إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الأربعاء، 4 مارس، 2009

شروط الكتابة الفلسفية

محمد نجيب عبدالمولى:
يمثّل المقال الفلسفي بالنسبة لمعظم التلاميذ المُقبلين على شهادة الباكالوريا مشكلا عويصا بل و لغزا يصعب حلّه. و يبدو أنّ هذه الصورة التي تشكّلت في أذهانهم ترجع بالأساس إلى جهلهم بالمطلوب في مثل هذه الاختبارات. و أصبح هذا التمثّل السلبي للمقال يمثّل العقبة الأولى التي تمثّل أبرز الصعوبات التي تحول دون النجاح في اختبار التحرير الفلسفي. فما هو مردّ هذه الصعوبات، كيف يمكن تشخيصها بدقّة، و هل من سبيل إلى معالجتها عمليّا ؟ أبدأ أوّلا بتحديد الهدف من المقال الفلسفي عموما سواء تعلّق الأمر بموضوع أو بنصّ، إنّه اختبار يمتحن التلميذ أو الطالب في مدى قدرته على التفكير في مسألة ما، و التفكير هنا يعني التوصّل إلى تشخيص المسـالة المطروحة باعتبارها إشكالا فلسفيا.
بعد ذلك يتمّ السعي إلى تفكيك هذا الإشكال و تحليل أبعاده و تقويمه. إنّ الأمر لا يتعلّق بمعلومات نسردها إذن فالمصحّح عموما لا يختبر المترشّح في مدى قدرته على خزن المعلومات و استعراضها. و ببساطة نقول إنّ اختبار الفلسفة يختلف عن اختبار المحفوظات الذي يجري عادة في الفصول. و كلّ من لا يعنى بهذا الهدف فإنّه لا يستطيع النجاح في المقال الفلسفي. و قبل أن نشرع في تشخيص الصعوبات و إرجاعها إلى أسبابها نقول بأنّنا لا نزعم تقديم حلول جاهزة لهذه المسالة لأنّ خير وسيلة لامتلاك تقنيات الكتابة هي الدربة المستمرّة التي تصقل الملكة و تكسب الإنسان الآليات اللازمة لمثل هذا العمل. عملنا إذن يندرج في إطار التشخيص و التوجيه و هما أداتان تسعيان إلى المساعدة على الإنجاز في الوجهة السليمة بقدر الإمكان. نعود الآن إلى تشخيص الصعوبات و لنبدأ بالمسألة الرئيسية وهي:
الاستنجاد الأوّلي بالذاكرة و التسرّع في إقحام المسألة أو القضية داخل محور من محاور البرنامج. فعادة ما نستمع إلى التلاميذ وهم يردّدون:" الموضوع على محور كذا " و هذا يعكس آلية تذكّر خطيرة تجعل من المعلومات المخزونة سدّا عاتيا أمام ملكة التفكير. فكثيرة هي المقالات التي عندما نقرؤها نشعر و كأنّها ركام من المعلومات لا يربط بينها رابط و لم توظّف إلى أيّة إشكالية كانت. فالاستنجاد بالذاكرة أمر ضروري لكن لا يجب أن يكون إلاّ بعد الكشف عن ملامح القضية في أبعادها المختلفة. و عندها بدل أن تكون المعلومة غطاء يحجب القضية أو يطمس ملامح الموضوع تصبح ركيزة للتفكير توضّحه تعمّقه و تمثّل سندا أساسيا له. لننتهي إذن إلى الاستنتاج الأوّل أو القاعدة الأولية
* المعلومات هي خيوط ننسج بها المقال لكن لا بدّ من انتقائها و توظيفها أي لا بدّ أن تكون مسبوقة بجهد عقلي نظري. إنّ أولوية التفكير على التذكّر لتسمح لنا بحسن استعمال المعلومات و تبعد الفواصل التي عادة ما توجد بين الدروس لغرض منهجي تربوي. و لأوضّح ذلك بمثال: لافترض أنّ موضوعا قُدِّمَ يعالج مشكلة المعرفة في علاقتها بالممارسة. إنّ القراءة السريعة لموضوع مماثل قد توقع التلميذ في عيب السرد فينساق في استعراض ما درسه عن الاتّجاهات الفلسفية التي تخصّ نظرية المعرفة دون أن يتفطّن إلى أنّ الموضوع يتمحور حول "العلاقة" بين المعرفة و الممارسة. فالتفطّن للمشكل هو الذي يسمح لنا إذن بتوسيع دائرة معلوماتنا و يجعلنا نستحضر فضاءات متنوّعة نكشف فيها عن نوعية العلاقة هذه و مستوياتها. إنّ تجنّب العيب (السردي) ـ إن صحّ التعبير ـ هو الذي سيؤدّي بنا إلى تحديد معنى تحرير مقال فلسفي. إنّ هذا الفعل يعني بالأساس التحليل المتدرّج الذي ينمّ عن تقدّم: من تحديد للقضية إلى تحليلها بتفكيك عناصرها. إلى تقويمها و التساؤل عمّا توحي به من أبعاد. يمكن أن نقول إذن بأنّ كتابة المقال الفلسفي تعني أوّلا و بالذات:
* طرح المشكل و ليس هذا بالعمل اليسير إذ هو يستلزم بالضرورة تركيزا على المفاهيم المركزية للموضوع أو النصّ و الكشف عن العلاقات المنطقية التي تربط بين مفهوم و آخر مما يسمح بترتيب المفاهيم ضمن سلّم أولويات و من ثمّة يتمّ الكشف عن القضية الجوهرية و ما يتلوها من قضايا فرعية. يجب أن يحسّ كاتب المقال بالصعوبة أو الإشكال الذي يطرحه الموضوع. أنّ هذه الخطوة الرئيسية و الهامّة في المقال لتدلّ دلالة قاطعة على إن مثل هذا الإنجاز لا يشكّل البتّة استعراضا لمعلومات عن درس معيّن بل هو عمل أشمل و أعمّ. إنّ المقال الفلسفي هو بمثابة تقرير عن مسألة ما. لا بدّ أن يحدّد له هدف و لا بدّ أن نتقدّم فيه دون عودة للوراء أو تناقض مع ما قدّمنا سابقا. أي دون استطرادات تخلّ بالتدّرج و دون تضارب يخلّ بالمنطقيّة الداخلية للبناء. فكيف نحقّق هذا الهدف ؟ عادة ما نطالب التلميذ بإعداد تخطيط على المسودّة لكي يكون ركيزة للتحرير. هذا الإعداد يبدأ
أوّلا: بتسطير الكلمات الأساسية أو استخراجها من القولة أو النصّ.
ثانيا: تحديد موقع الكلمات من سائر الكلمات الأخرى الهامّة و أيضا ذكر ما يمكن أن تحيل إليه مثل هذه الكلمات من مرجعيات أو مصطلحات أخرى. بمعنى آخر نحن في هذا المستوى بصدد التفكير في دلالة الكلمات و المعاني المستوحاة منها و هذا بالذات ما سيسمح بالتحديد الدقيق للمسألة المطروحة. نمرّ بعد هذا العمل إلى مرحلة أخرى. هي مرحلة ترتيب الأفكار التي لدينا عن هذا الموضوع و يتمّ ذلك وفق تدرّج يقود كلّ خطوة من خطواتنا. و هذا يؤكّد قولنا بأنّ المقال الفسلفي هو بالذات بناء نعدّ له المواد لكن نصمّم خطّـة لاقتحامه و لا يجب أن يغيب عن أذهاننا في هذا المجال التمثّل المتمفصل للمقال فهو يحتوي على مقدّمة و جوهر و خاتمة. و لكلّ مفصل وظيفة محدّدة و خاصّة. يجب أن يضطلع بها داخل هذا البناء المتكامل. هذه الأقسام الثلاث لا بدّ أن تظهر أو تعكس:
1) طرافة المقال بحيث يحسّ القارئ أو المصحّح أنّه بإزاء عمل فردي وظّف المعلومات و صهرها في بنية تفكير شخصيّة و هذا ما يمكن أن نسمّيه ذكاء.
2) لا بدّ أن تظهر أيضا قدرة على التحليل. هذا العمل الذي يستلزم توجّها فكريا و توظيفا سليما للمعلومات.
3) لا بدّ أن تظهر أيضا نشاطا منطقيا تأليفيّا بحيث نكون بإزاء عمل واع بمنطقيّته الداخلية يراعي التكامل بين المقدّمة و التحليل و التقويم و الاستنتاجات.
هذه الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها تجرّنا إلى النظر في كلّ جزء على حدة.
المقدّمـــة:
ليست المقدّمة مجموعة أفكار نردّدها في الغالب. فالوظيفة الأساسية لهذا القسم من المقال تتمثّل في خلق مركز اهتمام رئيسي وهو ما عبرّنا عنه في السابق بطرح الموضوع. يمكن أن نصوغ المقدّمة انطلاقا من قولة مثلا أو من فكرة نعتبر أنّها تدفعنا مباشرة داخل القضية التي استشعرناها في الموضوع. يجب أن نضع نصب أعيننا و نحن نحرّر المقدّمة أنّها تمثّل القسم الذي من خلاله يتعرّف المصحّح على مدى استيعابنا للموضوع و تحديدنا له والوجهة التي سيتّخذها التحليل و التقويم تبعا لذلك.
جوهر الموضوع:
سمة هذا القسم هي التحليل و النقد. في هذا المستوى يدخل صاحب المقال في حوار مع القضية يقدّم أطروحة صاحبها يضيف إليها أبعادا تتعلّق بها. يكشف عن أسسها و ركائزها. يحدّد استتباعاتها يقوّمها متّخذا مسافة منها وهو في كلّ ذلك حريص على الانسجام متتبّع للتدرّج مرتكز على الأمثلة و الاستشهادات. و التحليل و النقد اللذان يوفّران حالات عينيّة و وضعيات قابلة للتفكيك و التركيب هما اللذان يكوّنان في الغالب أشدّ متانة.
الخاتمــــة:
ليست الخاتمة اجترارا لما قدّم في جوهر الموضوع . بل هي بالأساس حصيلة ما يترتّب عن العمل التحليلي. في الخاتمة نعلن عن النتائج و المواقف. في الخاتمة ننتهي إلى توضيح مركز الاهتمام الذي أعلنا عنه في المقدّمة. في الخاتمة تكتمل الصياغة التأليفية للموقف. فإذا كانت المقدّمة مجالا للكشف عن مهارة التلميذ في ضبط القضية و تحديدها و إذا كان جوهر الموضوع مناسبة للتأليف بين المعلومات و القدرة التحليلية فإنّ الخاتمة تمثّل بحقّ الذكاء الفلسفي إن صحّ القول أي القدرة على بناء الموقف إزاء قضية ذات بعدين نظري أو عملي. و لنختم هذا القول النظري عن المقال الفلسفي بمقطع من مقدّمة كتاب المقالة الفلسفية للأستاذ محمود اليعقوبي يقول فيه: " إنّ كتابة المقالة الفلسفية صناعة و دراية وإبداع. فالصناعة يمكن اكتسابها بالتدريب. و الدراية يمكن الحصول عليها بالمطالعة و الإبداع يمكن تحقيقه بالتفكير و إعمال الرأي. لذلك يجب على التلميذ أن يقرأ كثيرا و أن يكتب كثيرا و أن يكون يقظا في القراءة و الكتابة والتأمّل ". لذلك ليس على التلميذ أن ينتظر من أساتذته نماذج جاهزة عن مواضيع فلسفية بل عليه أن يمتلك المنهجية بالدربة و المداومة لاقتحام المشاكل النظرية الفلسفية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق