إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الجمعة، 6 مارس، 2009

السلطة و اللغة

رولان بارت    (R. Barthes, Leçon, Seuil, Paris 1978)
ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي
تتحدّث البراءة الحديثة عن السلطة كما لو كانت مفردة: فهناك من بيده السلطة، ثمّ هناك من لا يملكونها. لطالما آمنّا بأنّ السلطة موضوع سياسي صرف، ثمّ أصبحنا نعتقد أنّها موضوع إيديولوجي كذلك، يتسلّل خلسة حيث لا عهد لنا به لأوّل وهلة، داخل المؤسّسات و في التدريس، و لكنّنا بقينا نعتقد أنّها واحدة وحيدة، و ماذا لو كانت السلطة متعدّدة مثل الشياطين ؟ إنّها يمكن أن تقول عن نفسها: "اسمي كثرة كثيرة". في كلّ مكان، و في جميع الجهات، جهة الرؤساء و الأجهزة كبيرها و صغيرها، و صوب 
الجماعات المقهورة أو القاهرة؛ هناك في كلّ مكان أصوات "مشروعة" تعطي لنفسها الصلاحية لتسمع خطاب كلّ سلطة، و أعني خطاب الغطرسة. ها نحن نرى أنّ السلطة حاضرة في أكثر الآليات التي تتحكّم في التبادل الاجتماعي رهافة، في الدولة، و عند الطبقات و الجماعات، و لكن أيضا في أشكال الموضة و الآراء الشائعة، و المهرجانات، و الألعاب، و المحافل الرياضية و الأخبار و العلاقات الأسرية و الخاصّة، بل و حتّى عند الحركات التحرّرية التي تسعى إلى معارضتها: أسمّي خطاب السلطة كلّ خطاب يولّد الخطأ عند من يتلقّاه، و بالتالي الشعور بالإثم. ينتظر منّا البعض، نحن المثقّفين، أن نقوم، في كلّ مناسبة، ضدّ السلطة بصيغة المفرد، بيد أنّ معركتنا تدور خارج هذا الميدان؛ إنّها تقوم ضدّ السلطة في أشكالها المتعدّدة. و ليست هذه بالمعركة اليسيرة: ذلك أنّه إن كانت السلطة متعدّدة في الفضاء الاجتماعي، فهي بالمقابل، ممتدّة في الزمان التاريخي. و عندما نبعدها و ندفعها هنا، سرعان ما تظهر هنالك؛ وهي لا تزول البتّة. قم ضدّها بثورة بغية القضاء عليها، و سرعان ما تنبعث و تنبت في حالة جديدة، و مردّ هذه المكابدة و الظهور في كلّ مكان هو أنّ السلطة جرثومة عالقة بجهاز يخترق المجتمع و يرتبط بتاريخ البشرية في مجموعه، و ليس بالتاريخ السياسي وحده. هذا الشيء الذي ترتسم فيه السلطة، و منذ الأزل، هو اللغة، أو بتعبير أدقّ: اللّسان.
اللغة سلطة تشريعية اللسان قانونها، إّننا لا نلحظ السلطة التي ينطوي عليها اللّسان، لأنّنا ننسى أنّ كلّ لسان تصنيف، و أنّ كلّ تصنيف ينطوي على نوع من القهر: ordo نعني في ذات الوقت التوزيع و الإرغام. هذا ما أوضحه ياكوبسون. إنّ كلّ لهجة تتعيّن، أكثر ما تتعيّن، لا بما تخوّل قوله بل بما ترغم على قوله. و في اللغة الفرنسية ( و أنا أسوق هنا أمثلة لا تخلو من فظاظة)، أنا مرغم على أن أضع نفسي كفاعل قبل أن أعبّر عن الفعل الذي لن يكون إلاّ صفة تحمل عليّ؛ و ليس ما أقوم به إلاّ نتيجة تتمخّض عمّا أنا عليه، و على نحو مماثل، أنا مرغم دوما على الاختيار بين صيغة التذكير و التأنيث، و ليس بإمكاني على الإطلاق أن أحيد عنهما معا أو أجمع بينهما؛ ثم إنّني مرغم على تحديد علاقتي بالآخر، إمّا باستعمال ضمير المخاطب بصيغة المفرد أنت أو بصيغة الجمع أنتم؛ و ليس بإمكاني أن أترك المجال لمبادرة العاطفة و المجتمع. و هكذا فإنّ اللغة، بطبيعة بنيتها، تنطوي على علاقة استلاب قاهرة. ليس النطق، أو الخطاب بالأحرى، تبليغا كما يقال عادة: إنّه إخضاع: فاللغة توجيه و إخضاع معمّمان.
أورد عبارة لرينان ساقها في إحدى محاضراته: "إنّ الفرنسية، سيّداتي سادتي، لا يمكن أن تكون البتّة لسان المحال و العبث، كما أنّها لا يمكن أن تكون لغة رجعية. لا يمكن أن أتصوّر موقفا رجعيا يستعمل الفرنسية أداة.." لنقل إنّ رينان، كان بطريقته الخاصة، ثاقب النظر. لقد استطاع أن يدرك أنّ اللغة لا تنحصر في ما تبلّغه، و أنّها يمكن أن تجتازه لتسمع عن طريقه، و بلهجة صارخة، غير ما تقوله، مضيفة للصوت الواعي المتعقّل للذات الناطقة، الصوت المهيمن العنيد القاسي للبنية، أي صوت النوع البشري بما هو ناطق؛ كان خطأ رينان تاريخيا لا بنيويا. إنّه كان يظنّ أنّ اللغة الفرنسية التي أبدعها العقل، بحسب اعتقاده، كانت ترغم على التعبير عن عقل سياسي لم يكن ليكون في نظره إلاّ ديمقراطيا. بيد أنّ اللّسان، من حيث هو إنجاز كلّ لغة، ليس بالرجعي و لا بالتقدمّي. إنّه، بكلّ بساطة فاشي: ذلك لأنّ الفاشية ليست هي الحيلولة دون الكلام، و إنّما هي الإرغام عليه.
إنّ اللغة، ما إنّ ينطق بها، حتّى و إنّ ظلّت مجرّد همهمة، فهي تصبح في خدمة سلطة بعينها. إذ لا بدّ و أن ترتسم فيها خانتان: نفوذ القول الجازم، و تبعيّة التكرار و الاجترار: فمن ناحية اللغة جزم و تقرير: و ما النفي و الشكّ و الإمكان و تعليق الحكم إلاّ حالات تستلزم عوامل خاصّة سرعان ما تدخل هي ذاتها في عمليات التغليف اللغوي؛ و ما يطلق عليه علماء اللّسان الجهوية ليس إلاّ تكملة للغة، و ما أحاول بفضله، استرحاما، التخفيف من سلطتها التقريرية القاهرة. و من ناحية أخرى، فإنّ الدلائل و العلامات التي تتكوّن منها اللغة، لا توجد إلاّ بقدر ما يعترف بها، أي بقدر ما تتكرّر و تردّد. فالدليل تبعِيٌّ مُقلّدٌ؛ و في كلّ دليل يرقد نموذج متحجّر: ليس باستطاعتي الكلام دون أن يجرّ كلامي في ذيوله ما يعلق باللسان. و ما أن أصغ عبارة ما حتّى تلتقي عندي الخانتان المذكورتان، و أكون في ذات الوقت سيّدا و مسودا: إذ أنّني لا أكتفي بأنّ ألوك ما قيل و أردّده، مرتكنا بارتياح إلى عبوديّة الدلائل، بل إنّني أؤكّد و أثبت و أفنّد ما أردّده. في اللغة إذن خضوع و سلطة يمتزجان بلا هوادة. فإذا لم تكن الحريّة مجرّد القدرة على الانفلات من قهر السلطة، و إنّما، على الخصوص، عدم إخضاع أيّ كان، فلا مكان للحريّة إلاّ خارج اللغة. بيد أنّ اللغة البشرية، من سوء الحظ، لا خارج لها: إنّها انغلاق، و لا محيد لنا عنها إلاّ عن طريق المستحيل: إمّا بفضل الوحدة الصوفية، مثلما وصفها كييركغارد، عندما حدّد فداء ابراهيم كفعل لا مثيل له، خالٍ من أي كلام، حتّى و لو كان كلاما باطنيا، يقوم ضدّ شمولية اللغة و تبعيتها و طاعتها: أو بفعل أمين نيتشه الذي يشبه خلخلة مبتهجة موجّهة ضدّ استبعاد اللغة، و ما يطلق عليه دولوز رداءها الرجعي. و لكن، نحن الذين لسنا فرسان الإيمان، مثل ابراهيم، و لا الإنسان الأعلى الذي يتحدّث عنه نيتشه، لا يتبقّى لنا إلاّ مراوغة اللغة و خيانتها. هذه الخيانة الملائمة، و هذا التلافي و الهروب، هذه الخديعة العجيبة التي تسمح بإدراك اللغة خارج سلطتها، في عظمة ثورة دائمة للغة، هذا هو ما أطلق عليه أدبا. لست أعني بالأدب، جملة أعمال، و لا قطاعا من التبادل و التعليم، و إنّما الخدش الذي تخلّفه آثار ممارسة هي ممارسة الكتابة. و أقصد أساسا النصّ، و أعني نسيج الدلائل و العلامات التي تشكلّ العمل الأدبي، ما دام النصّ هو ما تثمره اللغة، و ما دامت اللغة ينبغي أن تحارب داخل اللغة، لا عن طريق التبليغ الذي تشكلّ هي أداة له، و إنّما بفعل الدور الذي تقوم به الكلمات و التي تشكّل هي مسرحه. سيّان أن أقول إذن أدبا أو كتابة أو نصّا. إنّ قدرات التحرّر التي ينطوي عليها الأدب لا تتوقّف على الشخص المدني ولا على الالتزام السياسي للكاتب، الذي لا يعدو أن يكون إنسانا بين البشر، كما أنها لا تتوقف على المحتوى المذهبي لعمله، و إنّما على ما يقوم به من خلخلة للغة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق