إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الأربعاء، 25 فبراير، 2009

الثقافة العربيّة بين الخصوصية و الكونية

د. سمير إبراهيم حسن
يمكن النظر إلى ثقافتنا العربية، باعتبارنا أبناءها من منظوريْن: منظور ما هو مستحبّ و منظور ما هو واقعي و تاريخي. فقد يحلو لنا تصوّر ثقافتنا العربية كما نحبّ لها أن تكون، فنتمنّى لها أن تكون متميّزة و أصيلة و أن تنطوي على كلّ معايير الحقّ و الخير و الجمال و التقدّم، إضافة إلى الكرم و الشجاعة و إغاثة الملهوف، و كلّ ما تعلمّناه في المدرسة من خصائص الثقافة العربية الأصيلة. كما نتمنّى من دون ريب، أن تكون ثقافتنا كونية و ندّاً لثقافات الأمم المتقدّمة في انطوائها على معايير حبّ العمل و العلم و الإنتاج و الإنجاز، و قادرة على الحوار و الفعل و الإسهام في الإبداع الإنساني الثقافي المعاصر. و نتمنّى أن نستطيع القيام بنهضة 
جديدة تردّ ثقافتنا إلى ما كانت عليه من أمجاد في عصورها السالفة. نعم، و لكنّنا نجد أن ثقافتنا العربية في الواقع على غير ما نشتهي و نحبّ، إذ هي كما يصف تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 " تجد نفسها الآن قبالة رياح الثقافة الكونية و أذرعها الإعلامية الجبّارة و قوّاها الاقتصادية و المالية العملاقة... تجابه مشكلات الوحدة الثقافية الكونية و تعدّد الثقافات و الشخصيات الثقافية و مشكلة الذات و الآخر و مشكلة الشخصية الحضارية و ما ماثل هذا كلّه من مصطلحات أو مفاهيم تشي بالهواجس و المخاوف و المخاطر التي تنقلّب في نفوس أبنائها. فهواجس انقراض اللغة أو تضاؤل الهوّية أو تبدّدها باتت هواجس شاخصة تفرض نفسها على الفكر العربي و الثقافة العربية". (1) بنفس الطريقة يمكن النظر إلى أي حالة تاريخية، بما في ذلك حالة الكونية، من منظوريْن: منظور ما هو مرغوب و مستحبّ، و منظور ما هو واقع قائم. فما هو مستحبّ و مرغوب من الكونية لدينا و لدى جميع الضمائر الإنسانية الخيّرة الحيّة هو الفرص المتساوية العادلة لجميع الثقافات لأن تتحاور و تثرى و تتكامل في إطار من السلام الكوني و بعيداً من النزعة التجارية و العسكرية الكريهة، و لكن شتّان ما بين المرغوب و الواقع. ففي الواقع أنّ الثقافة كنمط حياة و كرؤية للعالم تتغيّر في جميع مناطق العالم، و في خطّ صاعد باستمرار حتّى الآن، وفقاً للاقتراب من النمط الغربي عموماً و الأميركي خاصّة، الذي بات يُقَدَّم " كنموذج كوني" تقاس بالنسبة له درجة تحضُّر و معاصرة الأفراد و الجماعات، بل و حظوظهم من النجاح و من الاستمرار في المستقبل. و لعلّ من النافل أنّ الأمر لا يقتصر على البلدان العربية، بل هو يمسّ معظم شعوب العالم اليوم بفعل ثورة وسائل الاتّصال و تفجُّر المعلومات. فمعظم شعوب العالم اليوم تنظر بكثير من التخوُّف إلى الإمكانيات الضخمة التي تتمتّع بها المجتمعات الغربية و بخاصّة المجتمع الأميركي و التي بها تفرض هيمنتها الثقافية على بقيّة شعوب العالم. إنّ الانفتاح الراهن للعالم، بفعل تقدّم وسائل الاتّصال المصاحب للكونية، يتضمّن من حيث المبدأ إمكانات رائعة للتقريب بين ثقافات الشعوب و الحوار و التفاهم بينها و إظهار تنوّعها الغني، و إمكانية تغيير الصور النمطية المتبادلة، و المشوّهة غالباً، و لكن هيمنة مجتمعات محدّدة في هذه السيرورة هو الذي يجعلها تنطوي على مخاطر كبيرة و ملموسة اليوم في تهميش المقوّمات المميّزة للشعوب ورد كثير من عناصرها التقليدية إلى ما هو فولكلوري عتيق أو إلى الممات التافه. و من حيث المبدأ أيضاً، فإنّ الكونية المحتفى بها تعني انفتاح الحدود و حرّية انتقال شتّى أصناف البضائع الثقافية و الفكرية، و إمكانية أي ثقافة، و أي نتاج فكري حامل لها، لأن تنتقل من المحلّية و الخصوصية إلى العالمية. و لكن واقع الحال أنّ الأمر يتعلّق بقدرة هذه البضائع على العبور. فبضائع مَنْ هي الأقدر اليوم، و الأمس أيضاً ؟ هل الجواب يحتاج إلى كثير من التفكير ؟ لقد بات من الواضح، و ممّا هو ليس بحاجة إلى استفاضة في الشرح و تقديم البراهين، أن المنتج و المهيمن على المعلومات و الصور و تسويقها يفرض رؤيته و تصوّره على المتلقّي، و بإمكانه بالتكرار المتزايد فرض تصوّرات خاصة تغيّر في الهوّية و الخصوصية و في زاوية النظر إلى التراث الثقافي. من هذا المنطلق ننظر إلى الثقافة العربية و الفكر العربي و علاقته بإمكانات الكوننة أو العولمة. فما فرص الكونية أمام الفكر و الثقافة العربية ؟ مرّة أخرى ستجدنا نميّز بين ما هو كوني في الفكر و الثقافة من حيث مضمونه الإنساني التحرّري و انطوائه على هموم و معاناة و مطالب إنسانية عادلة و بين ما هو كوني بفعل قوّة قاهرة سواء كانت موجّهة أم مغفّلة. إنّ الثقافة العربية ثقافة تاريخية عريقة من دون شكّ، و يمكن أن نستنبط منها منظومة معياريّة ذات مضامين إنسانية رائعة، و قد تمتلك ثقافتنا بذاتها فعلاً كلّ مقوّمات العالمية من حيث انطوائها على قيم التسامح و التنوّع و التعدّد و السلام و قيمة الحياة و السموّ الأخلاقي. و لكن المشكلة ليست في أنّ الثقافة العربية تاريخية و عريقة و ذات مضامين إنسانية سامية، بل في أنّ العرب الراهنين الذين تعنيهم الثقافة العربية هم اليوم أضعف بجميع المعايير الاقتصادية و السياسية و العلمية و التكنولوجية و الإعلامية، و بالتالي فهم عاجزون كما نرى في الواقع عن تقديم ثقافتهم إلى العالم، حيث تظلّ ثقافتهم متروكة للغير، ينتقي منها ما هو غالباً غريب و شاذ و مجتزّئ و مثير لسوء فهمها و تشويهها. إنّ القوّة التكنولوجية و الإنتاجية و الرّفاه المادي هو الذي يحدّد اليوم قوّة الثقافة و الأفكار و قدرتهما على الانتشار و الحوار و التطوّر، و المجتمع الفقير و المتخلّف لا يستطيع أن يجعل الآخرين ينصتون إليه و يحترمون رأيه، أمّا البلد المزدهر اقتصادياً و علمياً و تكنولوجياً فإنّه يمتلك القوّة المادية و الرمزية لجعل الآخرين يصغون إليه باهتمام. إنّ للمجال الاقتصادي قوّته الثقافية المصاحبة و المنبثقة عنه، و لذلك، و بسبب الضعف و التأخّر العربي الرّاهن، نجد اليوم، وب معايير الانتشار و الإنتاج، إنّ هذه الثقافة و نتاجها الفكري محدودة الفرص كونياً. لأنّها بالأساس محدودة محلّياً. فحتّى 1997 مثلاً، كان في البلدان العربية أدنى متوسّط في مؤشّرات الصّناعة الثقافية في مجموعات دول العالم مقابل أعلى متوسّط في نسبة الأميّة: المصدر تقرير التنمية البشرية و الكتاب السنوي لليونسكو 1997 و لم يتجاوز عدد الكتب المنتجة في الوطن العربي (1.1 %) من النتاج العالمي رغم أنّ العرب يشكلّون (5 %) من سكّان العالم فعدد الكتب الفنّية و الأدبية الصادرة في الوطن العربي لم يتجاوز (1945) كتاباً في عام 1996 ممّا يمثّل (0.8 %) من الإنتاج العالمي وهو أقلّ ممّا أنتجته تركيا مثلاً التي لا يتعدّى سكّانها ربع سكّان الوطن العربي (2). و من جهة أخرى، فإنّ الثقافة العربية اليوم كرؤية للعالم أقلّ تأسّساً على الفكر العلمي الذي يمكن أن يمكّنها من الكونية، فنسبة تضاعف النشرات العلمية لكلّ مليون من السكّان 1981 ـ 1995، مثلاً، هي في الوطن العربي أقلّ نسبة في العالم، إذ لم تتجاوز (2.4 %) بينما كانت في كوريا (24 %) و في الصين (11 %) (3). و دولة كإسرائيل و العرب في حالة صراع مستمرّ معها تنفق على البحث العلمي عشرة أضعاف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة، بل هناك مفارقة صارخة مع روح العصر الرّاهن عصر المعلوماتية و مجتمع المعرفة نجدها في بلادنا، فلم يسمع أحد يوماً أن كتاباً أو مقالاً في السحر أو الشعوذة قد صودر أو منع، و لكنّنا سمعنا و خبرنا كثيراً مؤلّفات علمية جادّة أو مجتهدة صودرت و منعت و تعرّض أصحابها للاضطهاد. و لا شكّ أنّ كلّ ذلك ليس من مؤشّرات التقدّم و لا الكونية. إنّ الرؤية الموضوعية اليوم لا تهتمّ بالمقارنة بين هذه الثقافة و تلك من حيث عراقتها أو انطوائها على ما يمكن أن يكون إنسانيّا و كونيًّا، أو هذه القيمة و تلك من حيث سموها و روعتها و جمالها، و إنّما تتعلّق بالشروط الموضوعية النوعية التي تضعف هذه و تقوّي تلك. و بالمثل فإنّ بعض عناصر الثقافة الأميركية كنمط حياة و رؤية للعام تنتشر و تتعولم، ليس لقوّة روحية مجرّدة فيها، و ليس لجدارتها إنسانيّا أو أخلاقيًّا، مع احتمال ذلك دون ريب، و إنّما لكونها نتاجاً لقوّة اقتصادية و تكنولوجية و سياسية تاريخية ليست الثقافة إلاّ معادلاً لها. لذلك فهي تهيمن ليس لأنّها حسنة رغم ما تتزيّن به من مفاهيم الديمقراطية و السلام و حقوق الإنسان و الحرّيات المدنية و مقاومة الدكتاتوريات، و رغم وجود ما هو حسن و رائع فيها دون شكّ، بل إنّها تنتشر لأنّها مؤسّسة على قوّة اقتصادية و سياسية و عسكرية و إعلامية جبّارة تنسف اليوم كلّ تنوّع العالم الثقافي. أمّا إعلان الأسف العربي و غير العربي تجاه ذلك فما هو إلاّ شعور الفريق الأضعف في المعادلة.
تناقض:
و يمكن القول دونما تجنّ أنّ المجتمع المتخلّف متخلّف كذلك ثقافيًّا و أنّ المجتمع المتخلّف ثقافياً هو مجتمع متخلّف بالضرورة. بل يمكن القول بمعنى ما، و بعبارة تبدو متناقضة منطقياً و لكنّها صحيحة واقعياً، أنّ الثقافة العربية، بفعل العولمة و ثورة وسائل الاتّصال و المعلومات، تصل إلى العالمية اليوم و لكن بفعل الغير، و بصورة مشوّهة، باعتبارها ثقافة عنف مضادّة للحرّية و للعقلانية و للديمقراطية. و لا تفسير لذلك إلاّ الضعف و التأخّر العربي. و لذلك فإنّ التحدّي الرئيسي الذي تفرضه الحالة الكونية الجديدة هو تحدٍّ علمي تكنولوجي و اقتصادي سياسي بالدرجة الأولى و ليس تحدياً ثقافياً روحياً مجرّداً، أو قل إنّ التحدّي الثقافي و الحضاري هو نتيجة بمعنى ما لصراع أعمق، اقتصادي سياسي في جوهره، تعمّم و تتعولم فيه رؤية الأقوى، مهما بلغ فيه موروثنا الثقافي التاريخي من سموّ و إنسانية و مجد و عزّة. و بالتالي فإنّ الحفاظ على الهوّية و الخصائص الثقافية الوطنية و القومية، أو تجديدها الفعّال، لا يضمنه و يكفلّه إلاّ القدرة على تجديد و تطوير القوى الاقتصادية و السياسية بالدرجة الأولى. إنّ واقع التأخّر و التبعية و التخلّف هو المشكلة، والثقافة بصفتها بعداً أساسياً من أبعاد الواقع الاجتماعي الاقتصادي و السياسي، هي خاضعة للتحوّل الحاصل في هذا الواقع مهما كان نوع أحلامنا بثقافة عربية سامية و أصيلة و مميّزة و مختلفة. إنّ جوهر المسألة هو هدر الإمكانيات بالفقر و البطالة و تدنّي الإنتاجية و مستوى الإنجاز و الأميّة و التصحّر و تدنّي مكانة المرأة و الفساد و غياب الديمقراطية (4).
الكونية و الهوّية الثقافية:
ما الهوّية الثقافية ؟
الهوّية الثقافية تتضمّن القيم أو المعايير القياسية التي تتميّز بها جماعة أو مجتمع عن مجتمع و جماعة أخرى و التي تميّز بها الجماعة بين ما هو جيّد وما هو سيّئ، بين ما هو مرغوب و ما هو غير مرغوب (5). في هذا الإطار تتحدّد الهوّية بالإجابة عن السؤال: مَنْ نحن ؟ ما خصائصنا ؟ بماذا تتميّز شخصيتنا ؟ و بماذا نختلف عن الآخرين ؟ ما العوامل المشتركة بيننا ؟ ما الثوابت و ما المتغيّرات في تكوين شخصيتنا ؟ ما التغيّرات التي يمكن أن تحدث أو التي يمكن إحداثها دون أن تتشوّش هوّيتنا ؟ من هذا الفهم فإنّ المحافظة على الهوّية الجماعية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمطلب الاستقلالية الثقافية، فالثقافة و الهوّية مفهومان يحيلان إلى الواقع نفسه (6).غالباً ما تحيل هذه الأسئلة عن الهوّية الثقافية المستقلّة و التي تميّزنا عن الآخرين على التراث باعتباره هو الذي يشكّل شخصيتنا الحضارية وهوّيتنا الثقافية. و لكن ما التراث ؟ لقد لاحظنا عبر أكثر من قرن أن فهمنا كعرب لتراثنا ليس واحداً و ليس ثابتاً، بل ظلّ دوماً شأناً متعلّقاً بانتماءاتنا و اتّجاهاتنا الإيديولوجية بالدرجة الأولى، و بالتالي ظلّ مفهوم الهوّية ملتبساً هو الآخر، و متعدّداً بتعدّد مصالحنا و أيديولوجياتنا. نفهم الهوّية على أنّها كيان تاريخي، و بالتالي خاضع للتغيّر و التبدّل و التطوّر، و لا يمكن فهم الهوّية خارج التاريخ، و لذلك نلاحظ كيف ارتبط مفهوم الهوّية في الفكر العربي الحديث بجملة من المواقف و التصوّرات المتعلّقة بالتراث و الحداثة و التراث و المعاصرة و الأصالة و المعاصرة و الشخصية الحضارية و الذات العربية و العقلية العربية، هذه المواقف التي اتّصلت بدورها بالمواقف من التقدّم و التخلّف و التأخّر و المواقف من الآخر و من الانتصارات و الهزائم و الأزمات. و تغيّر مفهوم الهوّية و مضامينها باختلاف مواقفنا من هذه العلاقات. و لكن مهما كان الأمر فإنّ الهوّية لا تعني الانغلاق على الذات أو على التراث و الثبات و عدم التغيّر و التطوّر ممّا لا يقود إلاّ إلى التعفّن و الاندثار و الموت، فالهوّية ليست كياناً دائماً و ثابتاً لا يحول و لا يزول، نشأ هكذا دفعة واحدة و إلى الأبد، استلمناه من أسلافنا دون تغيير و نسلّمه بأمانة لأخلافنا دون أن نتصرّف فيه. و حتّى لو أردنا ذلك فإنّنا لن نستطيع، لأنّ التغيير حادث لا محالة، وهو يحدث رغماً عنّا، و من الأفضل أن نعرف كيف نتعامل مع التغيير من أن يفرض علينا و نحن عنه غافلون. لذلك فإنّ تعزيز الهوّية بنظرنا يعني القدرة على الاستمرار و التجدّد الدائم و الحوار النقدي الإيجابي مع المتغيّرات الجديدة و مع الثقافات الأخرى، لأنّ الهوّية بغير ذلك مجرّد ذكرى، و لأنّ الثقافة التي لا تحاور و تتجدّد و تتغيّر هي ثقافة خالية من الإبداع، و ميّتة لا محالة، و لا نريد لثقافتنا أن تكون كذلك. و هي لم تكن كذلك عند صعود الحضارة العربية الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى حين حاورت دون خوف على الهوّية الحضارات السابقة و المجاورة لها فأنتجت النزعة العقلانية في الفكر الديني و المنهج العقلاني في التفكير الرياضي و التجريب كنمط من أنماط البرهان في البحث. و لم تشكّل الحضارة العربية، واقعياً، في أي مرحلة من تاريخها نظاماً ثقافياً مغلقاً (7) بل كانت منفتحة على الحضارات و الثقافات الأخرى، حتّى حين دخل التاريخ العربي في ما يسمّى عصر الانحطاط. هنا يضيف مفهوم الهوّية الثقافية التباساً آخر إلى صلة الخصوصية بالكونية حين تجري الدعوة إلى الانغلاق على الماضي و رفض التجديد، و إثارة الخوف من أنّ المزيد من التغيير سوف يؤدّي في النهاية إلى نسيان ماضينا و تراثنا و القضاء على أصالتنا و خصوصيتنا و هوّيتنا الثقافية. و كأنّ على العرب لكي يحافظوا على تراثهم و خصوصيتهم و هوّيتهم و أمنهم الثقافي و أصالتهم أن يحاربوا التجديد. مع أنّ الهوّية الثقافية العربية ستتألّق و تتعزّز بمقدار قدرتها على التجدّد مع الحاجات الإنسانية المعاصرة و مساهمتها الفعّالة في تجدّد العالم. و لئن كانت الحكومات في السابق تستطيع التحكّم بما هو مسموح معرفته و التفكير فيه و ما هو غير مسموح، فإنّ كلّ مؤشّرات تطوّر تكنولوجيا المعلومات والاتّصال اليوم تشير إلى انعدام أو وشوك انعدام قدرة أي جهة أو سلطة على المنع أو على التحكّم بسيل المعلومات المتدفّق، بدءاً من الحكومة و أجهزة المخابرات، و انتهاء برجل الدين و ربّ الأسرة. إنّ ذلك يعني أنّنا على وشك أن نعيش حتماً في عالم شفّاف في مختلف أبعاده الاقتصادية و السياسية و الثقافية و الدينية. و لا أعتقد أنّ عاقلاً يمكن أن يتصوّر أنّ كلّ ذلك، حتّى مع مقاومته و مواجهته، يمكن أن يمرّ دون أن يحدث خلخلة و تغييراً في كلّ ما هو سائد، مهما كان عزيزاً، من سلطة الدولة إلى التقاليد الاجتماعية و السياسية إلى الأسرة و عموم الثقافة و القيم و  عواقب ذلك على الهوّية و الاختلاف و الخصوصية. إنّ التغطية التلفزيونية الإخبارية اليوم، التي لا تنفكّ "تنقلك إلى قلب الحدث" و البرامج الترفيهية و الإعلان، التي تنقلها المحطّات الفضائية المختلفة، تقزّم دور المحطّات و القنوات المحلّية التي تسيطر عليها الدولة في بلادنا، و توسّع خيارات الأفراد و نطاق القضايا التي يمكنهم التفكير فيها، و يقلّ اعتمادهم على القنوات المحلّية، فأي بلدة في مجتمعنا مثلاً يمكن أن تكون عن طريق أنظمة الاتّصال القمرية (الستلايت)، أكثر اتّصالاً بهوليود أو باريس أو لندن و ثقافتها و نمط حياتها، من اتّصالها بأيّ مدينة مجاورة في الوطن لا تبعد عنها أكثر من كيلومترات قليلة. و كلّ ذلك هو الذي يثير الجدال حول المسائل الخطيرة في تفكيك الثقافات و "الغزو الثقافي" و"التلويث الثقافي" و إفساد الثقافات الوطنية، و مسائل الهوّية الثقافية، و سواها من المسائل المتعلّقة بالخصوصية الثقافية و التنوّع الثقافي التي دارت حولها نقاشات حامية في السنوات الأخيرة في جميع أنحاء العالم تقريباً. وهي قضايا تمتلك فعلاً مشروعيتها و مبرّراتها في واقع التدفّق المعلوماتي وحيد الاتّجاه من الشمال إلى الجنوب عموماً. و لكن تلك الجدالات و النقاشات تعكس من جهة أخرى إحساساً بأنّ التغيير و"التفكيك و التشويه" قد حدث و يحدث بالفعل. و المستقبل المنظور ينطوي على تغيّرات إضافية كبيرة و سريعة في العادات و القيم الاقتصادية و السياسية و الثقافية. فما هو مآل الخصوصية و التنوّع، و ما هي فرص الكونية أمام الثقافة و الفكر العربيين في هذا الواقع؟ إنّ الواقع المعيش إذا استمرّ في سيرورته على ما هي قائمة يوحي بتراجع الخصوصيات و نقص التنوّع و أنّ فرص الارتقاء إلى العالمية أو إلى الكونية، غير ممكنة، أو ضعيفة جدّا على الأقلّ، في غياب القوّة التكنولوجية و الاقتصادية، و من ثمّ السياسية، القادرة على عرض نتاجها الثقافي في سوق التبادل الثقافي العالمي. و لعلّ الإلحاح على الخصوصية و حقّ الاختلاف أمر مفهوم و مشروع أمام تشوّش مفهوم الكونية و تعدّد أبعاده، و طغيان الهيمنة الثقافية و الإعلامية في ظروف العولمة الراهنة، و لكن المشكلة في مفهوم الخصوصية هي أنّه هو الآخر مفهوم غائم، غير محدّد و غير واضح المعايير و الحدود، و غالباً ما هو عرضة لإساءة التوظيف و الاستخدام. فتحت مطلب أو شعار الخصوصية يمكن إيقاف أي منبر فكري، و أي رأي مخالف، ممّا يمنع وسائل نشر المعرفة من القيام بأدوارها التواصلية و الثقافية و القيام بمهمّتها في نشر المعرفة و تنوير الرأي العام. و التذرّع بمقتضيات الخصوصية يمكّن السلطات و الحكومات من مصادرة و منع ما تشاء من المطبوعات بدعوى المحافظة على الخصوصية و التقاليد و الأمن الاجتماعي أو حماية الأخلاق. و الالتباس في مفهوم الخصوصية و مدى وجاهة الإلحاح عليه هي إنّنا غالباً ما نتحدّث عن الخصوصية مع اهتمام أقلّ بتوضيح الهدف منها. حقّا! ما الهدف من مطلب الخصوصية ؟ من حيث المبدأ، ليست الغاية من الخصوصية الثقافية ثقافية بحتة، أو مجرّد الاختلاف و التميّز عن الآخر، بل الهدف هو، في التحليل الأخير، إسهام الثقافة في ارتقاء الإنسان و في تحقيق التقدّم الاجتماعي الاقتصادي و السياسي و رفع مستوى معيشة و رفاه الإنسان و قيمته و حقوقه، و ذلك هو الذي يكوّن الهوّية الخاصة و يرسّخ الثقة بها و يضمن استمرارها الإيجابي الفعّال. و في المجتمعات المعاصرة المتقدّمة، حيث يجري الحديث عن "مجتمع المعرفة" و "اقتصاد المعرفة"، و "الموجة الثالثة"، يقيم دور الثقافة في التنمية الاجتماعية الاقتصادية على أساس نوعية المعرفة و مستوى انتشارها و تداولها، فيرتفع مستوى فعالية هذا الدور بمقدار تأسّسه على المعرفة العلمية و تطوّراتها المعاصرة. فلم تنجز أوروبا نهضتها الحديثة لو لم تنشر المعرفة العلمية و تعمّم التربية و الثقافة العلمية و العقلنة و التنوير قبل ثورتها الصناعية بثلاثة قرون على الأقلّ. و لكن، و من جهة أخرى، فإنّ الكونية، بمظاهرها السالفة المشار إليها، تتيح إمكانيات و فرصا إيجابية هامّة، فلقد أصبح باستطاعة الصحفيين، والمثقّفين و أي جماعة أخرى، تجاوز الحكومة و إعلامها و الوصول إلى مصادر المعلومات و الحقائق، و فضّ الأسرار، بسهولة و يسر. و أصبحوا أقدر على التحليل و على فهم الحقائق الاقتصادية و السياسية و العسكرية و تأويلها و تفسيرها و توظيفها، و الانفتاح على الفكر الآخر، و التخلّص من نزعة التمركز على الذات و الوطن و القومية و الجماعة، و كلّ ذلك من السمات الضرورية المصاحبة و الممّهدة للكونية، دون تعارض مع الخصوصية. و يمكن لهذا الأمر أن يساعد الجماعات المختلفة على فهم و صياغة مطالبها السياسية، كما يمكن أن يؤدّي إلى زيادة تفعيل المطالبة بالتغيير و بالحرّيات و بالمشاركة، و زيادة الطموحات الشعبية، و كلّ ذلك إيجابي، و لكن لا بدّ من الانتباه، في نفس الوقت، إلى أنّه يهدّد سلطة الأنظمة و الحكومات و يتضمّن إمكانية تهويل الأخطار من جانبها، ممّا قد يقود إلى إجراءات رقابية تسلطية و قمعية بدعوى الحفاظ على الخصوصية و التماسك و الأمن الاجتماعي و السياسي. و ذلك هو مصدر قلق معظم الأنظمة، وهو ما يتبدّى في التناقش القائم بين إدراك هذه الأنظمة لأهمّية تكنولوجيا الاتّصال و المعلومات و إقبالها عليها بدرجات متفاوتة من الأفضليات و الحماس من جهة، و إدراكها لتعذّر السيطرة على نتائجها الثقافية و السياسية من جهة ثانية، فيصاحبها التخبّط و القلق الدائم حيال التعامل مع ثورة المعلومات و إدارتها و أثارها. فالحالة الكونية اليوم، تجهز على السيطرة التقليدية للحكومات على ما يعرفه الناس و ما لا يعرفونه، و تتكوّن في العالم بينة إعلامية مفتوحة تخلق تحدّيات قاهرة أمام سيطرة الحكومات على التوجيه و نقل الأفكار، و أخذت الحكومات تجد صعوبات متزايدة في إقناع الناس بسياسات لا تستطيع تبريرها. و هذا واقع جديد لم تعد تجدي فيه الأساليب التقليدية السابقة في الرقابة و الحجب و المنع. و في الواقع: ينطوي الخوف من عواقب العولمة على الهوّية و الخصوصية على تيّار عاطفي خفي و قوّي، يتمسّك بثقافة و قيم و مفاهيم أخذت قاعدتها الاجتماعية و المادية و التربوية تتزعزع، و غدا باديا للعيان أنّها اليوم تترنّح تحت وطأة قوى التكنولوجيا المعلوماتية و الاتّصالية، وهو خوف من تجربة حضارية كونية اجتماعية ثقافية جديدة تلحّ علينا بالانفتاح، بالمعرفة و الصوت و الصورة. و لعلّ الخوف من عواقب الحالة الكونية الجديدة خوف مشروع بالنسبة لمواقع خاصّة في البنية الاجتماعية السياسية و الثقافية و الأخلاقية، بل هو في بعضه خوف رجال ذوي مثل عليا و أهداف إيجابية و آمال اجتماعية سامية. و رغم أنّه قليلا ما تتطابق الآمال مع الوقائع، إلاّ أنّ النتيجة النهائية لجميع إبداعات العقل الإنساني المتوالية، كانت تحسّن نمط وجود الإنسان وعيشه و تكيّفه. إنّ ثورة الاتّصال و تفجّر المعلومات التي تسم الحالة الكونية الراهنة و تعزّزها، تغيّر الإحساس بالهوّية، و بالآخر، و تحرّر من التقوقع و التمركز على الذات بما قد تتيحه من تعرّف و اتّصال بثقافة الآخر و التعامل معها، فهي تقلّب الأفكار و المفاهيم و النظرة إلى العالم. بهذا التطوّر أخذ الفرد العادي يعرف أنّ وطنه ليس أعظم الأوطان، وأنّ حكومته ليست أقوى ولا أعدل الحكومات، وإنّ قادة بلاده ليسوا هم الذين يوجّهون سياسات العالم، وإنّ ثقافته و قيمه ليست أفضل الثقافات.. الخ. و كلّ ذلك يمارس اليوم تأثيرا نفاذا في سياسات البلدان و الحكومات، التي تصبح أكثر فأكثر تواضعا في تقديم نفسها و في صياغة أقدار شعوبها. تلك هي الإمكانات القائمة في الحالة الكونية الجديدة، ولا شكّ إنّ العواقب الثقافية الضارّة للكونية لا تكمن فيها بذاتها، و إنّما في عجز مجتمعات محدّدة عن الإبداع و التنافس و العرض في سوق ثقافة و معلومات مفتوح، و في حركة تاريخية إنسانية مثابرة باتّجاه الديمقراطية، أنّى كانت مصاحباتها الضارّة و الشاذّة الملاحظة اليوم. المشكلة في تحليلاتنا الثقافية هي تلك النزعة الإرادية و التربوية النظرية و المتعالية على الواقع و أنّنا نادرا ما نأخذ بعين الاعتبار تلك القوّة الثقافية المهمّة للمستوى الاقتصادي و السياسي و اتّجاه تغيّره، أو قل، و منطق تغيّره، حيث يجري الحديث عن الثقافة و القيم العربية و كان بإمكانها أن تقهر القوّة الاقتصادية و السياسية و الثقافية و الإعلامية للآخر و تحاصرها و ذلك ليس سوى وهم، وهو في أحسن الأحوال تعويض عن العجز السياسي و عن تردّي القوّة الاقتصادية و السياسية، فيصبح التشبّث بالثقافة و القيم العربية تعبيرا عن نزعة حمائية مفرطة تتعلّق بالخصوصية و الهوية المميّزة التي تستمدّ نماذجها من الماضي، بينما هي تفقد تدريجيا شروطها المادية بفعل الاختراق الغربي لبنياتنا الاقتصادية و السياسية عبر الأسواق المفتوحة و النخب السياسية و الثقافية المنقسمة في معظم الأقطار العربية. لقد أصبح البشر اليوم يتنفسون هواء عالميا و لم يعد بالإمكان ردّ الناس إلى بيوتهم، هذا هو الواقع الذي يجب التعامل معه على أنّه حقيقة لا بدّ من التعامل معها، و المستقبل القريب ينطوي على تغيّرات إضافية كبيرة و سريعة في المفاهيم و القيم و في توجّهات الفكر و الاقتصاد و السياسة و الأدب و الفلسفة، يمتزج و يتجاور فيها الغثّ و السمين، و سيتمّ ذلك وإلى درجة كبيرة بفعل تفجّر المعلومات و وسائل نقلها، و من لا يرى في ذلك سوى الأخطار المحدقة، و الخوف على ما هو سائد، فإنّ هذه الموجة الجديدة من التطوّر ستخلّفه و راءها، لقد تغيّرت ثقافتنا و قيمنا و أنماط حياتنا عموما عن ثقافة آبائنا و لم تحدث الكارثة، و لا اعتقد أنّ الأمر سيختلف بصدد أبنائنا. ولا بدّ هنا من إدراك أنّ الحلول و الإجراءات التي يمكن تصوّرها لمواجهة تحديّات التغيير اليوم، ربّما تفقد قيمتها و جدواها تماما في الغد قبل أن توضع في موضع التنفيذ، و أكثر النظم كفاءة هي تلك التي تستجيب بسرعة لمقتضيات التغيير. و التغيير في الحالة الكونية الجديدة لا ينتظر قرارنا به، لأنّه قائم بالفعل و على نحو متواصل، و العالم يتحرّك بسرعة لا تترك مجالا لالتقاط الأنفاس، فإذا أردت أن تملأ جيبك المثقوب بالماء فما عليك إلاّ إلقاءه في التيّار (مثل انكليزي). و هنا أمر مهمّ لا بدّ من تأكيده في هذا الخصوص، وهو أنّ القدرة على الإبداع هي التي تحدّد القدرة على الاستفادة من التغيير (8). و التركيز على التغيير و الاستفادة من الفرص التي يتيحها، يشكّل رافعة للإبداع و التقدّم و مواكبة العصر. إنّ الحياة تتقدّم رغم كلّ الحنين الرومانسي إلى الماضي، و رغم كلّ إشارات المحافظين منّا إلى المآسي الراهنة. و كما قال فونتنيل منذ أكثر من قرنين: طالما يستمرّ الناس في جمع المعرفة فسيكون التطوّر محتوما كنموّ الشجرة، و ليس هناك من سبب يدفع بنا إلى أن نتوقّع انقطاع ذلك (9).انطلاقا من الإيمان القوي و الراسخ بفكرة التقدّم هذه كان فولتير في القرن الثامن عشر أيضا يتغنّى بتقدّم عصره و قيمه الحضارية و نتائجها رغم كلّ المآسي آنذاك: "يا لهذا الزمن الحلو، زمن العصر الحديدي (10)، و في عام 1995 و نهايات القرن العشرين يتغنّى فرانك كيلش بالثورة المعلوماتية و عصر المعلومات و الانترنيت و طريق المعلومات السريع، رغم كلّ ما يقال عن آثارها التدميرية على الثقافات و الخصوصيات: "مرحبا بذلك العالم الجديد الرائع.. الانفوميديا" (11). فما أروع زماننا و هوّيتنا و ثقافتنا المتغيّرة و التي لا بدّ من أن نوطّن أنفسنا على تغيّرها و تقدّمها المستمرّ.
المراجع
1 ـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003.
2 ـ المصدر السابق، ص 10
3 ـ المصدر السابق.
4 ـ علي وطفة، إشكالية الهوية والانتماء في المجتمعات العربية المعاصرة، مجلة المستقبل العربي، العدد 282 عام 2002 ص 107.
5 ـ Arifin Bey: Islam, Secularity and Modernization, kokugauim.ac.jp.6 ـ دوني كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة قاسم المقداد، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2002 ص 19.
7 ـ تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2003، ص 128
8 ـ ميشال سالوف كوست، عصر الابداع والاتصال في ثورة المعلومات والاتصالات وتأثيرها في الدولة والمجتمع بالعالم العربي، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابو ظبي 1998 ص 220.
9 ـ جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمة، دار الثقافة، بيروت 1965 ص 571
10 ـ ج.ب. بيري، فكرة التقدم: بحث في نشأتها وتطورها، وزارة الثقافة، دمشق 1988 ص 152
11 ـ فرانك كيلش، ثورة الانفوميديا: الوسائط المعلوماتية وكيف تغير عالمنا وحياتك، ترجمة حسام الدين زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، كانون الثاني 2000 ص 16.محاضرة القيت في ندوة (كونية الفكر العربي) التي اقيمت ضمن
فعاليات المهرجان الدولي للزيتونة بالقلعة الكبرى بتونس في دورته الـ 24.
المصدر: المستقبل ـ الإربعاء 2 شباط 2005 ـ العدد 1822 ـ ثقافة و فنون ـ صفحة 20

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق