إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الخميس، 2 أبريل 2009

مثال لتحليل نصّ: ج .ج . روسو

تحليل نصّ فلسفيّ حول مسألة الدولة:
السّيادة و المواطنة: شعبة الآداب نظام جديد:
النصّ: سيظلّ هناك فرق كبير بين إخضاع جماعة و إدارة مجتمع. و إذا ما استعبد أفراد من الناس مُتفرّقين الواحد بعد الآخر، بالغا عددهم ما بلغ، من رجل واحد، رأيت هناك سيّدا و عبيدا و لم أر شعبا و رئيسا: هذا ما يصحّ أن نسمّيه حشدا من الأفراد لا تجمّعا مُتّحدا، إذ ليس هناك مصلحة عامّة و لا هيأة سياسية. و هذا الرّجل يظلّ فردا من أفراد النّاس و لو استعبد نصف العالم. و مصلحته ـ بانفصالها عن مصلحة الآخرين ـ ليست إلاّ مصلحة خاصّة، و إن هلك هذا الرجل فإنّ امبراطوريّته تظلّ مُشتّتة و مفكّكة كشجرة البلّوط التي تنحلّ و تسقط كومة من رماد بعد أن تلتهمها النّار. و يقول غروتيوس: إنّ شعبا ما يمكنه أن يهب نفسه لملك. 
فالشعب هو إذن، عند هذا السياسي شعب قبل أن يهب نفسه لملك. و هذه الهبة نفسها عقد مدني يفترض تشاورا عامّا. و لذا يحسن أن نبدأ بدراسة العقد الذي يكون به الشعب شعبا قبل أن ننظر في العقد الذي به يختار الشعب ملكا. ذلك لأنّ هذا العقد الأوّل الذي يسبق الثاني حتما هو الأساس الذي يقوم عليه المجتمع.
جان جاك روسو: في العقد الاجتماعي
حلّل هذا النص تحليلا مسترسلا مستعينا بالأسئلة التوجيهيّة التّالية:
* ما الفرق بين السيّد و عبيده  وبين الرئيس و شعبه ؟
* ما هي أطروحة غروتيوس ؟
* هل تجيز طبيعة العقد الاجتماعي، عند روسو، الحكم الاستبدادي ؟
* ما الذي يبرّر وجود الدولة في نظر روسو ؟ ما رأيك في ذلك ؟
الإصــــــلاح:
فهم النصّ:
 مبحث النصّ: الدولة و الهيئة السياسية.
الأطروحة:
 لا وجود لهيئة سياسية في ظلّ حكم استبدادي لأنّ الشعب لا يصبح حقا شعبا إلاّ على أساس عقد اجتماعي.
التخطيط:
1/ الفقرة الأولى:
 شعب خاضع لطاغية ليس في الحقيقة شعبا و إنّما حشد من الأفراد.
2/ الفقرة الثانية:
 روسو ينقد غروتيوس: لا يستطيع الشعب أن يهب نفسه لمستبد إلاّ إذا وجد هذه الشعب بصفته شعبا.
3/ البحث عن قيمة النصّ الفلسفية:
* يدعونا النصّ إلى التفكير في الأساس الذي يقوم عليه وجود الدولة أو الهيئة السياسية. فنتعرّف عندئذ على إشكالية العقد الاجتماعي كفعل مؤسّس للهيئة السياسية بل للمجتمع: إذ أنّ الأساس الذي يقوم عليه وجود القوانين و السلطة السياسية و الحياة الاجتماعية بأسرها هو خضوع كلّ فرد خضوعا حرّا للمصلحة العامة، و هذه المصلحة العامة تحدّد تحديدا جماعيا ـ أي الجماعة هي التي تقرّرها ـ
** كما لا يخفى علينا الطابع الجدالي الذي يستهدف الحكم المطلق و أنصاره. و في هذا المنظور يجدر بنا أن نقابل روسو بهوبز.
المقدّمــة:
 رأي البعض في الدولة قبرا للحرّية فدعوا إلى القضاء عليها بينما رأى غيرهم فيها وسيلة لتحقيق السلام و الحرّية. ألا يعود هذا الاختلاف في المواقف إلى تباين أنظمة الحكم ؟ ألا يمكن التوفيق بين الحرّية الفردية و الخضوع لنظام سياسي معيّن ؟ في هذا النصّ المقتبس من " في العقد الاجتماعي" ينقد روسو نقدا لاذعا المَلَكِية المطلقة مستهدفا المفكّرين الذين انتصروا لها. و بالتلازم مع ذلك يؤكّد روسو على ضرورة وجود رابطة توحّد بين الأفراد إذ أنّ قوام المجتمع ليس في توحيد أعضائه توحيدا خارجيا تفرضه إرادة سيّد قاهرة و إنّما في انتظام أعضائه انتظاما حرّا. و سنهتمّ، و نحن ننظر في هذا النصّ، بتوضيح التوجّه الديمقراطي في نقد روسو للاستبداد بادئين بمنطق النصّ:
1/ منطق النصّ:
 لكي ندرك المنطق الحجاجي يجب أن نحدّد الغاية التي يرمي إليها النصّ. و تتّضح لدينا هذه الغاية جدالية ذلك أنّ النصّ يستهدف غروتيوس. يلخّص روسو موقف هذا المفكّر في بداية الفقرة الثانية: " إنّ شعبا ما يمكنه أن يهب نفسه لملك ". و هكذا، بالنسبة إلى غروتيوس، يعود أساس السلطة إلى تعاقد بين الشعب و فرد، و بمقتضى هذا التعاقد أو الاتّفاق يتخلّى الشعب عن حرّيته لكي يخضع لإرادة هذا الفرد. و في هذه الحالة ينظر إلى السلطة السياسية قياسا على العلاقة بين السيّد و العبد كما توضّح ذلك عبارات عديدة و ردت في الفقرة الأولى " إخضاع، استعبد، سيّد، و عبيد، استعبد. و هكذا يجعل غروتيوس العبودية الإرادية أو المقبولة عن رضا أصلا و تبريرا ممكنين للسلطة: غروتيوس هو منظّر للحكم المطلق أو الاستبداد ـ أي نظام يتمتّع فيه الملك بسلطة غير محدوددة ـ يدحض روسو أطروحة غروتيوس ناقدا مسلّماتها. فلكي يستطيع شعب أن يهب نفسه يجب أوّلا أن يكون قد تشكّل كشخصية معنوية ـ اعتبارية ـ ذات إرادة خاصّة بها. و إلاّ كان الشعب مجرّد حشد من الأفراد بحيث لا تتّصف السلطة الاستبدادية ـ مهما اتّسعت و قويت ـ بالطبيعة السياسية إذ لا مجد هنا إلاّ إرادة خاصة تخضع غيرها من الإرادات الخاصّة. و الحال أنّ السياسي لا يبدأ ـ و هذه هي أطروحة الفقرة الأولى ـ إلاّ بظهور " المصلحة العامة". و من ثمّة لا مناص لأنصار غروتيوس من التسليم بأنّ الشعب قد تشكّل باعتباره شعبا قبل أن يهب نفسه لمستبدّ. و عندئذ لا يقوم أساس السلطة في عقد الخضوع و إنّما في عقد اجتماعي. يتوقّف النصّ عند هذا الحدّ لكنّنا نستطيع أن نتصوّر نهاية الرهان الذي اعتمده روسو: إذا افترضنا الحكم المطلق فلا بدّ أن نفترض العقد الاجتماعي لكن العقد الاجتماعي يدين أي حكم مطلق.
1/ ليس الاستبداد نظاما سياسيا:
 تنقد الفقرة الأولى الحكم المطلق نقدا جذريا إذ ليس هذا الحكم المطلق نظاما سياسيا سيّئا فحسب بل ليس هو نظام سياسي على الإطلاق. يرمي روسو إلى نقد الاستبداد زاعما أنّه لا يوجد في الاستبداد لا شعب و لا رئيس. و يلجأ روسو إلى أسلوب خطابي قائم على جملة من التقابلات، لكن الوجه البياني لا يخفي عنّا صرامة البرهان.
أ ـ الحشد من الأفراد و التجمّع المتّحد:
 النقطة الحاسمة في هذا البرهان تقوم في التمييز بين " الحشد من الأفراد " و" التجمّع المتّحد ". يتألّف الحشد من عناصر يجاور بعضها بعضا بحيث تنعدم أي وحدة تحوّل هذا الجمع من الأجزاء إلى كلّ واحد حقيقي. و يلحّ على هذا الوجه: " أفراد من الناس متفرّقين الواحد بعد الآخر". و يدلّ هذا التعاقب على أنّ المستبدّ لا يخضع شعبا مؤلّفا كيانا واحدا و إنّما جملة من الأفراد المنعزلين. فلا تقع سيطرته على الجماعة من حيث هي جماعة و إنّما تقع على كلّ فرد على حدة ثمّ تعمّ الأفراد كافّة. و في المقابل تقتضي فكرة "التجمّع المتّحد" أنّ الأفراد متّحدون لا محتشدون أي أنّ ذلك يقتضي اتّفاق الإرادات الخاصّة و ظهور إرادة عامة. و عندئذ تتكوّن "شخصية معنوية" تميّزها عن الأشخاص الماديين الذين يؤلّفونها، و ذات إرادة خاصّة. و كما أنّ إرادة كلّ فرد ترمي إلى تحقيق مصلحتها الشخصية فإنّ الإرادة العامة تلتمس المصلحة العامة. من هذا التجمّع المتّحد تنشأ المصلحة العامة التي تقابل المصلحة الخاصّة. ينشئ التجمّع المتّحد كيانا جديدا، و هذا الكلّ الواحد يختلف اختلافا تامّا عن مجموع الأجزاء. ذلك هو الكيان الذي أطلقت عليه الفلسفة السياسية في القرن 18 اصطلاح " الهيئة السياسية" أو "الجسم السياسي"، و في العصر القديم كان اللفظ المتداول هو المدينة ـ la cite. أمّا اليوم فالأمر يتعلّق بالدولة. و ندلّ بهذا اللفظ على الشخصية المعنوية ـ الاعتبارية ـ الناشئة عن التجمّع المتّحد. يجب أن لا نخلط بين هذا المعنى و المعنى الآخر الذي يحيل بوجه خاصّ إلى الأجهزة التي تمارس بها السلطة في دولة ما. و يمكن أن نقول أيضا " الجمهورية republique " و هذه لا تنشأ إلاّ مع ظهور المصلحة العامة. و أفراد الهيئة السياسية أو الدولة إنّما هم مواطنون لا أفراد. هذا العقد الاجتماعي الذي تنصهر به الإرادات الخاصّة في إرادة عامة يمثّل لحظة ولادة الشعب باعتباره دولة. ذلك ما عبّر عنه روسو بقوله :" العقد الذي به يكون الشعب شعبا". و المراد بذلك هو العقد الذي يصبح به "الحشد من الأفراد" "تجمّعا متّحدا". و بطبيعة الحال لا تتكوّن الدولة إلاّ إذا تجسّد هذا القرار بإنشاء تجمّع متّحد في وضع قوانين عامة و سلطة سياسية مشتركة. و يجعل روسو من هذا العقد أساس المجتمع. فليس المجتمع مجرّد حشد بشري: إنّ تعريف المجتمع على أساس عدد أفراده هو تعريف غير كاف إذ لا وجود لمجتمع إلاّ بتشييد نظام اجتماعي ينهي حالة النزاع بين الأفراد و بين إراداتهم الخاصّة. و هذا النظام ناشئ عن القوانين و عن السلطة. و دوام المجتمع هو رهن انتظامه سياسيا بأي وجه من الوجوه: تمثّل لحظة ولادة الرابطة السياسية الأساس الذي يقوم عليه المجتمع. ذلك ما يسمّيه روسو بالعقد الاجتماعي: كلّ فرد يتمتّع في "الحالة الطبيعية" بحرّية غير محدودة. و لكن مع ظهور العلاقات و تنوّعها تتعرّض ممارسة هذه الحرّية للخطر أو الفساد، فيضطرّ الفرد إلى أن يبادل بحرّيته، غير المحدودة و غير الواقعية، حرّية اتّفاقية "تعاقدية" محدودة لكنّها مكفولة. إنّ الفرد بتخليه عن إرادته الخاصّة لكي يخضع للإرادة العامة، يفوز بمجال الحرّية يضمنها القانون.
2/ نقد الاستبداد:
 بعد أن بيّـنا الفرق بين التجمّع المتّحد و الحشد من الأفراد، ينبغي أن نتساءل لماذا لا نجد في الحكم الاستبدادي تجمّعا متّحدا ؟ لا شكّ أنّ هناك وحدة دنيا يضمنها الخضوع العام لإرادة فرد واحد. هذه الإرادة الفردية تكفل السلام المدني. و مع ذلك فإنّ وحدة المجتمع هنا قد فرضت فرضا من الخارج أي أنّها ليست نابعة من انضمام كلّ فرد انضماما حرّا إلى الجماعة و التزامه بقوانينها، و إنّما هي، ناتجة عن قسر يفرضه فرد خارج عن المجتمع و يخصّ نفسه بمنزلة أسمى من المجتمع. و بوسعنا القول: إنّ التجمّع المتّحد هو نظام حرّ إذ أنّ الشعب لا يطيع إلاّ ذاته. إنّه صاحب السيادة. و في المقابل الحكم الاستبدادي هو أحد أشكال التبعية "فقدان حرّية تقرير المصير"، إذ أنّ الشعب خاضع لنظام غير صادر عنه. و إذا استعرنا اللغة الميتافيزيقية نقول إنّ المجتمع الناشئ عن تجمّع متّحد هو مجتمع جوهري "ضروري": هو أساس ذاته. و في المقابل، النظام الذي يفرضه الاستبداد هو نظام عرضي أي وجوده جائز و ليس ضروريا. و لهذا السبب فهو قد لا يستمرّ طويلا. عاجلا أو آجلا يفكّك التاريخ الامبراطورية القائمة على أساس القوّة وحدها. لهذه الفكرة أهمّية كبرى عند روسو، إذ ليس هناك تناقض بين الحقّ و المصلحة، و ليس الطاغية باغيا فحسب بل إنّ عمله أيضا واهن. و هذا ما أدركه الطغاة أنفسهم ممّا دفعهم إلى أن يلبسوا قوتّهم لباس الحقّ. أي أنّهم يسعون إلى تحويل الإكراه القسري طاعة عن رضى. و من هنا تأتي الفكرة المخيفة التي يقول بها غرو تيوس: فكرة عقد الخضوع. إنّ الزمان هو المحكّ الأعلى للحقيقة: امبراطورية الطاغية مهما اتّسعت لا تستطيع أن تقاوم الزمان. لنتأمّل في النظر في المسألة. لماذا لا تلقتى نزوات الطاغية و إرادته القبول من الأفراد جميعا ؟ في الحقيقة ليس من الضروري أن يتصوّر المجتمع بنفسه مضمون القوانين ليكون حرّا وهو يطيعها، بل يكفي أن يتعرّف فيها على المصلحة العامة فيرضى ـ متى بيّنها الملك ـ بأنّ يخضع لها مصلحته الخاصّة. يتعلّق الأمر هنا باستبداد مستنير أو بملكية من النمط الأفلاطوني التي يملك فيها الفيلسوف. و مع ذلك نستطيع أن نعترض على هذه الفكرة اعتراضا مزدوجا: فمن جهة العامل المحقّق لوحدة المجتمع هو عامل خارجي إذ ليس للشعب في هذه الحالة حياة سياسية خاصّة به. و وحدته الظاهرة هذه إنّما تقوم في إجماع سلبي على عمل الملك. و حتّى إذا ما لم تقم الوحدة الاجتماعية على القوّة بل قامت على رضى حرّ فيظلّ وجودها رهن عامل خارجي بحيث تزول بزوال هذا العامل الخارجي. و من جهة أخرى إذا استبعد روسو هذه الإمكانية فذلك لأنّ المستبد لا يعدو أن يكون فردا خاصّا، و مصلحته مصلحة خاصة "منفصلة عن مصلحة الآخرين". بل إنّ الإرادة الفردية الأسلم مقصدا لا يمكن أن تعبّر على نحو دائم عن الإرادة العامة. فعلى سبيل عرضي فقط تتطابق المصلحة العامة مع المصلحة الفردية. يجب إذن أن نبطل الأسطورة التي تقول بأنّ الملك يجسّد مصلحة الشعب و الدولة. باختصار، ليس الاستبداد نظاما سياسيا لأنّه لا يتعلّق إلاّ بالأفراد الخواص. و لا يصحّ الكلام على نظام سياسي إلاّ مع تأسيس دولة و قيام حكومة تخدم المصلحة العامة. و لا تختلف علاقة المستبدّ بالشعب عن علاقة السيّد بالعبد إلاّ من جهة الكم: يقول روسو "رأيت هناك سيّدا و عبيدا". و يريد بذلك أنّ الاستبداد هو علاقة فردية "خاصة". و غروتيوس ينظر في السلطة السياسية قياسا على العبودية. و ليست هذه المقارنة مشينة فحسب لأنّها تحتقر الحرّية بل هي خاطئة لأنّها تخلط بين المجال الخاصّ و المجال العام. يدحض روسو إذن أطروحة غروتيوس على نحو صريح: إذا قسنا السلطة السياسية على سلطة السيّد، فإنّها تتجرّد من كلّ صفة سياسية.
3/ عقد الخضوع يقتضي عقدا اجتماعيا:
 إنّ العقد الذي يهب بموجبه شعب ما نفسه لا يمكن أن نتصوّره إلاّ على نحوين: إذا كان المراد عقدا فرديا "خاصّا" يهب بمقتضاه كلّ فرد نفسه، فإنّ سلطة الملك ليست في هذه الحالة ـ كما رأينا ـ سلطة سياسية على الوجه الصحيح. عقد الخضوع إذن هو عقد مدني "نابع عن الإرادة العامة الصادرة عن تشاور عام". و شرط قيام مثل هذا العقد هو تشكّل شعب له دولة. لا بدّ قبل أي تشاور من أنّ كلّ فرد قَبِل الخضوع للإرادة العامة و لا بدّ أيضا من أنّ إجراءات التصويت قد ضبطت. و بفضل هذا العقد الأوّلي فقط ستقبل الأقلّية أن تتبنّي الرأي الذي سيرجّح. قد يعترض معترض على ذلك قائلا إنّه في حالة القرار المُجمع عليه لا حاجة إلى عقد أوّلي. لكن هذا الاعتراض خاطئ لأنّ الإجماع قد يكتسي قيمتين مختلفتين: يمكن أن نتصوّره بمثابة جملة من القرارات الفردية المتطابقة "وليس قرارا جماعيا". و في هذه الحالة تقع في الصعوبات التي أشارت إليها الفقرة الأولى. و إمّا إذا نظرنا إلى الإجماع بمثابة قرار جماعي فهو يقتضي في هذه الحالة عقدا أو اتّفاقا سابقا "متقدّما". و إذا ما اتّفق أن حصل إجماع فذلك لا يؤثّر لا في طبيعة القرار ولا في ضرورة العقد المتقدّم المحدّد لقواعد التشاور. إنّ المفارقة قد ضبطت على هذا النحو ضبطا دقيقا: الحكم المطلق لا يستمرّ قائما كنظام سياسي إلاّ إذا توفّر شرط السيادة الشعبية و لكن ذلك يعني بطلان كونه مطلقا.
4/ العقد الاجتماعي هو أساس المجتمع:
ـ أ ـ المجتمع ناتج عن اتّفاق:
 أساس المجتمع عند روسو هو عقد اجتماعي يربط بين الأفراد. و معنى ذلك أنّ الفرد سابق على المجتمع. فليس للمجتمع وجود طبيعي و إنّما هو ناتج عن اتّفاق. و من جهة أخرى نعلم أنّ الحالة الطبيعية عند روسو هي حالة عزلة و ليس هناك أي ميل اجتماعي طبيعي يدفع الناس إلى الخروج عن عزلتهم إلى حالة الاتّحاد. يمكن أن نعترض على هذا الرأي قائلين بأنّ لا يوجد فرد بلا مجتمع. في هذا المنظور يتقدّم الرابط الاجتماعي على الوعي الفردي. فالناس تسكنهم عاطفة جماعية و توجههم إرادة موحّدة تتّجه غريزيا نحو بقاء الجماعة. و بعد ذلك يظهر الوعي الفردي مقاوما الجماعة، و تتميّز الإرادة الشخصية من الغريزة الاجتماعية. و عندئذ لا يتصوّر المجتمع باعتباره تجميعا لعدد من الأفراد بل إنّ الفرد ينشأ عن تمايز في صلب الجماعة الاجتماعية. هذا الاعتراض لا يبطل إبطالا تامّا أطروحة روسو على الأقلّ كما عرضت في هذا المقتبس المدروس، و ذلك لسببين: مهما يكن أصل المجتمع، و ما أن تظهر الإرادة الخاصّة فإنّه لا يمكن للمجتمع أن يستمرّ إلاّ باتّفاق حرّ بين أفراده. و إن لم يقم أصل المجتمعات في العقد الاجتماعي فهذا العقد يمثّل، شرط استمراريتها. و يمكن أن نقارن هذا بما قاله روسو في الأسرة: الأسرة هي في الأصل وحدة طبيعية و لكنّها عندما يدرك الأطفال عمرا معيّنا، لا تبقي متماسكة إلاّ على أساس الاتّفاق. و إذا ما وجب أن يكون الرابط الاجتماعي متينا بل و مشروعا أيضا فلا بد أن يريد الأفراد ذلك. يتساءل روسو عن مشروعية المجتمع، و بوجه خاصّ عن مشروعية القوانين و السلطة: كيف نوفّق بين الحرّية الفردية و الخضوع لنظام اجتماعي معيّن ؟  لن نستطيع حلّ هذه المشكلة إلاّ إذا جعلنا المجتمع كائنا صنعه الفرد صنعا حرّا. منذ اللحظة التي نسلّم فيها بحرّية الفرد لا يمكن أن نرى هناك رابطا اجتماعيا متينا و مشروعا إلاّ إذا تمّ الرضاء به رضاء حرّا. و في هذا الصدد ينتج المجتمع حقّا عن اتّفاق. و تمكّننا هذه الملاحظة من أن نوضّح إشكالية روسو: هدفه أن يوفّق بين وجود الحرّية و وجود المجتمع.
ـ ب  ـ روسو ينقد هوبز:
 يقوم المجتمع على اتّفاق و تعاقد. وعلينا أن نوضّح هذا التعاقد: يرفض روسو الحلّ الذي اقترحه غروتيوس كما يعارض هوبز في حلّه. حقّا أقرّ هوبز بضرورة عقد اجتماعي و لكن الشعب لا يتعاقد إلاّ على التنازل عن حرّيته لصالح الملك أو صاحب السيادة. و فعلا ففي نظر هوبز كلّ فرد يعاهد غيره بهذه المهمّة، في هذه الصيغة:" إذا تخليّت عن حرّيتك لتطيع إرادة " س"  فأنا أعاهدك على ذلك أيضا ". و بمقتضي هذا العقد يصبح الشخص الذي تنازل له الأفراد عن حقوقهم ملكا يتمتّع بسلطة مطلقة. فكونه ليس طرفا في العقد يقتضي الإذعان لأوامره و تقديم الطاعة له. إنّ مثل هذا العقد في نظر روسو عقد لا معقول لأنّه ما إن ينشأ حتّى تتقوّض الإرادة العامة. ليس المجتمع مجتمعا طبيعيا و لا مؤسّسا على عقد الإذعان و لا عقد اجتماعي كما تصوّره هوبز. بقي العقد كما تصوّره روسو هو الحلّ.
إعداد الأستاذ نبيل إبراهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق