إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الخميس، 9 مايو 2013

العلم بين الحقيقة و النمذجة

إعداد الأستاذ: الفيتوري الرابطي
مدخل إشكالي:
تَفرّد العلوم في العصر الحديث بعقلانيّة تُنتج نمطا من المعرفة مختلفا من حيث المبادئ و المناهج  و الحقائق و الأهداف عن أنماط المعرفة الأخرى (الفلسفية و العامية و الأسطورية) جعلها تتبوّأ منزلة الصّدارة في الإبستيمية الحديثة بل و جعل منها و من تطبيقاتها التكنولوجية سمة مميّزة للحداثة و شرط ارتقاء المجتمعات إلى مصاف المجتمعات المتقدّمة حضاريّا. و من المؤكّد أنّ المنزلة الإبستيمية و الحضارية للعلوم أوجبت على الفلسفة إعادة صياغة أسئلتها حول العلم و تجديد نمط مقاربتها النقديّة له بعيدا عمّا دأبت عليه في العصور القديمة من ادّعاء أنّها ملكة العلوم و سيّدتها  و أنّ الفيزياء و الرياضيات و علوم الحياة و الإنسان هي 
مجرّد فروع لشجرة تتغذّى جذورها من الميتافيزيقا (الفلسفة). استقلال العلوم عن الفلسفة و تطوّرها فرض ظهور الإبستيمولوجيا و هي الخطاب الفلسفي المعاصر الذي يُعنى بالدراسة النقديّة لمبادئ و مناهج و نتائج المعرفة العلمية بالنّظر في نمط معقوليتها و طبيعة الحقائق التي تُنتجها في مجال العلوم الصورية و في مجال علوم الطبيعة و علوم الحياة و علوم الإنسان. فهي بحث فلسفي نقدي و تاريخي في العلم لا انطلاقا من أحكام مُسبقة ميتافيزيقية و لا حتّى عن مقدّمات اجتماعية أو سياسيّة بل هي نظر في العلم من داخل الممارسة العلميّة سعيا إلى تحديد كيفية تكوّن العلم و اشتغاله و تطوّره. الإبستيمولوجيا هي الخطاب الفلسفي المعاصر الذي يُجيبنا عن الأسئلة التالية:
1  ـ  كيف ينشأ علم ما ؟ أي ما هي شروط إمكان ارتقاء المعرفة من اللاعلم إلى العلم ؟
2 ـ  كيف يشتغل العقل العلمي ؟ أي ما هي المبادئ و الإجراءات و القيم التي تحكم اضطلاع العلم بموضوعاته أكانت صورية أو مادية أو اجتماعية ؟
3  ـ كيف يتطوّر العلم ؟ أي هل يتطوّر على وجه التراكم الخطّي للنظرّيات و النماذج التي ينتجها العلماء أم على وجه القطائــع و الثورات الإبستيمولوجية و عقلانيّة المحاولة و الخطأ و التصحيح و التجاوز ؟  و أيّ دلالة فلسفية لتطوّر النظريّات و الحقائق العلميّة: هل يبرّر الزهد في العلم على أساس استحالة قدرته على إنتاج حقائق يقينيّة و تقديم معرفة مطلقة بالظواهر أم أنّه يفرض علينا الزّهد في مطلب اليقين أصلا و الرّضاء بالنسبي و المفتوح و القابل للدحض ؟
إنّ مختلف هذه الأسئلة تمثّل مجال اشتغال الخطاب الإبستيمولوجي الذي لا ينفكّ يتعقّب نقديّا الفكر العلمي مُطبّقا في العلوم الصورية أو الفيزيائية أو الاجتماعية بغرض الفوز بإجابات عنها، تكشف لنا حقيقة العقلانيّة العلميّة و شروط نجاحها في السّيطرة المعرفيّة على الواقع المركّب و مبرّر تفوّقها على بقيّة أنظمة المعرفة الأخرى. و على الرّغم من تعدّد و تنوّع اختصاصات العلم (رياضيات، فيزياء، كيمياء، بيولوجيا، علم نفس، علم اجتماع، انتروبولوجيا....) و حقول اشتغاله (الحقل الصوري، الحقل الطبيعي / الحيوي والحقل الإنساني / الاجتماعي) فإنّ القاسم المشترك بين مختلف هذه الاختصاصات هو تسلّح العقل العلمي بالنمذجة كإجراء منهجي يمثّل قوام عقلانيّته و شرط وحدته. إنشاء النماذج و استخدامها للسّيطرة على الظواهر المدروسة فهما و تفسيرا و توقّعا و تحكّما و فعلا هو جوهر العقل العلمي. و تبعا لذلك فإنّه لا خيار أمام البحث الإبستيمولوجي لتحقيق أهدافه و رهاناته و الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها سوى النظر في النمذجة العلمية. فما المقصود بالنموذج ؟ و أيّ دلالة يتّخذها هذا المفهوم في الخطاب الإبستيمولوجي ؟
 نصّ: في أصل النماذج ـ نوال مولود.
ما الذي يفرض على العلم التزام عقلانية النمذجة ؟ و إذا كانت النمذجة هي فعل بناء النماذج و استخدامها في مسار البحث عن الحقيقة فما هي أبعادها ؟ و بأيّ معنى تفترض النمذجة العلمّية جهدا تركيبيّا و دلاليا و تداوليا ؟
نصّ: شروط صلاحية النمذجة ـ روني طوم.
هل ننتظر من النمذجة العلمية إنتاج حقائق قطعيّة يقينيّة عن الواقع أم أنّها تقتصر على إنتاج حقائق نسبيّة متغيّرة قابلة للدّحض على الدوام ؟ هل عقلانيّة العلم هي عقلانية اليقين و الحقائق المطلقة أم هي عقلانية النماذج المعدّلة و الأخطاء المصحّحة و المراجعة النقديّة الدائمة لمبادئها و نتائجها ؟ ألا يُعدّ الاعتراف بالحدود الإبستيمولوجية للنمذجة العلمية علامة على الطابع النّقدي لعقلانية العلم و شرطا لتقدّم المعرفة العلمية طلبا لحقيقة عصيّة على المسك النهائي ؟
نصّ: النموذج تبسيط ـ نوفال.
إذا كانت عقلانيّة العلم تتغذّى من نقدها لذاتها على قاعدة أنّ ما لا يقبل الدّحض لا يمتّ بصلة للمعرفة العلمية و أنّ العقل العلمي يتقدّم تاريخيّا عن طريق تصحيح أخطائه و ترميم نماذجه أفلا يُفرز ذلك مناخا من النسبيّة و الريبيّة يتعارض مع حاجة الإنسان الإيتيقية لليقين و للقيم المستقرّة لتنظيم وجوده و إعطاء معنى لحياته ؟ ألم تتحوّل عقلانية العلم إلى مبرّر لإفقار الحياة الرّوحية للإنسان ؟ ألم تُفضي عقلانية النمذجة التي تعطي للحقيقة معنى الفعل في الطبيعة و الإنسان إلى تخريب الطبيعة و استعباد الإنسان ؟ ألا يقتضي الأمر، تبعا لذلك، نقدا فلسفيا جذريا لعقلانية العلم بغرض تحريرها من منزعها الأداتي و كسر صمتها و حيادها تجاه ما يكرّس أو ما يهدّد الحريّة و المسؤولية و العدالة و الحقّ الكوني للإنسان في العيش الكريم ؟
نصّ: العلم و التقنية و السياسة ـ موران.
۞         ۞        ۞
1 ـ  في دلالة النمذجة.
نصّ: في أصل النماذج نوال مولود.
ص: 227 (الآداب) ص: 221 (علوم)
الموضوع: مفهوم النموذج بين الفلسفة و العلم .
الأطروحة: النموذج في تعريفه الإبستيمولوجي هو بناء و تمثيل مبسّط عن الواقع  و تصميم يُنشئِه الفكر العلمي بغرض عقلنته.
الأطروحة المستبعدة: التعريف الفلسفي الأفلاطوني للنموذج على أنّه مثال ميتافيزيقي تحاكيه الكائنات الحسّية.
المشكل: هل النموذج مثالٌ ميتافيزيقي تحاكيه الأشياء الحسّية أم هو تصميم و تمثيل يَبنيه الفكر العلمي بغرض منهجي هو عقلنة الواقع المدروس ؟
العناصر:
* ما هي حدود التعريف الأفلاطوني للنموذج " المثال " ؟
* ما النموذج من زاوية إبستيمولوجية ؟ و ما هي القيمة الإجرائية للنماذج ؟
التحليل:
1 ـ حدود المفهوم الأفلاطوني للنموذج المثال. 
أ ـ  تعريف أفلاطون للنموذج المثال:
يقوم تصوّر أفلاطون للوجود و الموجودات:
*  على نظريّة المثل التي تفترض التمييز بين العالم المعقول والعالم المحسوس.
* على تأسيس وجود العالم المحسوس على وجود العالم المعقول بحيث أنّ وجود أيّ شيء حسّي يتوقّف على محاكاته لمثاله في العالم المعقول. فالمثال / النموذج هو ماهية عقلية متعالية سابقة في الوجود عن الأشياء الحسّية التي تحاكيها (تقلّدها و تستنسخها) النموذج / المثال هو ماهية عقلية مستقلّة متعالية عن الأشياء الحسّية التي لا تعدو أن تكون تقليدا و محاكاة حسّية له.
ب ـ  حدود هذا التعريف:
 يشير نوال مولود إلى أنّ التعريف الأفلاطوني للنموذج:
*  يفترض أسبقيّة المثال / النموذج عن الأشياء الحسّية التي هو مثال لها.
* يُعطي للنموذج دلالة ميتافيزيقية / أنطولوجية أبعد ما تكون عن الممارسة العلمية الإجرائية
 *يُقيم علاقة أحادية خطّية بين المثال / النموذج و الواقع الحسّي هي علاقة محاكاة الثاني للأوّل و استنساخه. بينما يفترض العلم علاقة دائرية بين الواقع و النموذج يتردّد في إطارها النموذج بين أن يكون استباقا للواقع أي صورة مثالية / عقلية لإعادة بناء الواقع الحسّي و بين أن يكون استتباعا للواقع و تمثيلا عقليا له .
استخلاص: التعريف الأفلاطوني للنموذج على أنّه مثال ميتافيزيقي تُحاكيه الأشياء الحسّية و تستمدّ منه وجودها و قابليتها للمعرفة لا يساعد على ضبط منزلة النموذج في العلم و لا على رصد أوجه استعماله لبناء المعرفة. فما هو التعريف الإبستيمولوجي للنموذج ؟
2  ـ التعريف الإبستيمولوجي للنموذج:
يشير مولود إلى أنّ مفهوم النموذج هو أحد المفاهيم المُستخدمة بشكل موسّع في مناهج العلم فهو على حدّ قول أحد الإبستيمولوجيين المعاصرين "الكلمة المفتاح" في العلوم المعاصرة. ذلك لأنّ العقل العلمي جوهره عقل منمذج. فأيّ معنى إبستيمولوجي للنموذج ؟ و ما أوجه استعماله ؟
يُستخدم مفهوم النموذج في فلسفة العلم في معنى :
*  التمثيل التبسيطي للواقع المركّب الذي يدرسه الفكر (سواء أكان واقعا ذهنيّا مجرّدا كما هو الشأن في الرياضيات أو واقعا مادّيا حسّيا هو شأن علوم المادة و الحياة و الإنسان "التصميم   maquette    أي الشيء المُصغّر و سهل الاستعمال. الصورة المصغّرة التي يَبنيها العقل عن موضوع فيزيائي أو بيولوجي أو اجتماعي. فالنموذج هو التمثيل التبسيطي و التصميم و كلّ الأشكال و الرسوم التي يبنيها الفكر عن الواقع قيد الدّرس بغرض إحكام السيطرة المنهجية عليه. بينما النمذجة هي عملية إنشاء النماذج و استخدامها.  هي إجرائية (مسلكية، منهجية) يتوخّاها الفكر العلمي في مختلف مراحل بحثه عن الحقيقة.  فما هي أصناف النماذج ؟
أصناف النماذج:
 يمكن تصنيف النماذج طبقا لمعيار طبيعتها إلى :
  نماذج مادية: في صورة رسم هندسي أو مجسّد منمنم (مُصغّر) أو رسم بياني أو خريطة أو صور رقمية أي تمثيل مادي (يقع تحت الحواسّ) للأفكار و الفرضيات التي يُنشئها الفكر حول موضوع ما مثل نموذج "بوهر" لبنية الذرّة أو نموذج روذرفورد الذي سبقه والذي يمثّل بنية الذرّة بالنظام الشمسي
  نماذج نظرية / رمزية: تمثيل مجرّد في لغة عادية أو رمزية أو معادلة رياضية لواقع حسّي مركّب قيد الدرس.
استخلاص: النموذج في تعريفة الإبستيمولوجي هو التصميم والتمثيل المادي أو الرمزي المبسّط الذي يَبنيه العقل العلمي عن موضوعاته بغرض السيطرة المنهجية عليها أي بغرض استخدامه في مختلف مراحل البحث عن الحقيقة. فما أصل استخدام العقل العلمي للنماذج ؟
3  ـ أصل النماذج:
يؤكّد نوال مولود أن أصل النمذجة كإجراء منهجي هو التكنولوجيا فالفكر العلمي في بحوثه النظرية يتوسّل بالنماذج كتمثيل تبسيطي لموضوعات بحثه مستأنسا و مسترشدا بالتكنولوجيا أي بالعلوم التطبيقية التي تعتمد طريقة بناء النماذج المُصغّرة عن المشاريع التي تزمع إنتاجها. إذن إجرائية النمذجة انتقلت إلى العلوم النظرية من التكنولوجيا. فالنمذجة إجراء يتأصّل في صلب التكنولوجيا كعلوم تطبيقيّة ما يؤكّد على التفاعل الجدلي بين النشاط التطبيقي والنشاط النظري داخل العلم و على أنّ عقلانية العلم هي عقلانية مطبّقة بتعبير باشلار و يضع حدّا للتصوّر الساذج للتكنولوجيا على أنّها مجرّد التطبيق العملي للنظريات العلمية. فما هي القيمة الإجرائية للنماذج ؟ إنشاء النماذج بأصنافها المختلفة و استخدامها في البحث خاصّية مميّزة للفكر العلمي المعاصر فأيّ غُنم يجنيه منها؟  ما هي أهمّ الوظائف الإجرائية للنماذج ؟
 4 ـ الوظائف الإجرائية للنماذج:
تضطلع النماذج التي يَبنيها الفكر العلمي في مختلف مراحل بحثه بالوظائف التالية :
*  وظيفة توسطّية تمثيلية: بدل اشتغال الفكر على واقع معقّد و في أبعاده وخصائصه الطبيعية كموضوع خام تساعده النمذجة عن طريق آليات التصغير التكبير التجسيد (تمثيل الرمزي بالحسّي) التجريد (تمثيل الحسّي بالرمزي) الاختزال الإهمال على بناء موضوع مهيكل و مبسّط في صورة رسم أو مجسّم أو عيّنة يتّخذه منطلقا لبحوثه.
*  وظيفة منهجية: تيّسر النمذجة القيام بالعمليات الضرورية التي يقتضيها البحث شأن:
عمليات التصوّر: أي بناء الفرضيات واستنتاج الأفكار وصياغة القوانين فالنموذج يوجّه الفكر وينظّم حركة استدلاله .
عمليات التجريب: أي إجراء الحسابات والقياسات التي يفرضها البحث و القيام بالاختبارات التجريبية التي يتعذّر القيام بها على الموضوع الواقعي الخام.
*  وظيفة اقتصادية: تسمح النمذجة للعلماء في مختلف الاختصاصات بالاستفادة من أعمال بعضهم عن طريق استعارة النماذج أو استخدام نماذج علم ناضج لبناء وقائع وقوانين علم ناشئ في اختصاص مغاير. مثل استخدام نماذج الفيزياء في البيولوجيا (استخدام نموذج المضّخة لفهم الدورة الدموية وعمل القلب) أو نماذج البيولوجيا في علوم الإنسان (استخدام نموذج المثير/ الاستجابة في مجال علم النفس السلوكي) تبادل النماذج بين الاختصاصات العلمية المختلفة هو ما يعكس الوظيفة الاقتصادية للنمذجة و دورها في التعبير عن وحدة العقل العلمي في خضّم تنوّع اختصاصاته.
*  وظيفة تحكّمية: لا يقتصر دور النماذج على إنتاج المعرفة بالوقائع التي صمّمت من أجلها بل تتخطّى ذلك إلى تمكين العلماء وغيرهم من الفاعلين وأصحاب القرار من التحكّم في الوقائع و التأثير عليها بما يحقّق المصالح.
استخلاص عام: النموذج هو التصميم والتمثيل التبسيطي المادّي أو الرّمزي لموضوع البحث ينشئه الفكر العلمي في مختلف تخصّصاته بغرض المعرفة و الفعل. أمّا النمذجة فهي فعل بناء النّماذج و استعمالها منهجيّا في شتّى مراحل البحث العلمي. ما يجعل من العقل العلمي عقلا منمذجا بامتياز. فما الذي يفرض على العلم التزام إجرائية النمذجة ؟  و بأيّ معنى تفترض النمذجة العلمية جهدا تركيبيا و دلاليا و تداوليا ؟
۞         ۞        ۞
2  ـ أبعاد النمذجة:
نصّ: شروط صلاحية النموذج:
 ـ رونيه توم ـ 268 (الآداب) 240 (العلوم)
الموضوع: دوافع و أبعاد النمذجة العلمية.
الأطروحة: النمذجة هي سيبل العقل العلمي لحلّ المشاكل التي تواجهه وهي تفترض جهدا تركيبيا و دلاليا من أجل الاستثمار التداولي للمعرفة.
المشكل: ما الذي يفرض على العقل العلمي اتّباع إجرائية النمذجة ؟ و ما أبعاد هذه الاجرائية ؟
التحليل:
1  ـ موجبات النمذجة العلمية:
 يؤكّد توم أنّ الفكر العلمي ينطلق في بحثه عن الحقيقة في أيّ حقل من حقول اشتغاله (علوم المادة أو علوم الحياة أو علوم الإنسان)، من مشكل محدّد، من وضعية يتعذّر تفسيرها و إيجاد حلول عملية لها سواء:
 ـ بسبب غياب المعرفة بها أصلا.
 ـ أو بسبب ضعف المعرفة السائدة وعجزها عن تقديم حلول ملائمة لها.
إذن: الصعوبات والمشكلات النظرية والعملية التي تواجه الإنسان و تعيق تطلّعه للسيطرة على الطبيعة أو التنظيم العقلاني لوجوده هي منطلق البحث العلمي و دافعه لتوخّي النمذجة كإجرائية لمواجهة هذه المشاكل و إيجاد حلول ملائمة لها.  فكيف يتمكّن الفكر العلمي عن طريق النمذجة من حلّ المشاكل ؟ ما هي الإجراءات المنهجية التي تقتضيها النمذجة العلمية ؟
2  ـ النمذجة إجرائية متعدّدة الأبعاد:
يؤكّد توم أنّ النمذجة هي السّلاح المنهجي الذي يتوخّاه الفكر العلمي للتصدّي للمشاكل و إيجاد الحلول الملائمة لها. وهي تقتضي بحثا متدرّجا و جهدا منهجيا متعدّد الأبعاد يفترض: 
 أ ـ بناء نموذج استكشافي:
 أي بناء الفكر لنموذج مادّي أو رمزي يمثّل الموضوع قيد الدّرس و يحوّله من موضوع خام إلى موضوع مبني تطرح عليه الأسئلة التي نرغب في الإجابة عنها.
ب ـ الاشتغال على بنية النموذج الاستكشافي:
 (البعد التركيبي للنمذجة) من أجل هيكلته و تبسيطه وصياغته نسقيا لتيسير الحصول على أجوبة. يفترض الاشتغال التركيبي على النموذج توسّل الفكر بإجراءات :
الترييض: لغة و تفكيرا استنتاجيا قدر الإمكان.
الأكسمة: إقامة علاقة لزوم منطقي بين مكوّنات النموذج (التمييز بين الأوّليات  والفرضيات و بين النتائج وإقامة علاقات منطقية بينها) صياغة النموذج صياغة فرضية استنتاجية.
الصورنة: إفراغ النموذج من دلالته الحسّية والحدسية وصياغته صياغة صورية قدر المستطاع.
إذن: الترييض و الأكسمة و الصورنة هي الإجراءات التي تعكس البعد التركيبي للنمذجة و هي مقتضيات منهجية يلتزم بها الفكر العلمي قدر الإمكان لبناء موضوع مهيكل يطرح عليه أسئلته و يفعّله نظريا للحصول على أجوبة ذات صلاحية منطقية ( متماسكة و صحيحة منطقيا)
ج ـ التأويل الدلالي للنموذج: (البعد الدلالي)
تطبيق النموذج المبني على الواقع الحسّي قيد الدّرس و مجابهة أجوبته بالمعطيات التجريبية عن طريق التجريب و الملاحظة و القياس هي الإجراءات التي تعكس البعد الدلالي للنمذجة للتحقّق من الصلاحية التجريبية للنموذج أي للتثّبت من ملاءمة الأجوبة التي يقدّمها للمشاكل التي يطرحها الموضوع قيد الدرس (الصلاحية التجريبية تعني ملاءمة النموذج للواقع الحسّي)
د ـ التفعيل التداولي للنموذج: (البعد التداولي)
إثر التحقّق من الصلاحية المنطقية و الصلاحية التجريبية للنموذج تفتح أمام الفكر العلمي إمكانيات التفعيل التداولي / البراغماتي للنموذج:
معرفيا: عبر صياغة التفسير الملائم للموضوع قيد الدّرس و تعميمه على الظواهر المماثلة و سدّ الفراغ التفسيري أو تصحيح الأخطاء السائدة وإثراء رصيد الفكر العلمي من النظريات التي تفسّر ما استشكل و تبّسط ما استعصى من وقائع المادة و الحياة والمجتمع. التفسير و الفهم و التنبؤ (بمستقبل الظواهر) هي الأهداف التداولية النظرية للنمذجة.
 عمليا: عبر الاستثمار العملي للنموذج من أجل مواجهة المشاكل و التحكّم الناجع في الظواهر. فإذا كان الهدف التداولي النظري للنمذجة العلمية هو إنتاج معرفة ملائمة عقلانيا و تجريبا للواقع تسمح بتفسيره أو فهمه و التنبؤ بمآلاته المستقبلية فإنّ هدفها التداولي العملي هو نقل للنماذج و النظريات المجرّدة بواسطة التكنولوجيا إلى أجهزة تقنية و مخطّطات تطبيقية تضمن النجاعة و الفاعلية. فعقلانية النمذجة هي عقلانية مطبّقة تنشد الحقيقة و تنشد الفاعلية والنجاعة بما هي التحكّم في الظواهر و السيطرة عليها. يقول لوموانيه "الحقيقة هي الفعل"  إنّ أقصى رهانات عقلانية النمذجة هو التحكّم التقني في الظواهر و الفعل فيها لتحقيق مصالح الإنسان (المنمذج، الفاعلين أصحاب القرار) و مطالبه فليس العلم داخل إبستيمولوجيا النمذجة معرفة تأمليّة تطلب الحقيقة لذاتها بل هو معرفة تطبيقية تنشد التحكّم العقلاني الناجع في الواقع بما يحقّق مطالب الإنسان و احتياجاته و تطلعاته.
استخلاصات: يسمح النظر الإبستيمولوجي في نمط اشتغال الفكر العلمي بالنمذجة بتسجيل الملاحظات التالية :
 ـ أنّ النمذجة العلمية إجرائية مركّبة تشتمل على أبعاد تركيبية و دلالية و تداولية متمايزة و متكاملة.
 ـ إنّ الفكر العلمي هو فكر بنائي:
* ينطلق من النماذج التمثيلية التي يصوغها عن الواقع لا من الواقع الخام.
* يفترض أنّ المعرفة لا يحكمها منطق الاكتشاف بل منطق الاختراع و البناء: "ليست الحقيقة كنزا نكتشفه بل هي بناء نُنشئه "
ـ أنّ مطلب الفكر العلمي ليس الحقيقة لذاتها أي المعرفة من أجل المعرفة (المعرفة التأمّلية) بل المعرفة من أجل الفعل في الواقع والتحكّم فيه ما يؤصّل العلاقة بين الحقيقة و النجاعة و يجعل من العلم معرفة تطبيقية تحكّمية مفتوحة على التكنولوجيا و متّجهة نحو الفعل (التأثير في الواقع و تغييره بما يلائم مصالح الإنسان و يحقّق مشاريعه)
ـ أنّ النمذجة العلمية ممارسة مشدودة إلى مصالح الإنسان وغاياته و مخطّطاته للفعل في الواقع بما يلائم مصالحه، ما يؤكّد على أنّ النمذجة تندرج في إطار تصوّر عام للمعرفة العلمية على أنّها " معرفة ـ مشروع" شأن يعبّر عن مقاصد الباحث و أهدافه و مصالحه.
استخلاص عام:
ـ  النمذجة هي منهجية الفكر العلمي أيّا كان مجال اشتغاله (العلوم الصورية أو علوم المادة أو علوم الحياة أو علوم الإنسان). و لكلّ نمذجة علميّة لموضوع ما، أبعاد متلازمة: بعد تركيبي: يفترض الترييض و الأكسمة و الصورنة و بعد دلالي: يفترض التأويل التجريبي للنماذج و تطبيقها على الواقع العيني / الحسّي للتحقّق من صلاحيتها التجريبية و بعد تداولي: هو التفعيل العملي لنتائج البحث لحلّ المشاكل و التحكّم التقني في الواقع بما يحقّق المصالح و يعود بالمنفعة. لكن هل ننتظر من النمذجة العلمية إنتاج حقائق قطعيّة يقينيّة عن الواقع أم أنّها تقتصر على إنتاج حقائق نسبية متغيّرة قابلة للدحض على الدوام ؟ هل عقلانية النمذجة هي عقلانية اليقين و الحقائق المطلقة أم هي عقلانية النماذج المعدّلة والأخطاء المصحّحة والمراجعة النقدية الدائمة لمبادئها ونتائجها ؟
۞         ۞        ۞
  3 ـ الحدود الإبستيمولوجية للنمذجة:
نصّ: النموذج تبسيط نوفال:
ص: 235 : (الآداب) ص: 258 (العلوم)
موضوع النصّ: قيمة النماذج العلميّة.
الأطروحة المثبتة: النمذجة العلمية هي استراجية إهمال يتوسّل بها الفكر من أجل التبسيط العقلاني للواقع المركّب وفهمه دون ادّعاء تفسيره على نحو يقيني.
الأطروحة المستبعدة: الاعتقاد السائد بأنّ العلم ينشئ تفسيرا شموليا ويقينيا عن الواقع. 
المشكل: هل النموذج العلمي تمثيل وفيّ للواقع بغرض تفسيره على نحو يقيني أم هو تمثيل اختزالي و تعبير عن استراجية إهمال تقتصر على فهم الواقع و تبسيطه ؟
العناصر: ما المقصود بأنّ النمذجة العلمية هي استراتيجية إهمال ؟  ما هي في ضوء ذلك مفترضات و أهداف النمذجة العلمية ؟  أي استتباعات ابستيمولوجية لاعتبار النمذجة استراتيجية إهمال على طبيعة العقلانية العلمية ؟
التحليل: 
1  ـ  النمذجة إستراتيجية إهمال:
النمذجة هي السلاح المنهجي الذي يتوسّل به الفكر العلمي من أجل التصدّي للمشاكل التي يطرحها الواقع و إيجاد الحلول لها. وهي حسب بسكال نوفال "إستراتيجية إهمال" أي أنّها خطّة إجرائية تفترض :
•   أن لا يطلب الفكر بناء نماذج تمثيلية وفيّة للواقع المدروس تعكس مختلف ثوابته و متغيّراته  و ترسم كلّ عناصره و مكوّناته فــ " الخريطة ليست الأرض". النمذجة إذن ليست تعويضا لنسق طبيعي (ظاهرة) قيد الدّرس بنسق اصطناعي رمزي مماثل له و وفيّ بصفة مطلقة لمكوّناته. فهي لا تحتكم إلى قاعدة "النظر في وضعية من خلال وضعية أخرى مماثلة لها".
  أن يتوسّل الفكر العلمي و هو يُنمذج الواقع بآليات الإخفاء و الإغفال و الإهمال و الاختزال و الانتقاء. ما يعطيه مرونة أكبر في التعامل مع الواقع و يسمح له بالتمييز بين الثوابت و المتغيرات بين الأساسي و الثانوي و بإبراز عناصر و إسقاط أخرى و أن يلتزم قاعدة " لا تنظروا إلى ذاك انظروا فقط إلى هذا "
استخلاص: النمذجة العلمية حسب نوفال هي إستراتيجية إهمال و اختزال أي خطّة منهجية / إجرائية تقتصر على إنشاء نماذج تبسيطية اختزالية عن الواقع.
فما هي تبعا لتعريف النمذجة كإستراتيجية إهمال الخلفية (المفترضات) الإبستيمولوجية للنمذجة العلمية وأهدافها؟
2  ـ  مفترضات النمذجة العلمية و أهدافها:
أ ـ المفترضات الإبستيمولوجية للنمذجة:
يتأسّس اشتغال العقل العلمي عن طريق النمذجة بما هي تمثيل تبسيطي اختزالي للواقع على المفترضات إبستيمولوجية التالية:
ـ أنّ الواقع قيد الدرس لا متناهي التركيب و يعسر حصره و المسك بكلّ جوانبه و عناصره مرّة واحدة.
 ـ أنّ العقل العلمي لا يُواجه واقعا منظّما سلفا تحكمه قوانين حتمية يعمل عن طريق الترييض و التجريب على اكتشافها و صياغتها كما يزعم التصوّر الوضعي للعلم (النمذجة التحليلية). بل تفترض النمذجة السستيمية موقفا إبستيمولوجيا مغايرا للموقف الوضعي قوامه النظر إلى الواقع على أنّه لا متناهي التركيب و ما من حتمية تحكمه و لا قوانين تسوده و ليس أمام العقل من خيار سوى بناء نماذج تنظّم الواقع، تعقلنه و تتجاوز التعقيد  و الفوضى اللذين يمّيزانه دون ادّعاء المسك بحقيقة الواقع و السيطرة الكلّية عليه.
استخلاص: التسليم بأنّ الواقع لا متناهي التركيب و أنّ الفكر لا يملك تجاهه سوى التعويل على إمكانيتها الخاصّة (الترييض و الأكسمة و الصورنة و التأويل = النمذجة) و القيام بمحاولة تبسيطه هو الأساس الإبستيمولوجي الذي يقوم عليه الاشتغال النمذجي للفكر العلمي. فما هي أهداف العقل العلمي المنمذج ؟ هل يهدف إلى تفسير الواقع تفسيرا يقينيا أم إلى مجرّد تبسيطه و فهمه فهما عقلانيا ؟
ب ـ أهداف النمذجة العلمية:
يؤكّد نوفال أنّ هدف النمذجة العلمية بما هي إستراتيجية إهمال و اختزال تحكمها قاعدة  "لا تنظروا إلى ذاك انظروا فقط إلى هذا" هو: 
   تبسيط الواقع المعقّد عن طريق " تفسير المرئي المعقّد باللامرئي البسيط" أي أنّ الفكر العلمي من خلال النمذجة لا يهدف إلى إنشاء تفسير كلّي يقيني للواقع بقدر ما يهدف إلى صياغة نماذج تبسيطية عنه. فالتبسيط هو مطلب العقل و ليس التفسير اليقيني.
مثال: حينما صاغ نيوتن قانون الديناميكا: القوة = الكتلة في التسارع (ق = ك . س)  فإنّه وضع نموذجا تبسيطيا لواقعة فزيائية معقدّة هي علاقة القوّة بكتلة جسم متحرّك في الزمان و المكان. فهو إذ وجّه الفكر نحو عناصر محدّدة من الظواهر الفيزيائية: الكتلة و القوّة و التسارع  و أسقط عناصر أخرى و أهملها شأن: طبيعة القوّة ( أميكانيكية ؟ أيدوية ؟، جاذبة ؟ دافعة ؟) طبيعة المتحرّك أنسق مادي ؟ نسق ميكانيكي ؟ كوكب ؟ مكان الحركة أرضي ؟ سماوي ؟ مسار الحركة دائرية ؟ مستقيمة ؟
  فهم الواقع: النمذجة هي مشروع فهم للواقع و عقلنة للظواهر فالعلم يفهم أي يبّسط المعقّد و ينظّم الفوضى فإذا كان التفسير هو المسك بالأسباب الفعلية المنتجة للوقائع فإنّ النمذجة تقتصر على الفهم أي على إنتاج تصوّر ترجيحي تقريبي و تأويلي ينظّم الوقائع دون ادّعاء تفسيرها على نحو مطلق  و يقيني. فمن خلال نموذج القانون النيوتني يمكن أن نفهم رياضيا أنّه إذا ضاعفنا قيمة الكتلة فإنّ القوّة نفسها تنتج نصف قيمة التسارع ق= ك. س س = ق/ ك. ½ س = ق / 2 ك
استخلاص: تبسيط الواقع المعقّد و فهمه هي أهداف عقلانية النمذجة التي لا تزعم البتة إنتاج تفسير نهائي و يقيني للواقع فأيّ دلالة فلسفية عامّة لاعتبار النمذجة استراتيجية إهمال ؟ ما هي التبعات الإبستيمولوجية لذلك على طبيعة و خصائص عقلانية العلم ؟
3  ـ الاستتباعات الإبستيمولوجية لاعتبار النمذجة إستراتيجية إهمال:
يفضي تعريف النمذجة العلمية على أنّها استراجية إهمال إبستيمولوجيا إلى: 
  التأكيد على الطابع البنائي لعقلانية العلم: فالعقل العلمي لا يشتغل على الواقع كما هو في ذاته كواقع معطى/ خام تقدّمه الملاحظة و التجربة بل هو يشتغل على واقع مبني أي على موضوعات يبنيها و يخترعها بنفسه عن طريق آليات الاختزال و الانتقاء و الإهمال و الإغفال و الإبراز التي تقتضيها النمذجة. فموضوع البحث العلمي هو الواقع المبني و ليس الواقع المعطى الخام. و عقلانية العلم هي عقلانية الاختراع و ليست عقلانية الاكتشاف.
 * نقض فكرة حياد الباحث تجاه موضوعات بحثه التي طالما اشترطها التصوّر الوضعي للعلم فداخل النمذجة السيستيمية لا يمكن الفصل بين الباحث (المنمذج) و موضوع البحث  فلكلّ نمذجة علمية أساس فينومينولوجي كما يؤكّد على ذلك لوموانيو أي منطلق ذاتي يخصّ الباحث وجهة نظره الشخصية، خياراته المنهجية افتراضاته أهدافه مصالحه و خبراته. إذن تفضي عقلانية النمذجة إلى فكّ الارتباط بين فكرة حياد الباحث و فكرة موضوعية المعرفة فالعلم ينتج معرفة موضوعية غير محايدة بما أنّ منطلقها افتراضات و خبرات الباحث و أهدافها الفعل المُجدي في الواقع بما يتلاءم مع غايات الباحث و مقاصده  و على هذا النحو تصبح المعرفة العلمية مشروعا ينجزه الباحث من أجل تحقيق غايات و أهداف نظرية و عملية محدّدة سلفا.
*  استبدال المطابقة بالبينذاتية كمعيار للموضوعية: بما أنّ النمذجة إستراتيجية إهمال تشتغل على نماذج مبنية ليست تمثيلا وفيّا للواقع و بما أنّها تمثّل مشروعا يعكس أهداف و غايات المنمذج فإنّها تضطّر العلم إلى تغيير معيار الموضوعية من المطابقة مع الواقع كما كان سائدا في التصوّر الكلاسيكي إلى التوافق بين العلماء (البينذاتية). فالحكم على موضوعية معرفة ما، داخل إبستيمولوجيا النمذجة، لا يتأسّس على تطابق هذه المعرفة مع الواقع قيد الدّرس الذي نتحقّق من حصوله عن طريق الاختبار التجريبي أو عبر التسليم بالتطابق الأصلي بين نظام الاشياء و نظام الأفكار الذي يضمنه الإله (ديكارت) بل يتأسّس على اتّفاق جمهور العلماء (أصحاب الاختصاص) على الصلاحية التركيبية و الدلالية و التداولية للنماذج.
*  استبدال معيار نجاح النموذج من الحقيقة إلى الصلاحية: فمطلب عقلانية النمذجة ليس الحقيقة بما هي المعرفة المطابقة للواقع ولا التفسير الشمولــــي و اليقيني له بل مطلبها حسب لوموانيو "المعرفة الفاعلة" أي المعرفة الصالحة للتحكّم التقني في الواقع و الفعل فيه " فالحقيقة ليست سوى الفعل عينه " . إنّ الفكر العلمي الذي يشتغل عن طريق النماذج لا يدرس الواقع في ذاته بل موضوعات من اختراعه و لا يطلب المعرفة من أجل الحقيقة بل المعرفة من أجل الفعل و التحكّم و السيطرة العملية تقنيا على الواقع. و كلّ ذلك يفضي إلى إسقاط فكرة الحقيقة و اليقين كمعيار للحكم على نجاح الجهد العلمي و استبدالها بمعيار صلاحية النموذج تركيبيا من جهة تماسكه المنطقي و دلاليا من جهة قابليته للانطباق على الوقائع و تداوليا من جهة قابليته للاستعمال و قدرته على الفعل و نجاعة أدائه.
*  إثبات أنّ عقلانية العلم أيّا كان مجال اشتغالها هي :
عقلانية مفتوحة تأبى الاستقرار و الاكتمال لها نقطة بداية و ليس لها نقطة وصول. عقلانية نقدية تتعارض مع كلّ منزع دوغمائي وتتوسّل بإجراءات التعديل و التصحيح و الدحض من أجل التقدّم و التطوّر باستمرار.
عقلانية جدلية: يتفاعل داخلها النظري والتطبيقي التجريب و الترييض الواقعي و الافتراضي الذات  و الموضوع الوسائل الإجرائية و الغايات المعرفية و العملية.
عقلانية نسبية: تتعارض مع مطلب اليقين فهي لا تزعم تفسير الواقع بصفة كلّية يقينية و لا مسك الحقيقة بل تقتصر على إنشاء نظريات ونماذج من أجل فهم الواقع فهما عقلانيا و الفعل فيه على نحو منظّم و مُجدٍ بما يحقّق مصالح الإنسان و احتياجاته النظرية و العملية لكّنها نماذج و نظريات قابلة للتعديل و التصحيح و التجاوز ما يجعل من تاريخ العلم تاريخ تصحيح الأخطاء و من تقدّمه سيرا على جثث النماذج. لكن ألم تفضي عقلانية النمذجة التي تعطي للحقيقة معنى الفعل في الطبيعة و الإنسان إلى تخريب الطبيعة و استعباد الإنسان ؟ ألا يستوجب تطوّر العلم و التقنية و تزايد مخاطرهما على البيئة و الإنسان نقدا فلسفيا إيتيقيا لعقلانية العلم بغرض تحريرها من منزعها الأداتي و كسر صمتها و حيادها تجاه ما يهدّد الحرّية و المسؤولية و العدالة و الحقّ الكوني للإنسان في العيش الكريم ؟
   4 ـ الحدود الفلسفية للنمذجة:
تمهيد: لئن اقتصرت المقاربة الإبستيمولوجية على السعي للإجابة عن أسئلة: كيف ينشأ العلم  و يشتغل و يتطوّر؟ و ما هي معايير صلاحية النماذج التي ينتجها ؟ بالتأكيد على أنّ النمذجة هي سلاحه المنهجي للسيطرة على الظواهر و بيان أنّ العقل العلمي هو عقل بنائي يحكمه منطق الاختراع لا منطق الاكتشاف و أنّه عقل مُتطوّر و خلاّق و أنّ تاريخه سير على جثث النماذج، فإنّ العلم ذاته الذي أصبح سمة مميّزة للحداثة و شرط تقدّم المجتمعات على كافة المستويات تحوّل اليوم إلى موضوع مقاربة من جنس آخر هي المقاربة الإيتيقية التي تسعى إلى مساءلة العلم عن منجزاته الحضارية عن مظاهر التقدّم و الإضافة التي حقّقها و عن المخاطر و التهديدات التي أفرزها. مساءلة التقدّم العلمي و التكونولوجي عن مُنجزاته الحضارية هو موضوع المقاربة الفلسفية الإيتيقية التي تراهن على الكشف عمّا تسبّب فيه من أزمات و مخاطر تهدّد الإنسان و البيئة معا و عن سبل الحدّ منها.
۞         ۞        ۞
 نصّ: العلم والتقنية والسياسة:
 إدقار موران ـ ص 276 (الآداب)
موضوع النصّ: المسؤولية تجاه مخاطر العلم.
الأطروحة: إنّ اللامسؤولية الأخلاقية للعلماء تجاه نتائج بحوثهم هي اليوم سبب تحوّل العلم الضخم إلى مصدر تهديد للإنسانية.
الأطروحة المستبعدة: الادّعاء بأنّ العلم و التقنية محايدان و أنّ توظيفهما السياسي هو المسؤول وحده على المخاطر المحدقة بالإنسانية اليوم.
المشكل: هل تلقى مسؤولية المخاطر المهدّدة للإنسانية اليوم على التوظيف السياسي السيّئ للعلم الضخم أم على تواطؤ العلماء و عدم إصغائهم لضمائرهم ؟
تفريع المشكل: ما هي مظاهر العلم الضخم اليوم ؟ و أيّة مخاطر أفرزها ؟ من يتحمّل مسؤولية هذه المخاطر ؟ و كيف يمكن للعلماء استعادة الالتزام بمسؤوليتهم الأخلاقية ؟ ما السبيل لاسترجاع التحالف بين العلم و الإيتيقا ؟
التحليل:
1  ـ مظاهر العلم الضخم: Big science   ينطلق موران من تسجيل أمر واقع اليوم هو:  بلوغ المجتمعات المعاصرة إلى "العلم الضخم" أي وصولها إلى مستوى من التقدّم العلمي و التكنولوجي أصبح مهيّمنا و مؤثّرا على كلّ مجالات الحياة. فما هي المؤشّرات الدّالة على ذلك ؟ يمكن رصد أهمّ علامات العلم الضخم في المجتمعات المعاصرة.
*  نظريا في: 
ـ الإقرار الجماعي بأنّ لا شيء من المشاغل التي تثيرها الطبيعة أو الحياة أو المجتمع يفلت من طائلة المعرفة العلمية دراسة و تفسيرا. فالعلم كمعرفة موضوعية تخصّصية هو سلاح الإنسان المعاصر للتصدّى لكلّ التحدّيات و المشاكل التي يطرحها عليه واقعه.
ـ الثقة المتزايدة في العلم، في منهجيّته و أدائه و حقائقه و تعليق آمال الإنسان في السيادة على الطبيعة و تحقيق السعادة على نتائجه.
*  عمليّا في :
ـ انتقال العلم من بحث يُجريه العلماء لغايات معرفية إلى شأن تراهن عليه الحكومات و صنّاع القرار من أجل الحصول على القوّة اللازمة لتحقيق المصالح.
ـ توفّر ترسانة متطوّرة باستمرار من التقنيات الميكانيكية و الإلكترونية أصبحت مصدر القوّة الأساسي للسيطرة على الواقع و الاستجابة لاحتياجات الإنسان الصحّية و الاقتصادية و الاتّصالية و السياسية...
استخلاص: الثقة في العلم و التكنولوجيا معرفيا و عمليا و رهان الدول و الحكومات على القوّة التي يوفّرانها من أجل تحقيق المصالح هو ما جعل العصر الرّاهن عصر العلم الضخم. لكن هل يقتصر دور العلم الضخم على إنتاج الثروات و الخيرات و على زيادة نفوذ الإنسان المعاصر على الطبيعة و على وجوده الاجتماعي ؟ هل يمكن تبرئة التقدّم العلمي و التكنولوجي من التحوّل إلى مصدر تهديد للإنسان و تخريب للطبيعة ؟ ما هي أهمّ المخاطر التي أفرزها العلم الضخم ؟
2  ـ  مخاطر التقدّم العلمي و التكنولوجي:
يمكن تصنيف المخاطر المتولّدة عن العلم الضخم إلى:
أ  ـ مخاطر روحيّة: تتعلّق بالحياة الفكرية و الروحية للإنسان المعاصر. تتلخّص أهمّها في:
* إقصاء أنماط المعرفة الأخرى وإنتاج حالة من "الزهد في التفسير" بتعبير مونو بفرض تفسير موحّد للواقع هو التفسير العلمي و النظر إلى أنماط التفسير الأخرى بعين الريبة و التظنّن.
* "قطع رأس الفلسفة" بإقصاء المعرفة الميتافيزيقية و اعتبار العلم المعرفة الوحيدة التي تضمن تحقيق الاحتياجات المعرفية للإنسان حدّ التعصّب و الدغمائية "المعرفة التي ليست معرفة علمية ليست معرفة بل هي جهل" قوبلو.
* الفصل بين المعرفة والأخلاق و اعتبار القيم (الخير و السعادة و العدالة و الحرّية) شأنا يخرج من دائرة اهتمام العلم الذي ينصبّ على نظام الوسائل بينما تتعلّق الأخلاق بنظام الغايات. و قبول ما ينجرّ عن ذلك من إفقار للحياة الروحية و من قطيعة بين العلم و الضمير علما و أنّ "علما بلا ضمير هو خراب للروح"
*  تَشييئ الإنسان و النظر إليه ككائن طبيعي محض يخضع إلى نفس نموذج المعقولية المطبّق على الظواهر المادية دون اعتراف بالفوارق بينهما.
ب ـ مخاطر مادية: تخصّ الحياة العملية إن في مستوى علاقة الإنسان بالطبيعة أو في مستوى علاقة الإنسان بالإنسان تتجلّى خاصّة في :
* تحوّل مشروع السيطرة على الطبيعة تدريجيا إلى مشروع تدمير للطبيعة و تخريب لمواردها  و مكوّناتها بالهدر و الاستنزاف و التلوّث (الخطر الايكولوجي)
* إحكام السيطرة على الإنسان فـ " لوغوس التقنية هو لوغوس العبودية المستديمة" كما يقول ماركوز. فبدل توجّه العلم نحو تحرير الإنسان استخدم لاستعباده اجتماعيا و سياسيا و بدل تحقيق السعادة استخدم العلم لتعميق معاناة الإنسان جرّاء التحكّم الإعلامي و الإشهاري و السياسي في مواقفه و أفكاره و جرّاء التلوّث و التسلّح.
استخلاص: التقدّم العلمي و التكنولوجي بقدر ما أنتج من منجزات و مكاسب تتخطّى الحصر بقدر ما جعل من البشرية تعيش على شفا كارثة خصوصا بسبب الإفراط في التسلّح و التلوّث. فمن يتحمّل مسؤولية انحراف العلم الضخم نحو تهديد الإنسان و تخريب الطبيعة ؟ و ما هو التبرير السائد لذلك ؟
3  ـ في التبرير السائد لانحراف العلم و التقنية:
يشير موران إلى وجود رأي سائد لدى العلماء حول الطرف الذي تقع عليه مسؤولية الخطر المُحدق بالبشرية جراء العلم الضخم، رأي يقول :
* بالانفصال التامّ بين العلم و التقنية و السياسة كميادين متباينة المشاغل و الرّهانات.
*  بالتثمين الأخلاقي للعلم: أي النظر إلى العلم على أنّه بحث نظري "حسن جدّا أخلاقيا" إذ يعبّر عن عراقة العلاقة بين الحقيقة و الخير و يعكس سعي الإنسان الدؤوب للفوز بهما.
*  بالتحييد الأخلاقي للتقنية: أي النظر إلى التكنولوجيا على أنّها في حدّ ذاتها محايدة أخلاقيا و قابلة للاستعمال من أجل الخير أو من أجل الشرّ، لصالح الإنسان أو ضدّه فهي مجموعة أنظمة و وسائل تستخدم لتحقيق غايات ليس من شأنها أن تشرّعها أو تصوغها.
*  بالتجريم الأخلاقي للسياسة: أي اتّهام الحكومات و صنّاع القرار بإساءة استخدام العلم و التكنولوجيا. فالسياسة التي يحكمها منطق القوّة و المصلحة هي الطرف الذي تلقى عليه مسؤولية المخاطر المترتّبة عن العلم الضخم. وحدها السياسة من جعل العلم ينحطّ إلى نظام الوسائل و يتبرّأ من التزاماته الأخلاقية.
استخلاص: تفرّد السياسة و رجالها برسم الأهداف و تشريع الغايات و وضع أيديهم على بحوث العلماء و التقنيين و منجزاتهم هو سبب المخاطر المُحدقة بالبشريّة جرّاء العلم الضخم. فما هي حدود هذا التصوّر ؟ هل يجوز حقّا إعفاء العلماء من المسؤولية عمّا يهدّد البشرية اليوم ؟
4  ـ في حدود التبرير السائد:
يؤكّد موران أنّ التصوّر السائد القائم على تبرئة العلماء و التقنيين أخلاقيّا و تجريم رجال السياسة تعبير عن حالة اللامسؤولية المعمّمة وهو تصوّر ضعيف و مغالطي و مناقض للواقع لأسباب عديدة :
أوّلا: بسبب وجود تفاعل واقعي، في المجتمعات المعاصرة، بين العلم و التقنية و السياسة  ففرضيّة الانفصال التامّ بين هذه الميادين الثلاثة لا يؤيّدها ما يوجد فعليّا بينها من تفاعل تعبّر عنه سياسات الدول و الحكومات في البحث العلمي تمويلا و توجيها و تفعيلا .
ثانيا:  بسبب أنّ العلماء لا يعيشون خارج التاريخ و لا في مخابر مغلقة بل هم أيضا فاعلون في السياسة و شركاء في صناعة القرار السياسي و العسكري.
*  بصورة مباشرة: مثل تورّط أنشتاين في اقتراح صنع القنبلة النووية على روزفلت رئيس الولايات المتّحدة الأمريكية سنة 1939 قصد تحقيق توازن الرّعب مع الألمان و قد استعملت القنبلة بعد ذلك في الحرب على اليابان.
*  بصورة غير مباشرة: فتخلّي العلماء عن مسؤوليتهم تجاه بحوثهم و رضاهم بأن تفلت معارفهم و نتائج بحوثهم من أيديهم لتُودع في بنوك المعطيات الخاصّة بالحكومات و قبولهم الانخراط في النظام التكنو ـ بيروقراطي للدول أي اقتصارهم على شغل مواقع إدارية و تنفيذية دون أن تكون لهم سلطة تشريعية تتعلّق بغايات بحوثهم ولا قدرة على مراقبة استعمال هذه البحوث و على محاسبة من يُسيئ استعمالها هو شكل من التواطؤ السياسي و سبب تعميق حالة "اللامسؤولية المعمّمة" (الاستهتار الأخلاقي بمخاطر العلم الضخم) السائدة في المجتمعات المعاصرة. بتعبير آخر ادّعاء العلماء الحياد و "الوقوف على الربوة " إزاء الأخطار التي يفرزها استعمال بحوثهم من قبل رجال السياسة بذريعة التخصّص في البحث لا غير هو تواطؤ أخلاقي يجعلهم شركاء في الجرم و يعكس ما أطلق عليه أنشتاين "الوضع التراجيدي للعلماء" إذ تحوّلوا طوعا إلى مُجنّدين للدول من أجل التحطيم و التدمير و إنتاج المعاناة و هم قادرون على إسعاد البشر و التخفيف من معاناتهم لو تحمّلوا مسؤولياتهم الأخلاقية.
استخلاص: لا مبرّر لتبرئة العلماء ممّا يُفرزه العلم الضخم اليوم من أخطار بذريعة حياد التخصّص العلمي و حيلولة الجهاز البيروقراطي للدول دونهم ودون مراقبة استعمال نتائج بحوثهم. فالمتعلّل بالحياد و التخصّص أو بالعجز عن المراقبة و المحاسبة متواطئ و متورّط مع رجال السياسة فهو مثل "الشيطان الأخرس". فما هو إذن واجب العلماء ؟ ما السبيل للتحرّر من حالة اللامسؤولية المعمّمة تجاه ما يمثّله العلم الضخم من تهديد محدق بالإنسانية ؟ كيف يمكن استرجاع التحالف بين العلم و الأخلاق بين الوسائل و الغايات ؟
5  ـ في سبل استرجاع المسؤولية الأخلاقية للعلماء:
تقتضي استعادة التحالف بين العلم و الإيتيقا و توجيه التقدّم العلمي و التكنولوجي نحو "توفير الخير العام لجميع الناس" و تحقيق غايات إنسانية تنأى عن المخاطر المترتّبة عن سوء توجيه العلم الضخم و غياب مراقبة استعمالاته من قبل رجال السياسة :
ـ  تخلّي العلماء عن حالة اللامسؤولية التي وضعوا فيها قسرا أو طوعا و كسر صمتهم حول كلّ مشاكل العصر.
ـ استعادة العلماء لاستقلاليتهم الفكرية عبر الاضطلاع بوظائف التشريع و النقد و المراقبة إلى جانب البحوث المتخصّصة.
ـ الضغط على رجال السياسة و مشاركتهم في صناعة القرارات و رسم الغايات و السياسات و عدم الرضا بوضعية الجنود البيروقراطيين المُسخّرين لخدمة الحكومات
ـ إحياء العلاقة العريقة بين الحقيقة و الخير و وصل ما انفصل بين العلم و الأخلاق عبر الاهتداء بمقتضيات الضمير الإنساني.
إذن: إنتاج علم بضمير و عدم الاستسلام لمنطق السياسة الذي لا يعدو أن يكون منطق المصالح و الوسائل هو سبيل العلماء لتجسيد مسؤولياتهم الأخلاقية تجاه أنفسهم و تجاه البشرية و سبيل هذه الأخيرة لتجاوز عصر اللامسؤولية المعمّمة
المناقشة:
المكاسب:
ـ التأكيد على أنّ العصر الراهن هو عصر العلم الضخم الذي يستجيب تقريبا لكلّ احتياجات الإنسان.
ـ التنبيه إلى توازي العلم الضخم مع حالة من اللامسؤولية المعمّمة تجاه مخاطره على البشرية.
ـ التأكيد أيضا على أنّ العلماء مثلما ساهموا بحيادهم و صمتهم و تواطئهم مع السياسيين بدعوى التخصّص في البحث في المخاطر المتربّصة بالبشرية اليوم هم أيضا طلائع مقاومة هذه المخاطر شرط استرجاع إحساسهم بالمسؤولية و الاحتكام إلى ضمائرهم. 
الحدود: 
هل يقتصر استرجاع التحالف بين العلم و الأخلاق على الإصلاح الأخلاقي للعلماء فحسب ؟ ألا يقتضي التحرّر من حالة اللامسؤولية المعمّمة التي أنتجها العلم الضخم اليوم إصلاحا أشمل من ذلك ؟
الحقيقة يفترض التحرّر من الأزمة المهدّدة للمجتمعات المعاصرة إصلاحا :
 * يشمل السياسة: بتغليب منطق المصلحة الإنسانية العامة على منطق القوّة و السيطرة و الاستنزاف المفرط للموارد الطبيعية و البشرية في مجال إدارة الدول و وضع سياساتها و توجّهاتها و استعادة التفاعل بين السياسة و الأخلاق.
*  يشمل العلم و عقلانيته بصورة جذرية: عبر إعادة النظر في رهان السيطرة على الطبيعة  و استبداله برهان تحرير الإنسان كأولوية تعلو على كلّ اعتبار و عبر فتح نوافذ الحوار بين العلم و الفنّ و بينه و بين الفلسفة باعتبارها تعكس أبعاد أخرى للوجود الإنسان المركّب و تحقّق احتياجات إنسانية لا تقلّ قيمة عن الاحتياجات التي يشبعها العلم.
نصّ: العلم و التقنية و السياسة
" لقد بلغنا اليوم عصر العلم الضخم، والتقنيّة العلميّة التي كوّنت سلطات جبّارة. لكن علينا أن نلاحظ بأنّ العلماء مجرّدون تماما من هذه السلطات رغم أنّها تصدر من مخابرهم ذاتها بعد أن تمرّكزت هذه السلطات من جديد بين أيدي مسيّري المؤسّسات وقوى الحكومات، فثمّة من الآن فصاعدا تفاعل لا مثيل له بين البحث والقوّة.
يعتقد الكثير من العلماء تجنّب المشاكل التي يثيرها هذا التفاعل باعتبار أنّه يوجد انفصال بين العلم من جهة والتقنية من جهة والسياسة من جهة أخرى.  يقول هؤلاء العلماء إنّ العلم حسن جدّا إنّه أخلاقي. أمّا التقنية فهي متعدّدة الأوجه... أمّا السياسة فهي سيّئة وما حصل من تطوّرات سيّئة في العلوم إنّما يرجع إلى السياسة. إنّ رؤية كهذه لا تجهل فحسب العدوى الفعليّة بين الميادين الثلاثة بل تجهل أيضا أمر أنّ العلماء هم فاعلون في مجالات السياسات العسكريّة والحكوميّة. وهكذا فإنّ أنشتاين أعظم علماء عصره هو الذي طلب من الرئيس روزفلت صنع القنبلة النوويّة الحراريّة. وينبغي أن نفكّر من جهة أخرى بأنّ تطوّر العلم الضخم يؤدّي إلى معرفة خفيّة الاسم، لم تعد معدّة للانصياع للوظيفة التي كانت للمعرفة طيلة تاريخ الإنسانيّة وهي أن تتجسّد في الضمائر وفي العقول وفي حياة البشر. لقد أعدّت المعرفة العلميّة الجديدة لكي تودع في بنوك المعطيات وأن تستخدم وفق وسائل الأقوياء وقراراتهم. ثمّة تجريد فعلي لملكيّة المعرفة لا يشمل (عامة) المواطنين فحسب وإنّما العلماء الموغلين في التخصّص أنفسهم أيضا. حيث لا يقدر أيّ منهم على مراقبة مجمل المعرفة المنتجة اليوم ولا على التحقق منها. إضافة إلى ذلك.... ففي الوقت الذي دخل فيه البحث إلى المؤسّسات التيكنوبيروقراطية للمجتمع أدّى على الفور اقتران الإدارة التكنوبيروقراطية في تخصّص العمل إلى اللامسؤوليّة المعمّمة. إنّنا نعيش عصر اللامسؤوليّة المعمّمة".
" إدقار موران" علم بضمير
طريق النجاح: شكرا للزميل: الـفيتوري الرابطي

هناك تعليق واحد: