إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الخميس، 5 مارس، 2009

دراسة مسترسلة: الثالثة آداب


إجابة عن السّؤال: ما هو التنوير؟ (1)     إيمانويل كانط
ترجمه عن الألمانية: إسماعيل المصدق.
التنوير(2) هو خروج الإنسان من القصور(3) الذي يرجع إليه هو ذاته. القصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير. يكون هذا القصور راجعا إلى الذات إذا كان سببه لا يكمُن في غياب الفهم، بل في غياب العزم و الجُرأة على استخدامه دون قيادة الغير(4)!  تجرَّأ على استخدام فهمك الخاص!(5) هذا إذن هو شعار التنوير. إنّ الكسل و الجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظَلُّون، عن طيب خاطر، قاصرين طوال حياتهم، حتّى بعد أن تكون الطبيعة قد حرّرتهم، منذ مدّة طويلة،

 من كلّ قيادة خارجية (6)، و الذي يجعل آخرين ينصّبون أنفسهم بسهولة أوصياء عليهم. إنّه من المُريح جدّا أن يكون المرء قاصرا. إذا كان لديّ كتاب له فهم نيابة عنّي، و واعظ له ضمير نيابة عنّي، و طبيب يحدّد لي نظام تغذيتي الخ، فإنّي لن أحتاج إلى أن أجتهد بنفسي. ليس من الضروري أن أفكّر ما دمت قادرا على أداء الثمن؛ ذلك أنّ الآخرين سيتحمّلون هذا العمل المزعج نيابة عنّي. أمّا أنَّ الأغلبية السّاحقة من الناس (و ضمنهم الجنس اللطيف بأكمله) يعتبرون أنّ الخطوة نحو الرشد، فضلا عن أنّها شاقّة، خطيرة جدّا كذلك، فهذا ما سبق أن دبّره أولئك الأوصياء الذين يتحملّون الإشراف العام عليهم بطيبوبة تامّة. فبعد أن يجعلوا أوّلا ماشيتهم مغفّلة، و بعد أن يحرصوا بعناية على ألا يسمح لـهذه المخلوقات الهادئة بأن تتجرّأ على القيام بخطوة واحدة خارج عربة المشي (7) التي حبسوها داخلها، بعد ذلك يبيّنون لهم الخطر الذي يتهدّدهم إذا ما حاولوا المشي بمفردهم. صحيح أنّ هذا الخطر ليس بالذات جدّ كبير، لأنّهم سينتهون بتعلّم المشي بعد أن يسقطوا بضع مرّات؛ إلاّ أن مثالا واحدا من هذا النوع يُثير الوجل لدى المرء و يردعه عموما عن القيام بمحاولات أخرى. إنّه إذن لمن الصعب على أيّ إنسان بمفرده أن يتخلّص من القصور الذي أصبح تقريبا بمثابة طبيعة له. بل أكثر من ذلك، إنّه غدا يحبّه، وهو في الوقت الحاضر عاجز بالفعل عن استخدام فهمه الخاص، لأنّه لم يسمح له أبدا بأن يحاول ذلك. إنّ النظم و القواعد، هذه الأدوات الميكانيكية لاستعمال المواهب الطبيعية، أو قُل لسوء استعمالها، هي بمثابة قيود للقصور الدائم. و حتّى من خلَعها، لن يتمكّن من القيام إلاّ بقفزة غير آمنة فوق أضيق الحفر، لأنّه لم يتعوّد على مثل هذه الحركة الحرّة. لـهذا السبب، لم يوفّق إلاّ القليلون في أن ينتزعوا أنفسهم من حالة القصور بواسطة مجهودهم الخاصّ و أن يسيروا مع ذلك بأمان. أمّا أن يُنوِّر جمهورٌ(8) ذاته، فهذا بالأحرى ممكن، بل إنّه تقريبا أمر محتّم إذا كان هذا الجمهور متمتّعا بالحرّية. ذلك أنّه، في هذه الحالة، سيوجد دائما، حتّى بين من نصبّوا أنفسهم أوصياء على الأغلبية، بعض الذين يفكّرون بأنفسهم ، و الذين، بعد أن يتخلّصوا هم أنفسهم من ربقة القصور، ينشرون حواليهم روح تقدير عقلي لقيمة كلّ إنسان و استعداده لأن يفكّر اعتمادا على نفسه. و الغريب هنا أنّ الجمهور الذي سبق أن وُضع من قبلهم تحت ربقة هذا القصور، يُجبرهم بعد ذلك، هو أيضا، على أن يظلّوا تحتها، إذا حرّضه على ذلك بعض أوصيائه العاجزين عن التنوير. إلى هذا الحدّ يكون ترسيخ الأحكام المسبقة مضرّا، لأنّها في الأخير تنتقم لنفسها من أولئك الذين كانوا هم أنفسهم أو أسلافهم واضعيها. لـهذا، لا يمكن لجمهور أن يبلغ التنوير إلاّ بتأنٍّ. فالثورة قد تطيح بالاستبداد الشخصي و الاضطهاد المتعطّش للمصلحة المادّية أو السلطة، و لكن لا يمكن أن تؤدّي أبدا إلى إصلاح حقيقي لنمط التفكير (9)، بل فقط إلى استخدام أحكام مسبقة جديدة، مثلما كانت تستخدم القديمة، كشريط موجّه (10) للأغلبية التي لا تفكّر. و إنّه من أجل هذا التنوير لا يتطلّب الأمر شيئا آخر غير الحرّية و بالضبط تلك الحرّية الأقلَّ ضررا بين كلّ ما يندرج تحت هذا اللفظ، أي حرّية الاستعمال العمومي للعقل في كلّ الميادين. إلاّ أنّني أسمع من جميع الجهات صوتا ينادي: لا تفكّروا !(11) فالضابط يقول: لا تفكّروا، بل قوموا بالتمارين ! و موظّف المالية: لا تفكّروا، بل سدّدوا المبالغ! و رجل الدين: لا تفكّروا، بل آمنوا ! (هناك سيّد واحد في العالم (12) يقول: فكّروا بمقدار ما تريدون و في كلّ ما تريدون، لكن أطيعوا.) و هكذا يتمّ هنا في كلّ مجال تقييد الحرّية. و لكن أي تقييد للحرّية يعوق التنوير؟ و أي تقييد لا يعوقه، بل بالأحرى يفيده ؟ أجيب: إنّ استعمال الإنسان لعقله استعمالا عموميا يجب أن يكون دائما حرّا، وهو وحده يمكن أن يؤدّي إلى تنوير الناس؛ أمّا استعماله الخصوصي فيمكن غالبا تقييده بصرامة شديدة، دون أن يعوق ذلك بشكل خاصّ تقدّم التنوير (13). أعني بالاستعمال العمومي لعقلنا الخاصّ ذلك الاستعمال الذي يقوم به شخص ما بصفته رجل فكر (14) أمام جمهور يتكّون من عالم القرّاء بأكمله. أمّا الاستعمال الخصوصي فأعني به ذلك الذي يمكن أن يقوم به المرء بصفته يتقلّد منصبا مدنيا أو وظيفة مدنية ما (15). ذلك أنّه من الضروري لبعض الشؤون التي تـهمّ مصلحة الجماعة (16) أن توجد آلية معيّنة يجب بواسطتها على بعض أعضاء الجماعة أن يتصرّفوا فقط بسلبية (17)، حتّى يمكن، بفضل توافق تصطنعه الحكومة، أن يتمّ توجيههم نحو المصالح العامّة، أو على الأقلّ، منعهم من إتلافها. فهنا بالطبع لا يسمح بالتفكير، بل يجب على المرء أن يطيع. و لكن من حيث إنّ هذا الجزء من الآلة يعتبر ذاته في نفس الوقت عضوا في جماعة بأكملها، بل و في المجتمع العالمي، و تبعا لذلك يخاطب، من خلال كتاباته، جمهورا، معتمدا في ذلك على فهمه الخاصّ، فإنّه يمكنه، بلا شكّ، أن يفكّر دون أن تتأثّر بتلك الشؤون التّي عُيِّن لتصريفها كعضو سلبي إلى حدّ ما. و هكذا سيكون من المفسد جدّا أن يريد ضابط، خلال أداء عمله، المجادلة جهرا في صواب أو فائدة أمر تلقّاه من رؤسائه، بل عليه أن يطيع. و لكن ليس من العدل أن نحرمه، بصفته رجل فكر، من إبداء ملاحظات حول عيوب الخدمة العسكرية و أن يعرض هذه الملاحظات على الجمهور ليحكم عليها. و المواطن لا يحقّ له أن يمتنع عن أداء الرسوم المفروضة عليه، بل إن طعنا وقحا في هذه المستحقّات، إذا كان عليه أداؤها، أمر يجب أن يعاقب عليه بصفته فضيحة (قد يمكن أن تسبّب عصيانا عاما). و مع ذلك، فإنّه لن يخلّ بواجبه كمواطن، إذا عبّر عموميا، بصفته رجل فكر، عن آرائه حول عيوب هذه المستحقّات أو أيضا جورها. و كذلك فإنّ رجل الدين ملزم بأن يعلّم تلامذته و جماعته حسب رمز (18) الكنيسة التي يخدمها، لأنّه قد تمّ تعيينه في هذه المهمّة على أساس هذا الشرط. و لكنّه يتمتّع، كرجل فكر، بكامل الحرّية في أن يفضي للجمهور بكلّ أفكاره المدروسة بعناية و المنبثقة عن نيّة حسنة حول ما هو خاطئ في ذلك الرمز و اقتراحاته الرامية إلى تدبير أفضل للنظام الديني و الكنيسي؛ بل و إنّ هذا يعتبر جزءا من رسالته. و ليس في ذلك أيضا ما يمكن أن يسبّب له وخز الضمير. ذلك أنّ ما يلقّنه، بناءا على وظيفته كقائم بأعمال الكنيسة، يقدّمه لا كشيء يتمتّع هو بحرّية تلقينه وفق ما يحلو له، بل كشيء عُيِّن لتلقينه حسب تعليمات الغير و باسمه. إنّه سيقول: تعتنق كنيستنا هذا الرأي أو ذاك؛ هذه هي الحجج التي تستند إليها. ثمّ إنّه يجلب لجماعته كلّ المنفعة العملية من القواعد التي قد لا يقبلها هو ذاته باقتناع تامّ و التي تعهّد مع ذلك بتدريسها، لأنّه ليس من المستحيل تماما أن توجد بين طيّاتـها حقيقة كامنة، و لأنّه على أيّ حال لا يوجد فيها على الأقلّ ما يتناقض مع الدين الداخلي. أمّا إذا كان يعتقد بوجود هذا التناقض، فإنّه لن يستطيع القيام بوظيفته بكيفية ترضي ضميره؛ و في هذه الحالة، سيكون عليه أن يتخلّى عنها. إنّ استعمال المُدرّس المُوَظِّف لعقله أمام جماعته هو مجرّد استعمال خصوصي، لأنّ هذه الجماعة تبقى مجرّد تجمّع عائلي حتّى و إن كان كبيرا جدّا؛ وهو كقسيس ليس حرّا في هذا الاستعمال، و لا يحقّ أيضا أن يكون حرّا فيه، لأنّه ينفّذ مأمورية كلّفه بها الغير. و على العكس من ذلك، يتمتّع رجل الدين في الاستعمال العمومي لعقله، أي بصفته رجل فكر يخاطب الجمهور الحقيقي، أي العالم، بحرّية غير مقيّدة في أن يستخدم عقله الخاصّ و أن يتكلّم باسمه الشخصي. ذلك أنّه من الحماقة التي تؤدّي إلى تأبيد الحماقات أن يكون أوصياء الشعب (في الأمور الدينية) هم أنفسهم قاصرين أيضا. و لكن ألا ينبغي أن تتمتّع هيئة من رجال الدين، مجمع كنسي مثلا، أو طبقة مبجّلة ( كما تسمّى لدى الهولنديين (19) ) بالحقّ في أن يلتزم أعضاؤها فيما بينهم قسما برمز معيّن غير قابل للتغيير، حتّى يمارسوا، بل و يؤيّدوا وصاية عليا دائمة على كلّ الأعضاء، و بواسطة هؤلاء على الشعب، أقول: إنّ ذلك غير ممكن تماما. إنّ مثل هذا التعاقد على منع كلّ استمرار في تنوير الجنس البشري هو باطل تماما، حتّى و إن تمّ تأكيده من قبل السلطة العليا، من قبل برلمانات و معاهدات السّلم الأكثر رسمية. لا يمكن لعصر أن يتّحد و يتّفق على جعل العصر اللاحق في حالة تمنعه من توسيع معارفه (خاصّة الملّحة جدّا) و التخلّص من الأخطاء، و عموما التقدّم في التنوير. فذلك سيكون جناية في حقّ الطبيعة البشرية التي تكمن غايتها الأصلية في هذا التقدّم بالضبط. و إنّ للخلف الحقّ كلّ الحقّ في أن يرفض تلك القرارات و أن يعتبرها غير مشروعة و طائشة. إنّ محكّ كلّ ما يمكن إقراره على شعب كقانون يكمن في السؤال: هل يمكن لشعب أن يفرض على ذاته مثل هذا القانون ؟ قد يكون هذا القانون ممكنا خلال زمن وجيز محدّد لإرساء نظام معيّن، و ذلك، إذا جاز التعبير، في انتظار قانون أفضل، على شرط أن تترك في نفس الوقت لكلّ واحد من المواطنين، و خاصّة لرجل الدين، حرّية أن يبدي عموميا، بصفته رجل فكر، أي من خلال كتابات، ملاحظاته على ما هو خاطئ في التنظيم الحالي؛ و في أثناء ذلك يبقى النظام الذي تمّ إرساؤه قائما، إلى أن يبلغ فهم طبيعة الأشياء عموميا درجة متقدّمة و أن تثبت صلاحيته إلى حدّ يسمح بأن يرفع للعرش بواسطة جمع الأصوات ( حتّى و إن لم تكن كلّها ) اقتراح يرمي إلى حماية تلك الجماعات التي اتّفقت مثلا انطلاقا من تصوّرها لفهم أفضل للأشياء، على تنظيم ديني مخالف، و ذلك دون المساس بالجماعات التي تريد ترك الأمر على ما هو عليه. إنّه من غير المشروع بتاتا الاتّفاق، و لو خلال مدّة حياة إنسان واحد فقط، على نظام ديني ثابت لا يمكن الشكّ فيه عموما، و بالتالي القضاء، إذا صحّ التعبير، على حقبة في مسيرة البشرية نحو التحسّن، و جعلها غير مثمرة، بل و بسبب ذلك مضرّة بالخلق. نعم، يمكن لإنسان أن يرجئ التنوير فيما ينبغي عليه معرفته، أمّا التخلّي عنه، سواء بالنسبة لشخصه، أو أكثر من ذلك، بالنسبة للخلف، فهو خرق للحقوق المقدّسة للإنسانية و دوس عليها بالأقدام. و الحال أنّه لا يحقّ للملك أن يقرّر على شعبه ما لا يحقّ حتّى لـهذا الأخير أن يقرّره على ذاته، لأنّ نفوذه التشريعي يقوم بالضبط على أنّه يوحّد في إرادته الإرادة الشعبية بأكملها. و إنّه إذا حرص فقط على أن يكون كلّ إصلاح حقيقي أو مفترض ملائما للنظام المدني، فيمكنه، فيما عدا ذلك، أن يترك رعاياه يقومون بما يرونه ضروريا من أجل خلاص نفوسهم؛ فإنّ ذلك ليس من مهامّه، و لكن من مهامّه بالفعل أن يحول دون أن يستعمل شخص العنف لمنع شخص آخر من العمل لغاية خلاص نفسه و التقدّم في تحقيقه بكلّ ما يملك من مقدرة. إنّ تدخّله في ذلك الأمر بممارسة المراقبة الحكومية على الكتابات التي يعمل رعاياه من خلالها على توضيح تصوّراتهم، سينال من جلالته ذاتها، سواء أقام بذلك انطلاقا من تصوّره الخاصّ الأسمى، فيعرض ذاته في هذه الحالة لمأخذ هو  (20)، أو وهو ما سينال من جلالته بكيفية أكبر بكثير، إذا ما أنزل سلطته العليا إلى حدّ دعم الاستبداد الديني الذي يمارسه بعض الطغاة في دولته ضدّ بقيّة رعاياه. و الآن إذا تساءلنا و الحالة هذه: هل نعيش حاليا في عصر متنوّر؟ فسيكون الجواب: لا، و لكن نعيش بالتأكيد في عصر للتنوير. ففي الوضعية الرّاهنة للأشياء لا زال ينقص الكثير عموما، لكي يكون الناس في حالة تسمح لهم بأن يستخدموا، في الأمور الدينية، فهمهم الخاصّ بكيفية آمنة و جيّدة، دون قيادة الغير، بل لا زال ينقص الكثير حتّى لكي يصبح من الممكن نقلهم إلى هذه الحالة. و لكن، في مقابل ذلك، هناك علامات واضحة على أنّ المجال مفتوح أمامهم الآن حتّى يهيّئوا أنفسهم بحرّية لتحقيق ذلك، و على أنّ عوائق التنوير العام، أو الخروج من القصور الذي يرجع إليهم، تتناقص تدريجيا. إنّ الملك الذي لا يرى من المشين به أن يقول بأنّه يعتبر من الواجب ألا تفرض على الناس تعليمات في الأمور الدينية، بل أن تترك لهم في تلك الأمور الحرّية التامّة، و الذي يدفع عن نفسه إذن حتّى الاسم المترفّع للتسامح، هو ذاته متنوّر، و يستحقّ أن يمدح من قبل كلّ من يعترف بالجميل في العالم و في الأجيال اللاحقة بصفته أوّل من حرّر الجنس البشري، على الأقلّ من جانب الحكومة، من القصور، و ترك لكلّ شخص حرّية استخدام عقله في كلّ الأمور التي تعود إلى الضمير تحت إمرة هذا الملك، يحقّ لرجال دين محترمين، دون مساس بواجبات وظيفتهم، أن يعرضوا على أنظار العالم، بصفتهم رجال فكر، بكيفية حرّة و عمومية، أحكامهم و آرائهم التي تختلف، في هذه النقطة أو تلك، عن الرمز الذي ينتمون إليه؛ و يحقّ ذلك أيضا، و بالأخرى، لكلّ شخص غير مقيّد بواجبات أيّة وظيفة. إنّ روح الحرّية هذه تنتشر أيضا خارج هذا المجال، حتّى حيث يكون عليها أن تواجه عوائق خارجية تفرضها حكومة تسيء فهم دورها. إنّ ذلك يصلح كمثل يدلّ على أنّه ليس هناك ما يخشى على الأمن العام و وحدة الجماعة في ظلّ الحرّية. إنّ الناس يخلصّون أنفسهم من تلقاء أنفسهم أكثر فأكثر من الخشونة، ما لم يتمّ العمل عمدا على تركهم في هذه الحالة. لقد وضعت النقطة الرئيسية للتنوير، أي لخروج الإنسان من القصور الراجع إليه هو ذاته، في الأمور الدينية أساسا، لأن حكّامنا ليس لهم أيّة مصلحة في أن يلعبوا دور الوصاية على رعاياهم في مجال الفنون و العلوم؛ و فوق هذا، فإنّ ذلك القصور، فضلا عن أنّه الأكثر ضررا، فإنّه أيضا الأكثر مساسا بالكرامة. و لكنّ نمط تفكير عاهل يشجّع التنوير يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أنّه حتّى في مجال التشريع، ليست هناك خطورة في أن يسمح لرعاياه باستعمال عقلهم الخاصّ استعمالا عموميا، و أن يعرضوا على العالم علنا أفكارهم حول شكل أفضل لـهذا التشريع، حتّى و إن تضمّنت نقدا صريحا للتشريع القائم. و لدينا على ذلك مثال ساطع لم يسبق فيه أي ملك ذلك الملك الذي نجلّه. و لكن من جهة أخرى، يمكن فقط لمن هو متنوّر لا يخاف الظلال و الذي يتوفّر في نفس الوقت على جيش وافر العدد و محكم التنظيم لضمان الأمن العام، أن يقول ما لا يمكن أن تتجرّأ جمهورية على قوله: فكّروا بمقدار ما تريدون و في كلّ ما تريدون؛ و لكن أطيعوا! هكذا يتجلّى هنا، و كذلك في مجالات أخرى، مسار غريب و غير منتظر للأمور البشرية، إذا لاحظناه في عموميته، بدا لنا أنّ كلّ شيء فيه تقريبا يحمل طابع المفارقة. إنّ قدرا أكبر من الحرّية المدنية يبدو أنّه مفيد لحرّية روح الشعب، و مع ذلك، فإنّه يضع أمامها حواجز لا يمكن تخطّيها؛ و على العكس من ذلك، فإنّ قدرا أقلّ منها يفسح المجال للشعب كي يتفتّح حسب كلّ مقدرته. إذا كانت الطبيعة قد أخرجت من تحت هذه القشرة السميكة البذرة التي ترعاها بالكيفية الأكثر حنوّا، أي الميل و الاستعداد للتفكير الحرّ، فإنّ هذا الأخير يؤثّر بدوره تدريجيا على خلق الشعب (الذي يصبح بذلك شيئا فشيئا أهلا لحرّية التصرّف)، و يؤثّر أخيرا حتّى على مبادئ الحكومة التي تجد هي ذاتها من المفيد أن تعامل الإنسان، الذي هو الآن أكثر من مجرّد آلة، بما يتلاءم مع كرامته.
كوينجسبرج / بروسيا، في 30 شتنبر 1784 إ. كانط:  أقرأ يومه 30 سبتمبر في عدد 13 سبتمبر من "الأخبار الأسبوعية البوشينجية" (21) إعلانا عن عدد هذا الشهر من "مجلّة برلين الشهرية"، الذي يضمّ ضمن موادّه جواب السيّد مندلسزون علّة نفس السؤال. هذا الجواب لم يقع بعد تحت يدي، و إلاّ ربّما جعلني أستغني عن كتابة جوابي هذا، الذي يبقى هنا مجرّد تعبير عن كيف يمكن أن تحدث الصدفة تواردا في الخواطر
الهوامش:
1)  في عدد شهر دجنبر 1783 من "مجلة برلين الشهرية" نشر راهب من برلين اسمه تسولنر   Johann Friedrich Zöllner (1753-1804)  ردّا على مقال سبق أن نشرته نفس المجلة في عدد سبتمبر من نفس السنة يدافع فيه كاتب لم يفصح عن اسمه عن الزواج المدني. خصّص تسولنر مقاله لانتقاد الزواج المدني و الدفاع عن عقد الزواج في الكنيسة، معتبرا أنّ ذلك من مصلحة الدولة ذاتها؛ إلاّ أنّه في نفس الوقت هاجم الخلط الذي نشأ في أذهان الناس و قلوبهم بصدد مفهوم التنوير. و قد ألحق بمقاله هامشا مستفزّا كتب فيه: "ما هو التنوير ؟ هذا السؤال الذي يعادل تقريبا في أهميّته السؤال: ما هي الحقيقة، يجب الإجابة عنه قبل البدء في التنوير! و مع ذلك فإنّني لم أعثر في أي موضع على جواب عنه!" هذا السؤال المندسّ في هامش مقال كتبه راهب بروتستانتي مجهول نسبيّا عن قانون الزواج سيكون مثمرا بالنسبة لتاريخ الفلسفة. و هكذا سينشر أوّلا موسى مندلسزون Moses Mendelssohn (1729-1786)  مقالا بعنوان: "حول السؤال: ما معنى التنوير ؟" في عدد سبتمبر 1784 من نفس المجلّة. بعد ذلك سيظهر في عدد ديسمبر من نفس السنة مقال كانط الذي يتضمّن تعريفه المشهور للتنوير. يتبيّن من ملاحظة كانط في نهاية المقال أنّه لم يكن حين كتابته على علم بمضمون مقال مندلسزون، و إن كان علم بصدور مقال له حول هذا الموضوع من خلال قراءته لجريدة أسبوعية نشرت إعلانا يتضمّن محتويات عدد سبتمبر 1784 من "مجلّة برلين الشهرية". نقدّم فيما يلي ترجمة لمقال كانط كما نشر في المجلّد 11 من مجموعة مؤلّفاته التي نشرتـها دار Surkamp  تحت إشراف  Wilhelm Weischedel، فرانكفورت، م 1966، ص 53ـ61. و يجب أن أشير إلى أنّني اعتمدت في كتابة هذا التقديم و كذلك بعض هوامش الترجمة على الكتيب الذي أصدره Erhard Bahr تحت عنوان " ما هو التنوير؟"، دار النشر Reclam، شتوتجارت 1974، و الذي يضمّ نصوصا لفلاسفة ألمان حول مفهوم التنوير و تعليقات عليها.
2)  Aufklärung : تحريّا للدقّة ينبغي ترجمة هذا المصطلح بلفظ "التنوير"، ليس فقط لأنّه يوافق اللفظ الألماني من حيث الصيغة، بل لأنّه، علاوة على ذلك، يشير إلى أن الأمر لا يتعلّق بحالة أو وضعية تسود فيها الأنوار، بل بعملية أو سيرورة يتمّ في إطارها نشر العلم و المعرفة المستندة إلى العقل، و التحرّر من الأحكام المسبقة و المعتقدات المستندة إلى مختلف أشكال السلطة mündig :  
 3)   majeur    راشد unmündig : mineur قاصر Mündigkcit : majorité : رشد
Unmündigkcit : minorité :   قصور
4)  وردت هذه العبارة في النصّ باللغة اللاتينية، وهي تعني:"تجرّأ على المعرفة "، و قد اتّخذت شعارا للتنوير قبل كانط.
5)  يجب أن نلاحظ هنا أنّ كانط يورد شعار التنوير كدعوة أخلاقية تتّخذ صيغة الأمر القطعي.
6)  وردت هذه العبارة في النصّ باللغة اللاتينية، وهي تعني: "راشدون من حيث الطبيعة". يريد كانط أن يقول إنّ هؤلاء الناس بلغوا السنّ الطبيعي للرشد، في حين أنّهم من الناحية الفكرية لا زالوا قاصرين.
 
7)   Gängelwagen: إطار له عجلات يوضع فيه الأطفال على هيئة الوقوف ليساعدهم في تعلّم المشي و يحميهم من خطر السقوط، ترجمت هذا اللفظ بـ" عربة المشي".
8)   Le public  das Publikum :  الجمهور يشكّل، في مقابل الفرد مجموع الناس المنتمين لمكان أو إقليم أو دولة ما. استعمل في القرن الثامن عشر للدلالة على مفهوم المجال العمومي die offentlichkcit   و كان يحمل دلالات أهمّها:
 أ)  مجموعة الناس المتجمّعين في مكان عمومي.
 ب) قرّاء كاتب ما، عالم القرّاء.
ج) كلّ من يعيش معنا في نفس الوقت.
9)  هذا الموقف من الثورة لم يمنع كانط من أن يعبّر علنا عن تعاطفه، بل و مساندته لأفكار الثورة الفرنسية، في زمن لم يكن فيه ذلك مأمون العواقب.
10)   Lisière : Leitband :  شريط موجّه، شريط يربط في ملابس الأطفال الصغار الذين يتعلّمون المشي ليوجّههم خلال المشي و يحميهم من السقوط
 11)  Räsonieren  لا يتطابق مدلول هذا اللفظ مع مدلول اللفظ الفرنسي  raisonner، لأنّه يختلف، كما يتبيّن من النصّ ذاته، حسب السياق الذي يستعمل فيه. فهو قد يحمل طابعا إيجابيا فيعني، أفكّر عقليا، أصدر حكما بناء على أسس عقلية إلاّ أنّه يتّخذ في الغالب طابعا قدحيا فيعني: عارض، تكلّم بعناء، جادل، جادل مجادلة صورية أو لفظية. ارتأينا ترجمة هذا اللفظ في النصّ بكامله بـ"فكّر".
12)  يشير كانط هنا إلى ملك بروسيا فريدريك الثاني (1740ـ1786).
13) الاستعمال العمومي للعقل هو ذلك الذي يقوم به الإنسان بصفته شخصا خصوصيا، أي كرجل فكر، أمام جمهور قرّائه. أمّا الاستعمال الخصوصي فهو الذي يمارسه شخص بصفته يشغل منصبا عموميا.
 14)  Le savant : der Gelehrte :  اسم يطلق على من له تكوين ثقافي واسع و يمتلك معارف أساسية و شاملة. تحاشيت ترجمة هذا اللفظ بـ"عالم" بسبب المضامين التي أصبح يحملها هذا اللفظ في عصرنا. يستحسن ترجمته بـ "رجل العلم" أو "رجل الفكر"، و قد فضّلت استعمال العبارة الأخيرة.
 15)  bürgerlich : civil :   ترجمت هذا اللفظ في النصّ كلّه بـ"مدني" ، إلاّ أنّه يجب الانتباه إلى أنّ التمييز بين ما هو مدني و ما هو سياسي لم يكن واضحا في زمن كانط، و أنّ لفظ "مدني" كان إلى حدود القرن الثامن عشر مرادفا للفظ " سياسي". و على عكس ذلك اكتسب التمييز بين ما هو مدني و ما هو سياسي دلالة أساسية بفضل الفصل الواضح الذي أقامه هيجل في فلسفة الحقّ بين دائرة المجتمع المدني و دائرة الدولة.
16)   Communauté : das gemeinwesen, das gemeine wesen :  الجماعة
17)  passivement : passiv :  بسلبية، بكيفية سلبية.
 18)  symbole : symbol :  رمز يعني في اللغة اللاهوتية لكلّ الكنائس مجموع التعاليم التي تعتنقها طائفة أو كنيسة، و تكون بمثابة صياغة للمعتقدات المشتركة بين أعضاء هذه الطائفة أو الكنيسة، وهي ملزمة لكلّ الأعضاء.
19)  في هولندا : تجمّع كنسي يتمتّع بسلطة التشريع في المجال الديني.
20)  وردت هذه العبارة باللغة اللاتينية في النصّ، وهي تعني : "ليس القيصر فوق النحاة.
21)   الأخبار الأسبوعية البوشيخية" نشرة أسبوعية كان يصدرها بوشينج  Anton Friedrich Büsching   من برلين من 1773 إلى 1786، و كانت تتضمّن بالأساس أخبارا عن الكتب الجديدة و المجلاّت الثقافية
I.  النصّ الأوّل:
'' التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي يرجع إليه هو ذاته. القصور هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه دون قيادة الغير. يكون هذا القصور راجعا إلى الذات إذا كان سببه لا يكمن في غياب الفهم، بل في غياب العزم و الجرأة على استخدامه دون قيادة الغير!  تجرّأ على استخدام فهمك الخاصّ! هذا إذن هو شعار التنوير.''
ما هي الأنوار ؟ إيمانويل كانط
الأسئلــة:
1)  ما المقصود بالقصور؟
2)  ما علاقة القصور بالتنوير؟
II.  النصّ الثاني:
إنّ الكسل و الجبن هما السبب الذي يجعل طائفة كبيرة من الناس يظلّون، عن طيب خاطر، قاصرين طوال حياتهم، حتّى بعد أن تكون الطبيعة قد حرّرتهم، منذ مدّة طويلة، من كلّ قيادة خارجية، و الذي يجعل آخرين ينصبّون أنفسهم بسهولة أوصياء عليهم. إنّه من المريح جدّا أن يكون المرء قاصرا. إذا كان لدي كتاب له فهم نيابة عنّي، و واعظ له ضمير نيابة عنّي، و طبيب يحدّد لي نظام تغذيتي الخ، فإنّي لن أحتاج إلى أن أجتهد بنفسي. ليس من الضروري أن أفكّر ما دمت قادرا على أداء الثمن؛ ذلك أنّ الآخرين سيتحمّلون هذا العمل المزعج نيابة عنّي. أمّا أنّ الأغلبية الساحقة من الناس (و ضمنهم الجنس اللطيف بأكمله) يعتبرون أنّ الخطوة نحو الرشد، فضلا عن أنّها شاقّة، خطيرة جدّا كذلك، فهذا ما سبق أن دبّره أولئك الأوصياء الذين يتحمّلون الإشراف العام عليهم بطيبوبة تامّة. فبعد أن يجعلوا أوّلا ماشيتهم مغفّلة، و بعد أن يحرصوا بعناية على ألا يسمح لـهذه المخلوقات الهادئة بأن تتجرّأ على القيام بخطوة واحدة خارج عربة المشي التي حبسوها داخلها، بعد ذلك يبيّنون لهم الخطر الذي يتهدّدهم إذا ما حاولوا المشي بمفردهم. صحيح أن هذا الخطر ليس بالذات جدّ كبير، لأنّهم سينتهون بتعلّم المشي بعد أن يسقطوا بضع مرّات؛ إلاّ أنّ مثالا واحدا من هذا النوع يثير الوجل لدى المرء و يردعه عموما عن القيام بمحاولات أخرى.
ما هي الأنوار ؟ إيمانويل كانط
الأسئلــة:
1) ما هي عوائق التنوير؟ و ما هي أصناف عوائق التنوير؟
2)  ما هي مبرّرات رفض كانط للثورة؟
3) أيُّ دور للذات في عمليّة التنوير؟
III. النصّ الثالث:
و إنّه من أجل هذا التنوير لا يتطلّب الأمرُ شيئا آخر غير الحرّية و بالضبط تلك الحرّية الأقلّ ضررا بين كلّ ما يندرج تحت هذا اللفظ، أي حرّية الاستعمال العمومي للعقل في كلّ الميادين. إلاّ أنّني أسمع من جميع الجهات صوتا ينادي: لا تفكّروا ! فالضابط يقول: لا تفكّروا، بل قوموا بالتمارين ! و موظّف المالية: لا تفكّروا، بل سدّدوا المبالغ! و رجل الدين: لا تفكّروا، بل آمنوا ! (هناك سيّد واحد في العالم يقول: فكّروا بمقدار ما تريدون و في كلّ ما تريدون، لكن أطيعوا.) و هكذا يتمّ هنا في كلّ مجال تقييد الحرّية. و لكن أي تقييد للحرّية يعوق التنوير؟ و أي تقييد لا يعوقه، بل بالأحرى يفيده ؟ أجيب: إنّ استعمال الإنسان لعقله استعمالا عموميا يجب أن يكون دائما حرّا، وهو وحده يمكن أن يؤدّي إلى تنوير الناس؛ أمّا استعماله الخصوصي فيمكن غالبا تقييده بصرامة شديدة، دون أن يعوق ذلك بشكل خاصّ تقدّم التنوير. أعني بالاستعمال العمومي لعقلنا الخاصّ ذلك الاستعمال الذي يقوم به شخص ما بصفته رجل فكر أمام جمهور يتكوّن من عالم القرّاء بأكمله. أمّا الاستعمال الخصوصي فأعني به ذلك الذي يمكن أن يقوم به المرء بصفته يتقلّد منصبا مدنيا أو وظيفة مدنية ما.
ما هي الأنوار ؟ إيمانويل كانط
الأسئلــة:
1)  أيّ علاقة بين الحرّية و التنوير ؟
2)  ما هي المفارقات التي تطرحها الحرّية على مستوى مدني ؟
3) ما الحاجة إلى التمييز بين استعمالين للعقل ؟
IV.  النصّ الرابع:
و كذلك فإنّ رجل الدين ملزم بأن يعلّم تلامذته وجماعته حسب رمز الكنيسة التي يخدمها، لأنّه قد تمّ تعيينه في هذه المهمّة على أساس هذا الشرط. و لكنّه يتمتّع، كرجل فكر، بكامل الحرّية في أن يفضي للجمهور بكلّ أفكاره المدروسة بعناية و المنبثقة عن نيّة حسنة حول ما هو خاطئ في ذلك الرمز و اقتراحاته الرامية إلى تدبير أفضل للنظام الديني و الكنيسي؛ بل و إنّ هذا يعتبر جزءا من رسالته. و ليس في ذلك أيضا ما يمكن أن يسبّب له وخز الضمير. ذلك أنّ ما يلقّنه، بناءا على وظيفته كقائم بأعمال الكنيسة، يقدّمه لا كشيء يتمتّع هو بحرّية تلقينه وفق ما يحلو له، بل كشيء عُيّن لتلقينه حسب تعليمات الغير و باسمه. إنّه سيقول: تعتنق كنيستنا هذا الرأي أو ذاك؛ هذه هي الحجج التي تستند إليها. ثمّ إنّه يجلب لجماعته كلّ المنفعة العملية من القواعد التي قد لا يقبلها هو ذاته باقتناع تامّ و التي تعهّد مع ذلك بتدريسها، لأنّه ليس من المستحيل تماما أن توجد بين طيّاتـها حقيقة كامنة، و لأنّه على أي حال لا يوجد فيها على الأقلّ ما يتناقض مع الدين الداخلي.
ما هي الأنوار ؟ إيمانويل كانط
الأسئلة
1)  هل يتعارض الاعتقاد الديني مع حرّية التفكير ؟
2) كيف يصبح رجل الدين وصيّا على الشعب وهو قاصر؟
V.  النصّ الخامس:
نعم، يمكن لإنسان أن يرجئ التنوير فيما ينبغي عليه معرفته، أمّا التخلّي عنه، سواء بالنسبة لشخصه، أو أكثر من ذلك، بالنسبة للخلف، فهو خرق للحقوق المقدّسة للإنسانية و دوس عليها بالأقدام. و الحال أنّه لا يحقّ للملك أن يقرّر على شعبه ما لا يحقّ حتّى لـهذا الأخير أن يقرّره على ذاته، لأنّ نفوذه التشريعي يقوم بالضبط على أنّه يوحّد في إرادته الإرادة الشعبية بأكملها. و إنّه إذا حرص فقط على أن يكون كلّ إصلاح حقيقي أو مفترض ملائما للنظام المدني، فيمكنه، فيما عدا ذلك، أن يترك رعاياه يقومون بما يرونه ضروريا من أجل خلاص نفوسهم؛ فإنّ ذلك ليس من مهامّه، و لكن من مهامّه بالفعل أن يحول دون أن يستعمل شخص العنف لمنع شخص آخر من العمل لغاية خلاص نفسه و التقدّم في تحقيقه بكلّ ما يملك من مقدرة. إنّ تدخّله في ذلك الأمر بممارسة المراقبة الحكومية على الكتابات التي يعمل رعاياه من خلالها على توضيح تصوّراتهم، سينال من جلالته ذاتها، سواء أقام بذلك انطلاقا من تصوّره الخاصّ الأسمى، فيعرّض ذاته في هذه الحالة لمأخذ هو أو وهو ما سينال من جلالته بكيفية أكبر بكثير، إذا ما أنزل سلطته العليا إلى حدّ دعم الاستبداد الديني الذي يمارسه بعض الطغاة في دولته ضدّ بقيّة رعاياه.
ما هي الأنوار ؟ إيمانويل كانط
الأسئلة:
1) كيف يرى كانط التنوير ؟
2)  هل تهدّد الحرّية المدنية النظام السياسي السائد ؟
3) ما الضامن للحفاظ على مكاسب التنوير ؟
VI.  النصّ السادس:
و الآن إذا تساءلنا و الحالة هذه: هل نعيش حاليا في عصر مُتنوّر؟ فسيكون الجواب: لا، و لكن نعيش بالتأكيد في عصر للتنوير. ففي الوضعية الراهنة للأشياء لا زال ينقص الكثير عموما، لكي يكون الناس في حالة تسمح لهم بأن يستخدموا، في الأمور الدينية، فهمهم الخاصّ بكيفية آمنة و جيدة، دون قيادة الغير، بل لا زال ينقص الكثير حتّى لكي يصبح من الممكن نقلهم إلى هذه الحالة. و لكن، في مقابل ذلك، هناك علامات واضحة على أنّ المجال مفتوح أمامهم الآن حتّى يهيّئوا أنفسهم بحرّية لتحقيق ذلك، و على أنّ عوائق التنوير العام، أو الخروج من القصور الذي يرجع إليهم، تتناقص تدريجيا.
ما هي الأنوار ؟ إيمانويل كانط
السؤال:
1) هل لسؤال ما التنوير ؟ راهنية الآن ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق