إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الاثنين، 13 أبريل، 2009

العمل و مسألة العدالة

إبراهيم قمودي.
في دلالة العمل:                                                                                       
إنّ التفكير في العمل يتنزّل مثل كلّ القضايا الفلسفية في سجّلات مختلفة باختلاف الظروف التاريخية لتطوّر الفكر الفلسفي و لكن أيضا باختلاف الظروف التاريخية للعمل ذاته. و ما ساد من تصوّرات حول العمل في الفكر القديم لم يكن من التفكير الاقتصادي في شيء، فالعمل في الفلسفة القدمة كان يدخل في باب الخدمة، كخدمة العبد للسيّد في الفلسفات اليونانية. و ظهور مفهوم العمل في شكله الحديث يتزامن و ظهور السوق الذي يحيل على تبادل المجهود و شراء قوّة العمل و تبادل الخيرات و الخدمات و وجود أسعار و 
أجور و فضاءات محدّدة للعمل و البيع و الشراء، و المبادلات و القوانين و البضائع و الأفراد و المواصلات و الجماعات و الدول كتعبير عن مصالح مجموعات بل إنّ الدولة تحظر في السوق كمكوّن للسوق و راعية لوجوده و تنافسيته و ايديولوجيته، لتجعل الناس يعتقدون في السوق و في قوانينه.  و هكذا صار العمل بضاعة بفضل السوق و كلّما ازدادت الفردانية يصير السوق هو الرابط بين الفرد و الجماعة و بذلك يتحوّل السوق إلى مجال للتنشئة الاقتصادية و الاجتماعية. كيف يتحدّد، إذن، العمل في ظلّ اقتصاد السوق ؟ و ما علاقته بإنسانية الإنسان ؟ ثمّ كيف يتحوّل مفهوم العمل من نشاط مؤسّس لإنسانية الإنسان إلى نشاط نفعي قد يسلب الإنسان إنسانيته ؟
 يتحدّد الإنسان في العديد من السجّلات الأنتروبولوجية بما هو حيوان صانع للآلات. و صُنع الآلة  يعني أنّ الإنسان لم يعد حيوانا، بما أنّه إذا كانت لبعض الحيوانات أدوات فإنّها لا تصنعها و حتّى إذا وجدنا بعض التصرّفات المشابهة لدى بعض الحيوانات لتصرّفات الإنسان، كما هو الشأن بالنسبة للقندس، فإنّ استعمال هذه الأدوات يقتصر على مجرّد استعمال الأداتي، و إذا كانت العصا التي يستعملها قرد المخبر يمكن أن تستخدم بطريقة مزدوجة فإنّه ولا حيوان قادر على إنشاء محيط تقني أي نسق من الآلات المختلفة ذوات الأفعال المختلفة، حتّى و إن كان عددها قليلا نسبيا.
 هذا يعني أنّ صنع الآلات يمثّل أحد الخاصّيات التي تميّز الإنسان، لذلك لا بدّ من استبعاد الإسقاطات الأنترومورفية على سلوك الحيوانات. و كحيوان صانع للأدوات يعمل الإنسان. «الإنسان يعمل» هي إذن معادلة لتمييز الإنسان، لكن قد يعترض بعضهم على ذلك باعتبار وجود ما يسمّيه "فولتير" ببهائم الجمع Les Bêtes de sommes إذ قد يعني ذلك أنّ الإنسان يمكن أن يكون بهيمة جمع أي يمكن أن يعمل كالحيوان. القدرة على صنع الآلات تميّز الإنسان عن الحيوان و يبدو أنّ العمل قد يجعل منه بهيمة جمع.  ولكن يجب أن نلاحظ أن فولتير يتحدّث عن بهيمة لا عن حيوان فالبهيمة هي حيوان أهلي و الحيوان الأهلي هو حيوان فقد برّيته و توحّشه و بالتالي فخره ليصبح عبدا لسيّده. و في هذا المعنى العمل كالبهيمة هو أيضا العمل كالإنسان بما أنّه لا يعمل إلاّ الحيوان المستعبد أي الحيوان الأقلّ درجة من الحيوان. و هكذا يبدو أنّ تمييز النبيل للإنسان كعامل قد يعيّن تدنّيا انثروبومورفيا، و الحيوان الصانع للآلة قد يصبح مرادفا للعبد.
يبدو، إذن، أنّ العمل، كنشاط،  يثوى داخله تناقضا، و هذا التناقض ينتج ربّما عن تباين زوايا النظر إذ نستطيع القول بأنّ عنصر العبودية يرجع إلى العبد سواء كان ثائرا أم لا، و إلى السيّد سواء كان واعيا بذلك أم لا.  و مهما يكن الأمر فإنّ العمل يبدو ضروريا بالنسبة للإنسان، و رغم كون العمل ضروريّ فإنّ الحياة دون عمل تبدو جديرة بأن نتمّناها، فنحن نتمثّل دائما حياة آدم في الجنّة كحياة محبّذة، فآدم لا يعمل بما أنّه لم يكن في حاجة إلى إيجاد الغذاء إذ يتغّذى ممّا يجده في عدن. و لكن الكتابة الدينية المسيحية تبيّن عكس ذلك إذ تقول لنا: "إنّ الربّ الخالق أخذ آدم و وضعه في جنّات عدن حتّى يزرعها و يحصدها" و هذا يعني أنّ العمل ليس لعنة ناتجة عن الخطأ الأوّل، ليس العقاب المسلّط على آدم الذي لم يحترم القواعد الربّانية فيعرق في الأرض حتّى يحصل على الخبز، بل إنّ هذا يعني حسب الأسطورة الإنجيلية نفسها أنّ العمل متمادٍ مع الوجود الإنساني، لكن العمل لا العمل الشاقّ.
و إذا ما تركنا الأسطورة و بحثنا في الأطوبيا هذا النوع من الكتابة الأدبية الذي دشّنه توماس مور Thomas More، و الذي لا يوافق التقليد الأفلاطوني بما أنّ التقليد الأفلاطوني يعتبر العمل خاصية العبد و أن الإنسان الحرّ ليس في حاجة للعمل، ذلك أنّ كلّ الناس عند مور و حتّى عند "كانبانلا" Campanella في «مدينة الشمس» يعملون و يجب ربّما أن نكون من الآلهة أو نكون مقادين من طرف الآلهة حتّى لا نعمل.
العمل، إذن، ليس عقابا من السّماء أو شيئا مضافا اصطناعيا على الطبيعة الإنسانية، بل هو ضرورة نستطيع أن ننظّمها بطرق مختلفة كما تفعل الأوطوبيات لكن لا نستطيع حذفها، فعلى خلاف كلّ الحيوانات يكون للعمل معنى و ضرورة بالنسبة للإنسان. و لا حيوان في حاجة للعمل ليعيش و ليحافظ على بقائه فكلّ الحيوانات تعيش على الطبيعة إذ هي كلّها مدينة للطبيعة في عطائها أو في جدبها في ما هو ضروري لبقائها. و على عكس ذلك يقيم الإنسان علاقة مخالفة مع الطبيعة، و لا يمكن له أن يكتفي بانتظار هدية من الطبيعة لتؤمّن له ظروف عيشه فالإنسان ذاته مطالب بإنتاج العناصر الضرورية  لضمان بقائه بالعمل. و هذا يعني أنّ الإنسان قبل أن  يستهلك ما تقدّمه له الطبيعة عليه أن يشكّله نظرا لكون الإنسان له حاجات كثيرة و متنوّعة و لا يستطيع أن يعيش بطريقة سلبية في حضن الطبيعة إذ عليه تحويل هذه الطبيعة و استغلالها لمصلحته و في كلمة عليه أن يعمل. لكن هل أنّ الطبيعة لم تكن عادلة مع الإنسان إذ هي أجبرته على العمل ؟
حيال هذه الضرورة الحياتية التي تفرض على الإنسان العمل حتّى يحافظ على بقائه، كثير هم الشعراء و المفكّرين، و خاصّة القدامى منهم، الذين اعتبروا أنّ السماء أو الآلهة أو الطبيعة ذاتها لم تكن عادلة مع الإنسان بأن أجبرته على إنتاج ما يحتاجه لنفسه عوض أن تهدي له دون شقاء كلّ الوسائل الضرورية لرغد عيشه. و أفلاطون عندما يثير أسطورة برومثيوس (اله النار) يشير إلى نوع من اللاعدالة الإلاهية بما أنّ الآلهة لم تنصف الإنسان عندما أجبرته على العمل. غير أنّ كانط يذهب عكس ذلك إذ يرى أنّه من العبث لوم الطبيعة و الآلهة لأنّ الطبيعة البشرية ذاتها تقتضي اهتمامات حتّى و إن كانت مفروضة عليها، و أنّه إذا كانت الطبيعة سخيّة مع الإنسان و مكنّته من أن يعيش في بطالة تامّة فإنّها لن تضرّ فقط بالمصير النهائي للإنسان، بل أكثر من ذلك إن ضرورة الاهتمام أي حاجة الإنسان  لأن يكون له هدف يسعى إلى تحقيقه ليست ناتجة عن أسباب اقتصادية و اجتماعية فالعمل له أيضا دور نفسي بما أن البطالة تحكم على الإنسان بالانغلاق على ذاته و على أن يعيش لبطنه كما يقال عادة. و الإنسان الذي ليس له اهتمام طوال الوقت ينتهي إلى أن يصبح مهووسا بشخصه و ينتهي ضرورة إلى الانهيار العصبي و الكآبة لذلك يجب أن تسير حياة الإنسان بطريقة متواترة بين العمل و الراحة التي ليس لها من معنى إلاّ بالنسبة للعمل فالراحة دون عمل ليست إلاّ علامة الحياة العاشبة التي لا تليق بالإنسان ولا تتماشى مع طبيعته. ذلك هو معنى قول كانط :« و إنّنا لنخطئ بنفس القدر إن تخيلنا أنّه لو بقي آدم و حوّاء في الجنّة، لما كان لهما فعل سوى الجلوس معا و إنشاد أغان رعوية و تأمّل جمال الطبيعة. فلو تحقّق ذلك لعذبّهما القلق، و عذّب أيضا أناسا آخرين في وضع مماثل.» لكن يبقى المشكل مطروحا فإذا كان العمل ضرورة حياتية وجودية بالنسبة للإنسان فلماذا نحلم بحياة بدون عمل ؟
إنّ هذا المشكل يرتكز في الحقيقة على انزلاق في المعنى مولّد للبس  فنخن لا نقابل العمل بغيابه بل بأوقات الفراغ  و نجد عند اللاتينيين زوجا أكثر دقّة للتعبير عن هذا التقابل فاللاتينيون يسمّون أوتيوم Otium أي وقت الفراغ (Loisirs) الوقت الذي لا ينشغلون فيه بالـنيقوسيوم negotium  أي الأعمال الحقوقية و السياسية بالأساس. فلا يتعلّق الأمر، إذن، بفراغ بمعنى الاسترخاء غير النافع اجتماعيا ولا يتعلّق الأمر باللعب بما أنّ اللعب ممتع في حدّ ذاته و اللعب للأطفال أمّا لعب الكبار فله هدف آخر مثلما بين ذلك كانط. وقت الفراغ هو وقت العمل النافع اجتماعيا أو فرديا و لا يختلف عن النيقوسيوم إلاّ بكونه عمل غير ملزم. أن يكون لنا وقت فراغ لا يعني أن لا نعمل شيئا بل يعني أن نعمل ما نريد لأنّ لنا الوقت للقيام به. فالعمل هو إذن ضرورة و لكن ضرورة  تغيّر من طبيعتها فأمّا أن يكون ملزما و إمّا أن يكون غير ملزم أي عمل في أوقات الفراغ.
 يجب على الإنسان أن يعمل إذن، و لكن و رغم كون العمل ضرورة بالنسبة للإنسان فإنّه ليس فطريا عنده، فالطفل لا يعرف منذ ولادته أن عليه أن يعمل و أن العمل سيصبح ضروريا بالنسبة إليه والطفل يعرف الأكل و الشرب و الحركة بطبيعته و لكن العمل و ضرورة العمل ليحافظ على بقائه هي أشياء لا يتعلّمها إلاّ بالتربية. و هذه مفارقة يحيل إليها كانط، فكون العمل ضروري بالنسبة للإنسان لا يعني أنّه قادر على العمل بطبيعته بل هو يتعلّم كون العمل ضروري، ولا يعلم ذلك بالفطرة فالإنسان ليس له ميل طبيعي  للعمل و الطفل الذي نتركه لذاته لا يقرّر العمل من ذاته. إنّه، قطعا، سيتفطّن إلى كون العمل ضروري عندما يستحيل عليه تلبية حاجياته بطريقة أخرى غير العمل و لكنّه لا يستطيع أن يعمل لأنّ العمل أو بالأحرى القدرة على القيام بعمل أو، إن شئنا التدقيق، بشغل هو شيء مكتسب و ليس فطريا فينا لذلك فإنّ معنى العمل و فكرة ضرورته و ظروف ممارسته هي أشياء نعلمها للأطفال تدريجيا. و لكن إذا كان العمل ضروري بالنسبة للإنسان كيف نقرّ أنّه لا يرجع للغريزة الطبيعة و أنّه علينا أن نتعلّم ضرورته منذ الطفولة ؟ ألا يتضمّن هذا الإقرار  تناقضا ؟
 إنّ الأمر لا يتعلّق بتناقض، ذلك أنّ العمل عند الإنسان لا يتأسّس على طبيعته الحيوانية، فلكي نعمل يجب أن نفكّر و نفكّر قبل العمل و أثناءه، ثمّ إنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ينتج لنفسه ضرورة لا تؤسّس فقط على قوانين الطبيعة، بل تتأسّس على الحياة الاجتماعية و القهر الذي تفرضه، و هذا التجاوز للمستوى الحيواني أين تسود الضرورة العمياء يؤسّس ضرورات جديدة كضرورة العمل و ضرورة تعلّمه. و هذه الضرورات الجديدة تمثّل في نفس الوقت شرط حرّية الإنسان و تضعه بشكل كلّي فوق العالم الحيواني بما أنّ الإنسان يرسم إنسانيته و يضمن انتماءه إلى النوع الإنساني بفضل العمل مثلما ذهب إلى ذلك ماركس.
و العمل بالنسبة لماركس هو قبل كلّ شيء ظاهرة توحّد الإنسان بالطبيعة. ظاهرة يتمكّن الإنسان بواسطتها من تنظيم و مراقبة تبادل المادة الذي يقيمه مع الطبيعة. فهو يفعل أمام المادة الطبيعية كقوّة طبيعية، إذ يضع قواه الطبيعية التي تنتمي إلى جسده في حركة ليقتطع مادة الطبيعة في شغل قابل للاستعمال في حياته الخاصّة. و بفعله في الطبيعة، عند تشكيله للطبيعة، يشكل الإنسان طبيعته الخاصّة و هذا يعني أنّ العمل بالنسبة لماركس يمكّن الإنسان من تملّك الطبيعة في شكل صالح للإنسان. و يتحدّد العمل في هذا المستوى كتشكيل في المعنى الحرفي للكلمة، فالإنسان من طبيعته أن يغيّر شكل المواد الطبيعية و أن يغيّر طبيعته الخاصّة التي تتشكّل بتشكيله للطبيعة. و لكي يتجاوز الصور الغرائزية و الحيوانية المحضة للعمل يقيم ماركس  مقارنة بين الإنسان و الحيوان بالطريقة التي تبرز أنّ العمل خاصّية إنسانية، يقول ماركس في "رأس المال": "إنّ العنكبوت يقوم بعمليات مشابهة لتلك التي يقوم بها النسّاج. و النحلة تلقّن درسا لعدّة مهندسين في بنائها لخلايا الشهد. و لكن ما يميّز للوهلة الأولى، و ما يؤسّس أفضلية أكثر المهندسين رداءة على أحسن نحلة، هو كون المهندس يبني الخلايا في رأسه قبل أن يبنيها في الشهد". و هذه المقارنة تبرز عنصرا أساسيا، فالإنسان يعمل ليعيش و لكن العمل ليس فقط ممكنا بتمثّل هذه الغاية المفروضة من قبل طبيعة غير قابلة للتمثّل مباشرة  من طرف الإنسان، و لكن بقدرة الإنسان على التمثّل المثالي للنتيجة قبل تحقيقها. فالأمر يتعلّق إذن، بغائية مخالفة للغائية الخارجية البسيطة كتلك التي ترتبط بحاجة السكن كعلّة غائية للبناء، لأنّها تتأسّس على القدرة على إنتاج صور لا تتّبع فقط محيط المواد الطبيعية عند تشكيلها بل تضيف شيئا ما للطبيعة لأنّ هذه الصور محقّقة من قبل إرادة مطابقة لغاية خاصّة هي غاية البناء. و هكذا فإنّ الإنسان يعوّض الطبيعة موضوع تبادلاته الأولى بمحيط ينتسب إليه وحده هو المحيط التقني. ذلك أنّ العمل عند ماركس، باعتباره العلاقة التي يقيمها الإنسان كمنتج مع الطبيعة، يشمل ثلاث عناصر:
* النشاط الشخصي للإنسان أو العمل في معناه الصرف بما هو تشكيل.
* الموضوع الذي يفعل فيه العمل.
* الوسيلة التي يستعملها في فعله هذا.
و يؤكّد ماركس على أهمّية الوسائل إذ هي التي تنتج اختلاف الأشكال المتنوّعة لمسار العمل بما أنّها تحدّد درجة فعالية النشاط الإنساني، و بالتالي إنتاجية العمل.  و هكذا فإنّ "ما يميّز فترة اقتصادية على أخرى ليس ما نصنعه بقدر ما هو طريقة الصنع، أي وسائل العمل التي تصنع بها"، وهو ما مكّن ماركس من ضبط تطوّر تاريخ الإنسانية وفق اختلاف وسائل الإنتاج، بحيث يرتكز اهتمام ماركس على الصراع الدائم بين من يملك وسائل الإنتاج و من لا يملكها و لذلك كان الاقتصاد في نظره المحدّد لوجود الأنظمة القيمية و الدينية و التنظيمية للمجتمع.
و من هذا المنطلق الاقتصادي يرى جون باتيست ساي Jean-Baptiste Say أنّ العمل هو قبل كلّ شيء فعل منتج، نشاط مبدع للنفع. و المنفعة تتحدّد بإشباع حاجيات البشر، و هكذا يكون إبداع المنفعة مرادف لإبداع للثروة، لا من جهة كون العمل يضيف مادة جديدة في الطبيعة يبدع أشياء، و إنّما من جهة كونه يكتفي بتشكيل ما هو موجود بعد و يحوّله في شكل نافع أو أن يرفع في درجة نفعه. و بما أنّ النفع هو أساس القيمة التي للمنتوج، فإنّ القيمة في حدّ ذاتها تمثّل ثروة، و يكون العمل نشاطا منتجا للثروات. مع ساي نتحوّل إذن، من تحديد العمل كقيمة في حدّ ذاته إلى العمل المنتج للقيمة المتمثلّة في النفع و بالتالي الثروة. و ما يميّز ساي على ريكاردو هو كون ريكاردو يعتبر أنّ القيمة الاستعمالية لمنتوج ما لا تحدّد ثمنه من جهة كون المنتوج أنتج بالضرورة لإشباع حاجة ما، فالنفع جوهري في كلّ منتوج و مع ذلك لا يحدّد قيمته التبادلية مع ريكاردو. و ساي بهذه الإضافة ينزّل المنتوج و بالتالي العمل في السوق. ذلك أنّ السوق يعني في الأصل المكان الذي تقام فيه التبادلات، و لكن التطوّر التجاري ثمّ بعد ذلك التطوّر الصناعي في الأزمنة الحديثة وسّع مجال التبادلات و أنواع البضائع المتبادلة، و أدّى إلى تحوّلات اجتماعية متناسبة مع حرّية تنقل الأشخاص و الخيرات و ظهور الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج لنصل لمنظومة اقتصاد السوق الذي يمثّلها النظام الرأسمالي و يصبح العمل ذاته بضاعة في السوق، سوق الشغل. و سوق الشغل في عبارات مبسّطة هو تجارة يسعى من خلالها العامل إلى بيع جهد عمله بأغلى سعر ممكن وفي المقابل يسعى من خلالها المشغّل للحصول عليه بأبخس سعر ممكن. و مثاليا لا تدخل القيمة الإنسانية للعامل في عملية التبادل هذه، و إنّما يتعلّق الأمر فقط بسعر السوق للعامل، أي قدرته الإنتاجية ذهنية كانت أم يدوية. و لكن فعلّيا قد لا تكون عملية التبادل هذه سوى استعباد  ناتج عن مديونية العامل و ضرورة بيع جهده ليحافظ على بقائه أو في بعض الأحيان يقبل العامل تلقائيا بهذه العبودية في مقابل أجر خيالي بالنسبة إليه و لفترة مؤقّتة. و مهما كانت النظريات الاقتصادية في هذا المجال فإنّ ما يعنينا من وجهة نظر فلسفية هو الربط الذي قد يبدو لنا غريبا بعض الشيء بين العمل الذي ينظر إليه العامل باعتباره لعنة، هذه البضاعة التي تباع و تشترى في الأسواق و العدالة الاجتماعية عند المنظرّين الاقتصاديين و حتّى عند الفلاسفة البراقماتيين. فكيف يمكن أن نتحدّث عن العمل كأساس للحرّية الواقعية و العدالة في حين أن العمل المأجور يتأسّس على المرؤوسية و الامتثال ؟
العمل و العدالة :    
إنّ مسألة العمل و العدالة هي مسألة راهنة ترتبط بمركزية العمل كقيمة مرجعية تشترط تحقيق مشروع المساواة و خاصّة المساواة الاجتماعية في ظروف الوجود الفردي و الاجتماعي. و لا نستطيع أن ننكر اليوم أنّ العمل يمثّل سجلاّ محدّدا للعدالة إذ يمثّل أحد شروط مصداقية المواطنة وهو ما تشهد عليه وضعية البطالة التي تؤكّد هذا الترابط بين العمل و العدالة. و رغم أنّ مثل هذا الإقرار يصدم المواطن الأثيني المقتنع بغربة المجال السياسي بما هو مجال الحرّية و المواطنة، على مجال العمل كفضاء مرتبط بالحاجة البيولوجية المبتذلة ـ إذ ليس هناك تطابق في الفكر اليوناني القديم بين نظام الروح و نظام الحياة بما أنّ إجبار العمل يمنع من تحقيق المواطنة بالكيفية التي تجعل الحدود بين العملة و الذين لا يعلمون هي نفس الحدود بين المواطن و العبد ـ فإنّ الأمر مختلف تماما اليوم، إذ يمثّل العمل شرط الولوج إلى المواطنة عبر المساواة الفعلية، فنحن نشهد قلبا كلّيا في النظر إلى العمل فمن العمل كعلامة إقصاء للمواطنة إلى العمل كشرط للمواطنة.
غير أنّ مسألة العمل و العدالة تطرح مفارقة، فمن جهة يتأسّس العمل المأجور على المرؤوسية و الامتثال و لكّنه يتقدّم من جهة ثانية كأساس للحرّية الواقعية و العدالة الفعلية، و هذا يعني أنّ الزوج عمل ـ عدالة هو زوج حديث العهد ومع ذلك يتمتّع بمشروعية غير قابلة للنقاش، ناهيك أنّ حقّ العمل هو موضوع المادة الثالثة و العشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو حقّ مشروع في كلّ الدول المتقدّمة. و لكنّ هدا الزوج يبقى موضوعا للنقاش، موضوعا محفوفا باللايقين الناتج عن الشكّ المتواصل الذي يحفّ بمفهوم العمل و بمفهوم العدالة. فالعمل يُفهم هنا بعيدا عن المطارحات الفلسفية، فلا يتعلّق الأمر بالعمل من جهة أنّه يمثّل كلّ أشكال النشاط المشكّل للمادة أو الأفكار، و لكن العمل باعتباره إجبارا و ضرورة، العمل باعتباره شغلا، أي ترجمة النشاط الشاقّ في وضعيات و أدوار اجتماعية بما في ذلك توزيع المكافآت الفعلية و الرمزية التي ترافق نشاط عمل معترفا به كنافع اجتماعيا مثل الأجر، الترقيات، الامتيازات التي تسند لشغل دون آخر... أمّا العدالة فإنّها تحيل عند أرسطو، إلى دلالتين، دلالة عامة و دلالة خاصّة، ففي الدلالة العامة تشير العدالة إلى علاقة الفرد بالمؤسّسات الاجتماعية و تكون في هذا المستوى مرادفة للفضيلة بمعنى الامتثال للقوانين، فالإنسان الفاضل هو الذي يعمل وفق القانون بشرط أن يكون هذا القانون ذاته فاضلا. و العدالة بالمعنى الخاصّ تدلّ على ما ينبغي أن يكون عليه سلوك الفرد في تعامله مع بقية أفراد المجتمع. و هذا يعني أن تناول "أرسطو" لمسألة العدالة يرتبط عضويا بالمسألة الأخلاقية، ثمّ إنّ العدالة بالمعنى الخاصّ تقتضي حسب أرسطو أن يقنع المرء بقسمته و لا يطمع بما في أيدي الناس إذ تعني الاعتدال. و يميّز أرسطو في العدالة الخاصّة بين نوعين:
*  العدالة التوزيعية: و تشمل توزيع الخيرات و الشرف و المناصب و أي شيء يمكن توزيعه على أفراد المجتمع و تقتضي هذه العدالة أن يتمّ توزيع الخيرات بما يتناسب مع ما يستحقّه كلّ طرف، و بالتناسب مع معايير الاستحقاق بحسب النظم الاجتماعية.
* العدالة التعويضية: و تتمثّل وظيفتها في إعادة الحقّ المنتهك إلى أصحابه في مجال التعاملات بين الناس. و يميّز "أرسطو" في هذا النوع من العدالة بين نوعين: العدالة المتعلّقة بالمعاملات الإرادية بين الأفراد كالبيع و الشراء و الاقتراض... و العدالة المتعلّقة بالمعاملات غير الإرادية، السرّية منها و العنيفة كالسرقة أو إهانة الغير و مضايقته... ففي مجال التعاملات الإرادية يكون هدف القاضي هو التعويض لا العقاب، و أمّا في مجال السلوك الإجرامي فإنّ الهدف يكون العقاب و تصحيح الضرر و إعادة الاعتبار للمعتدَى عليه.
و يجب أن نلاحظ أنّ مفهوم العدالة ظلّ موضوع اختلافات عديدة بين المفكّرين و الفلاسفة. اختلافات يمكن إرجاعها إلى صنفين عامين أحدها اعتبار العدالة كمساواة و هذه العدالة غير منصفة لأنّها لا تأخذ بعين الاعتبار جدارة أو أحقّية بعض الأفراد. و ثانيها اعتبار العدالة كإنصاف و هذه العدالة لا تقتضي المساواة.
و لأنّ العدالة كمساواة هي أمر لا يمكن تحقيقه، و فشل النظام الاشتراكي في المعسكرات الشرقية يبرهن على ذلك، ينادي "راولس" John Rawls بتحقيق العدالة كإنصاف، و ذلك يعني بالنسبة إليه تصحيح اللاتساوي بين الأفراد، إذ تتأسّس نظرية العدالة عند "راولس" على توزيع منصف للخيرات، لذلك يرفض "راولس" تصوّر النفعيين للعدالة، ذلك أنّ العدالة عند "هيوم" و"ميل" تتمثّل في خير أكبر عدد ممكن من الناس في حين يرفض "راولس" أن يكون تأويج المنفعة أساسا للعدالة، إذ يرفض التضحية بالحرّية أو الإنصاف باسم النجاعة و إشباع الحاجات. لذلك يشترط حضور العدالة منذ البنية الأساسية للمجتمع أي حضور العدالة في المؤسّسات باعتبارها النسق العمومي للقوانين، خاصّة و أنّ المؤسّسات الاجتماعية تخدم مصالح بعض الأفراد على حساب آخرين، هذا يعني أن تصوّر "راولس" للعدالة يقدّم لنا مظهرا توزيعيّا مؤسّساتيّا و لذلك يؤسّس العدالة كإنصاف بالنسبة لمجموع الأفراد المتعاقدين بهدف الحدّ من اللامساواة، و هذا الأساس التعاقدي للعدالة يمكّن الأفراد من تشريع القوانين بطريقة ذاتية عوض أن يتقبّلوها من الخارج، و هكذا يسهل تطبيق القانون دون الحاجة إلى القوّة. و هذا يعني أنّ العدالة كإنصاف عند راولس تتحقّق بهذه الشروط و تقوم على مبدأين أساسيين، المبدأ الأوّل هو مبدأ الحرّية و يؤمّن لكلّ فرد الحقّ المتساوي في نسق الحرّيات الأساسية مثل الحقّ في الانتخاب و حقّ الحصول على العمل، حرّية التعبير، حرّية المعتقد... و هذا المبدأ الأوّل يتضمّن كون الفرد الذي يولد بامتيازات له الحقّ في أن يؤوّج هذه الامتيازات و يكون حرّا في فعل ما يريد لتأويج هذه الامتيازات بشرط ألاّ يمسّ بحرّية الآخرين. أمّا المبدأ الثاني فيقرّ بأنّ اللاتساوي الاجتماعي ليس عيبا في حدّ ذاته، و بالتالي لا يجب أن نسعى إلى القضاء على كلّ لا تساوي اجتماعي لأنّ بعض اللاتساويات محبّذة و مفيدة، مثل اللاتساوي في دفع الضرائب ففي هذه الحالة يجب أن يكون هناك لا تساوي حتّى نقلّص الفوارق بين الناس، ثمّ إنّ اللاتساوي يجب أن يوجد عندما يتعلّق الأمر بالاستحقاق الشخصي و في هذا المستوى مثلا يدعم "راولس" الحصول على الوظائف عبر المناظرات المفتوحة. و كلّ هذه القيم الاجتماعية يجب توزيعها بطريقة متساوية إلاّ إذا كان التوزيع اللاعادل خادما لكلّ الأفراد و هذا يعني أنّ العدالة حسب "راولس" ليست إلاّ فرضية، فالعدالة لا تمثّل قيمة جوهرية مثلما هو شأن الحرّية و المساواة و الاحترام، بل ليست إلاّ تعبيرا عن علاقة توازن بين القيم و المبادئ التي يضعها مجتمع ما كمراجع و بين واقع الممارسات الفردية و الجماعية في هذا المجتمع. هذا يعني أنّ العدالة تمثّل أداة قيس نرجع إليها في استعمالات مختلفة لاختلاف القيم و الاعتراف بها وهو ما جعل "ميخائيل فالزار" يعتبر أنّ العدالة متعدّدة في تطبيقاتها إلى درجة تجعلنا نتحدّث عن "مساواة مركّبة" باعتبارها معيارا نحكم به على المجتمعات الخيّرة. و لذلك احتلّت مسألة العدالة مكانة مركزية في الفلسفة السياسية، يقول راولس : "إنّ العدالة هي أوّل فضيلة للمؤسّسات الاجتماعية تماما مثلما أنّ الحقيقة هي أوّل فضيلة لأنساق الفكر" و هذا يعني أنّه إذا كنّا ندحض نظرية ما عندما نتبيّن خطأها فإنّه علينا كذلك أن نراجع بل و نقوّض المؤسّسات و القوانين غير العادلة. غير أنّ هذه التحاليل سواء التي قدّمها "أرسطو" أو "راولس" أو غيرهما حول العدالة لا تعطينا تحديدا نهائيا للعدالة، و قد يجدر بنا أن نحدّد العدالة بطريقة سالبة حتّى يتوضّح لنا الترابط بين العدالة و العمل، فما اللاعدالة في أفق العمل؟
يمكن أن نجيب كالتالي، إنّه من اللاعدل أن لا يعمل الإنسان في حين أنّه قادر على العمل، و بالتوازي إنّه من اللاعدل أن نطالب المجتمع بحقوق دون أن نعمل، إنّه من اللاعدل أيضا أن نسيء معاملة العامل في عمله فنحرمه من الحرّية و الكرامة، إنّه من اللاعدل أن نعمل في ظروف مشينة، إنّه من اللاعدل أن نعمل مقابل أجر زهيد... و من هذا المنطلق السالب يمكن القول إنّ العادل من وجهة اجتماعية هو ما يمنح لكلّ فرد إمكانية تحقيق مشروع وجوده أي ما يسمح بجعل الفرد شخصا مكتملا و ما يؤمّن كرامته الإنسانية، و ذلك ما تحيل عليه تحاليل راولس في نهاية المطاف، وهو ما يعني أنّ العمل يتموضع إلى جانب الحياة فأن نحرم أحدا من العمل هو أن نحكم عليه بالموت، الموت من الفقر أو الموت الرمزي الذي يصيب المستبعدين اجتماعيا. و لكن بأيّ معنى يكون العمل لا فقط شرطا للعدالة الاجتماعية بل وأ يضا ركيزة أساسية لها، و لنكون أكثر دقةّ لماذا نقرّ حقّ العمل ؟
يجب أن نلاحظ أوّلا أن التشريع لحقّ العمل ضروري لأنّ العمل يحتلّ مكانة هامّة في الوجود الفردي و الجماعي في العصر الحديث، و أقول في العصر الحديث لأنّ العمل لم يكن كذلك في كلّ الأزمنة، وي كفي أن نذكّر باللاتطابق بين العمل و المواطنة في العصر القديم الإغريقي كما الروماني لنتبيّن ذلك ففي الفكر اليوناني يتحدّد المواطنون كأناس أحرار وهو ما لا يتماشى مع وضعية الحرفيين لأنّ المؤسّسة الارستقراطية تقصر الشرف على الأفاضل، ثمّ إنّ الديمقراطية المتسامحة تمنعه من الولوج لحقّ العمل لأنّ المواطنة تمارس في كامل الوقت في حين أنّ الحرفيين خاضعين للضرورة الحياتية حسب "أرسطو" و ليس لهم الوقت الضروري لممارسة المواطنة، و هذا يعني أنّ الإقصاء في النظام الديمقراطي ليس مبدئيا و لكنّه مؤسّس على حجج غير متماسكة تتعلّق بالقدرة العملية للنشاط السياسي، و"سيسيرون" في روما يقدّم حججا من هذا القبيل عندما يقول: "لا شيء شريف يمكن أن يصدر عن حانوت أو ورشة"، في حين أنّ ممارسة المواطنة هي عمل نبيل و اللاتطابق من جهة الفعل عند اليونانيين تحوّل إلى لا تطابق من جهة الحقّ عند الرومان، و غدا العامل عبدا محتقرا. أمّا في العصور الوسطى فقد تطوّر وضع العمل نسبيا بتدخّل الايدولوجيا الدينية و يمثّل القرن 17 اللحظة التاريخية التي تحوّل فيها العمل كقالب للعدالة تحت تأثير الفكر الليبرالي الناشئ حيث أصبح العمل الأساس العادل للمجتمع سواء في المستوى الاقتصادي أو السياسي.
ففي المستوى الاقتصادي أصبح العمل مبدأ مشرّعا للملكية و الثروة بعد أن كانتا في الفكر القديم حقّا طبيعيا و إلاهيا. فبالنسبة للمدرسة الليبيرالية مع " جون لوك" John Locke إذا كان الله قد وهبنا الأرض لنتقاسمها فإنّ العمل هو الذي يبرّر ملكيتها من قبل من يعمل فيها، يقول "لوك" بعد أن تساءل عن أصل الملكية :«و واضح أنّه لو لم يجعلها الاقتطاف بادئ ذي بدء ملكا له لمّا جعلها شيئا آخر»، ففعل الاقتطاف كنشاط إنساني و بالتالي كعمل هو أساس الملكية و الثروة، و منها تكون العدالة إنصافا بما أنّه لكلّ إنسان بحسب أحقّيته و جدارته. و جون باتيست ساي John-Baptiste Say يدقّق بأنّ إبداع النفع أي العمل بما هو خلق إنتاج ما، هو خلق للثروة إذ يقول " قد أزعم بأنّ إبداع أشياء لها نفع ما، هو إبداع ثروات".
و في المستوى السياسي، فإنّ نتائج مثل هذه الأطروحات، كانت حاسمة بما أنّها ترسم، و لو نظريا، أفق إمكان مساواة على أساس أنّ العمل كقدرة، يمثّل أعدل الأشياء توزيعا بين الناس. كما أنّها تطرح عدّة إشكاليات و مستجدّات تتعلّق بالديمقراطية و نظم الانتخاب و تطرح أيضا مخاوف من اللاعدالة من جرّاء تحوّل الملكية إلى معبود في المجتمعات الاستهلاكية و ما يرتبط بذلك من تناقضات اجتماعية و استتباعات أخلاقية. وهو ما يجرّنا إلى السؤال عن الطريقة الأمثل للملاءمة بين قيمتين متطابقتين نظريا في حين يطرح ارتباطهما في المستوى العملي مشاكل عديدة.
إنّ الموقف الليبيرالي يبدو مفرطا في التفاؤل. فهذا الموقف ينطلق من مسلّمة مفادها أنّ السوق هو الموجّه الراعي للتوافق بين العمل و العدالة. إذ يمثّل السوق شكلا من أشكال العدالة الإجرائية الكاملة، و لا يمكن أن تكون إنتاجاته إلاّ عادلة. و لأنّه عادل فإنّ السوق ينتج العدالة من خلال ميكانزماته الخفّية للانتظام الذاتي، ميكانيزمات يسمّيها آدم سميث بـ«اليد الخفية» التي تمثّل فاعلا يحوّل المصلحة الخاصّة بضرب من الارتداد إلى فائدة عامة، ذلك أنّ العلاقات الاقتصادية تجعل العامل يساهم بعمله في الاشتغال العام للمجتمع، و كلّ فعل إنتاج مهما كان خاصّا ينخرط في منظومة علاقات السوق، ينخرط في علاقات متوسّعة شيئا فشيئا، إذ نمرّ من الورشة إلى المعمل إلى المكتب... إلى الجهة... إلى الوطن... إلى السوق العالمي. و فريديرك حايك Friedrich Hayek يذهب إلى أبعد من ذلك بما أنّه يعتبر أنّ كلّ تدخّل خارجي في السوق سيكون وبالا على العدالة الاجتماعية و يولّد نتائج معاكسة، ذلك أنّ العدالة التي تفرض من الخارج ليست إلاّ سرابا.
لكنّ هذا الموقف الذي كان هيوم David Hume قد نقده بالاستناد إلى مسلّمته المركزية التي تفترض أنّ السوق عادل، عندما أعلن أنّ هذا الإقرار يؤدّي إلى اختزال ما يجب أن يكون في ما هو كائن، هذا الموقف يسلّم ضمنيا أيضا بكونية السوق. و لكن ما الذي يبرّر هذه الكونية ؟ هل أنّ صلاحية قانون العرض و الطلب سواء في شكله الكلاسيكي الذي يقرّ تناسب العرض مع الطلب أو في شكله الحديث الذي يعتبر العرض مولّدا للطلب، التي هي مبرهنة في النظام الاقتصادي هي كذلك في الأنظمة الأخرى ؟ أليس النظام الاجتماعي هو نظام يقوم على الاتّفاق و بالتالي له قوانينه الخاصّة التي لا يمكن اختزالها في علاقات السوق ؟ أليس الإقرار بكونية السوق مرادفا إلى تحويل المجتمع إلى سوق ؟ ألا تمثّل كونية السوق الوجه الحقيقي للعولمة و النظام الجديد الذي تريد الشركات الكبرى فرضه على كلّ دول العالم بحيث تكون مصلحتها الخاصّة أبينا أم كرهنا مصلحة عامة ؟
النجاعة و الاغتراب: 
إنّ الحرفي يستخدم الأداة ليشكّل الموادّ الطبيعية ولا يتعلّق الأمر إلاّ بحسن استخدام الأداة، استخدام يتطوّر و يتحسّن مع مرور الزمن و اكتساب الخبرة. و في هذا المعنى لا يختلف عمل الحرفي عن عمل الخادم أو حتّى الفنّان، فثلاثتهم يعالج المادة بيديه عبر الأداة، ثلاثتهم يطوّر قدرة على استخدام الأدوات و تكون إمكانات الإبداع عندها بين يديّ الإنسان، فالعمل اليدوي يتحدّد باعتباره مهارة و قدرة و إبداعا متحوّلا، عملا يترك للعامل حرّية المبادرة في نفس الوقت الذي يشكّل فيه الطبيعة. لكنّ هذا الوضع تغيّر مع قدوم الآلات المتطوّرة عبر الصّناعة و المكننة إذ تتوسّط الآلة الإنسان و المادّة و لم يعدْ العمل معالجة يدوية تقتضي مجهودات كبيرة و مهارات بل أصبح مجرّد مراقبة للآلة، إنّه حتما عمل أقلّ عناء بالنسبة للإنسان، و لكن في نفس الوقت لم تعد إمكانات الخلق و الإبداع في العمل موكولة للإنسان و إنّما للآلة، و المهمّ هو أن يكون لنا في المصنع أو في المانيفكتورة عملة مختصّين في مراقبة أنواع معيّنة من الآلات. و العامل المختصّ  ليس حرفيا و ليس له خاصّية تلقائية الاختيار الحرّ بما أنّ المنتوج قُـدَّ وفق مقتضيات اقتصادية، و تمّ تصوّره في مكاتب الدّراسات، و العامل لا يقوم إلاّ بما يُطلب منه. و ظهور مجتمع صناعي و التخلّص من العمل الشاقّ بالإضافة إلى التطوّر في الطبّ و نمط الحياة و الرّخاء شبه العام ضاعف من عدد الجنس البشري كما ضاعف من حاجياته و زادت السوق توسّعا، و في هذا الوضع كان لا بدّ من تنظيم العمل عقلانيا لتأويج المردودية و تحقيق النجاعة المطلوبة من المؤسّسة الاقتصادية. هاجس المردودية و النجاعة أدّى إلى تفتيت العمل، إلى مهامّ بسيطة موزّعة بين العملة و أصبح العامل "رجل العملية الواحدة" (سارتر). ففي إطار هذا التنظيم العلمي للعمل ظهرت التيلرة. و ظهور العمل المتسلسل جعل من السهل تعويض العامل بآلة للضغط على التكلفة بغية تحسين قدرة المؤسّسة على المنافسة في السوق. و هكذا أصبح العمل تقنيا صرفا منمّطا و لا يترك أيّ مجال للمبادرة الخاصّة من قبل العامل، إنّه أصبح نشاطا آليا على وتيرة واحدة و العمل المفتّت ليس إلاّ عملا مقلقا و مولّدا للحصر. و في وضع العمل المتسلسل لا يستطيع العامل أن يحبّ عمله، إنّه يبيع جهد عمله فقط، إنّه يبيع ذاته مقابل أجرٍ، هذا يعني أنّ ربط العمل بالنجاعة و المردودية أدّى إلى اغتراب العمل حيث تعوّض المهنة بالعملية الواحدة فعوض أن ينتج العامل منتوجا كاملا يكتفي بعملية واحدة في سيرورة الإنتاج، وهو ما يجعله مجبرا على اكتساب "مهارات" تتماشى و طبيعة العمل المطلوب منه بقطع النظر عن طموحاته و ذوقه العام. كما أنّ التطوّرات التقنية المتسارعة تفرض عليه رسكلة مستمرّة، للمحافظة على عمله. كلّ ذلك يجعل العامل منغلقا على ذاته و يحرم في ذات الوقت و من كلّ مسؤولية: مسؤولية تنظيم العمل، مسؤولية الإنتاج، مسؤولية تنظيم أوقات العمل... و بالتالي يُحرمُ العامل من لذّة إنتاج شيء ما، لذّة القيام بشيء ما بطريقة ذاتية مع الآخرين. و لكلّ هذه الأسباب  يجدُ العامل نفسه مسلوبا في عمله غريبا عن ذاته لأنّه لا يضع شيئا منها في العمل ولا يقوم إلاّ بما يُطلبُ منه القيام به. و يلاحظ "ماركس" أنّ الاغتراب هو الحالة التي تميّز التناقضات القائمة في كلّ مرحلة من مراحل تطوّر المجتمع فهو السيرورة التي يفقد فيها الإنسان ذاته تحت تأثير العوامل الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الدينية، و يصبحُ عبدا للأشياء المادية فتتصرّف فيه السلطات الحاكمة تصرّفها في السلع التجارية. و يجب أن نلاحظ أنّ النجاعة التي كانت وراء تفتيت العمل في التقسيم التقني لم تلغ التقسيم الاجتماعي للعمل ذلك أنّ التقسيم الاجتماعي للعمل يرتكز على مبدأين أساسيين. يتمثّل المبدأ الأوّل في اعتبار أنّ كلّ حاجة اجتماعية يقابلها عمل، و يتمثّل المبدأ الثاني في اعتبار أنّ كلّ فرد لا يقوم إلاّ بعمل واحد في نفس الوقت. و هذا يعني أنّ التقسيم الاجتماعي للعمل يتمثّل في تأمين ما لا يستطيع الفرد تحقيقه بمفرده على الصعيد الاجتماعي للعمل أي تأمين معاش كلّ الأفراد بما في ذلك الأفراد الذين لا يعملون. و على خلاف ذلك يتعلّق الأمر في التقسيم التقني للعمل بتحقيق النجاعة و المردودية عبر جعل عدّة عمّال يتشاركون في إنتاج سلعة واحدة. فلا يشارك كلّ واحد منهم إلاّ بجزء ضئيل في سيرورة الإنتاج، و ما يقسمه التقسيم التقني للعمل، هو إذن سيرورة الإنتاج مثلما بيّن ذلك "ماركس" عندما قدّم مثال صناعة الدبابيس في مانيفكتورة في نيرنبورغ بألمانيا. فتقسيم العمل تقنيا يزيد في الإنتاجية و بالتالي نجاعة العمل بحيث تنتج أكثر و نتمكّن من الضغط على كلفة الإنتاج و بالتالي غزو أسواق جديدة. و إذا كان التقسيم الاجتماعي للعمل هو استجابة لحاجة كلّ الأفراد و يوفّر للعامل فرصة اندماجه في المجموعة، بحيث يحتلّ العامل موضعا مصادقا عليه عبر إسناد أهلية مهنية تمثّل اعترافا رسمّيا ومؤسّساتيا بقدرات العامل و بصلاحيته الاجتماعية، فإنّ التقسيم التقني للعمل يجعل رأس المال المستثمر أكثر إنتاجية و يخدم مصلحة صاحب رأس المال دون العامل الذي لا يجني من هذه العملية إلاّ إجبارا مضاعفا لإجبار العمل و بالتالي يزيد في اغترابه. غير أنّ الاغتراب الذي تحدّث عنه ماركس في مخطوطاته وفي "رأس المال" تجاوز أوقات العمل ليشمل أيضا أوقات الفراغ حيث بيّن "هاربارت ماركوز" أنّ أوقات الفراغ ذاتها أصبحت مغتربة، و لم تعد الأوقات الحرّة التي يعمل فيها العامل ما يريد بل أصبح العامل، عبر صناعة الترفيه و الدعاية و الإشهار، مراقبا حتّى في أوقات فراغه، ذلك أنّ ولوج عدد متزايد من الأفراد إلى أوقات الفراغ بعد النضال النقابي، و تطوير وضعية العملة، أنتج سعي مختلف قوى سلطوية إلى توجيه ذلك نحو خدمة مصالحها، ذلك هو دور المنظّمات الشبابية في النظم الفاشية و النازية أو في سياق مختلف تماما، وظيفة الترفيه التي تنظّمها الشركات اليابانية. ممّا جعل علماء الاجتماع يتساءلون عن الوظيفة التحرّرية لأوقات الفراغ و"جون بودريار" تماما مثل "ماركوز" يبيّن أنّ أوقات الفراغ ليست إلاّ مواصلة للعمل لأنّها حسب رأيه لا تتخلّص من الإجبار الجوهري الذي يتمثّل في قياس الزمن، و يلاحظ أنّ المجتمع الاستهلاكي يدفع الفرد بطريقة خفية إلى استهلاك أوقات فراغه عبر توجيهه لأنشطة الترفيه بحيث تصبح أوقات الفراغ هدفا للحياة وهو ما يزيد في اغتراب العمل الذي يصبحُ مجرّد وسيلة لجمع الأموال لاستهلاكها في أماكن الترفيه، و عوض أن يطوّر العامل ذاته، و يوجّه اهتماماته نحو الوعي بوضعية الاستلاب التي أصبح عليها، يوجّه اهتماماته نحو الترفيه كهدف لوجوده، ولا تكون أوقات الفراغ بهذا المعنى إلاّ أوقات للاستعداد لعمل الغد. و هذا يعني أنّ تحسين ظروف العمل و اختزال الوقت الشرعي للعمل يوميّا و تحسين أوضاع العامل كلّها عمليات، و إن تحقّقت تحت ضغط المطالب النقابية، فقد وقع تلبيتها  فقط لخدمة مصالح أصحاب رؤوس المال لتحسين مردودية العامل أثناء عمله و لمنعه من ادّخار الأموال عبر دفعه إلى الاستهلاك خاصّة و أنّ صناعة الترفيه هي صناعة يشرف عليها أصحاب رؤوس المال. ارتباط العمل بالمردودية و النجاعة و تطوير وسائل الإنتاج لم يحسّن أوضاع العمل إذن، بل زاد في اغترابه، يبدو أنّ العمل كميزة إنسانية محكوم عليه بأن يتحرّك دائما في إطار التناقضات ففي مقابل العمل كمحدّد لإنسانية الإنسان ننظر إليه أيضا كسالب لهذه الإنسانية، و في مقابل العمل كمحرّر الإنسان من الحاجة و الفاقة ننظر إليه كمولّد للاستعباد، و في مقابل العمل كأساس للعدالة ننظر إليه كنشاط مغترب في ارتباطه بالنجاعة. و هكذا نتبيّن أنّ العمل كظاهرة إنسانية يرتبط بعوامل متنوّعة و متداخلة اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و بذلك يبدو أنّه من الضروري أن تتظافر الجهود لتجعل من العمل إنسانيا و نتجاوز التناقض بين النجاعة و العدالة فالعدالة تحمل معنى "المساواة و الإنصاف" و النجاعة بما تحقّقه من ربح يتجلّى في فائض القيمة كمولد للاستغلال و تفاوت متزايد بين من يعمل و الذين لا يعملون.  و هذا الواقع المغترب للعمل جعل الناس اليوم يعدلون عن الانخراط في الرؤية المقدّسة للعمل بما هو مصدر كلّ قيم، خاصّة و أنّ الاستهلاك أخذ حجما كبيرا في الحياة اليومية، بحيث أصبحت إيديولوجيا الاستهلاك مسيطرة على العقليات، و المجتمع الاستهلاكي عبر الدعاية و الإشهار عوّض معيار العمل برغد العيش في إطار سعادة  فردانية و أصبحت القيم الهيدونية مقياسا لكلّ الأشياء، و الإنسانية التي كانت تعلم أنباءها أخلاق العمل هي ذاتها التي تساهم اليوم في اختزال العمل في ربح المال الذي يمكن الأفراد من اشتراء سعادتهم من البضائع المعروضة، فالعمل في المجتمعات الاستهلاكية، مجتمعات الوفرة ليس إلاّ وسيلة لجمع المال الضروري لتحقيق رغد العيش حيث أصبح الرّفاه غاية الوجود الإنساني.  لكن هل أنّ الإنسان محكوم عليه بأن لا يكون إلاّ مغتربا في العمل؟ أليس هناك إمكانية ليتحرّر؟ ثمّ إذا كان العمل و العدالة متضايفان ألا تكون النجاعة ملازمة للعدالة و بالتالي تسقط عنها و لو نسبيا صفة الاغتراب التي ارتبطت بها ؟ ذلك على الأقلّ ما يذهب إليه "ايريك فايل"، فإذا كان النظام الاجتماعي العادل هو أساس الاجتماع فإنّنا نكون بالضرورة في حاجة إلى مقتضيات الحساب العقلي و بالتالي في حاجة للنجاعة لتحقيق العدالة. و مطلب العدل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المصالح باعتبارها متمادية مع الوجود الإنساني خاصّة و أنّ العمل ذاته هو مصلحة اجتماعية، و "فايل" يذهب إلى أبعد من ذلك حين أقرّ "إنّ المصلحة هي مدار المجتمع"، و العدالة من هذا المنطلق ليست إلاّ عدالة المصالح. ولا يجب أن نفهم من ذلك أنّ "فايل" يدعو إلى اتّباع المصالح مهما كانت، فلا يتعلّق الأمر بالنسبة إليه إلاّ باتّباع المصالح التي تكون كونية لأنّ المصلحة الكونية وحدها في الحقيقة عادلة، أمّا المصالح غير المشروعة على مستوى معقوليتها فإنّها تؤدّي إلى تحطيم المجتمع إمّا عبر تمرّد الأطراف المحرومة و إمّا عبر يأس هذه الأطراف من العدالة فتكون مقاومتها سلبية و تتمظهر في شكل عدم اكتراث ولا مبالاة بالمصالح الاجتماعية. و لكن يجب أن نلاحظ أنّ هذا التضايف بين العدالة و النجاعة على أساس العمل لا يمكن أن يتحقّق إلاّ إذا وقع ردّ الاعتبار للعمل. إذ يجب أن نتعلّم من جديد ضرورة العمل، العمل لا لجمع المال من أجل التمتّع في العطل و استهلاك الاستهلاك، إذ عندها "ما فائدة أن يربح الإنسان قوّته بالعمل إذا كان يخسر نبله في أوقات الفراغ" كما أشار إلى ذلك "بول ريكور". و هذا يعني أنّه علينا أن نغيّر نظرتنا للعمل ليكون حقّا أفق تحرّر، فلماذا ننظر للعمل باعتباره جحيما ؟ لماذا لا نولي عناية للعمل كعنايتنا بأوقات الفراغ ؟ إنّ الموقف الهيدوني يفرغ الحياة من كلّ قيمة. و النظر إلى العمل باعتباره توجّها نحو الذات في الحياة هو شرط  جعله طريق تجربة واعية، فالعمل يجد معناه عندما يكون  في ذات الوقت تشكيلا للطبيعة و تشكيلا للذات، و من هذا المنطلق فإنّه على الإنسان أن يسعى إلى التحرّر لا فقط من إجبار العمل الذي يسبّب اغترابه بل عليه أيضا أن يتحرّر من النظرة السلبية للعمل ليعيد إنتاج إنسانيته بطريقة كونية، فالعمل هو شرط التحرّر حيث بيّن لنا "هيقل" أن الفرد لا يتحرّر من طبيعته المباشرة إلاّ عبر اغتراب الذات المشكلة، حيث يمكن له أن يحقّ ق اعتراف الآخرين به في بعده الإنساني النوعي ككائن ثقافي قادر على تحقيق كلّ أنواع الغايات، و أنّ الحرّية لا تتحقّق إلاّ إذا تعالت الإرادة الفردية على الرغبات و الدوافع الفردية، و العنصر المحرّر الذي يحتوي عليه النشاط الغائي للعمل يمنع من تجذير الحياة في المباشر حتّى و إن كان رفاه. و ربّما تكون مسؤولية الدولة هذا الجهاز الذي يرعى حقّ العمل مسؤولية مضاعفة بما أنّها مطالبة أوّلا بتوفير موطن شغل لكلّ مواطن و لكن أيضا مطالبة بأن تمنع أن يكون هذا الحقّ الذي توفّره للمواطنين عامل اغتراب و تشيّؤ، و هذه المهمّة ليست بالأمر الهيّن في إطار العولمة و اقتصاد السوق حيث تتقلّص سيادة الدولة على رقعتها الجغرافية إلى حدّ كبير. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق