إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الاثنين، 6 مايو، 2013

ـ 1 ـ الإنـسانيّ بين الكثرة و الوحـدة

إعداد: الصحبي بوقرّة
أستاذ مبرّز في الفلسفة
إدغار موران :"الإنسان هو كائن ثقافي بالطبيعة، لأنّه كائن طبيعي بالثقافة"
(Le paradigme perdu, p.100, Points n°109)
1 ـ في دلالة الوحدة و الكثرة:
إنّ اهتمام الفلسفة بمسألة الوحدة و الكثرة لا يرتبط بسؤال ما الإنسان فحسب و إنّما يرتبط بكلّ المباحث التي انشغلت بها الفلسفة و اشتغلت عليها، إلى درجة دفعت البعض إلى التأكيد على أنّ فهم مسالة الوحدة و الكثرة هو المحدّد الأساسي و الجوهري لأيّ مقاربة فلسفيّة، و لكن الإحراجات و التوتّرات التي تلازم السؤال عن الإنسانيّ في علاقة بمسألة الكثرة و الوحدة هو الذي سيدفعنا للانشغال بالمسألة الأنتروبولوجية عامة و سؤال "ما الإنسان ؟ " خاصّة؛ و لذلك يجب أن نقرّ  مبدئيا بأنّنا نلج في هذا السجلّ عالما مترامي الأطراف يطال السؤال الأنطولوجي و السؤال الأنتروبولوجي، عالما قد يدعونا لاستحضار كلّ تاريخ الفلسفة ما لم نحدّد بدقّة المشكل الذي سنعالجه، بحيث تكون العودة للفلاسفة محاولة للإجابة على المشكل المطروح سلفا و الذي نصوغه على هذا النحو: هل يقتضي القول بالوحدة نفي الكثرة ؟ و إذا كانت الكثرة هي السمة المميّزة للواقع الإنساني فهل يدفعنا هذا الواقع إلى القول بأزمة الكلّي أو التشكيك فيه ؟ و هل يفضي التشكيك في الكلّي إلى التشكيك في مطلب الوحدة ؟ و هل يتعارض واقع الكثرة بالضرورة مع الوحدة المنشودة ؟ اليس من الممكن التفكير في الإنسانيّ وجوديا و ثقافيا في ظلّ القول بالكثرة و الوحدة في آن ؟













-  الإنّية كثيرة و واحدة أو هي وحدة متكثّرة .....
-  يغيّر الإنسان خلاياه سبع مرّات في حياته.
-  يرتبط مفهوم الشخص بلفظة  PERSONA  التي تحيل بدورها على فكرة القناع، و  لذلك كان يسمّى من يستخدم القناع للتمثيل Epocritus أي المنافق 
الخصوصية كثيرة و واحدة أو هي وحدة متكثّرة ...
تحيل الخصوصية على الهوية الثقافية و الايتيقية...
-  الإنسان كائن ثقافي و لكن الثقافة ثقافات ...
-  إنّ ما يجمعنا (وحدة) يفرّقنا (كثرة) بدءا باللغة و المقدّس ...  
  2  ـ  في الإنسانيّ و اللاإنسانيّ:
مثّل الوجه الحيواني للإنسان التعريف الما قبلي له، بحيث يحدّ الإنسان إمّا من جهة ارتباطه أو تجاوزه لهذا الوجه الملازمة لإنّيته و هويّته، كأن نقول: "الإنسان حيوان ناطق" أو "حيوان عاقل" أو "حيوان ثقافي" أو "حيوان سياسي" "zoon politikon"، فلازم حدّ
الحيوان التعريف و كأنّه يقين لا مفرّ منه إلاّ لمن يكون جديرا بخلق ماهية تقتلعه من هذا المعطى، فتكون مهمّة وجوده و مشروع كيانه، و إذا كان هذا المعطى  يلازم هذا الحدّ فهل يحقّ لنا اعتبار الحيوانية فينا غيريّة أم إنّها إنّية علينا القطع معها ؟ و أين يكمن هذا الخطّ الفاصل في الإنسان بين الحيوانيّة و الإنسانيّة ؟  أليس من الممكن النظر للسؤال و التفكير و النظر و الوعي على أنّه ما به يكون الإنسان إنسانا طالما أنّ الحيوان لا يسأل ؟ ألا يتحوّل السؤال ذاته عن الإنسان عتبة الإنسانيّ ؟ و إذا كان السؤال شأن إنساني [1] فإن السؤال عن الإنساني هو بالأساس شأن فلسفي، هو إنساني لأنّه يعبّر عن قلق [2] مخصوص يجعل الإنسان وجها لوجه مع ذاته و قبالة العالم، حيث يكون هذا القلق على حدّ عبارة كيركيجارد شرط إمكان التحرّر بدء من الحيوانية فيه.
«L’angoisse est la possibilité de la liberté »   Kierkigaard
ليس السؤال إذا هو الإنسانيّ بقدر ما هو القلق الذي يمثّل المحرّك الأساسي لكلّ سؤال و لكلّ فعل أو نشاط أو موقف:
ـ فالقلق هو الذّي يدفعنا للبحث عن أجوبة جديدة يبدو أنّها تقترب نحو الحقيقة دون أن تدركها.
ـ و القلق هو الذي يلزمنا برفض الاكتفاء بالكائن، و البحث دائما هناك فيما وراء حدود المكان و الإمكان.
ـ و القلق هو السبب و المحدّد و الدافع و"الموجّه لكلّ إرادة" على حدّ عبارة جون لوك.
أمّا السؤال القلق فيمكن صياغته على هذا النحو: هل يمكن أن يكون للإنسان ـ الذي هو في آن نوع   espèce  و فرد   individu   ـ  ماهية تحدّد بمفردها طبيعته كإنسان ؟
سيكون رهان معالجتنا لمشكل السؤال عن الإنسان، و مشكل القلق الملازم لوجوده التأكيد على الموقف الذي يقول بأنّه ليس للإنسان لا ماهية و لا طبيعة بل و لا حتّى إنّية  ثابتة و منغلقة على عالم الذات و عالم الفكر و الوعي، و نحن نراهن باتّخاذ هذا الموقف على حرّية الإنسان و نعترف أنّ على الإنسان أن يدفع ثمن هذه الحريّة و ذلك لعدّة اعتبارات:
أوّلا: أنّ الإنسانيّ ليس معطى ما قبليّ و إنّما هو مسألة جدارة و استحقاق و هذا يؤكّد على فكرة التغيّر و الحريّة و التاريخيّة...
ثانيا: أنّ الإنسان يعيش في الثقافة لا في الطبيعة أو أنّ الطبيعي في الإنسان كونه كائنا ثقافيا، و هذا يعني أنّه لا يمكن التفكير في الإنسان داخل طبيعة ثابتة.
ثالثا: الإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن يكون المفهوم و ضدّه، إذ لا يمكن مثلا أن نقول إنّ هذا الطفل سيكون مفكّرا أو أديبا أو فنّانا و أنّ طفلا آخر سيكون مجرما... و هذا يعني مبدئياّ أنّ الإنسانيّ وجود ممكن، أو أنّه ما يَعدُ به الإنسان، الذي قد يلتزم بما يعد و قد لا يلتزم، و لذلك قد نعثر لدى الإنسان على الإنسانيّ و قد نعثر كذلك على اللاإنسانيّ.
و لكن أن يكون الإنسان مفهومه هذا ما يمكن فهمه و ما يفترض التسليم به، و لكن أن يكون الإنسان ضدّه فهذا ما يصعب التسليم به أو قبوله، بل هل يمكن أن نصف باللاإنسانيّ بعض الأفعال الإنسانيّة ؟ فاللاإنسانيّl'inhumain    و إن كان يتعارض مع الإنسانيّ فهذا لا يعني ضرورة أنّه غير إنسانيّ non-humain و هنا يكمن المشكل الحقيقي إذ فكرتنا عن الإنسانيّ و حتّى عن الإنسان لا تحيل على وحدة مطلقة أو كونية، بل تحيل على كثرة و تنوّع و اختلاف إلى حدّ التعارض. و الفكرة المرتبطة باللاإنساني تحيل ـ شأنها شأن الإنسانيّ ـ  على الثقافي،  ففي القديم مثلا جلد  العبيد لا يعدّ لا إنسانيّا، لأنّ العبد هو الذي ينظر إليه على أنّه لا إنسان، فأرسطو يعتبر العبد من يمتلك قدرات جسدية للامتثال للأوامر[3]. و الأمر سيّان بالنسبة لبعض الشعائر و العادات الاجتماعية و الطقوس الدينية [4]، التي مارسها الإنسان في ما مضى و إلى اليوم باعتبارها ممارسات إنسانية. لقد اعتبر مونتاني في كتابه محاولات [الفصل الخاصّ
 بآكلي اللحوم] أنّ الأكثر وحشية ليست بعض الشعائر و الطقوس، و إنّما الحروب التي قامت باسم الدين كالحروب  الصليبية، و نعثر على ذات الالتباس لحظة يتعلّق الأمر بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي و انطلاقا من هذه التسمية يقترح فكرة كونية عن الإنسان، في حين أنّه مجرّد ترجمة لرؤية الإنسان الغربي للإنسانيّ. هكذا يبقى اللاإنسانيّ كقيمة رهين تصوّرنا للإنسانيّ الذي لا ينفكّ يتغيّر، إلى درجة قد تدفعنا إلى تغيير مقاربتنا من القول بالتعارض إلى القول بإنسانية اللاإنسانيّ. و الغريب في الأمر أنّنا لا نلتقي باللاإنسانيّ إلاّ في معرض حديثنا عن الإنسان و كأنّه خاصّية إنسانية، فقطّ أو كلب
 أو أي حيوان يتحوّل في لحظة ما حيوانا مفترسا لا نعتبره لأجل ذلك لاإنسانيّ في حين يكون العكس ممكنا، ليس هنالك إذا إلاّ الإنسان الذي يكون لاإنسانيّ؛ و هذا هو مأتى التناقض في الحقيقة، فإذا كان الإنسان هو مصدر اللاإنسانيّ، فإنّ هذا يعني أنّ اللاإنسانيّ يساهم في تكوّن الإنسانيّ،  بل يعني أيضا أنّه يوجد في كلّ كائن بشري. و إذا كان الحسّ المشترك أو الوعي الجماعي كثيرا ما يرمز للاإنسانيّ بأشكال كاريكاتورية فيها الكثير من السخرية و الاحتقار كصورة الوحش أو الصادي أو الإرهابي، فإنّنا نقول إنّ هذا الحسّ
 يسخر من ذاته و يحتقرها، أو إنّه حسّ لم يتمكّن بعد من رؤية ذاته على حقيقتها. لقد اعتبر أفلاطون أنّ الفرق الوحيد بين الرجل الطيّب و المجرم، هو أنّ الأوّل يحلم بما يفعله المجرم حقيقة، في حين يفعل المجرم ما يحلم به، فاللاإنسانيّ ليس ما هو خارج عنّا أو غريب و إنّما هو أنا آخر يختفي وراء الجسدي و الرغبوي و اللاواعي أو هو غيرية لا تطفو على سطح الإنّية أو هو عدوانيّة تختفي وراء الطقوس الثقافية و الدينية.
"il faut  savoir reconnaître l'humain jusque dans l'inhumain. L'ignoble est souvent du noble mal tourné ".
Jean Rostand : Carnet d'un biologiste











داخل كلّ واحد منّا إذا يختفي اللاإنسانيّ الذي نحاول جاهدا التغلّب عليه، أو رفض وجوده إمّا جهلا أو تجاهلا. و نحن كثيرا ما نضع في نفس الإطار الغريب و العدوّ و الآخر الثقافي و الهمجي و البربري و الوحشي في خانة اللاإنسانيّ، في حين نتعامل مع الإنّية
و الهويّة و الخصوصيّة على أنّها الإنسانيّ بامتياز، و لكن هذا لا يعني أنّ اللاإنسانيّ هو كلّ ما يكون خارج عالم الإنساني. و إذا أمعنا النظر في كلّ ما تقدّم يمكن أن نقول إنّ إمكان التناقض و واقع الكثرة لا مثيل له في عالم الحيوان؛ الإنسان حركة أفعاله، و هي حركة تصنع منه الوجه و الوجه الآخر، أو على الأقلّ تصنع له الوجه الذي يرتضيه، و إذا اعتبرنا كما يقول سارتر و كذلك قرامشي إنّ الإنسان ليس شيئا آخر غير ما يصنع، ندرك صعوبة الإحاطة بطبيعة الكائن البشري، أو باستحالة تقديم تعريف ما قبلي
 a priori، يلمّ بالإنسانيّ في مجمل تجلّياته.
 «Les objets sont ce qu’ils sont, l’homme n’est pas ce qu’il est, il est ce qu’il n’est pas»        
Sartre: l’existentialisme est un humanisme, 1946, Paris, Nagel, pp. 196
«L’homme qui n’est d’abord rien, qui ne sera qu’ensuite et qui sera tel qu’il se sera fait »
Sartre: l’existentialisme est un humanisme, 1946, Paris, Nagel, pp. 196
« En fait, nous sommes une liberté qui choisit, mais nous ne choisissons pas d’être libres, nous sommes condamnés à la liberté »
Sartre: l’existentialisme est un humanisme, 1946, Paris, Nagel, pp. 196
و لكن يمكن أن نتّخذ الصعوبة و التمنّع منطلقا للتعريف، ليكون الإنسان ما سيكون، أو ليكون الإنسانيّ وجودا ينقصنا. و كأنّه محكوم علينا باختيار و بناء و خلق حياة تعبّر عن الإنّية و تحمل في  ذات الحين صورة الكلّي و الإنسانيّ، و لذلك هو اختيار حرٌّ و مسؤول، فلا يوجد خارج الذات ما يمثّل تعلّة الفعل و لا مبرّر الاختيار، و إذا كان الإنسانيّ و اللاإنسانيّ هي الصور الممكنة للإنسان، علينا الاختيار بين صور الإمكان هذه. و لكن هل يعني هذا أنّه ليس من الممكن رصد شيء من الوحدة في الكثرة ؟ أليس من الممكن تحديد الإنسانيّ انطلاقا من تعدّد وجوه تحقّق الإنسان ؟ ثمّ هل يفضي الاعتراف بالتنوّع و الاختلاف و الكثرة إلى التخلّي عن التفكير في وحدة الإنسانيّ ؟
الوحدة ممكنة في أعماق الكثرة، و لذلك كان من اللازم الاعتراف بالتمزّق و الإقرار بالتناقض، حيث يمكن أن نعرّف الإنسان على أنّه الكائن الممكن أو أنّه الكائن الذي يصير بعد ما كان أو هو كينونة  تمزّقا يعبّر عنه الوجود الإنسانيّ في شكله التراجيدي و كأنّ المأساة شرط وجود و مقتضى من مقتضيات الإنسانيّ:
-   المأساة: هي صورة هذا التمزّق الضروري بين الاختيارات الممكنة و المتناقضة.
- شرط إنسانية الإنسان: في مقابل فكرة الطبيعة الإنسانية التي أثبتنا عبثية الحديث عنها بخصوص الإنسان، أي في مقابل فكرة الماهية نتحدّث عن الإنسانيّ كشرط، بمجموع الأسئلة المشتركة الخاصّة بالإنسان. إذ تعبّر الطبيعة الحيوانية عن مجموع الأجوبة المتناسقة بفعل الغريزة لمجمل المشاكل الحياتية التي يواجهها الحيوان؛ في حين يعبّر الشرط الإنسانيّ عن وجود محيّر يسمه القلق و السؤال؛ لذلك تكون الأجوبة الممكنة مختلفة باختلاف الثقافة، وهو الاختلاف الضروري الذي يحافظ على أصالة الأسئلة
و استمراريتها، و هذا يعني أنّنا بخصوص الإنسانيّ لا نكتفي ـ من جهة ـ بالأجوبة و لا نعتبرها مطلقة أو نهائية، و ندرك من جهة ثانية أنّ الأسئلة المطروحة تعبّر في جوهرها عن القلق المتأصّل فينا .
3  ـ الإنسانيّ و قلق السؤال:
-  هل من معنى لوجود حكم عليه بالموت قبل أن يوجد ؟
 الوعي بالموت هو طرف من أطراف تراجيديا السؤال الإنسانيّ، و إن كان هذا الوعي بالذات هو شكل من أشكال تميّزه؛ و المأساة تكمن في هذا التحوّل من إدراك للموت على أنّه الحكم النهائي الذي لا استئناف فيه إلى رغبة في الخلود، أي من الوعي بالنقصان إلى طلب الكمال، و هنا يصطدم الوعي بالعوائق التي تحرم الإنّية كمالها، فيتمّ إقصاء الجسد لأنّه يذكّرنا بالموت، و يتمّ نفي الرغبة لأنّها تدفعنا نحو الحيوانيّة، و يتمّ إقصاء اللاوعي لأنّه يفضح أحلامنا و يكشف الشذوذ الكامن فينا، فنعلن تطاولا و خوفا في كلّ مناسبة أنّها  كثرة تعبّر عن الغيريّة، و أنّ الكثرة مرض لا يصيب الإنيّة بل يصيب الغيريّة. و لكن هذا التطاول و الادّعاء بقدر ما يزيل الخوف من الموت يضاعف من جهلنا بذواتنا و  إنّيتنا. و بقدر ما يذلّل التمزّق الوجودي و التراجيدي بقدر ما يضاعف أوهامنا.
« jamais l’animal ne saura ce que c’est que mourir ; Et la connaissance de la mort et de ses terreurs est une des premières acquisitions que l’homme ait faites en s’éloignant de la condition animale ».
Rousseau : Discours sur l’origine de l’inégalité, première partie
هناك من يواجه التمزّق و القلق بالخلق و الإبداع و السؤال، و هنالك من يواجهه بالوهم و النرجسية و الادّعاء؛ لقد تحملّ بيتهوفن في نهاية حياته مثل هذا التمزّق بعد أن أصبح غير قادر على الإنصات للموسيقى التي يؤلّفها، وهي الفترة التي أنتج فيها أفضل إبداعاته الموسيقية، لا نعثر على مثال أكثر عدمية من هذا المثال حيث يتعذّر على الموسيقيّ الإنصات إلى الموسيقى التي يبدعها، و لكّنه مثال جيّد لأنّه يكشف عظمة الإنسان بالرغم من مأساويّة وجوده: فقد استمرّ بيتهوفن في إبداع الموسيقى التي لن يستمع إليها أبدا؛ كما يستمرّ الإنسان في الوجود الذي لا يقين فيه سوى الموت. و كأنّ كلّ واحد مّنا موسيقيّ أصمّ، قد تكفينا حجّة متواضعة لتثبت لنا يقينية الموت، و لكنّنا نواجه اليقين بالوهم و بالحلم و بالرغبة، و نختار في رفعة الإنسان و كبريائه الرجاء و الأمل. فمع سؤال معنى الحياة ينضاف سؤال لماذا الوجود ؟ لماذا هذا العالم ؟ لماذا لم يكن عدما ؟ هل هنالك غاية ما أو حكمة ما تختفي وراء الشيء حتّى لا يكون لا شيئا ؟ كلّ هذه الأسئلة و غيرها تستعيد على سطح الوجود الإنسانيّ القلق الميتافيزيقي، الذي يكشف من جهة الإنسان و يظهر من جهة ثانية الشعور العميق بالوحدة الأنطولوجية، و ينتهي من جهة ثالثة إلى جملة من الرؤى تحاول أن تكسّر
الهوّة بين الإنسان و ما حوله، رؤى تصنع وعي الذات بذاتها و تحددّ موقع الإنسان في العالم، فتولّد الإنّية كبعد من أبعاد الهويّة الذاتيّة، و تولّد الخصوصيّة كوجه من وجوه الهويّة الثقافيّة، و وراء الإنّية و الخصوصيّة يتحرّك باستمرار القلق الإنسانيّ، قلق منبعه وعي الإنسان أنّه ليس ما حوله، فهو إمّا أكثر بكثير أو أقلّ بكثير. لعلّ التفكير في الإنسانيّ إذا لا يختلف كثيرا عن التفكير في رؤاه، بل لعلّ الرؤى هي فرصتنا الوحيدة للالتقاء بالإنساني فينا، إذ "ما الإنسان؟" خارج أسئلته، تمثّلاته ، تصوّراته و أوهامه ؟ و "ما الإنّية" خارج إطارها الثقافي الذي تتشكّل على أساسه الخصوصية، و يتحدّد موقف الذات و موقعها ؟ بل و ما العالم ذاته إن لم يكن ما نراه و ما نفسّر به ما لا نراه ؟ و لأنّ الإنسان ليس مجرّد وجود في العالم، و لأنّ العالم ليس بالضرورة مجمل الأشياء هناك أمامنا، فإنّ الفلسفة وهي تفكّر في الإنسانيّ لا يمكنها إلاّ أن تفكّر في شكل حضوره و أن تفكّر في العالم كما تتمثّله الذات أو تتخيّله أو تسعى إلى تفسيره و فهمه. الإنسانيّ إذا لا يمكن الإحاطة به باعتماد بعض التعريفات و التحديدات و إنّما الإحاطة تأتي من تلمّس الأسئلة التي يوجّهها القلق في كلّ مكان. الإنسان الذي يسأل لماذا الشيء و ليس اللاشيء ؟ يدرك عبر مأساوية سؤاله أنّه لا هذا و لا ذاك، أنّه العدم أو هو كائن ممكن أو هو مشروع إنسان. يكون الإنسان انطلاقا من وعيه الخاصّ، طبيعته الخاصّة، و حسب قرار خاصّ، و عندها لن يكون الغريب أو الوحشيّ أو اللاإنسانيّ، إلاّ جزءا من هذه الطبيعة أو انعكاسا للقرار؛ و ليس هنالك ما يبرّر الحديث عن اللاإنسانيّ إلاّ الإنسان ذاته، طالما هو بين هذا و ذاك تحقّق و صيرورة و إمكان. لا يولد الإنسان إنسانا، و إنّما يصير كذلك، و هذا يعني أنّ الإنسان حريّة و أن للحريّة ثمن، و ثمن الحريّة هو بناء إنّية يكون الإنسان جديرا بها. و على الإنسان أن يختار بين الإنّية و الغيريّة الصورة التي يرتضيها لذاته، أي أن يتحملّ مهمّة بناء ماهيته، و إنتاج هويّته، إذ الإنسانيّ مهمّة الإنسان، حيث تكون حقيقته ما يحققّه أو ما يكون جديرا به. و الحريّة قبل الهويّة أحيانا إذا كانت مجرّد إطار سكوني تتجمدّ فيه الإنّية و تفنى؛ و الهويّة هي الإنّية أحيانا في اللحظة التي تدفع الإنسان للخلق و البناء.
 الهوامـــش:     
 [1] ـ سنتعرّض لاحقا إلى الأسئلة التي لا تعبّر عن طبيعة الإنسان و إنّما عن شرط تحقّق الإنسانية، كما سنكشف كيف أنّ الإنساني يتحدّد بشكل الأسئلة و الطابع المأساوي لطرحها و لا يتحدّد بالأجوبة كما نجد ذلك في معرض حديثنا عن الطبيعة الحيوانية.
[2]  ـ  القلق هو موقع الشيء في اللا ـ مكان، أو هو دليل عدم تموقع الشيء بعد، وهو بخصوص الإنسان يحيل على الاضطراب و الانزعاج؛ و وضعية القلق كوضعية الريشة في مهبّ الريح، لا مستقرّ لها فلا مستقرّ له. و ما القلق الذي يشعر به المرء إلاّ حنين نفس مستغيثة، تنشد الاستقرار فلا تحصل عليه إلاّ بالعودة إلى المبدأ الخارق كما يقول أغسطين: يا ربّ لقد خلقت من أجلك، و سأظلّ ما حييت قلقا حتّى أستقرّ فيك، أو بالإبداع الخلاّق، أو بالتفسير العلمي، و يمكن للقلق أن يكون مصدرا أو دافعا للهمّ  باعتباره يعبّر عن سعي الإنسان وراء المعنى.
[3]   -  إذ يعرف أرسطو العبد في كتاب السياسة على أنه من يمتلك قدرة على الطاعة:
Aristote, " ceux qui ont la capacité corporelle d'exécuter les ordres ". La Politique
    [4] ـ le cannibalisme, les mutilations sexuelles, ou les rites d'initiation.
طريق النجاح: نقدّم خالص الشكر للزميل: الصحبي بوقرّة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق