إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الأربعاء، 25 فبراير، 2009

كونية الحداثة و نسبيَّتها

           حوار مع  د.عبد الله بلقزيز  أستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثاني ـ الدار البيضاء‏)
أجرت الحوار: رشا الجديدي ـ المغرب
في الوقت الذي نجد فيه أنّ أمَما كثيرة مرتبطة في الوقت الراهن، من اقتحام طرق العمل للامبريالية الغربية لثقافتها، فإنّها تطرح المشكلة على نفسها بمصطلحات فاصلة: تقدّم / تخلّف ـ حداثة / تقليد.‏
في حين أنّنا نجد الأمم الغربية غارقة منذ عدّة عقود في خطاب انحطاطها ذاتها و خيبة الأمل في مُثل الحداثة. بينما ما زالت كلمة حداثة تُشكّل بالنسبة إلى شعوب كثيرة سطوة سراب جميل.‏
* قبل أن نتحدّث عن الحداثة، أعتقد أنّ الحديث عن نشوئها يشكّل مدخلاً تاريخياً إلى معانيها و أغراضها.‏ إنّ الحديث عنها من وجهة النظر الفلسفية، هو الكلام عن الثورة التي افترضتها العقلانية العلمية عند غاليلو، و تطبيق هذه المبادئ على منهج البحث 
الفلسفي عند ديكارت.‏ و من وجهة النظر الاجتماعية ـ التاريخية، نستطيع أن نحدّد بداية الحداثة في لحظة انبثاق الرأسمالية. و بالتالي الكلام عن عقلانية اقتصاديّة ـ منذ القرن السادس عشرـ و من وجهة نظر علم الجمال، نستطيع أن نتحدّث عن الحداثة كحركة ناتجة عن اكتشاف ذاتية الجميل و عن الفنّان كمبدع ـ منذ عصر النهضة ـ، أو أن تركّز على إشكالية تغيير القياس (المثال) عند الطليعيين: الفنّ كموضوع للعمل الفنّي ـ بدءاً من نهاية القرن التاسع عشرـ من الواضح أنّه يوجد بين كلّ هذه الحداثات شيء مشترك: ولادة الذاتية و الاستقلال المطرّد للفرد. و حرّية التفكير. و القدرة على النقد و النقد الذاتي. و الدفاع عن حقوق الإنسان.‏ أمّا حين نفهم الحداثة بمعنى التقدّم، فإنّنا ندخل في المجال الاقتصادي، فإنّها تعني تحرير الصناعة و ما ينتج عنها و هذا ما نقصده بمصطلح (العولمة). و مع ذلك هناك اختلافات كبيرة بين (العولمة) و(الحداثة).‏
* لقد انتقل مفهوم الحداثة إلى المجال التداولي العربيّ حديثاً. ثم حدثت محاولات لتوطينه في نسيج الثقافة و الفكر. كيف دخلت إلينا (الحداثة) من هذا الباب ؟.‏
** طرقت الحداثة أبوابنا من مدخل أدبيّ و فنيّ. يشهد على ذلك مسرح توفيق الحكيم. و روايات نجيب محفوظ. و شعر نازك الملائكة و بدر شاكر السيّاب. و موسيقى الأخوين عاصي و منصور الرحباني. و سينما صلاح أبو سيف و يوسف شاهين.. إلخ.‏
لم يكن ذلك ليعني أنّ ولادتها كانت من رحم الأدب و الفنّ حصراً. و أنّها أنتجت معها جمهورَها العريض الذي انتصر لها و أخرجَها من إسار النخبوية.‏
* كيف دخلت أيضاً على مجالات الفكر؟.‏
** خارج حَوْمَةِ الأدب و الفنّ، و في رحاب الفكر و الإنتاج النظري، وُ لِدَتِ الحداثة أيضاً. ربمّا قبل الحداثة الأدبية و الفنّية، و بعدها.‏
مَنْ يمكنُه أن ينْسَى ديكارتية طه حسين الذاهبة في اشتباكها مع (حنبلية) الفكر العربي إلى حدّ الصدام على نصاب (القدسية) في الموروث الشعري العربي؟.‏ و من يَقوَ على تجاهل صرخة عبد الرحمن بدوي (الوجودية). و صرخة فؤاد زكريا (الوضعية). و (علموية) سلامة موسى المبكّرة.‏ و مَنْ يملك أن يشطب من سجلّ ـ مغامرات ـ الحداثة أنثروبولوجية على الوردي. و جينينالوجية جمال حمدان. و شخصانية محمد عزيز الحبابي. و تاريخانية عبد الله العروي. و جدلية حسين مروّة و طيب تيزيني و مندي عامل و سمير أمين و صادق جلال العظم. و فوكوية محمد عابد الجابري. و سيميائية محمد أركون. و نقدية حسن حنفي التاريخية.‏ و صَوْلات هشام جعيط بين التاريخ السياسي و الاجتماعي و تاريخ الفكر و علم الاجتماعي السياسي. و حذاقة التحقيق المقارن لدى رضوان السيّد. و سياحة جورج قرم الفكرية، بين الاقتصاد و التاريخ و الأنثروبولوجيا السياسية...‏
* قد يفهم القارئ من سردك لأعمال هؤلاء المفكّرين و العلماء، أنّ الحداثة دخلت إلى الثقافة العربية منذ أربعة عقود تقريباً!.‏
** للحداثة تاريخ في ثقافتنا و فكرنا العربيَّيْن، لا يقلّ عن ثلاثة أرباع القرن.‏
لقد شقّت الحداثة مجراها في الأدب و الفنّ، و تدفّق سيْلها في النصوص و في النفوس. لكن حظّها في حقل الفكر و الإنتاج و النظري ما انفكّ يُعْلِن عن تواضع متزايد.‏
* هل تقصد أنّ الحداثة انتصرت في ميدان الإبداع، و أخفقت في ميدان الفكر، سيما في مجال العلوم الاجتماعية ؟‏
** من المبكّر التسليم بوجاهة المعادلة التي يتألّف منها هذا السؤال. إنّ الحداثة تعاني ـ كرؤية ـ من نقص حادّ في القدرة على منافسة نقائضها، في حقل التأليف والثقافة السياسية العمومية. و هذا صحيح بغير شكّ، و آية ذلك أنّ الأغلب من رموز الحداثة في الفكر، بَاتَ لا يَمْلِك مُكْنَة الدفاع عن الحداثة. و علينا أن نقول استطراداً إن تلك المعاناة هي ما يعيد إنتاج سؤال الحداثة في الوعي العربي المعاصر بالحدّة التي يفرض بها نفسَه اليوم.‏
* على ما يبدو أنّ (مفهوم) الحداثة، يعاني التباساً مع مفهوم (التحديث).‏
** إنّ مفهوم (الحداثة) كما دخل في المجال التداولي العربي، لا يعني مفهومه في الفكر الغربي. إنّ الفوارق بين المفهومين واسعة. فالحداثة Modernité هي الرؤية الثقافية والفلسفية الجديدة للعالم.‏ أمّا (التحديث) Modernisation، فهو فاعلية سياسية و اجتماعية، ترومُ تطوير بُنَى المجتمع و السياسة و الاقتصاد. بحيث تلائم مستوى التحوّلات الطارئة على صعيد الزمان و المكان و العلاقات الاجتماعية و الحاجات. و هنا يتعلّق الأمر بسياسات و إجراءات مُخطّط لها تحقّقها الدولة.‏ لقد تَنَبَّه عبد الله العروي منذ ثلث قرن، إلى مثل هذا الخلط بين مفهومي الحداثة و التحديث ـ دون أن ينصرف إلى العناية بالمفهومين ـ حين لاحظ أنّ برنامج الدولة العصري في التحديث المادي: الاقتصادي و الاجتماعي ـ برنامج السلطة الناصرية ـ لم يرافقه و يرادفه مشروع ثقافي حديث.‏ و قد يُسْتَفاد من ذلك، أنّ الوطن العربي عاش تجربة التحديث (الماديّ)، دون أن يعيش تجربة الحداثة (الفكرية والثقافية).‏
* لنعود إلى بداية الحداثة في موطنها الأصلي، و لمفهومها الذي ينبغي تبينه من خلال حركتها الداخلية، و أدوارها في حقول المعرفة.‏
** خرجت الحداثة كرؤية جديدة للعالم، من رحم التحوّلات الكبرى التي شهدتها أوربا العصر الحديث. و كانت طرفاً في صناعة بعض وقائع تلك التحوّلات. و قد نشأت فلسفة الحداثة في بيئة تاريخية و سياسية و اجتماعية و ثقافية، في مسلسل من العلاقات الصراعية بغيرها من منظومات الثقافة و الفكر السائدة.‏ و الحقُ أنّ الحداثة آذنت بميلاد نظام معرفي جديد، في أوربا الحديثة. لا يمكن البحث له عن جراثيمَ و مقدّماتٍ سابقةٍ لذلك الميلاد.‏ ثمّة مَلْمَحَان رئيسَان و مفصَليان للحداثة يؤسّسان تلك البراديغمات هما: تنزيل العقل منزلة السلطة المرجعية المعرفية الوحيدة في إدراك العالم: الطبيعي و الاجتماعي، و تكريس الإنسان هدفاً نهائياً للتحرّر و التقدّم. و إذا شئنا استخدام المفاهيم الدارجة في تعيين (جوهر) و مضمون هذه الحركة الفكرية ـ التاريخية التي مثّلتها الحداثة. نقول إنّ مَنْحَيَيْهَا الرئيسَيْن كانا العقلانية و الإنسانوية: أو النزعة الإنسانية.‏ و يمكن تلخيص القول بأنّ العقلانية نشأت كحركة فلسفية شاملة حديثة، عن مبدأ بسيط يردُّ إمكان المعرفة إلى أداةٍ رئيسَةٍ و وحيدة هي العقل.‏ و هذا يضرب بجذوره إلى العصر الإغريقي القديم حين انعقدت المرجعية للعقلانية الأرسطية و السكولاستيكية. و حتّى أنّ أوربا الحديثة نفسَها لم تشأ أن تُعَرِّفَ نهضتها ـ و العبارة عربية ـ إلاّ بوصفه Renaissance: أي ميلاداً متجدّداً بعد ميلاد أوّل في أثينا.‏
و قد تكون المساهمة الفلسفية الرُّشدية حاسمة في إعادة وَصْلِ بذلك الماضي. و من ناحية أخرى أن العقلانية الأوربية الحديثة: عقلانية ديكارت وسيبنوزا و كانط و هيغل، غير قابلة لأن تُقْرَأ بوصفها محض إعادة إنتاج للعقلانية الأرسطية. لأنّها تخطّت ـ فعلاً ـ حدود العقل الصوري الأرسطي، سواء بنزعتها الجدلية أو بإقامتها بعض أنساقها النظرية على معطيات المعرفة العلمية التجريبية، التي بدأت (متواضعة) في حِسِّية بيركلي و تجريبية بيكون وهيوم، لتبلغ مداها الأعلى مع فيزياء نيوتن و تطوّرية البيولوجيا الداروينية. ممّا كان له الأثر الحاسم في تأسيس عقلانية جدلية لدى فريدريك هيغل و كارل ماركس.‏ الأهمّ في كلّ هذا أنّ العقلانية نشأت في علاقةٍ صراعيةٍ مريرة بنقيضها الفكري و التاريخ: اللاعقلانية القروسطية التي مثّلتها الكنيسة و الفكر اللاهوتي الذي احتضنته. و مع أنّه كان من حسن حظّ العقلانية الغربية الحديثة، أنّها نشأت و تطوّرت في الوقت نفسه الذي أحرزت فيه حركة الإصلاح الديني نجاحات هائلة، على صعيد تحجيم سلطان الكنيسة (الكاثوليكية) و واحدية الفكر اللاهوتي المرتبط بها. ثم شقّت لنفسها مساراً مختلفاً، و لم تتوقّف عند حدود مكتسبات ذلك الإصلاح.‏
كان ذلك فصلاً حاسماً من فصول المعركة ضدّ القرون الوسطى و مواريثها. انتهى بانتصار العقل على اللاهوت و(الرعية) على طبقة رجال الدين. و انتصار علاقات الإنتاج الرأسمالية الوليدة و الصاعدة، على نمط الإنتاج الإقطاعي في حلبة الاقتصاد. و انتصار الثورة البرجوازية على الإنتاج الملكية المطلقة و المستبدّة، في حلبة السياسة. فإنّ ائتلاف العقلانية و الرأسمالية و الثورة في حلف مشترك، كان الردّ التاريخي الطبيعي و الموضوعي الذي قاد إليه تحالف الثالوث القروسطي المزمن: الكنيسة و الإقطاع و الملكية. و في الحالات جميعاً آذنت تلك الانتصارات، بانتقال حاسم إلى عصر جديد هو عصر الإنسان بميلاد الإنسان. نشأت في الفكر الغربيّ الحديث أيديولوجيا جديدة متكاملة البناء هي الإنسانوية. وهي كناية عن نظرة جديدة إلى الإنسان بوصفه (جوهر العالم) و مركزه و صانع مصيره فيه.‏ هكذا فُتِحَ الباب أمام الحداثة: رؤية فلسفية و نظاماً اجتماعياً سياسياً، تمثّل الديمقراطية اليوم تعبيرهَ الماديّ و المؤسّسي ذلك كان تاريخ ميلاد الحداثة و ملابسات ذلك الميلاد. و لكن، علينا أن نضع تعريف ذلك الميلاد في سياقه التاريخي حتّى لا نخطئ قراءته.‏
* لكن الحداثة بدأت تنشر خارج بيئتها منذ القرن التاسع عشر: كيف حدث ذلك. و كيف أثّرت على البلدان التي وصلت إليها ؟.‏
** لم تقتحم حداثة أوربا العوالم الجديدة في القارّات الثلاث (آسيا و إفريقيا و أمريكا الجنوبية)، اقتحاماً ثقافياً صرفاً. أعني من خلال جدلية الحوار و التبادل الثقافي، التي كانت مَعْبَراً تاريخيّاً مألوفاً إلى إقامة الصلات بين الثقافات و الحضارات. و إنّما أطلّت على تلك العوالم، بوسائط غير ثقافية و بغير قليل من العنف.‏ أتت الحداثة في ركاب الحملات الاستعمارية الأوروبية، التي غزت بلدان و مجتمعات العالم من قبل ـ الصناعي.‏ تعرّف إليها مثقفو و أدباء هذه المجتمعات، كثقافة لأوروبا الغازية الظافرة، و ليس كمنظومة أفكار مستقلّة عن الغالب الأوروبي.‏
لقد وزّعت الحداثة الثقافية زرعاً في نسيج هذه المجتمعات، تماماً مثلما زُرعت العلاقات الرأسمالية الجديدة.‏
* إذن لم تقدّم الحداثة نفسها بطريقة حضارية (إقناعية) على المجتمعات و الثقافات!. بل حملها العنف إليها.‏
** لقد دخلت الحداثة على تلك المجتمعات بالغزوة الاستعمارية. و مع أنّ عنف الحداثة هذا كان يكفي لرفضها و لفظها، من قبل من وقع عليهم فعل العنف ذاك. إلاّ أنّ ذلك لم يحصل دائماً بالقدر المتوقّع. إذ وجد هناك من تراءى له أنّ الأخذ بالحداثة هو في جملة الأخذ بالأسباب، التي صنعت لأوروبا شوكتها و هيبتها.‏ و في سائر المجتمعات التي اقتحمتها الحداثة، لم يكن ممكناً أن تتمّ عملية الاستقبال بتهليل أو رحابة صدر، خاصّة أنّها قد أتت في ركاب الغزو الاستعماري، الأمر الذي عَنَى القبول بها تسليماً بالهزيمة.‏
* كيف تجلّت مقاومة الشعوب لعنف الحداثة ؟.‏
** أمّا مواجهة عنف الحداثة فقد تجلّى أوّلاً، بما تجُوز تسميتُه بالممانعة الحادَّة و الشاملة. حدّتها كانت في إنكارها الحداثة و إبدائها الشدّة عليها. أمّا شمولها فلإنّها طالت سائر تجلّيات الحداثة. و لم تكن ممانعة جزئية، كما سيصبح في ما بعد بأكثر من قرن.‏
لم يكن العرب وحدهم و لا المسلمون معهم، الوحيدين الذين انفردت ثقافتهم بإبداء ذلك الفعل من الممانعة الحادّة و الشاملة للحداثة شاركهم في ذلك كثيرون: الصينيون، و الهنود، و حتّى اليابانيون. أمّا هنود أمريكا فأحرزوا سبقاً قبل هؤلاء جميعاً.‏ أمّا الجامع بين تلك الممانعات الثقافية، فهو الرجوع الحادّ إلى الماضي و التمسّك به.‏ أمّا ثاني تلك الأشكال فهو ما يمكن تعريفه بالممانعة المتكيّفة مع إكراهات الحداثة. ينتمي إلى المقاومة الثقافية من حيث ماهيته. غير أنّها مقاومة لا تركب تيّار الرفض الحادّ و الشامل لكلّ معطيات الحداثة الثقافية. بل تتكيّف مع كثير من تلك المعطيات بهدف تقوية نفسها من جديد. أو قل بهدف إعادة إنتاج نفسها كممانعة قادرة على مجابهة ضغوط الحداثة.‏ مرّة أخرى، لم تكن الثقافية العربية ـ في حقبتها الحديثة ـ وحدها التي جنحت لهذا النوع من الممانعة الثقافية المتكيّفة مع إكراهات الحداثة. بل شاركتها في المنحى و النهج ثقافات مجتمعات أخرى، مثل مجتمعات الثقافات الكونفوشيوسية و الهندوسية و البوذية و الوثنية.‏ أمّا ثالث شكل لتلك الممانعة، فهو ما يصحّ تعيينه باسم الممانعة الثقافية البعدية. وهي كناية عن ممانعة متأخرّة في الزمان. و يعود زمن عودة هذه الممانعة إلى الربع الأخير من القرن العشرين. و لو أخذنا مجتمعات العالمين العربي و الإسلامي مثالاً، لأمكن القول إنّ أكثرها انفتاحاً على الحداثة. ثمّ إنّ هناك أمثلة أقرب من الزمان لتلك الممانعة البعدية، نتعوّد بداياتها إلى عقد الثمانيات الماضي. من أهمّها تركيا و تونس و باكستان و إندونيسيا، التي ولجت حدثاتها الثقافية طور انكفاء و تراجع أمام مدٍّ متزايد لنقائضها المستمسكة بالماضي و الهوّية و الميراث الحضاري الإسلامي.‏
لنترجم المعطيات السابقة ـ عن الممانعات الثقافية الثلاث ـ الممانعة الأولى لتلك التي أبدتها مراكز إسلامية عريقة.‏ أمّا الممانعة الثانية (المتكيّفة) مختلف، وهي اتّخذت شكل ردِّ فكريّ متكامل و بالغ الإيجابية، هو الفكر الإصلاحي الإسلامي للقرن التاسع عشر و فواتيح القرن العشرين. انصرف هذا الردّ إلى إعادة بناء خطاب إسلامي منفتح على معطيات العصر و متطلّع إلى تأهيل مجتمعات الإسلام، للمشاركة الفعّالة في بناء الحضارة الإنسانية و صناعة التاريخ. و مع أنّه غرف من الحداثة الفكرية الغربية، خاصّة في جوانبها السياسية.‏ و لقد أتت الممانعة (البعدية) الثالثة، في أعقاب إخفاقات مشروع (الحداثة السياسية) العربية و ما جاورها في ميادين الاقتصاد و الاجتماع: المشروع الذي حملته الحركات الوطنية و القومية، و دافعت عنه نخب ثقافية حديثة باسم التقدّم و النهضة و الثورة. و تبدّدت أيضاً في سائر الكتابات الإسلامية، التي خرجت من رحم (معالم في الطريق) لسيد قطب. و منها كتابات شكري مصطفى و عبّود الزمر و عبد السلام فرج و أيمن الظواهري و عمر بن الرحمن في مصر. و سعيد حوّى في سورية. و محمد الفيزازي و محمد الزمزمي في المغرب. و أسامة بن لادن في السعودية. إلخ. تدور حول ثنائيات الكفر و الإيمان و (الصليبية) و الإسلام و الجهاد،.‏
* حديثك عن علاقة الحداثة بالهوية و الأصالة يجعلنا نطرح سؤالاً: يفكّر في معنى الحداثة نفسها، و في صلتنا بها ـ هل الحداثة الكونية تسري أحكامها على سائر المجتمعات و الثقافات. أم نسبية يتوقّف النظر إليها على النظر إلى شروطها المعيّنة و المتغايرة بتحوّلات الزمان و تغاير المكان ؟.‏
** تأسيساً على المعطيات السابقة، إنّ الحداثة ليست بالبساطة التي يفترضها الخائضون فيها. و إنّما من التعقّد و التركيب بحث تستوعب أكثر من قراءة.‏ إنّ الحداثة كونية و نسبية في الآن نفسه. و هذا ليس جواباً توفيقياً أو تلفيقياً، يروم المصالحة بين المقولات المتعارضة. و إنّما هو حاصل نظرة تركيبية تستعيد السمتين معاً في تضافرهما.‏ نعم إنّ الحداثة الفكرية كونية، و ذلك لأنّ الجوامع و المشتركات بين تيّارات الوعي العربي، و بين كافة ثقافات المجتمعات و الأمم، كبيرة بحيث يمكنها أن ننتج خطاباً جديداً (موضوعياً): خطاب رتق لا خطاب فتق، ينصرف عن البحث في الفواصل إلى البحث في الأواصر. في جعبة تلك الأواصر ما يشهد لها: العقلانية، و العلم، و النزعة الإنسانية. و هذه ممّا ليس يجوز الحكم فيها بأنّها قيم خاصّة بمجتمع بعينه دون آخر.‏ لكن الحداثة إيّاها نسبية في نفس الوقت. و مأتى نسبيتها من ظروف تاريخية و سياسية و ثقافية مختلفة الطبائع و المحدّدات. فهي في أوجه منها ليست تقبل التعميم إلاّ من منطلق نظرة مركزية إلحاقية، تفترض نفسها معياراً تقاس به الأشياء و الأفكار، و تفترض العالم هوامش قابلة للإلحاق بمركز. و قد يقال إنّ نسبية الحداثة في حالات جزئية و في مجالات (ضيّقة)، مثل الإنتاج الرمزي و الجماليات (كالموسيقى و الرقص و الغناء و العمارة) أو اللغة.‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق