يعمل الآخرون على خلق ذوات متشابهة، و يساهمون في اختفاء هويّة الفرد و ذوبانه في حياة الجماعة.
2 ـ موقف جان بول سارتر:
 يرى سارتر أنّ وجود الغير ضروريّ من أجل وجود الأنا و معرفته لذاته، و ذلك واضح في قوله: "الغير هو الوسيط الضروري بين الأنا و ذاته". من هنا فالغير هو عنصر مكوّن للأنا و لا غنى له عنه في وجوده. غير أنّ العلاقة الموجودة بينهما هي علاقة تشييئية، خارجية و انفصالية ينعدم فيها التواصل مادام يعامل بعضهما البعض كشيء و ليس كأنا آخر. هكذا فالتعامل مع الغير كموضوع مثله مثل الموضوعات و الأشياء يؤدّي إلى إفراغه من مقوّمات الوعي و الحرّية و الإرادة. و يقدّم سارتر هنا مثال النظرة المتبادلة بين الأنا و الغير؛ فحين يكون إنسان ما وحده يتصرّف بعفويّة و حرّية، و ما أن ينتبه إلى أنّ أحدا آخر يراقبه و ينظر إليه حتّى تتجمّد حركاته و أفعاله و تفقد عفويّتها و تلقائيتها. هكذا يصبح الغير جحيما، وهو ما تعبّر عنه قولة سارتر الشهيرة: "الجحيم هم الآخرون". إنّ نظرة الغير إليّ تشلّني من إمكانياتي و مقوّماتي كأنا، فتعمل على تجميد حركاتي و تسلبني إرادتي و حرّيتي. إنّ نظرة الغير إليّ تقلقني لأنّها مصحوبة بتقديرات لا يمكن معرفتها، خصوصا التقديرات المرتبطة بأحكام القيمة. هكذا يتحدّد وجود الغير مع الأنا من خلال عمليّات الصّراع و التشيّؤ و الاستلاب. لكن مع ذالك يعتبر سارتر أنّ وجود الغير شرط ضروري لوجود الأنا و وعيه بذاته بوصفه ذاتا حرّة و متعالية.
 ІІ ـ  معرفة الغير:
 * هل معرفة الغير ممكنة ؟ و كيف يتمّ إدراك الغير و معرفته بوصفه وعيا ؟
 1 ـ موقف ماكس شيلر:
يرى ماكس شيلر أنّ معرفة الغير ممكنة، و أنّها معرفة تتمّ من خلال الإدراك الكلّي الذي يجمع بين إدراك المظاهر الجسمية الخارجية و إدراك الحالات النفسية و الفكرية الداخلية. هكذا فمعرفة الغير لا تتمّ من خلال تقسيمه إلى ظاهر و باطن، إلى جسم و روح؛ بحيث أنّ الأوّل يدرك خارجيا، و الثانية تدرك داخليا، إنّ معرفة بهذا الشكل غير ممكنة لأنّ الغير كلاّ لا يقبل القسمة، و معرفته لا تتمّ إلاّ بوصفه كذلك. من هنا يرى شيلر أنّه لا يمكن تجزئة ظاهرة التعبير لدى الإنسان إلى وحدات صغرى لإعادة تركيبها لاحقا، بل يجب إدراكها كوحدة غير قابلة للقسمة إلى أجزاء. فمعرفة الغير لا تتمّ من خلال الملاحظة و الاستقراء العلميين، لأنّ نمط معرفة الغير كأنا آخر غير مماثلة لنمط المعرفة المتعلّقة بالظواهر الطبيعية، بل إنّها معرفة تتمّ من خلال التعاطف معه، و النفوذ إلى أعماقه من خلال الترابط الموجود بين تعبيراته الجسديّة و مشاعره الباطنية؛ فحقيقة الغير تبدو مجسّدة فيه كما يبدو و يتجلّى للأنا، حركات التعبير الجسدية لديه حاملة لمعناها و دلالاتها مباشرة كما تظهر؛ الباطن يتجلّى عبر الظاهر ولا انفصال بينهما.
2 ـ موقف غاستون بيرجي:
يجسّد غاستون بيرجي موقفا يرى من خلاله أنّ معرفة الغير غير ممكنة، لأنّ بينه و بين الأنا جدارا سميكا لا يمكن تجاوزه. هكذا فتجربة الأنا الذاتية معزولة و غير قابلة أن تدرك من طرف الغير. فالأنا يعيش تجربة حميمية مع الذات تحول دون تحقيق أي تواصل بينه و بين الغير. فلا يمكن للآخرين اختراق وعيي، كما لا يمكنني نقل تجربتي الداخلية لهم حتّى و لو تمنيّت ذلك، لأنّني أشعر بالعزلة و أعيش في قلعة منيعة يستعصى على الغير اقتحامها. و هذه العزلة متبادلة بين الأنا و الغير؛ فمثلما أنّ أبواب عالمي موصدة أمامه، فكذلك أبواب عالمه موصدة أمامي. و يتبيّن هذا من خلال تجربة الألم مثلا؛ فعندما يتألّم الغير و يبكي أواسيه و أشاطره المعاناة، غير أنّني لا يمكنني أبدا أن أعيش بنفس الكيفية تجربة بكائه الذاتية، لأنّها تجربة شخصيّة خاصّة به وحده دون غيره من الناس. هكذا فبالرغم من سعي الإنسان الدؤوب نحو تحقيق التواصل مع الغير، كحاجة ملّحة داخله، فإنّ الغير يظلّ سجينا في آلامه و منعزلا في ذاته و وحيدا في موته.
ІІІ ـ العلاقة مع الغير:
*  ما هي الرهانات التي تنشأ عن علاقة الأنا بالغير؟ و على ماذا تتأسّس هذه العلاقة ؟
1 ـ  موقف إيمانويل كانط:
يؤسّس كانط العلاقة بين الأنا و الغير على مبادئ أخلاقية و عقلية كونية. و يتجلّى ذلك من خلال حديثه عن الصداقة باعتبارها علاقة تقوم على مشاعر الحبّ و الاحترام المتبادلة بين شخصين. و غاية الصداقة، في صورتها المثلى، هي غاية أخلاقية طيّبة، تتمثّل في تحقيق الخير للصديقين معا. و قد اعتبر كانط الصداقة واجبا عقليا يجب على الإنسان السعي نحو تحقيقه، و إن كان يتعذّر تحقيقها في صورتها المثلى على أرض الواقع. كما تتطلّب العلاقة مع الغير مراعاة المساواة بين عناصر الواجب الأخلاقي؛ بين مشاعر الحبّ من جهة، باعتبارها قوّة جذب و تجاذب بين الصديقين، و مشاعر الاحترام من جهة أخرى، باعتبارها قوّة دفع و تباعد بينهما. لذلك يجب أن تكون مشاعر الصداقة متبادلة بين الصديقين، و مبنيّة على أساس أخلاقي خالص، و ليس على أيّ منافع آنية و مباشرة.
2 ـ موقف أوغست كونت:
إذا كان كانط قد أسّس العلاقة بين الأنا و الغير على أسس نظرية، مثالية و ميتافيزيقية تنبني على ما ينبغي أن يكون و ليس على ما هو كائن، فإنّ أوغست كونت على العكس من ذلك بنى أسس هذه العلاقة على استقراءات واقعيّة تترصّد ما يحدث على مستوى الواقع الاجتماعي الفعلي. هكذا اعتبر كونت أنّ هناك واقعة يتعذّر تجاوزها، وهي أنّ الإنسان يحيى بفضل الغير؛ بحيث لا يمكن للفرد مهما أوتي من قوّة و مهارة أن يردّ و لو جزءا بسيطا للإنسانية مقابل ما تلّقاه منها. و يترتّب عن هذه الواقعة أنّه يجب على الإنسان أن يحيى من أجل الغير، عن طريق نكران الذات و التضحية من أجل الآخرين، من أجل ترسيخ قيم التعاطف و التضامن سعيا وراء تطوير الوجود البشري. هكذا تعمل الغيريّة على تهذيب الغريزة البشريّة و تسييجها؛ فتطّهر الفرد من أنانيته الهمجيّة و تكبح ميولاته المصلحيّة الضيّقة، كما تعمل هذه الغيريّة على الارتقاء بالأخلاق الإنسانيّة إلى مستوى من الفهم يتجاوز كلّ المقاربات اللاهوتية و الميتافيزيقية.
منقــــول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق