إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الأحد، 19 مايو، 2013

الأخلاق و الحرّية

الأخلاق والحرّية من منظور العقل الغربي الحديث
عبد الحقّ منصف  : باحث من المغرب.
1 ـ  الخلفية الفلسفية للعقل الأخلاقي الغربي:
يسلك العقل الأخلاقي الغربي الحديث وفق قاعدة عامة تعود لأصول الفكر الأخلاقي الفلسفي عامة، التي صاغها الفكر اليوناني قديماً – مع أفلاطون و أرسطو– والفكر الوسيط المسيحي و الإسلامي. و تقتضي هذه القاعدة العامة أنّ الإنسان لا يسلك كحيوان، بل بمقتضى نسق من المبادئ و القواعد عليه الالتزام بها. و الأخلاقية (Moralité) هي السلوك وفق مبادئ و قواعد تهمّ الإنسان الكوني لا ككائن ذي مصالح خاصّة و ذاتية. غير أنّ ميزة الفكر الأخلاقي، القديم و الحديث على حدّ السواء، تكمن في كونه يقرّ بأنّ الإنسان يتميّز كذلك باللاأخلاقية، أي يسلك وفق غرائزه و أهوائه. وهو حتّى حينما يسلك بالتوافق مع العقل، قد يُؤَوِّلُ الوقائع 
لصالحه، أي من منظور منفعته الخاصّة لا من منظور العقل الأخلاقي كنسق من المبادئ و القواعد التي تهمّ كلّ فرد بوصفه كائناً ينتمي لدائرة الإنسانية ككلّ. و الفلسفة الأخلاقية تندرج بين هاتين الإمكانيتين: إمكانية الإنسان اللاأخلاقي و إمكانية الشخص الأخلاقي؛ كلتاهما تشكلّ طرفاً أقصى بعيد المنال. ليس الإنسان كائناً لا أخلاقياً كلّية (أي حيواناً يسلك وفق الغريزة بشكل كامل). و ليس الإنسان كائناً أخلاقياً مطلقاً ( و إلاّ أصبح ملاكاً). و المسافة بينهما هي مسافة التفكير في النقلة، الفعلية و التاريخية، من الوضع اللاأخلاقي إلى الوضع الأخلاقي. و لا وجود لوضع أخلاقي خارج حدود الوجود المدني أو الاجتماعي. من هنا، لم يكن مرجع الأخلاقية هو مثال الفضيلة و الخير و الكمال الخلقي فقط، بل هو أيضاً العلاقات الاجتماعية التي تحدّد معايير ذلك الوضع الخُلُقي و مقاييس المسلكيات التي توسم بالأخلاقية.
غير أنّ هذه الخلفية العامة المميّزة للعقل الأخلاقي الغربي الحديث لم تمنعه من الانقسام على ذاته: لقد بنى هذا العقل مشروعه الحضاري على أساس ازدواجية ميّزت فكره الأخلاقي؛ ازدواجية تعود جذورها إلى القرن 18 م على وجه الخصوص – الذي مثّل لحظة تاريخية حاسمة في تأصيل مبادئ الفكر الأخلاقي الغربي – بين توجّهين لا زالا لحدّ الآن يتعارضان فيما بينهما:
«  التوجّه الأوّل مثّله الفكر الأنجلوساكسوني؛ أبرز وجوهه الفلسفية ( دافيد هيوم (؛ و يجد امتداداته منذ القرن 19 م حتّى يومنا هذا في ما يسمّى العلوم الإنسانية أو العلوم الاجتماعية و الأنثروبولوجيا.
« و التوجّه الثاني مثّله الفكر الألماني؛ أبرز وجوهه (إيمانويل كانط) و يجد امتداداته داخل الفلسفة المعاصرة مع كلّ من (هابرماس) و (كارل أوتو آبل (و (رولز (و غيرهم.
و لعلّ فهم العقل الأخلاقي الغربي الحديث يقتضي العودة إلى المفاهيم الأساسية التي يفكّر بها هذا العقل في ذاته كعقل مشرِّع أخلاقيّا للكائن البشري، و كذا المبادئ التي اعتمدها في تشريعه ذاك. و نحن نعتقد أنّ هذا العقل الأخلاقي الغربي لم يبن ذاته بشكل متجانس و منسجم، بل على أساس نقيضي. (Antinomique) ولا يمكن أن نفهم العلاقة التي أقامها هذا العقل بين الأخلاقية و الحرّية إلاّ داخل هذا المنظور النقيضي الذي ميّز الفكر الأخلاقي الغربي منذ القرن 18 م.
من جهة أولى، سار هذا العقل مع (هيوم) في اتِّجاه البحث عن أسس الأخلاقية داخل الطبيعة البشرية. فالأخلاق، كما النظام السياسي و المسلكيات التي يقيمها هذا النظام و باقي الظواهر الإنسانية، هي تعبير عن أساس أنثروبولوجي هو الطبيعة البشرية و مبادئ فعلها و اشتغالها أخلاقياً و سياسياً و تقنياً و ثقافياً..  بهذا الشكل، كانت الفلسفة، ذات المنحى الأنجلوساكسوني، هي التي وضعت، على مستوى المباحث الأخلاقية و السياسية، أسس البحث الأنثروبولوجي – بمعناه العام – في الحياة البشرية. وهي ذاتها الأسس التي ستتوسّع و سيعاد بناؤها داخل ما سيسمّى فيما بعد العلوم الإنسانية (داخل المباحث الفرنسية) أو العلوم الاجتماعية و الأنثروبولوجية (داخل المباحث الأنجلوساكسونية) أو علوم الروح أو العلوم التاريخية (داخل المباحث الألمانية). فالمشروع الإبستيمولوجي لعلوم الإنسان حتّى زمننا الحالي هو تحيين لعقلانية الغرب التي سعت (مستنيرة في ذلك بكتابات القرنين  16 م و17 م مع كلّ من ماكيافيل Machiavel و توماس هوبز و جون لوك و مونطيني  Montaigne   ثمّ هردر  Herder   وغيرهم من مؤلّفي النصوص السياسية والأخلاقية و الأنثروبولوجية حول الإنسان) إلى إعادة بناء قارّة معرفية كبرى حول الطبيعة البشرية و مبادئ وجودها و أفعالها سياسية كانت أو أخلاقية أو تقنية أو إبداعية...
لكن  ـ من جهة أخرى ـ  سار الفكر الغربي مع كلّ من (ديكارت (ثمّ (سبينوزا (و(لايبنتز)  و (ـولـ (Wolf و (إيمانويل كانط) و (فخته ) (Fichte و من نحا منحاهم، في اتِّجاه تأصيل مبادئ الأفعال والمسلكيات البشرية داخل أساس آخر مخالف للطبيعة البشرية هو العقـل. و لم يكن العقل، في هذا السياق، مجرّد بنية من الملكات والقدرات المعرفية الخالصة ( لم يكن قدرة على المعرفة فقط)، بل كان فوق ذلك نسقاً مركّباً من المبادئ أو الأسس والقواعد المتولّدة عنها، التي تنظّم جميعها الأفعال والمسلكيات البشرية على اختلافها. ولا يفصل هذا التوجّه الفلسفي الأخير بين العقل و مؤسّساته؛ لقد تحوّل العقل إلى مؤسّسة، بل مؤسّسات أرادها فلاسفة الغرب أن تكون تاريخية. بهذا المعنى، كانت كلّ المؤسّسات البشرية (التي يقيمها البشر على امتداد تاريخهم الديني و السياسي و التقني و الأخلاقي و الثقافي عامة) هي مؤسّسات للعقل: المؤسّسات السياسية (كالدولة و هيئاتها و الفضاءات العمومية و التنظيمات السياسية و الشرائع و القوانين و آليات التدبير السياسي...)، المؤسّسات التقنية و الاقتصادية (مؤسّسات الإنتاج  والتوزيع والتبادل والمؤسّسات المالية كالرأسمال و تنظيماته...)، مؤسّسات إنتاج المعرفة (كالجامعات و المعاهد و المدارس و مؤسّسات النشر و تعميم المعارف..).  إنّها جميعها تجلّي تاريخي و ثقافي لبنية العقل. داخل هذا السياق جاز الحديث عن عقل سياسي وعقل أخلاقي وعقل اقتصادي وعقل تقني – علمي وعقل تاريخي...الخ، و ذلك بحسب المجال السوسيوثقافي لاشتغال العقل كقدرة على إنتاج المعرفة و التمثّلات و كتنظيم لحقل اجتماعي للحياة البشرية. لكن، و بارتباط بموضوع مقالنا، كيف يمكن تصوّر العقل الأخلاقي (أو النسق العقلي للأخلاق بما هو نسق مدني أيضاً) ؟ يعترف فلاسفة هذا التوجّه الأخير أنّه لا يمكن بناء هذا العقل الأخلاقي على أساس المفهوم العلمي للطبيعة كما صاغته علوم الفيزياء الحديثة؛ لأنّ هذا المفهوم يقتضي أن يكون العقل نسقاً من المبادئ و القواعد و العلاقات الصورية (أي القابلة؛ لأنّ تصاغ عبر لغة رمزية رياضية) يشتغل من تلقاء ذاته بشكل آلي. بهذا المعنى، جاز الحديث عن حتمية طبيعية كونية تسود عالم الظواهر الفيزيائية عامة. و مع أنّ تصوّر هذه الحتمية قد عرف تغييرات عدّة بفعل تطوّر البحوث الفيزيائية الحديثة و المعاصرة، فإنّ مبدأه ظلّ قائماً: توجد الطبيعة كنسق من المبادئ العقلانية التي تشتغل وفق آلية قابلة للضبط الصوري الرياضي. من المؤكّد أنّ تصوّر هذه الآلية لا ينفي وجود هوامش كثيرة للاحتمالات؛ لكن البحث العلمي المعاصر يعتبر هذه الاحتمالات جزءاً من الآلية الطبيعية ذاتها.
غير أنّ المجال العملي البشري  ـ كمجال أخلاقي و سياسي و ثقافي ـ  لا يقبل مبدئياً أن يُختزَل إلى هذا النموذج الفيزيائي. فالأفعال البشرية ينبغي أن تستند إلى مبدأ آخر و قواعد عمل مغايرة. ذاك هو مبدأ الحرّيـة كما سيصوغه الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط) في القرن 18 م. و الحالة هذه، لن تكون الأخلاق البشرية، و كذا القوانين السياسية و الفضاء العمومي الذي تستوجبه، و مبادئ الإنتاج التقني و الفنّي، إلاّ تعبيراً عن أساس عقلاني هو الحريّـة. بهذا الشكل، أسّس الغرب، مع كانط و من نحا منحاه، المجال العملي البشري على قاعدة الحريّة كانت أهمّ نتائجه قيام تصوّر أنثروبولوجي كامل حول الحقوق البشرية و الكرامة الإنسانية. و نسعى في هذه الدراسة إلى توضيح الكيفية التي حاول بها الغرب، من خلال صوته الكانطي على وجه الخصوص ـ تأسيس الأخلاق على مبدأ الحرّية ـ  و نتائج ذلك بخصوص فلسفة حقوق الإنسان.
2 ـ في الحاجة العقلانية و التاريخية إلى الأخلاق:
سعى كانط إلى إقامة نسق من المفاهيم التي تؤصّل الأخلاقية داخل العقل متمثّلاً كقوّة على التشريع و تحديد المبادئ (مبادئ التفكير و الممارسة). و تلك ليست مهمّة نظرية خالصة، بل هي أيضاً مهمّة تاريخية عنده. فالعصر الحديث في أمسّ الحاجة إلى نسق من المبادئ الأخلاقية يستمدّ شرعيته من داخل العقل. لذلك، نفهم جيّداً لماذا يطرح كانط التأسيسَ المتعاليَ لمبادئ الأخلاقية كضرورة من ضرورات الحداثة الفلسفية. يقول: (ينبغي أن نقدّم الدوافع الأخلاقية في استقلالها و نقائها و تميّزها عن كلّ الدوافع بما في ذلك تلك النابعة عن مشاعر العطف. و إنّ السبب في الأثر المحدود للأخلاقية حتّى يومنا هذا يرجع إلى أنّه لم يتمّ عَرْضُها في نقائها و تميّزها. و اليوم نرى أنّ كلّ رجال الأخلاق و الدين* قد فشلوا في هذه المهمّة. و مع ذلك، ستنجح الأخلاقية باستنادها فقط إلى قيمتها الجوهرية وحدها دون أن تمتزج بالتحفيز الحسّي و كلّ أنواع الإغراء (1). يعي كانط إذن منذ البداية أن المجتمعات الغربية الحديثة في حاجة إلى تأسيس نسقها الأخلاقي الذي يستجيب لحداثتها و مرحلتها التاريخية. و إذا كانت فكرة التأصيل الفلسفي لمبادئ الأخلاقية تخفي قناعة فكرية لديه، وهي تسامي هذه المبادئ عن كلّ تحديد أمبريقي يعود للطبيعة البشرية  ـ كما اعتقد هيوم ـ و محدّداتها التاريخية أو السيكولوجية أو الأنثروبولوجية، فوراء هذه القناعة تختفي قناعة أخرى تقضي بفساد أو مكر الطبيعة البشرية في مقابل اكتمال العقل (أو ما يسمّيه كانط أحياناً الطبيعة العاقلة). و سواء أرجعنا هذا الفساد إلى الماهية الداخلية لهذه الطبيعة البشرية أو للمجتمع و مؤسّساته و أعرافه، فإنّ كانط، فيما يبدو، لا يثق في هذه الطبيعة ثقته في العقل. و يظهر أنّ فلسفة الأخلاق موجّهة أصلاً ضدّ فساد الطبيعة البشرية هذا. و على الرغم من أنّ كانط يحاول في كتابه (أسس ميتافيزيقا الأخلاق) أن يثبت أنّ مفاهيم الأخلاقية (القانون الأخلاقي، الواجب، الخير، الفضيلة) متجذّرة داخل الحياة اليومية والعقل المشترك(2)، فهو لا يقتنع بوجود شعور أو حسّ أخلاقي عفوي سابق على عقلانية المبادئ الأخلاقية. لذا، كانت الأخلاقية لدى كلّ البشر في حاجة إلى فلسفة تؤصّلها داخل العقل الخالص. فلا يكفي للإنسان، بوصفه ينتمي لدائرة الكائنات العاقلة، أن يشعر و يحسّ بالمواقف الأخلاقية و أن يتفاعل معها، كما لا يكفي أن يتعاطف مع مُثُل الفضيلة و الكمال الأخلاقي؛ ولا بدّ له أن يعي بشكل خالص بأنّ مبادئ الأخلاقية تكمن داخل العقل كقوّة فكرية و تاريخية و مؤسّسية (لنقل حضارية) على التشريع  و تحديد مبادئ الممارسة البشرية أخلاقية كانت أو سياسية أو إنتاجية أو إبداعية...
و بعبارة أخرى، ليست الحساسية  ـ متمثلةً كمركّب من المشاعر والأحاسيس و الميول و الأهواء (ما أطلق عليه الفلاسفة اسم (الباثوس) Pathos- هي المدخل المؤسِّس لتلك المبادئ، بل العقل كقوّة لتشريع مبادئ المجال العملي البشري بمختلف تجلّياته الأخلاقية والسياسية و التقنية و الإبداعية. و مهما بلغ تسامي النماذج الأخلاقية و جاذبيتها التي تحفل بها الثقافة البشرية عن الفضيلة و العدالة و الوفاء بالواجب و احترام الغير و نحو ذلك، و عموماً عن براءة الطبيعة البشرية، فإنّ الحداثة، بمعناها الفكري و التاريخي، تقتضي الاحتكام إلى العقل في تأسيس الأخلاقية بشكل يستهدف الإنسان ككائن كوني ذي حقوق و كرامة. صحيح أنّ البراءة شيء جميل؛ غير أنّ المؤسف – حسب كانط – أنّه لا يمكن المحافظة عليها، بل يمكن فقدانها بسهولة كبيرة(3). لأجل ذلك كانت الحكمة العملية ذاتها، وهي التي تظهر في سلوك الإنسان أكثر من معارفه، تحتاج إلى العلم أي إلى نسق من المبادئ و القوانين، لا لكي تستمدّ منه معلوماتها، و إنّما لكي تضمن لتعليماتها فاعليتها العملية و ثباتها. فالإنسان بحكم طبيعته (تكوينُه الفيزيولوجي و ميولُه و أهواؤُه و أنانيتُه الفطرية) يحسّ في ذاته دائماً مقاومة لأوامر الواجب التي تصدر عن عقله، بل يجد في تحقيق حاجاته و ميوله ما يعتبره سعادته الشخصية القصوى. لذلك، كان يجد نفسه دائماً موزّعاً بين قوانين العقل العملية و بين دوافع طبيعته و ميوله الظرفية، بل كثيراً ما يجادل العقل، و لو داخلياً، لأجل تبرير رضوخه لهذه الميول و الدوافع. من هنا يتولّد لديه نوع من (الجدل الطبيعي)، أي رغبة دائمة في التشكيك في صلاحية قواعد الواجب و الأخلاقية عامة، بل هو كثيراً ما يحاول تكييفها مع ميوله و رغباته الظرفية، وهذا يعني إفسادها (4). لذا، يجب أن يُزَوَّدَ الإنسان بمذهب فلسفي كامل للأخلاق يستمدّ نسقه الكلّي من العقل. فداخل وحدة هذا النسق  ـ كما يعتقد كانط ـ يذوب ذلك الجدل الطبيعي و تنحلّ مختلف المفارقات التي يواجهها الإنسان داخل ممارساته. و الحال أنّ كانط يريد بذلك أن تخضع الممارسات البشرية لدى الإنسان الحديث لتشريع العقل وحده؛ لكن لن يصبح هذا التشريع ظاهراً لديه و ذا أثر مباشر و ثابت عليه إلاّ بفضل ما تفيدنا به فلسفةٌ نسقيةٌ تجد فيها مبادئ الأخلاقية و مفاهيمها تحليلها و تسويغها و شرعيتها العقلية بالتالي(5).
ليس شرط الأخلاقية إذن شرطاً اجتماعياً؛ فهو لا يرجع إلى العلاقات الاجتماعية و ما تولِّده من تواصل بين البشر كما هو الحال في الفنون والثقافة عامة(6)؛ ولا يقوم على ضرورة (حسّ مشترك) بموجبه يبني البشر و يخلقون فيما بينهم قيماً مشتركة تشكّل مرجعاً لتبادلاتهم اليومية؛ فذاك شرط تاريخي بعدي. شرط الأخلاقية متعالٍ خالص* هو استقلال الإرادة عن كلّ تحديدات الطبيعة البشرية و تحوّلها إلى علّة لا مشروطة لأفعالها. و هذا ما لن يتحقّق إلاّ بأن يتطابق العقل الخالص ذاته مع هذه الإرادة المشرّعة تطابقاً يجعل قوانين العقل الأخلاقية (التي تأخذ شكل أوامر قطعية ينبغي أن تعاش لدى الأفراد كواجبات أخلاقية) محدِّدة لأفعال الإرادة داخل المجال العملي. و هكذا، سيكون العقل قوّة عملية محدِّدة لذاتها و قد أصبح إرادة و كفّ عن أن يكون مجرّد تمثّل. لكن قصدية التحليل المتعالي لـ (نقد العقل العملي) (أحد النصوص الفلسفية الأساسية في الحداثة الغربية المؤسّسة لمبادئ الفكر الأخلاقي) لن تقف عند هذا الحدّ، بل يسعى إلى أن يثبت ضرورة تحوّل العقل إلى إرادة خيّرة أو طيِّبَة في ذاتها و لذاتها، لا طيِّبَة لأجل تحقيق غايات أخرى خارجها (تحقيق هذه المنفعة أو تلك أو استجابة لهذا الدافع أو ذاك). من المؤكّد أنّ هذه الإرادة ليست في ذاتها هي الخير الوحيد للإنسان ككائن عاقل، ولا هي شاملة لكلّ الخير بالنسبة له؛ فالإنسان بحكم طبيعته يوجد لكي يحقّق غايات أخرى أقلّ قدراً منها كالحفاظ على بقائه و العمل على تحقيق أغراضه المادية و الظرفية في مجال المعاملات والأعمال و كلّ ما يتعلّق بسعادته الشخصية. (لكن مع ذلك، ـ يستدرك كانط* ـ ينبغي أن تكون  ـ تلك الإرادة الطيِّبة متصوّرةً كغاية في ذاتها ـ بالضرورة هي الخير الأسمى؛ لأنّها الشرط الذي يرتبط به كلّ خير آخر، بل كلّ سعي إلى السّعادة الشخصية)(7). ما يريده كانط داخل مشروعه الأخلاقي إذن هو إقامة فلسفة خالصة بالمجال العملي تستند إلى العقل كمرجع فلسفي و تعبّر عن ذاتها داخل قوانين و مبادئ لا علاقة لها بتحديدات الطبيعة البشرية كما ترصدها العلوم الإنسانية و الطبيعية. إنّه يريد أخلاقاً فلسفية تفرض ذاتها على الطبيعة البشرية الفاسدة. و كلّ مبدإ عملي غير خالص لن يكون صالحاً؛ لأنّ يندرج داخل المذهب الأخلاقي بل يَضُرُّ بِهِ غاية الضرر. لأجل ذلك بالذات، سيتخذّ من فكرة الحرّية أساساً أصيلاً يضعه العقل الحديث كمبدإ أوّلي لوجود الإنسان سواء أخذ هذا الوجود شكل مواطنة داخل العالم (وذاك هو مفهوم الشخص الأخلاقي) أو شكل مواطنة دخل الدولة (و ذاك هو المفهوم السياسي للمواطنة).
3 ـ الحرّية كأساس للأخلاق:
ينطلق كانط من مقدّمة فلسفية يضعها في أساس مذهبه الأخلاقي، وهي: كلّ شيء داخل الطبيعة ـ كنظام من الظواهر ـ يسلك وفق قوانين قابلة؛ لأنّ تصاغ داخل معارف قبلية تركيبية استناداً إلى معطيات الحساسية و مفاهيم الفهم. داخل هذا الإطار يشكّل مفهوم الطبيعة نسقاً من القوانين الخاصة بالظواهر. لكن، داخل هذه الطبيعة يوجد كائن عاقل يمتلك، رغم كونه كائناً طبيعياً يخضع لقوانين الظواهر، القدرةَ على الفعل تبعاً لتمثّله للقوانين التي يشرِّعها بمقتضى عقله الخالص. هنا يكفّ عن أن يكون مجرّد ظاهرة كباقي الظواهر الأخرى ليصبح إرادة فاعلة وفق مبادئ خالصة. على أساس ذلك، يتطلّب التفكير فيه تغيير (وجهة النظر) الخاصة بالظاهرة و تبنّي وجهة نظر أخرى تعتبر مبادئ الفعل وقائع خالصة للعقل، أي وقائع حادثة وفق قوّة التشريع الخالصة التي يتحدّد بها العقل. هنا يصبح العقل مؤسّساً للمجال العملي بكلّ مسلكياته الأخلاقية والسياسية والتقنية. ولا يفهم كانط العقل طبعاً كمجرّد قدرة على المعرفة لها مبادؤها و مناهجها و قواعد عملها، بل يتصوّره في نصوصه الفلسفية المختلفة كقوّة مشرّعة تضفي طابع المعقولية على الأفعال والحقول العملية المرتبطة بها. فالعقل حينما يحدّد مبادئ الفعل السياسي و قواعده و مفاهيمه يكون قوّة مشرّعة لمبادئ المعقولية التي تضفي شرعية على ما هو سياسي في حياة البشر كالدولة و المواطنة و القوانين العامة و الفضاء العمومي و الحقوق... الخ (هنا يجوز الحديث عن عقل سياسي). و بالمثل، حينما يحدّد العقل مبادئ الفعل الأخلاقي و قواعده و مفاهيمه، يكون قوّة مشرّعة لمبادئ معقولية ما يُعتبر أخلاقياً في حياة البشر كالقانون الأخلاقي و الواجب والإرادة الطيّبة و الخير و ما إلى ذلك (يكون عقلاً أخلاقياً)؛ أمّا حينما يحدّد العقل ذاته مبادئ الفعل التقني و قواعده وغاياته، فيكون قوّة مشرّعة لمبادئ معقولية الحقل التقني كحقل ثقافي واجتماعي (هنا يكون عقلاً تقنياً). ولا يمكن للعقل، كما يتصوّره كانط، أن يكون قوّة مشرّعة في حياة البشر ما لم يكن حرّية، إي إرادة تشرّع من تلقاء ذاتها قوانين الأفعال التي توصف بالعملية. بهذا المعنى نفهم تعريف كانط المجال العملي باعتباره ما يكون ممكناً بفعل الحرّية. داخل هذا السياق، و بخصوص الحقل الأخلاقي الذي يهمّنا في هذا المقال، يمكن التفكير في إمكانية نمط آخر للموضوعية غير موضوعية الظواهر و قوانينها، هو موضوعية القوانين العملية – الأخلاقية المحدِّدة للإرادة، و في تحديد آخر للعِلِّية هو العِلِّية بواسطة الحرّية. يمكن أن نتصوّر مجالاً آخر، غير مجال الطبيعة و ظواهرها، يكون فيه العقل بوصفه حرّية و إرادة مشرّعة، علّة للقوانين و الأفعال المترتّبة عنها في حياة البشر. و يعتبر كانط أن فكرة الحرّية، كفكرة خالصة للعقل، هي وحدها التي (تثبت واقعَها ـ عبر العلّية التي نفكّر فيها بواسطتها ـ داخل الطبيعة بفعل ما يمكن أن نحدثه داخلها من آثار)(8). بهذا المعنى، كانت فكرة الحرّية بمثابة مبدأ محايث لنا يحدّد مجالنا العملي كمجال معقول. لأجل ذلك يعتبر مفهومَ الحرّية مبدأ لا مشروطاً تقوم عليه كلّ إمكانية للتفكير في المجـال العملي، بل إمكانية كلّ المسلكيات الأخلاقية (والسياسية والإبداعية..). و كانط يعي تماماً أنّ قبولنا داخل العصر الحديث بنظام معقول له قوانينه القبْلية (أي العقلية الخالصة) إلى جانب نظام الطبيعة أمر صعب جدّا خصوصاً أمام توسّع النزعات الأمبريقية والشكية. فمفهوم الحرّيـة ليس أمبريقياً وغير مستمدّ من أيّة تجربة ممكنة إذ يصعب أن نستنتج مفهوم الحرّية من النسق الذي يقيمه العقل الحديث (داخل علوم الفيزياء خصوصاً) عن ظواهر الطبيعة. و بتعبير آخر، لا يمكن استمداد مفهوم الحرّية – كأساس لتصوّر المجال العملي البشري الأخلاقي والسياسي والتقني – من العقل العلمي و ما يقيمه من تمثّلات حول العالم والطبيعة. ينبغي أن يغيّر هذا العقل زاوية نظره (و ذاك هو مفهوم الثورة الكوبيرنيكية عند كانط) و يتمثّل ذاته كإرادة مشرّعة لمبادئ الفعل الأخلاقي أو السياسي أو الإبداعي حتّى، لكي يصبح عقلاً أخلاقياً أو سياسياً أو إبداعياً... هنا بالذات يسهل تصوّر مفهوم الحرّية كأساس (Fondement) للمجال العملي البشري. لا يمكن للعقل أن يكون مشرّعاً أخلاقيا (أو سياسياُ أو إبداعياً) إلاّ بوصفه حرّية. والعقل بوصفه حرّية مشرّعة لذاتها قوانين و مبادئ فعلها، يأخذ شكلاً اجتماعياً و تاريخياً: فمؤسّسات إنتاج المعرفة كالمدارس و الجامعات و المعاهد و المختبرات و غيرها، هي تجسيد مؤسّسي و تاريخي للعقل المشرّع لمبادئ المعرفة و الحقيقة و مناهج بلوغها.. كما أنّ المؤسّسات السياسية والقانونية بما في ذلك الدولة والقوانين والفضاء العمومي بكامله تجسيد للعقل المشرّع لمبادئ الحياة السياسية و مفاهيمها ومسلكياتها العامة. و بالمثل، تكون المبادئ و الأفعال والمؤسّسات الأخلاقية تجسيد للعقل الأخلاقي داخل حياة البشر. وقس على ذلك. داخل هذا السياق، يأخذ مفهوم العقل بما هو حرّية بعداً تاريخياً و اجتماعياً(9).
مفهوم الحرّية ضروري إذن للعقل الخالص العملي. والحقيقة أنّ كانط كان ملزماً بافتراض وجود ذوات حرّة مستقلّة الإرادة عن الدوافع والقوانين الطبيعية لكي يفكّر من جديد في مجال آخر هو المجال العملي. فلا يمكن أن نتصوّر هذه الذوات خاضعة لقوانين عملية إلاّ؛ لأنّنا نعتبرها أو نسلّم عقلاً أنّها مزوّدة مسبقاً بإرادة مستقلّة في ذاتها وفـق مفهوم متعالٍ عن الحرّية. (و بالفعل، ـ يؤكّد كانط ـ يطابق كلٌّ من الحرّية والتشريع الخاص بالإرادة مفهومَ الاستقلال الذاتي. فهي مفاهيم يحيل بعضها على البعض الآخر)(10). لن يكون مفهوم الحرّية هنا سوى مسلّمة للعقل الخالص وهو يفكّر في المجال العملي. والتسليم بها هو الإمكانية الوحيدة لقبولها. إنّها بمثابة مبدأ غير مشروط على أساسه نقيم باقي المفاهيم الأخرى التي نتمثّل بواسطتها و بشكل خالص ذلك المجال بقوانينه الخاصّة. (فالحرّية هي الفكرة الوحيدة ضمن أفكار العقل التأمّلي، التي نعرف قبْلياً إمكانيتها دون أن نفهمها مع؛ ذلك لأنّها هي شرط القانون الأخلاقي الذي نعرفه)(11). و بتعبير آخر، يستحيل علينا تصوّر ذوات تسلك سلوكاً أخلاقياً ما لم نتصوّرها في الآن ذاته كذوات حرّة مستقلّة في تمثّلها مبادئ الأخلاقية و مسلكياتها المترتّبة عنها، تماماً مثلما يستحيل علينا تصوّر أفراد يسلكون بالتوافق مع مقتضيات المواطنة داخل الدولة و فضاءاتها العمومية ما لم نتمثّلهم أيضاً ككائنات حرّة سياسياً تتصرّف التزاماً مع ما يستوجبه  وجودهم المشترك بوصفهم إرادة عمومية. فالعقل يشرط الوجود الأخلاقي (والسياسي العمومي أيضاً) بوجود الحرّية كمبدإ قبلي عليه يتأسّس المجال العملي البشري. كيف تتحدّد الحرّية داخل هذا السياق الأخلاقي العملي؟
تتحدّد إمكانية الحرّية داخل العقل  ـ متمثّلاً كقوّة مشرِّعة تاريخياً ـ أوّلاً بشكل سلبي لا بواسطة مضامين جاهزة أو مُبْنَية في شكل معارف تركيبية (أو علمية)؛ لأنّها بالذات ليست ظاهرة (Phénomène)  قابلة للملاحظة والرّصد التجريبي شأنها في ذلك شأن ظواهر الطبيعة. (و بالفعل ـ يقول كانط ـ ، نحن لا نعرف الحرّية ـ كما نستوحيها من الأخلاق أوّلاً ـ إلاّ كخاصية سلبية فينا، بمعنى أنّنا لا نكون ملزمين في أفعالنا بأيّ مبدأ حسّي محدِّدٍ لها)(12). الحرّية ـ بهذا المعنى ـ  مبدأ ذاتي نسلِّم به، لكنّه (مع ذلك صالح موضوعياً لأجل عقل خالص أيضاً، لكنّه عملي)(13)، أي عقل يأخذ وجهة الحياة البشرية وفق مبادئ أخلاقية و سياسية عمومية. و العقل الخالص لا يسلّم بهذا المبدأ إلاّ لحاجته إليه. إنّه بمثابة حاجة عقلية ضرورية بموجبها يأخذ العقل وجهته وهو يفكّر في المجال العملي أو يفترض وجود مبدأ لا محدود يتّخذه أساساً لكلّ ما هو موجود(14). المكان الحقيقي لمفهوم الحرّية إذن هو فلسفة المجال العملي (أي الفلسفة الأخلاقية والسياسية). و يصعب جدّا أن نجد لها مكاناً داخل نسق الظواهر الطبيعية. (فنحن لا نعرف بواسطة التجربةِ الحريةَ العمليةَ بوصفها أحد الأسباب الطبيعية، أي كعلية للعقل في تحديده للإرادة)(15). كما أنّ مفهوم الحرّية لن يفسّر أي شيء بخصوص الظواهر حيث يعطي مفهومُ الآلية الطبيعية مبدأً آخر موجِّهاً لتفسير العلاقات العِلِّيَّة. وحده تصوّرُ العقل الخالص للمجال العملي و قوانينه الأخلاقية يقودنا إلى إثبات مكان ما للحرّية كمبدأ للأفعال البشرية الأخلاقية و السياسية (16). على هذا الأساس، لن يحتاج العقل  ـ في شكله النظري ـ إلى فكرة الحرّية وهو يفكّر في الطبيعة و قوانينها؛ لأنّ الطبيعة بالذات نسق من العلاقات والقوانين التي تكفي ذاتها بذاتها، أي نسق للحتمية بتعبير آخر. أمّا في المجال العملي البشري، فالعقل يكون في أمسِّ الحاجة إلى فكرة الحرّية إذ بواسطتها يستحيل عليه تصوّر إمكانية وجود قوانين أخرى، غير قوانين الطبيعة، تكون مُحَدِّدَةً للإرادة و أفعالها. ضرورةُ فكرة الحرّية بالنسبة للعقل ضرورة غائية إذن: فالتسليم بها يتمّ لأجل تمثّل إمكانية وجود نظام آخر للأفعال له قوانينه الخاصّة و نمط عِلِّيَتِهِ المتميّز عن العِلِّية الطبيعية. من هنا نفهم لماذا يؤكّد كانط بأنّه لا يمكن أن نفسّر فكرة الحرّية نظرياً بأن نحدّدها داخل نسق تحليلي أو منطقي له علله و نتائجه(17). غير أنّ هذه الاستحالة الفلسفية لا ينبغي أن تعيق الفلسفة عن البحث عن إمكانية أخرى لفهم المجال العملي في خصوصيته وامتداده الواسع. و عليه، يبدو أنّ مفارقة فكرة الحرّية خصبة جدّا؛ فهي تدلّ على صعوبات العقل إزاء صياغة تفسير نظري لفكرة الحرّية داخل فلسفة الطبيعة وعلومها. لكنّها تدلّ أيضاً على خصوبة هذا المفهوم الخالص بخصوص تمثّل المجال العملي ـ الأخلاقي (كما المجال السياسي). والواقع أنّ المفارقة ليست فقط مفارقة فكرة الحرّية، بل هي أيضا مفارقة العقل ذاته؛ فهو إذا كان قادراً على تحديد علل الظواهر الطبيعية استناداً إلى مباحثه العلمية، لا يقدر من جهة أخرى على تحديد علّة أو علل الحرّية الإنسانية؛ لأنّ هذه الحرّية بالذات هي التي نتصوّرها كعلّة أولى تكفي ذاتها بذاتها ولا تحتاج إلى ما يحدّدها، أي إلى ما يثبت شرعيتها بوصفها مبدأً أصلياً. لذلك، اعتبر مفكّرو الغرب الحرّية مبدأً أوّلياً عليه تقوم الحياة العملية البشرية في صيغتها الأخلاقية (وهي التي تهمّ الإنسان كشخص أخلاقي كوني) أو في صيغتها السياسية (التي تهمّ الإنسان كمواطن داخل الدولة).
لن يَنْـتُج مفهوم الحرّية داخل العقل إذن إلاّ عن تمثّله عدم خضوع إرادتنا الفاعلة لأي مبدأ أو دافع خارج الإرادة ذاتها. إنّها ذلك المفهوم الخالص الذي بموجبه نتمثّل دواتنا بشكل سالب مناقض للوضعيات التي نكون فيها خاضعين في سلوكنا لمحدِّدات أمبريقية خارجة عن الإرادة ذاتها (سيكولوجية كالرغبة أو الحاجة؛ اجتماعية محكومة بالعلاقات مع الغير كالمصلحة أو المنفعة...إلخ). هذا السلب، أو بلغة كانط  ـ هذا اللاتحديد ـ Non-détérmination  هو ما يجعل الحرّية فظيعة (18). و بالفعل، كيف يمكن أن نتصوّر الحرّية من زاوية عدم الخضوع لأيّة مبادئ أمبريقية محدِّدَة ؟ هل هذا يعني أنّها بمثابة انفلات مطلق من كلّ تحديد ؟ هل يمكن للعقل أن يكتفي بهذا المفهوم السالب للحرّية ؟ هذا ما لن يقبله العقل الغربي وهو يتصوّر الأخلاقية و يحدّد مبادئها مع كانط. فوراء التحديد السالب لمفهوم الحرّية يكمن تحديد موجِب هو بالذات الذي يقوم عليه تمثّل المجال العملي البشري. فالأمر يبدو و كأنّ كانط يقيم مفهومه عن المجال العملي على أساس جدلية فكرية قائمة على ذوبان التحديد السالب للحرّية داخل تحديدها الموجب.
أ ـ أولى لحظات التحديد الموجِب للحرّية هو التحديد المتعالي، بموجبه نعتبرها فعلاً يبتدئ ذاته خارج الزمان، أو قدرةَ الذاتِ على إيجاد وضع ما انطلاقاً من ذاتها بحيث تكون هي ذاتها العلّة الأوّلية لذلك الوضع دون أن تسبقها علّة أخرى سبقاً زمانياً(19). إنّها إجمالاً ابتداء الفعل بشكل مستقلّ عن آلية الطبيعة و قوانينها. هنا يكون الفاعل هو البداية المطلقة الأوّلية لسلسلة من الظواهر أو الأحداث.  فالابتداء هنا يُتصوّر بشكل عقلي خالص خارج صورتَيْ الحساسية (الزمان و المكان)، أي خارج قوانين الارتباط المكاني أو الزماني. وهكذا، تجد الأفعال – التي تقوم بها الذات استجابة لقوانين العقل الأخلاقية مثلاً – بدايتَها داخل العقل ذاته كقوّة مشرِّعة، لا داخل سلسلة من الظواهر الطبيعية (يجب عليَّ مثلاً أن أقول الصدق؛ لأنّ العقل الأخلاقي يقتضي ذلك مطلقاً و دون شرط مسبق، لا بدافع الرغبة أو الحاجة أو لميلٍ ما أو لمنفعة أو نحو ذلك...).  فالعقل كمصدر للقانون الأخلاقي (لا تكذبْ مثلاً) هو البداية المطلقة للفعل الأخلاقي. والفعل الذي بموجبه أقوم بسلوك استناداً إلى ما يشرِّعه العقل من قوانين عملية يسمّى بالذات حرّيةً حتّى و لو كانت نتائج هذا الفعل ظاهرة للعيان داخل الظواهر (قد تكون نتائج قول الصدق الملحوظة و المعاشة إيجابية أو سلبية؛ لكن المهمّ في هذا الفعل الأخلاقي هو بالذات الالتزام بقول الصدق كغاية في ذاته دونما اهتمام بنتائجه). هنا يكون العقل، بفعل تشريعه الخاص، علّةً أوّليةً لأفعال الإرادة. يقول كانط: (إذا وجب أن تكون الحرّية خاصية لبعض علل الظواهر  ـ يقصد لما يحدثه الفاعل بإرادته الخالصة من أفعال داخل الطبيعة ـ  فينبغي أن تكون – في علاقتها بهذه الظواهر مُتَصَوَّرَةً كأحداث – قدرةً على إحداثها من تلقاء ذاتها (...) و بالتالي دونما حاجة إلى أي علة تدفعها إلى إحداثها من ذاتها. و الحالة هذه، لن يكون لازماً أن تخضع العلّة، بخصوص عِلِّيَتِهَا، لتحديدات وضعها الزمنية، وهذا يعني: ينبغي ألاّ تكون ظاهرة (Phénomène)  على الإطلاق، بل يجب أن تُعْتَبَرَ كشيء في ذاته بخلاف معلولاتها التي يجب اعتبارها كظواهر)(20).
ليست الحرّية إذن سوى تحديد مطلق؛ إنّها فعل يجد بدايته داخل ذاته لا داخل سلسلة الظواهر الطبيعية أو المرتبطة بطبيعة الإنسان (الحاجة أو المنفعة أو الميل...). و بعبارة أخرى، إنّها الفعل الذي تتحدّد عِلِّيَتُهُ لمفعولاته داخل نظام آخر للعِلِّية غير نظام الظواهر الطبيعية. إنّه نظام للعقل الأخلاقي الخالص؛ لأنّه بالذات خاضع للقوانين التي يشرّعها هذا العقل. (و العقل الخالص، بوصفه قدرة معقولة، غير خاضع لصورة الزمان ولا لشروط التتالي داخل الزمان. إنّ علّية العقل بفعل طابعها المعقول لا تُوَلِّدُ ولا تبتدئ في توليد مفعولاتها داخل زمن ما، و إلاّ لكانت خاضعة لقانون الظواهر الطبيعي الذي يحدّد زمنياً سلاسل من العلل والمعلولات، و بالتالي ستصبح عِلِّيَتُهُ (أي العقل) طبيعيةً وستكفّ عن أن تكون حرّية)(21). و بما أنّ العقل الأخلاقي الخالص ليس ظاهرة وغير خاضع لشروط الحساسية (الباثوس البشري)، فستكون عِلِّيَتُهُ مخالفة لعلّية الطبيعة التي تقتضي التتابع الزمني. من هنا أمكن تصوّر نظامٍ آخر للعلّية الأخلاقية (لنقلْ: للشرعية الأخلاقية) وفق هذا المفهوم المتعالي للحرّيـة، نظامٍ معقولٍ (لا ينطبق عليه قانون الطبيعة الدينامي الذي يحدّد التتالي الزماني تبعاً لقواعد معيّنة)(22). و إذن، ليس الزمان شرطاً لتمثّل الحرّية. و بموجب هذا المفهوم الإيجابي للحرّية، يمكن تصوّر العقل ذاته بوصفه حرّية لا مشروطة على الدوام قادرة على إحداث أفعالها بمقتضى عِلِّيَتِهَا المعقولة، أي بمقتضى ما يُصْدِرُه من قوانين و مبادئ و أوامر قطعية. فالعقل (يسلك بحرّية دون أن يكون محدَّداً بشكل دينامي داخل سلسلة الأسباب الطبيعية، و ذلك استناداً إلى مبادئ خارجية أو داخلية سابقة كلّها على مستوى الزمان. لكن لا يمكننا أن نعتبر هذه الحرّية الخاصة من زاوية سلبية فقط، أي من زاوية الاستقلال عن الشروط الأمبريقية (...) إذْ يمكننا أيضاً أن نعتبرها من زاويـة إيجابية بوصفها قـدرة ذاتية على خلق سلسلة من الأحداث)(23)؛ وهو ما يعني أن العقل من تلقاء ذاته (مبادئه الأخلاقية و أوامره و قوانينه) يكون علّة للأفعال الأخلاقية التي يقوم بها الإنسان استجابة لنداء هذا العقل لا غير.  فهذه الأفعال الأخلاقية تنتج عن الإنسان ككائن عاقل يجعل عقله الخالص قوّة مصدّرة للتشريع العملي الأخلاقي و ما يترتّب عنه من أفعال. خارج هذه الإمكانية، لن تكون العلّية إلاّ زمانية، وهذا يعني أيضاً طبيعية. داخل عِلِّيَة كهذه ستكون أفعال الإرادة أفعالاً مشروطة بعلل سابقة عليها لا محالة، وسيستحيل بالتالي تصور إمكانية لمجال عملي بشري أساسه فكرة الحرّية. و بالفعل، (كلّ حدث، و كلّ فعل يحدث بالتالي داخل لحظة للزمان، يكون خاضعاً لشرط كان يوجد في زمان سابق عليه. و بما أنّ الزمان السابق لم يعد تحت قدرتي، فإنّ كلّ فعل أقوم به وفق علل محدّدة تخرج عن قدرتي ينبغي أن يكون ضرورياً، أي أنّني لا أكون أبداً حرّا في اللحظة الزمانية التي أقوم فيها بالفعل)(24). على أساس ذلك، يضيف كانط، (إذا أردنا أن نلحق الحرّية بكائن يتحدّد وجوده داخل الزمان (أي بالإنسان كظاهرة طبيعية لا كشخص أخلاقي عاقل)، فلا يمكننا أن نُخْرِجَ هذا الكائن – من هذه الزاوية على الأقلّ – عن دائرة قانون الضرورة الطبيعية الذي تخضع له كلّ أحداث وجوده و أفعاله بالتالي؛ لأنّ ذلك يعني أنّنا نلقي به داخل الصدفة العمياء)(25).
لن تكون العلّية الأخلاقية (علّية العقل الخالص العملي) علّة ظاهرية، بل هي علّـة في ذاتها (Causa Noumenon)، أي علّة إرادة عاقلة حرّة بذاتها. وعلى الرغم من أنّ كانط يعتبر مفهوم (العلّة في ذاتها) فارغاً من أي محتوى بالنسبة للاستعمال النظري للعقل الخالص (أي للتفكير في الطبيعة و ظواهرها)؛ لأنّ مقولة العلّة تظلّ فارغة طالما لم يتمّ ربطها بالمعطيات و التمثّلات الأمبريقية شأنها في ذلك شأن باقي مقولات الفهم، فإنّه لا يستغني عن هذا المفهوم في الفلسفة العملية. غير أنّه لا يروم تأسيس معرفة نظرية باستعماله، بل فقط تبريـر إمكانية الشرعية الأخلاقية، أي عِلِّيَةَ العقل للأفعال الأخلاقية. يقول: (... غير أنّي لا أسعى بالتدقيق إلى أن أعرف نظرياً بواسطة ذلك ـ يقصد بواسطة استعمال مفهوم الحرّية كعلّة في ذاتها ـ طبيعة كائن يوجد بوصفه يملك إرادة خالصة، بل يكفيني بواسطته نعتُهُ بهذا الوصف، و بالتالي ربط مفهوم العلّة بمفهوم الحرّية فقط ـ و كذا بمفهوم القانون الأخلاقي كمبدإ محدِّد لهذه الحرّية ـ و الحال أنّ الأصل ـ العقلي ـ  الخالص، غير الأمبريقي، لمفهوم العلّة يمنحني هذا الحقّ بكلّ تأكيد طالما أنّني أعتقد أنّه ليس بإمكاني استعماله استعمالاً آخر غير الذي يخصّ القانون الأخلاقي)(26). و الخلاصة، يستحيل علينا إقامة معرفة نظرية أو علمية حول مفهوم الحرّية، لكن  ـ في المقابل ـ يمكننا أن نسلّم بفكرة الحرّية، أي نعتقد فيها كقيمة عملية؛ لأنّنا نؤسّس على هذا التسليم أو الاعتقاد العملي شرعيةَ حقلنا الأخلاقي بمبادئه وقوانينه و أحكامه.
كيف يمكن ـ والحالة هذه ـ تصوّر نظاميْن للعلّية متقابليْن داخل العالم، نظام للعلّية الطبيعية و نظام للعلّية العملية وفق قوانين العقل الأخلاقي؟ العلّيةُ الطبيعية تهمّ وجود الأشياء باعتبارها ظواهر. و يشكّل الزمان عنصراً أساسياً في هذه العلّية ما دامت (علاقةً داخل العالم المحسوس تربط بين حالة راهنة تلحق حالة أخرى سابقةً عليها تبعاً لقاعدة معيّنة)(27). أمّا العلّية العملية أو الأخلاقية، فهي ذاتُ طبيعةٍ عقلية أو نتصوّرها كمبدإ عقلي، يسمّيه كانط داخل كتاب (المقدّمات): (عِلِّيَةَ الكائنات العاقلة)(28). و تقتضي أن تكون الإرادة هي البداية المطلقة لأفعالها طالما أنّها تستند في ذلك إلى قوانين العقل الخالص العملية. داخل هذا الإطار تكون الإرادة خالصةً إذْ تربط عِلِّيَتَها لأفعالها بإمكانية عالم معقول قائم على الحرّية هو بالذات العالم الأخلاقي (و كذا السياسي فيما بعد)(29). على أساس ذلك، يقيم كانط تقاطباً بين مجالين: مجال الطبيعة و مجال الحرّية. الأوّل تتحدّد علّيته داخل الزمان، و تكون معرفتها قائمةً على معطيات الحساسية قبل تَدَخُّلِ مقولات و مبادئ الفهم (L’entendement)  وهو العقل الذي يفحص الظواهر الطبيعية و يدرسها و يصوغ قوانينها. أمّا الثاني، فتتحدّد عِلِّيَتُهُ في استقلال تامّ عن الزمان والمكان*، و يتطلّب إدراكُها تمثّلاً لنسق آخر من القوانين هي القوانين الأخلاقية. و كانط لا يعتبر هذا التقاطب بمثابة تناقض بين عالمين، (إذ يمكن أن يجتمعا معاً بل وفوق ذلك ينبغي أن نتصوّرهما ضرورة في وحدتهما داخل الذات نفسها)(30). و يعتبر كانط أنّ لكلّ عالم من هذين العالمين مبادؤه التي تبرّره داخل الذات العاقلة. فمبادئ العقل وهو يدرس و يفسّر الظواهر الفيزيائية ليست هي مبادئ العقلِ ذاتِه وهو يشرّع للأفعال الأخلاقية. لكن، إذا قبلنا هذا التقاطب، فكيف يمكن أن نتصوّر إمكانيةً لاجتماع هذين النظامين المتقابلين للعلّية داخل الإنسان؟ من المؤكّد أنّ الإنسان يشكّل من خلال شروط وجوده الأمبريقي مجرّد ظاهرة خاضعة لقوانين الحتمية الطبيعية. داخل هذا المنظور، (ستكون قوانين علّيته معروفة بالتجربة. و كلّ أفعاله، تبعاً لذلك، ينبغي تفسيرها بحسب قوانين الطبيعة)(31)؛ هنا تكون المعرفة بالإنسان (ما يسمّى حاليا العلوم الإنسانية) ممكنة كأحد فروع المعرفة بالطبيعة طالما أنّها تعتبر الإنسان ظاهرة طبيعية تسلك وفق غرائزها و ميولها و حاجاتها و رغباتها و منافعها... لكنّه أيضاً كائن عاقل من المفروض أن تخضع إرادته لقوانين العقل الخالص. بهذا المعنى الأخير، لن يكون مجرّد ظاهرة فيزيائية، بل يكون غاية في ذاته أو شخصاً أخلاقياً لا يكتفي بالخضوع لتحديدات الزمان و حتمية الطبيعة، بل يُلْزِمُ ذاته بقوانين العقل العملي(32). من هذه الزاوية، (سيكون حرّا في أفعاله و مستقلاّ عن كلّ ضرورةٍ للطبيعة (...) و سيكون قولنا صحيحاً إذا قلنا إنّه يخلق أفعاله ـ الأخلاقية ـ بذاته داخل العالم المحسوس)(33). يخضع الإنسان إذن  ـ وفي اللحظة ذاتها ـ لنظامين يتقاطعان داخل وجوده. وهذا التقاطع ضرورة وجودية لا يمكنه التخلّص منها. يبقى أنّ التمييز بين النظامين مجرّد وجهة نظر. إنّه يفرض ذاته كضرورة عقلية على أساسها يتمّ تحديد المجال المحسوس (مجال الطبيعة) في علاقته بالمجال المعقول (المجال العملي). وإذا تبنّينا وجهة النظر الفلسفية هاته، فيمكننا – حسب كانط – أن نفكّر في عِلِّيَة الكائنات العاقلة دون أن نلغي عِلِّيَة الظواهر الطبيعية، والعكس صحيح؛ بل يمكننا أن نربط، دون أي تناقض، بين الطبيعة والحرّية داخل كائن واحد هو الإنسان(34)، شريطة أن نتمثّل كلّ واحدة منهما داخل علاقة متميّزة و مخالفة للأخرى(35).
وهكذا، يحاول المنظور الفلسفي الكانطي إنقاذ فكرة الحرّية من كلّ تفسير فيزيائي يسعى إلى جعلها جزءاً من ظواهر العالم المحسوس. فحينما نتصوّر الحرّية كأثر للدوافع السيكولوجية أو الطبيعية، أي كنتيجة لتمثّلات داخلية متولّدة عن قوى الفرد و رغباته و منافعه الناتجة عنها، فلن تختلف وضعية الإنسان عن وضع (الآلة التي تتحرّك بواسطة التمثّلات)، بـل لن تكون أفضل من الساعة التي تتحرّك مـن تلقاء ذاتها بمجرّد أن نعبّئها(36). فمثل هذه التصوّرات تنفي الحرّية عوض أن تثبتها. أكيد، يمكن للمباحث التجريبية بلغة كانط (يقصد السيكولوجية والاجتماعية) أن تتقدّم و أن تنفذ إلى أعماق الطبيعة البشرية؛ غير أنّ ذلك لن ينقص من قناعة كانط الفلسفية في وجود حرّية أساسية و أصيلة في الوجود البشري عليها يقوم المجال العملي ـ الأخلاقي (والسياسي أيضاً). فلا يمكن أبداً إخضاع هذا المجال لمبادئ مستمدّة من المباحث الفيزيائية أو التجريبية تلك (وهذا لا يعني بالضرورة إنكار كانط عدم فعالية هذه المباحث). ينبغي أن يعطي العقل الأخلاقي داخل العصر الحديث القاعدةَ الفلسفيةَ لتنظيم المجال العملي. يقول: (لعلّنا نوافـق على أنّه إذا كان بإمكاننا النفاذ إلى أعماق طريقة تفكير إنسانٍ ما كما تظهر عبر أفعاله الداخلية والخارجية إلى درجة تسمح لنا بمعرفة كلّ دافع من دوافعه، بما في ذلك أبسطها، و كذا كلّ الظروف الخارجية التي يمكنها التأثير فيها، فسيكون بإمكاننا أيضاً حسابُ سلوك هذا الإنسان المستقبلي بدقّة كبيرة كما نحسب كسوف القمر أو الشمس. لكنّنا سنواصل مع ذلك إعلاننا القاضي بأنّ الإنسان حرّ)(37).
ب ـ  ثاني لحظات التحديد الموجب للحرّية العملية، هي لحظة ربطها بمفهوم الاستقلال الذاتي (l’autonomie)؛ وهو مفهوم أساسي داخل فلسفة الأخلاق الكانطية، بواسطته يسعى كانط إلى إثبات الطابع الخالص للإرادة العاقلة (التي يطابق بينها و بين الإرادة الخيّرة مطلقاً)(38)، وهي التي تحدّد ذاتها بذاتها باعتبارها عقلاً عملياً مشرِّعاً. بهذا المعنى، يعتبر كانط هذه الإرادة (نوعاً من العلّية الخاصة بالكائنات الحيّة المزوّدة بالعقل. أمّا الحرّية، فهي خاصّية لهذه العلّية تجعلها قادرة على أن تسلك بشكل مستقلّ عن كلّ الأسباب الخارجية التي قد تحدّدها)(39). الاستقلال الذاتي مؤشّر على الانتماء لدائرة الكائنات العاقلة، وهي دائرة غير محدودة بالزمان والمكان أو الشروط التجريبية، دائرة كونية تصبح فيها الإرادة مشرّعة بذاتها لأفعالها و قد أصبحت عقلاً خالصاً عملياً كونياً و كَفَّتْ عن أن تكون إرادة هذا الفرد أو ذاك. أمّا الشرط الأساسي لكينونة هذه الإرادة المشرّعة كونياً، فهو عدم تناقضها مع ذاتها، أي عدم خضوعها لأيّ مبدإ خارجي غير مبادئها الذاتية (أو قواعدها الذاتية) التي تصدر عنها. لذلك، كانت قمّة الاستقلال الذاتي هي تطابق القواعد الذاتية للإرادة و قوانين العقل الكوني، أي تَحَوُّلُ القاعدة الذاتية للفعل إلى قاعدة كونية(40). و ليست الأخلاقية في صميمها سوى الاستقلال الذاتي للإرادة بموجبه تتحوّل إلى إرادة كونية. يقول كانط: (الأخلاقية إذن هي علاقة الأفعال بالاستقلال الذاتي للإرادة، أو بعبارة أخرى بالتشريع الكوني الذي يكون ممكناً بواسطة القواعـد الذاتية للسلوك (Maximes) لدى هذه الإرادة. و كلّ فعل يتوافـق مع الاستقلال الذاتي للإرادة يكون مسموحاً بـه. أمّا الفعل الذي لا يتوافق معه، فيكون ممنوعاً)(41).
و يضع كانط للاستقلال الذاتي للإرادة مجموعة من القواعد العامة، أهمّها القاعدة التالية: (لتسلكْ دائماً بمقتضى قاعدة يكون بمقدورك أن تجعلها فـي الوقت ذاته قاعدةً كونيةً تأخذ شكل قانون)(42)، أو: (لتسلكْ تبعاً لقاعدة  ـ ذاتية للسلوك ـ تكون صلاحيتُها في الوقت ذاته صلاحيةَ قانونٍ كوني)(43). هذا لا يعني طبعاً تحويل مبادئ السلوك الشخصية النفعية إلى مبادئ كونية (فهذا هو مبدأ الأنانية من الناحية السيكولوجية والتسلّط و الاستبداد من الناحية السياسية و الاجتماعية)، بل تبنِّي قاعدة للسلوك بحيث تكون صالحةً ليس فقط للإرادة الشخصية وحدها (إرادة هذا أو ذاك)، بل صالحة لكلّ إرادة متمثَّلة في كونيتها باعتبارها إرادة الكائن العاقل. (فنسق الأخلاقية الذي يكافئ ذاتَه بذاته مجرّد فكرة يستند تحقّقها إلى شرط أساسي يقتضي أن يفعل كلّ شخص ما ينبغي عليه فعله، وهذا يعني أنّ أفعال الكائنات العاقلة ينبغي أن تحدث كما لـو كانت متولّدة عن إرادة سامية تحتوي فـي ذاتها أو تحت رعايتها كلّ إرادة خاصّة)(44). هنا ستسلك الإرادة وفق ما يقتضيه العقل الأخلاقي العملي من قوانين كونية لا تقلّ في ضرورتها و كونيتها عن قوانين الطبيعة. لأجل ذلك، يضيف كانط قاعدة أخرى مكمّلة للقاعدة السابقة فيقول: (لتسلكْ وفق قواعد يمكن اتخاذها في الوقت ذاته كقوانين كونية للطبيعة)(45). وهكذا، على الرغم من التقاطب الذي أقامته فلسفة الأخلاق الكانطية بين عالم الطبيعة وعالم الحرّية العملية، فإنّها تراهن مع ذلك على إمكانية تحقّق القوانين الأخلاقية داخل مجال الطبيعة ذاته، و كأنّي بـه يحاول أن يخفّف من الطابع المعقول المغرق في مثاليته للأخلاقية كما يتصوّرها. أمّا موضوع هذا الرّهان، فهو الإنسان. و بالفعل، رغم أنّ الإنسان يتحدّد داخل مجال الطبيعة كظاهرة، و على الرغم من إمكانية نفاذ مختلف المباحث الأمبريقية إلى تفاصيل وجوده الأمبريقي (السيكولوجية و الاجتماعية و التاريخية...) واكتشاف القوانين الطبيعية المحدِّدة لذلك الوجود، فيمكنه أن يؤكّد دائماً استقلاله الذاتي عن تلك القوانين وانتماءه لعالم معقول (فوق ـ حسّي) له قوانينه الأخلاقية الكونية، شريطة أن يعمل دائماً على أن يسموَ بإرادته الشخصية إلى مستوى الإرادة الكونية (هي بالذات إرادة الله). وهذا يعني أن يرسّخ دائماً انتماءه للعالم المعقول بوصفه حرّية. و بالفعل، يؤكّد كانط، (لا يمكن للإنسان، باعتباره كائناً عاقلاً منتمياً للعالم المعقول، أن يتصوّر عِلِّيَةَ إرادته الخاصة إلاّ عبر فكرة الحرّية؛ لأنّ الاستقلال عن الأسباب المحدِّدَة للعالم المحسوس (...) ليس شيئاً آخر سوى الحرّية. و الحال أنّ فكرة الحرّية ترتبط جوهرياً بمفهوم الاستقلال الذاتي الذي لا ينفصل بتاتاً عن مبدإ الأخلاقية الكوني الذي يشكّل أساساً لكلّ أفعال الكائنات العاقلة تماماً مثلما أنّ قانون الطبيعة يشكّل أساساً لكلّ الظواهر)(46). يمكن للإنسان – بوصفه ينتمي لدائرة الكائنات الحيّة المزودة بالعقل – أن يتصوّر ذاته منتمياً أيضاً للمجال المعقول رغم كونه ظاهرة... بل إنّ أكبر مهامّه داخل المجال العملي هي أن يعمل دائماً على تحقيق هذا الانتماء؛ لأنّه الطريق الوحيد لما يسمّيه كانط السِّلْم الداخلي (ما يسمّى راحة الضمير أو الرضى أو الارتياح). لكن تحقّق الانتماء لدائرة الكائنات العاقلة (وهي الدائرة الكونية التي لا تتحدّد بشروط المواطنة السياسية أو الانتماء الإثني أو الطبقي أو اللغوي و نحو ذلك) يقتضي أوّلاً و قبل كلّ شيء وعياً ذاتياً بالحرّية الأخلاقية و الاستقلال الذاتي. (فالحرّية و الوعي بالحرّية كقدرة لدينا على الامتثال للقانون الأخلاقي بقصدٍ راجحٍ، هما الاستقلال الذاتي تجاه كلّ الميول على الأقلّ كعلل محدِّدَة (...) لرغبتنا.  و إذْ أن لَدَيَّ الوعي بهذا الاستقلال  ـ باتّباعي قواعدي الأخلاقية ـ فإنّها تظلّ المصدر الوحيد لرضى ثابت مرتبط بها ارتباطاً ضرورياً، ولا تقوم على أي شعور خاصّ. و يمكننا أن نعتبر هذا الرضى رضى عقلياً)(47). إنّ الربط الكانطي بين الإرادة الخالصة و الحرّية والاستقلال الذاتي محاولة لإثبات أنّ العقل الخالص – الذي يفكّر خارج حدود الارتباط بالمحدّدات الجغرافية و الاجتماعية أو الإثنية أو الاقتصادية... – يمكن أن يصبح عقلاً عملياً داخل العصر الحديث. أكيد أنّ الوظيفة الغالبة للعقل في هذا العصر هي الوظيفة العلمية و التقنية إلى درجة يصعب معها تصوّر العقل كقوّة مشرّعة أخلاقياً و سياسياً؛ لكن ما يقصد كانط إثباته بدافع هواجس عقلانيته النقدية، هو أنّ إقامة نسق نظري حول الحرّية يفسّرها بشكل تأمّلي خالص أمرٌ مستحيلٌ. و كلّ ما يمكن فعله هو افتراض فكرة الحرّية؛ لأنّه بواسطتها نفهم جيداً ( ولا نفسّر) مفهوم الإرادة الخالصة التي تشرّع بشكل قبْلي لذاتها القوانين المحدِّدَة لأفعالها. ولا يمكن لهذه الإرادة أن تكون مشرّعة فعلاً لولا افتراض استقلالها الذاتي عن التحديدات الفيزيائية والقوانين الميكانيكية للطبيعة، وهذا يعني حرّيتها. هذا الافتراض يظلّ بمثابة اعتقاد عقلي بواسطته يتصوّر العقل ذاته عقلاً عملياً. لكنّه أيضاً افتراض ضروري لفهم العالم الأخلاقي كعالم معقول في ذاته و مصدرٍ لحياتنا الأخلاقية. بواسطة هذا الافتراض يصبح ممكناً تمثّلُ الاستقلال الذاتي عن القوانين الطبيعية؛ لأنّ ما تقوله هذه القوانين بالذات هو خضوع كلّ الأفعال البشرية لتحديدات فيزيائية و سيكولوجية (الرغبة، الميل، المصلحة...)، وهي كلّها تشكّل دوافع فيزيائية و جزئية للفعل، ولا يمكن أن ترقى إلى مستوى القوانين الكونية التي يشرّعها العقل الأخلاقي العملي. أمّا ما تقوله هذه القوانين الأخلاقية، في المقابل، فهو أنّ الإنسان يمكن أن يتحدّد كحرّية و كإرادة مستقلّة شريطة أن يسموَ بإرادته الشخصية إلى مستوى الإرادة الكونية الخالصة و قد أصبحت عقلاً عملياً مشرّعاً. و هكذا، و راء فلسفة الأخلاق الكانطية يختفي إيمان عميق بالعقل العملي و قوانينه، و رهان على إمكانية سموّ الإرادة البشرية إلى مستوى الإرادة الخالصة المطلقة، و ثقة كبيرة في القوّة التشريعية (أفكار العقل الخالصة) خصوصاً حينما يصبح ذلك المعقول الخالص محدِّداً للإرادة البشرية. لكن وراء كلّ ذلك يختفي افتراض عقلي بوجود حرّية غير مشروطة (يصوغ ذاته كضرورة عملية) بدونها لا يمكن التفكير في الإرادة باعتبارها استقلالاً ذاتياً و قدرة على التشريع الذاتي، و هذا يعني أيضاً لا يمكن التفكير في إمكانية المجال العملي الأخلاقي بكامله.
4 ـ من الحرّية إلى أخلاق الالتزام الذاتي و الكرامة
تراهن الأخلاق كما تصوّرتها الحداثة الفلسفية للقرن 18 م، من خلال صوتها الكانطي، على اكتمال الشخص الإنساني. و يقتضي هذا الاكتمال أن يجعل كلّ فرد من غايات الآخرين غاياته الشخصية أيضاً، وهذا يعني أن يعمل على تحقيق (أو المساهمة في تحقيق) سعادتهم. وهذا يستلزم السموّ بالغايات الذاتية التي يسعى إليها كلّ فرد إلى مستوى الكونية. و ذاك هـو مضمون الواجب الأخلاقي: يجب أن أعمل على أن تكون غاياتي العملية هي ذاتها غايات كلّ شخص إنساني باعتباره ينتمي لدائرة الكائنات العاقلة. و تقتضي هذه الدائرة أن يكون كلّ إنسان بمثابة غاية ينبغي أن تتمحور حولها كلّ غايات المجال العملي. وعلى الرغم من أنّ كلّ أشياء الطبيعة ترتبط بالطبيعة ذاتها لا بإرادتنا، فإنّها ستكون مجرّد وسائل لهذه الإرادة تستعملهـا لتحقيق أغراضها. لكنّ الإنسان وحده، من زاوية كونه كائناً عاقلاً، يستحقّ أن يُعامَل كغاية في ذاته لا كمجرّد وسيلة. وهـذا بالذات ما يجعله شخصاً أخلاقياً. والطبيعة ذاتها تحدّد الإنسان كغاية في ذاتها و بالتالي كقيمة مطلقة(48). و هذا ما لا تسمح به قواعد المهارة التقنية و قواعد التبصّر و الروّية (قواعد العقل التقني). فمنطلقها العملي يقتضي أن نوظّف مجموعة وسائل أو أن نختار أفضلها لأجل تحقيق غايات تخدم السّعادة الشخصية. وحده القانون الأخلاقي، في نظر كانط، يسمح بذلك بحكم خصوصيته العقلية الخالصة. إنّه يخاطب الإنسان ككائن عاقل أو كشخص، بل هو يقصد بالتدقيق الإنسانية داخل كلّ إنسان. (فالقانون الأخلاقي قانون مقدّس (غير قابل للانتهاك). أكيد أنّ الإنسان أقلّ قداسة منه. لكن الإنسانية في شخصه ينبغي أن تكون موضوع تقديس (أي تبجيل و احترام) (49)
لا يمكن للقانون الأخلاقي أن يوجد إذن إلاّ بالنسبة لكائن يوجد كغاية في ذاته و يحمل في ذاته أقصى الغايات و أسماها: إنّها فكرة الإنسانية. لذلك، لا ينبغي أن يربط الإنسان أفعاله – بمقتضى القانون الأخلاقي – بقصدية واحدة هي تحقيق السّعادة الشخصية فقط، بل من واجبه أن يكون جديراً بهذه السّعادة. و هذا ما لا يتأتّى له إلاّ بأن يسلك وفق قوانين أخرى (غير القواعد النفعية) تتوافق كامل التوافق مع تشريع العقل الأخلاقي. يقول: (تكمن السّعادة في تحقيق كلّ نزوعاتنا... وأطلق اسم القانون النفعي ـ قاعدة التبصّر و الروّية ـ على القانون العملي الذي يكون دافعه تحقيق السّعادة. لكن القانون العملي الذي يكون دافعه الوحيد هو أن نكون جديرين بالسّعادة، هو الذي أسمّيه القانون الأخلاقي... و إذا كان القانون النفعي يوصي بما ينبغي علينا فعله إذا ما أردنا تحقيق سعادتنا، فإنّ القانون الأخلاقي يأمرنا بالطريقة التي ينبغي علينا سلوكها لكي نصبح جديرين بالسّعادة. الأوّل يتأسّس على مبادئ أمبريقية  ـ أي ظرفية و تجريبية ـ طالما أنّ التجربة وحدها هي التي تسمح لي بأن أعرف الميول التي عليَّ إشباعها و الأسباب الطبيعية التي يمكنها تحقيق ذلك الإشباع. أمّا الثاني  ـ أي القانون الأخلاقي ـ فلا يعير أي اهتمام للميول و الوسائل الطبيعية لإشباعها، بل لا يهتمّ عامة إلاّ بحرّية الكائن العاقل و بالشروط الضرورية التي داخلها فقط تتوافق الحرّية، تبعاً لمبادئ ما، مع تقسيط السّعادة. و هذا ما قد يجعله قائماً على أفكار العقل الخالص وحدها، و بالتالي معروفاً بشكل قبْلي)(50). يعبّر القانون الأخلاقي عن ضرورة أخرى غير الضرورة المميّزة لما يسمّيه كانط: المجال الأمبريقي (مجال سيادة المهارة التقنية والتبصّر النفعي). فهذه الضرورة تقبل أن تُفَسَّر بفعل قوانين الطبيعة البشرية التي تندرج داخل الطبيعة ككلّ. و كلّ قواعد الفعل الأمبريقية تبقى مشروطة مادياً. أمّا القانون الأخلاقي، فهو يوجد أوّلاً كضرورة صورية، أي غير محدّدة بمادة الفعل و شروطه الأمبريقية و لا بالنتائج التي تتولّد عنه. إنّها ضرورة خالصة تمسّ صورة الفعل داخل العقل، أي في علاقتها بالحرّية اللامشروطة و الاستقلال الذاتي للإرادة. و إنّ ما هو خير داخل الفعل الذي تقتضيه ضرورة القانون الأخلاقي هو القصد الأخلاقي ذاته مهما كانت نتائجه العملية(51). و لا يعبّر القانون الأخلاقي عن ذاته كضرورة صورية فقط، بل يصوغ ذاته في الوقت نفسه كضرورة كونية مطلقة لا تستهدف هذا الكائن أو ذاك، بل مفهوم الكائن العاقل. و كانط لا يتصوّر وجود المجال العملي– الأخلاقي خارج دائرة الكائنات العاقلة التي تتمحور حولها كلّ الغايات الأخرى السياسية والنفعية والتاريخية. و ذاك أهمّ مبادئ الأخلاقية. ولا يتحدّد الكائن العاقل في المجال العملي– الأخلاقي إلاّ بوصفه إرادة خالصة مستقلّة بذاتها لا تخضع للقانون الأخلاقي إلاّ كضرورة مطلقة بفعل تمثّلها لذلك القانون. بهذا الشكل، (لا تكون الإرادة خاضعة للقانون فقط، بل هي كذلك بحيث يجب أن ننظر إليها كإرادة مُشرِّعة)(52). وعليه، اعتبر كانط الاستقلال الذاتي للإرادة مبدأً مطلقاً لكلّ القوانين العملية الأخلاقية والواجبات المطابقة لها. (والاستقلال الذاتي للإرادة هو تلك الخاصية التي تجعلها تشرّع لذاتها قوانينها  ـ خارج أي ارتباط بكلّ خاصية لموضوعات الإرادة ـ لذا، كان مبدأ الاستقلال الذاتي هو أن نختار دائماً بأن تكون قواعد السلوك الموجِّهة لاختيارِنا أفعالَنا متمثَّلةً لدينا في الوقت ذاته كقوانين كونية تحكم أفعال إرادتنا تلك)(53). وهكذا، يجعل كانط من الإلزام الذاتي L’obligation morale  أو على الأصحّ الالتزام الذاتي L’engagement moral مبدأً للجمع بين الضرورة الصورية المطلقة للقانون الأخلاقي (قُلِ الصدق مثلا ولا تكذبْ، أو لا تَزْنِ، يجب عليك مساعدة الغير...إلخ) و بين حرّية الإرادة و استقلالها الذاتي. أمّا محور هذا الإلزام الذاتي، فهو القصد الداخلي الذي يسمّيه كانط: الإرادة الطيّبة(54). يراهن كانط إذن في المجال الأخلاقي على الإلزام الذاتي (إلزام الذات لذاتها مباشرة دون وسيط) وغياب السلطة كإكراه خارجي مؤسّساتي. على أساس ذلك، بَدَا لكانط أمراً سهلاً الجمع داخل المجال العملي – الأخلاقي بين الضرورة (ضرورة القانون) و بين الحرّية (الاستقلال الذاتي). أمّا القيمة الأخلاقية للفعل فتكمن في تغييبه كلّ سلطة خارجية بما في ذلك السلطة السياسية، والتزامه بالقانون الأخلاقي في حدّ ذاته و باستقلال تامّ عن كلّ ما من شأنه أن يكون دافعاً خارجياً للفعل أو نتيجة له. أمّا السلوك بفعل الواجب، فهو الذي يتحقّق فيـه التوافـق كاملاً بين قواعد السلوك الذاتية (Maximes) و بين القانون الأخلاقي الكوني؛ مبدؤه في ذلك هو: لِتَسْلُكْ بحيث تكون القاعدة الموجِّهة لإرادتك في الوقت ذاته صالحةً كمبدإ لتشريع كوني (55). و كانط يربط إمكانية الصلاحية الكونية لقواعد السلوك الذاتية لدى الفرد بقصدية الإرادة الخالصة. على هذا الأساس، لن يأمر العقل الخالص الإنسان بالسلوك بشكل تكون فيه القاعدة الموجِّهة لإرادته صالحة كقانون كوني لكلّ كائن عاقل فقط، بل سيأمره فوق ذلك بأن يسلك وفق قاعدة ذاتية يريد بقصده أو عزمه الداخلي أن تصبح في الوقت نفسه قانوناً أخلاقياً كونياً ينطبق على كلّ شخص كيفما كانت هويّته أو إثنيته أو انتماؤه الاجتماعي أو السياسي... فمبدأ التوافق أو التطابق بين القاعدة الذاتية للسلوك والقانون الكوني هو القصدية الداخلية للإرادة. وهذا يعني أنّ المبدأ الأسمى للواجب الأخلاقي أن يعمل الإنسان، بكامل حرّيته و إرادته، على أن يطابق بين القواعد التي يختارها لأفعاله و بين قوانين العقل الخالص العملي الكونية التي تصلح موضوعياً لكلّ كائن عاقل. و يصوغ كانط هذا المبدأ الأسمى لكلّ أخلاقية كالتالي: (لِتسلكْ وفق القاعدة التي بموجبها تكون قادراً على أن تريد لها أن تصبح في الوقت ذاته قانوناً كونياً)(56). وعليه، لم يكن القانون الأخلاقي رغم قَطْعِيَتِهِ كافياً وحده، لا بدّ من أن تريده كلّ إرادة و أن تتمثّله و تقبله و تحوّله إلى قاعدة ذاتية للفعل. و تلك أيضاً ضرورة من ضرورات العقل الحديث عبَّر عنها كانط كالتالي: (يجب أن تكون لدينا القدرة على أن نريد تحول قاعدة سلوكنا إلى قانون كوني. ذاك هو القانون  ـ العملي ـ الذي يسمح بالتقدير الأخلاقي لسلوكنا عامة)(57). وهكذا، وراء صرامة القانون الأخلاقي و صيغته الأمرية القطعية، يختفي رهان الأخلاقية لدى كانط على أن تسعى الإرادة الفردية بكامل حرّيتها إلى أن تسمو بذاتها إلى مستوى الإرادة الكونية أو الخيّرة مطلقاً، يقصد بها إرادة الإنسانية ككلّ. إرادة كهذه لن تتحدّد بموضوعات أفعالها (الخير أو الشرّ) ولا بهذا الدافع أو ذاك أو بهذه المنفعة أو تلك. إنّها صورة كونية لكلّ إرادة تريد أن تكون خيّرة، وهذا يعني تسعى بقصدها الداخلي إلى أن تتحرّر من كلّ الدوافع و الأغراض التي تستفيدها من هذا الموضوع أو ذاك.
و بالإجمال، يربط كانط الأخلاقية بوعي الذات بحرّيتها و إرادتها المشرّعة، و يعتبر القانون الأخلاقي واقعة للعقل الخالص بواسطته يكشف هذا العقل عن ذاته باعتباره عملياً بشكل فعلي. و إذا كان وعي الذات بذاتها بوصفها إرادة خالصة قاعدةً لكلّ أخلاقية، فإنّ حبّ الذات لذاتها، الذي يوجد في أساس كلّ طبيعة بشرية، هو ما تستبعده هذه الأخلاقية مطلقاً. و إذا كانت الأنثروبولوجيا و السيكولوجيا الأمبريقية و التاريخ تجد جميعها لهذا المبدأ ما يبرّره داخل التكوين الطبيعي والنفسي لهذه الطبيعة (حاجاتها، رغباتها، ميولها، مصالحها، علاقاتها الاجتماعية..)، فإنّ فلسفة الأخلاق، كما صاغتها الحداثة الغربية من خلال صوتها الكانطي، لا ترى فيه سوى مبدإ عارض بموجبه يمكن تقرير ما هو كائن فعلاً و لا يستجيب للضرورة الكونية التي يتطلّبها القانون الأخلاقي و التي تحدّد بشكل لا مشروط ما ينبغي أن يكون كغاية في ذاته بغضّ النظر عن هذا الفرد أو ذاك أو هذا الظرف أو ذاك. فالقانون الأخلاقي يهمّ الكائن العاقل – متصوَّراً كشخص أخلاقي – قبل أن يهمّ هذا الفرد أو ذاك. وهذا يعني أنّ المجال العملي من منظور فلسفة الأخلاق الكانطية مجال كوني لا يتحدّد بالطبيعة ولا بالعالم الإنساني (كوكب الأرض). إنّه عالم معقول لا حدود له في الزمان والمكان، بل لا يتدخّل الزمان والمكان في تصوّره. إنّه أقرب إلى اليوتوبيا الأخلاقية.
5 ـ مفارقة العقل الغربي
لعلّ أهمّ نتيجة حاصلة عن التأصيل الفلسفي لمبادئ الأخلاقية داخل العقل الخالص، هي أنّه لا تاريخ للأخلاقية. (فما هو أخلاقي داخل كلّ أفعالنا يظلّ دائماً ثابتاً منتظماً)(58)، بخلاف ما هو (لا أخلاقي)، أي تقني ونفعي، فهو يخضع لمقتضيات التطوّر والتاريخ و الطبيعة البشرية. و قد ظلّ كانط متشبثّا دائماً بقناعته الفلسفية التي تقضي بأنّ العقل غير قابل للفساد والتغيّر (بخلاف الطبيعة البشرية). إنّه يُلْزِمُ ذاته بذاته بقوانينه الخالصة. و نظراً للطابع الكوني للعقل، فإنّ معارفه تتّسم بالشمولية والثبات بخلاف معرفة الطبيعة البشرية التي لا يمكن أن تتمّ إلاّ بشكل بعدي و أمبريقي انطلاقاً من مقارنة التجارب ببعضها البعض و بشكل تدريجي(59). لا تاريخيةُ مبادئ الأخلاقية لم تمنع كانط مع ذلك من الانتباه إلى علاقتها بالتاريخ، و خصوصاً بالأزمنة الحديثة. و قد قاده تأمّله لهذه الأزمنة إلى تسجيل مفارقة جلّية بين التقدّم الذي حقّقه الإنسان في مجال التقنية والفنون والصناعات و مجال العلاقات الاجتماعية و بين النقص الكبير الذي تعاني منه في مجال الأخلاقية. يقول: (لقد بلغنا مستوى عالياً من الثقافة بفضل الفنون والعلوم، وتقدّمنا في الحضارة إلى درجة أصبحنا فيها مثقلين بأعبائها، خصوصاً أعباء التمدّن والآداب الاجتماعية بمختلف أنواعها، لكن لا زال ينقصنا الكثير حتّى نصبح أخلاقيين)(60). لقد اختزلت هذه الأزمنةُ الأخلاقيةَ إلى مظاهرها الخارجية متجاهلة بذلك أساسها أو جوهرها العقلي الخالص. و قد خلط مفكّروها (من ذوي النزعة التجريبية أمثال (دافيد هيوم) بين متطلّبات السّعادة و بين مقتضيات الأخلاقية علماً بأنّ قاعدة كلّ واحدة منهما متميّزة عن الأخرى. من المؤكّد أنّ الإنسان يسعى بحكم طبيعته البشرية إلى تحقيق السّعادة، بل هو أمر ضروري. (فالسّعادة  ـ التي تشمل التحكّم في المهارات والصحّة والثروة ـ تعطي وسائل لتأدية الواجب) يؤكّد كانط. كما أنّ (الحرمان من السّعادة  ـ كما هو الشأن في حالة الفقر مثلاً ـ سيكون سبباً في عدم تأدية الواجب)(61). لكن هذا لا يعني أنّ السّعادة، وهي التي ترتبط بالمجال التقني والنفعي في حياة البشر، هي أساس الأخلاقية. و هناك فرق بين أن نجعل شخصاً ما سعيداً و ذا ذكاء عملي و حريصاً على مصالحه و تحقيق غاياته النفعية، و بين أن نجعله فاضلاً و خيّراً. لهذا السبب، نفهم نقد كانط للعصر الحديث و عقلانيته التقنية الخالصة حين يقول: (إنّنا نعيش في عصرنا سيادة التأديب والانضباط والتكوين الثقافي والتحضّر؛ لكنّنا بعيدون كلّ البعد عن تحقيق التربية الأخلاقية. و يمكننا أن نعترف بأنّه داخل الوضع الراهن للبشرية تتنامى سعادة الدول بشكل متزامن مع شقاء أفراد الجنس البشري)(62). محنة العصر الحديث حسب هذا التقييم ترجع لتناقض كبير بين مصالح الدول القائمة المرتبطة بقوّتها العسكرية و إرادتها في الهيمنة و التوّسع، و بين مصالح الأفراد و الجماعات الاقتصادية و الاجتماعية (ما يسمّى حالياً المجتمع المدني). مِمَّا لا شكّ فيه أنّ كانط لا يغفل الوجه السياسي لنموّ الحسّ القومي لدى مجتمعات أوروبا آنذاك و تهديد كلّ دولة لغيرها من الدول؛ لكنّه في تقييمه ذاك يكشف الشرخ الداخلي الذي تعرفه هذه المجتمعات بين تقدّمها التقني و الاجتماعي و بين ضعف أخلاقيتها تجاه الإنسان ككائن كوني. و قد لاحظ كانط غلبة المبادئ التقنية والتجريبية في سلوك دول الغرب على المبادئ الأخلاقية الكونية. فالمبادئ التجريبية التي تحدّد الحقل التقني و الاجتماعي عرضية وغير خالصة ولا تتناسب مع كونية القوانين الأخلاقية التي يستوجبها العقل العملي. لذا، كان المبدأ الذي نشتقّها منه هو (التكوين الخاص بالطبيعة البشرية أو بالظروف العارضة التي نوجد فيها)(63). وعليه، (لا ينبغي البحث عن القانون الأخلاقي، في نقائه الخالص وفي أصالته (وهذا أمر في غاية الأهمّية في المجال العملي)، خارج الفلسفة الخالصة. لهذا السبب أيضاً يجب أن تأخذ هذه الفلسفة الخالصة (هذه الميتافيزيقا) المكان الأوّل هنا)(64).
لأجل ذلك، كانت فلسفة الأخلاق ضروريةً بالنسبة للأزمنة الحديثة كما يعتقد كانط. فحاجة هذه الأخيرة لأخلاق خالصة وثابتة تكمل تقدّمها في مجال التقنيات والفنون كما في مجال التمدّن والعلاقات الاجتماعية، أمر ضروري. ناهيك عمّا تقدّمه من يقين عقلي خالص لمبادئ الأخلاق وغاياتها الكونية. كلّ ذلك يعطي سنداً تاريخياً و فكرياً لضرورة فلسفة الأخلاق داخل العصر الحديث. ما يخشاه كانط إذن – وهذا سبب ثالث أيضاً لضرورة هذه الفلسفة – هو انسياق الأزمنة الحديثة وراء السيل الجارف للتقدّم التقني والاجتماعي و كثرة الحاجات والمصالح، بشكل يجعل المجال العملي خاضعاً لقيم هذا التقدّم وحدها مع تغييب كامل لمبادئ الأخلاقية وغاياتها (هذا فعلاً ما يشهد عليه عصرنا الرّاهن، عصر العولمة). فذلك يعني تراجع سلطة العقل الذاتية أمام هيمنة منطق الحاجات والأغراض النفعية داخل حياة البشر. والحقيقة أنّ ثقة كانط الكاملة في مبادئ العقل الخالص و قوانينه العملية يقابلها شكّ رهيب في الطبيعة البشرية رغم إمكانية احتواء هذه الطبيعة على بعض البذور أو الاستعدادات نحو الخير والفضيلة. و بالفعل، فالطبيعة البشرية بحكم ميولها و أهوائها و أنانيتها الفطرية تشكّل عائقاً أمام هيمنة القانون الأخلاقي. لأجل ذلك، كان السلوك الغالب لدى البشر هو الذي يتمّ بمقتضى الأنانية الفطرية و ميول الطبيعة البشرية. وهذا ما يفسّر حسب كانط تنامي خطر الحرب و العنف بين الدول و المجتمعات الحديثة القوّية تقنياً. وإنّنا حين ننتبه إلى واقع الأفعال البشرية، نجد أن البشر يرفضون أن تتحوّل قاعدة سلوكهم إلى قانون كوني. فهم بسبب طبيعتهم يعيشون تناقضات داخل إرادتهم بين مقتضيات العقل الأخلاقي و بين مصالحهم و رغباتهم الذاتية.  و إنّ ما ينطبق على الأفراد ينطبق بشكل أكثر على الدول. أكيد، يمكن الاعتراف بأنّ الإنسان، بوصفه كائناً عاقلاً، يريد سيادة القانون الأخلاقي داخل المجال العملي. و لكن الثابت أيضاً أنّه بحكم طبيعته يستثني ذاته من الخضوع لذلك القانون. وإن مكر أو فساد الطبيعة البشرية هذا هو السبب في التناقض الداخلي للإرادة الإنسانية الذي نجد له انعكاسات وخيمة على التاريخ والعلاقات بين البشر (لنستحضر الحروب وأشكال الاستعباد والاستعمار التي عرفها تاريخ المجتمعات بما في ذلك المجتمعات الحديثة والمعاصرة؛ و لنتذكر أيضاً منطق الحاجة والرأسمال الذي هيمن منذ القرن 18 م على الحياة البشرية بشكل أدّى إلى تدمير الروحانية في حياة الإنسان المعاصر وقتل كلّ أشكال الأخلاقية الكونية القائمة على احترام الشخص الإنساني و كرامته وهوّيته الثقافية والتاريخية والدينية؛ ولنتذكّر أيضاً الإبادة التي يتعرّض لها إنسان مجتمعات الجنوب من طرف الحضارة العولمية الراهنة...). يقول كانط مشخِّصا فساد الطبيعة البشرية هذا: (إذا ما انتبهنا الآن إلى ذواتنا عبر كلّ الحالات التي ننتهك فيها واجباً ما، فإنّنا سنجد أنّنا لا نريد فعلاً أن تتحوّل قاعدة سلوكنا إلى قانون كوني؛ لأنّ هذا يكون مستحيلاً بالنسبة لنا. و إن القاعدة المعارضة (لقاعدة سلوكنا) هي التي ينبغي أن تظلّ بمثابة قانون بشكل كوني. غير أنّنا نعطي لذاتنا كامل الحرّية لاستثناء أنفسنا منه أو تفضيل ميلنا (لهذه المرّة على الأقلّ). والحاصل أنّنا إذا ما كنّا نعتبر كلّ شيء من زاوية واحدة لا تتغيّر، أقصد من وجهة العقل وحده، فإنّنا سنواجه تناقضاً صارخاً داخل إرادتنا الخاصة، ذلك أنّنا نريد أن يكون مبدأ ما ضرورياً من الناحية الموضوعية بوصفه قانوناً كونياً؛ لكنّنا في الوقت ذاته لا نريد أن تكون له قيمة كونية من الناحية الذاتية (أي من ناحية ذواتنا و مصلحتنا)، بل نريد أن نخضعه للاستثناءات)(65).
من المؤكّد أن تحقيق الخير الأسمى ـ الأكمل في حياة البشر (أي الخير المادي والروحي) يقتضي اجتماع الفضيلة والسّعادة داخل الشخص الإنساني شريطة أن تكون الفضيلة شرطاً أسمى لكلّ بحث عن السّعادة؛ وهذا يعني أنّ الخير الأسمى يقتضي ألا تكون مقصودة في ذاتها، بل يجب أن يبقى السعي وراءها مشروطاً بأن يكون السلوك البشري فاضلاً و موافقاً للقانون الأخلاقي(66). غير أنّ التجربة التاريخية للبشر تشهد على أنّ ما يسود داخل العالم المحسوس هو منطق الأنانية والرغبة الشخصية والميل والسعي وراء تحقيق الأغراض الذاتية والنفعية، ذاك هو مكر الطبيعة البشرية. وكثيراً ما يكشف كانط، وهو يتأمّل مكر الطبيعة البشرية هذا، عن تشاؤمه تجاه إمكانية تحقّق الأخلاقية داخل أفعال البشر. فالأنانية الشخصية، وهي إحدى المكوّنات الطبيعية لكلّ شخص، تشكّل عائقاً أمام الالتزام بالواجب الأخلاقي. يقول: (كم أودّ و بدافع حبّ الإنسانية أن أوافق على أن أغلب أفعالنا تتطابق مع الواجب. لكن، حينما نفحص عن قرب موضوعها وغايتها، فإنّنا نصطدم أينما توجّهنا بالأنا المدلّلة التي ينتهي بها الأمر دائماً إلى الظهور. على أساس هذا الأنا وحده – لا على أساس الأمر الدقيق للواجب الذي يقتضي في غالبية الأحوال التخلّي عن أنانية الذات – يستند التصميم الذي تنتج عنه  ـ تلك الأفعال ـ)(67). لذلك، لا يجب أن تتأسّس مبادئ الأخلاقية إلاّ داخل العقل بشكل قبلي و باستقلال تامّ عن كلّ تحديد أمبريقي (أي بعيداً عن غايات السّعادة البراغماتية المختلفة) و إلاّ لفقدت ضرورتها و كونيتها و أصبحت عرضية و نسبية. فهو يريد لهذه الفلسفة الأخلاقية كامل الاستقلالية بشكل يجعلها مؤسِّسة لكلّ المفاهيم المتعلّقة بالمجال العملي، مجال السلوك بفعل الحرّية. من هنا كان التقدّم نحو الكمال الأخلاقي واجب عقلي يفرض ذاته في كلّ زمان. ولا يتصوّر كانط هذا التقدّم إلاّ كمسيرة دائمة نحو التوافق أو التطابق الكامل بين القصد الإنساني و بين القانون الأخلاقي. و بالفعل، بما أنّ هذا التطابق يشكّل غاية ضرورية يقتضيها العقل العملي في العصر الحديث، (فلا يمكن أن نجده إلاّ داخل تقدّم يسير بشكل غير متناه نحو ذلك التطابق التامّ. وعليه، وتبعاً لمبادئ العقل الخالص العملي، من الضروري أن نسلّم بمثل هذا التقدّم العملي، باعتباره موضوعياً، لإرادتنا)(68). و ليست فكرة التقدّم هنا فكرة تاريخية، بل هي فكرة اقتضتها العلاقة الإشكالية بين الفضيلة و بين السّعادة. بكلّ تأكيد، لا ينتظر كانط أن يتحقّق ذلك التطابق الكامل مع هذا الشخص أو ذاك أو مع هذا الجيل أو ذاك، بل لا يمكن تصوّره إلاّ في علاقته باكتمال النوع البشري في كلّيته. وهذا بالذات ما يضفي على المذهب الأخلاقي مثاليته المطلقة، بل ما يجعل منه يوتوبيا بعيدة عن شروط وجود الإنسان الفعلية. فهذا الاكتمال رهين شروط تاريخية و اجتماعية و سيكولوجية، بل و سياسية وعى بها كانط كثيراً، نقصد بذلك تحقّق دولة الحقّ و القانون والحرّيات العمومية. و ذاك هو الطرف الآخر من المعادلة الصعبة في التفكير الفلسفي الغربي في الحرّية الأخلاقية: يمكن أن يكون الإنسان حرّا أخلاقياً، بل يمكن أن يختار بمحض إرادته أن يسلك وفق مقتضيات القانون الأخلاقي الذي يستمدّه من عقله الخالص، لكن ما علاقة سلوكه الأخلاقي هذا بوجوده كمواطن داخل الدولة، أي بوجوده المحكوم بمفهوم آخر للحرّية، هو الحرّية السياسية المرتبطة بوجوده ككائن تاريخي – لا كشخص أخلاقي كوني – و كعضو يسلك بمقتضى إرادة عمومية. تلك هي مفارقة العقل الأخلاقي الحديث كما شخصها أحد مفكّريه الكبار. قد نجعل الأخلاقية نموذجاً مطلقاً لأفعالنا و لمجالنا العملي؛ و مع ذلك، نحن واعون بأنانية طبيعتنا البشرية و سعيها إلى التقدّم و تحقيق الرفاهية المادية والتقنية و لو على حساب هذه الأخلاقية ذاتها. و يبدو أنّ الغرب قد اختار الطريق الثاني و تناسى الطرق الأوّل رغم اعترافه بأهمّية الأخلاقية في حياة البشر. و لنقل: لقد تناسى الغرب صوته الأخلاقي (أو ضميره الأخلاقي) لاهثاً وراء إغراءات تقدّمه التقني والعلمي. أليست ظواهر الاستعمار و حروب الإبادة التي شهدها تاريخ الغرب الحديث دالّةً على ذلك؟ ألا يشهد دمار البيئة الكونية على هذا النسيان الذي ينخر ذاكرة الغرب الأخلاقية ؟ لا يسعنا حالياً، ونحن نختم هذا المقال، إلاّ أن نعترف بوجود تناقض صارخ يهدّد الوجود التاريخي الغربي بين عقله التقني والعلمي و بين عقله الأخلاقي. قد يكون الاعتراف السياسي بحقوق الإنسان أحد ميزات العقل الغربي الحديث؛ لكن، ألا تتضاءل القيمة الأخلاقية لهذا الاعتراف أمام ما نشهده حالياً من معاناة شعوب بكاملها (كالشعب الفلسطيني والشعب العراقي على سبيل المثال لا الحصر) من عقدة الذنب التي تنخر بعمق العقل الأخلاقي الغربي تجاه حضارته التقنية و ما ولدته من نزوع قاتل نحو الدكتاتورية والتدمير والإبادة والعنصرية والهمجية كما حدث مع النظام النازي والستاليني ونظام دولة جنوب إفريقيا في القرن الماضي.
*************************
الحواشي
*  يقصد كانط رجال الكنيسة المسيحية حتّى حدود القرن 18 م.
* خالص هنا بمعنى أنّه لا يتحدّد بالشروط الاجتماعية والنفسية والطبيعية للكائن البشري.
لننبّه القارئ إلى أنّ كلّ المقاطع التي نضعها بين معقوفين () هي إضافات من لدّننا لمزيد من التوضيح و ليست جزءاً من النصّ الأصلي للاستشهاد.
*  إنّ تحديد العلّية الأخلاقية خارج الزمان والمكان سيؤدّي بكانط إلى السقوط في اليوتوبيا طالما أنّ أفعال الإرادة تعتبر داخل هذا الإطار بداية مطلقة لذاتها. فهي التي تخلق ذاتها داخل لا  ـ مكان (un non –lieu)  يصعب جدّا تشخيصه اللهمّ بلفظ اليوتوبيا.
1- Kant:Leçons d'éthique- trad. L.Langlois- Librairie générale française-Paris، 1997, p173.
2 ـ يؤكد كانط – في مستهل القسم الثاني من كتابه (أسس ميتافيزيقا الأخلاق) - الطابع الخالص للأخلاقية. وهو إذا لجأ إلى (الاستعمال المشترك للعقل العملي) فذلك لإثبات مفهوم الإرادة الطيبة أو الخيرة، لكن ذلك لا يثبت طابعها الخالص. انظر:
 Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs – In: Œuvres philosophiques- Tome II،Paris.
3- Gallimard (coll. La pléiade)- 1985 – p266.
ينتقد كانط هنا فكرة الطبيعة الخيرة كما تصورها (روسو)، وكذا فكرة العهد الذهبي للإنسان في بداية الخلق كما تصورتها المسيحية خصوصاً.
4- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs - op.cit - p265.
5 ـ هذا بالذات ما جعله يخصص القسم الأول من كتابه (أسس ميتافيزيقا الأخلاق) للحديث عن المعرفة المشتركة (أو العادية) بالأخلاقية، والقسم الثاني منه للحديث عن الانتقال من الفلسفة الأخلاقية المشتركة إلى ميتافيزيقا الأخلاق الخالصة.
6 ـ  الحس المشترك شرط لتواصل الأحكام الجمالية والثقافية عامة. أما الأوامر القطعية للعقل، فهي لا مشروطة وتفرض ذاتها باسم العقل والواجب. أنظر بهذا الصدد مقالنا: كانط وتأسيس مفهوم المجال الثقافي- مجلة الفكر العربي المعاصر (تصدر عن مركز الإنماء القومي ببيروت وباريس)- العدد: 132-133. شتاء – ربيع 2005.
7-  Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs - op.cit - p254.
8- Kant: Critique de la faculté de juger-trad. J-R Ladmiral, M.B de Launay، J-M. Vaysse- In: Œuvres philosophiques- Tome II- op.cit- p1285.
9 ـ  في ضوء ما سبق، لا يجب علينـا اختـزال مفهوم الحريـة إلى أي تحديد أمبريقي كما هـو الحال بالنسبة لمـا يسمى (حرية الاختيار) (Le libre arbitre). فهذه الأخيرة خاضعة لشروط عرضية كالاختيار بين هذا الموقف أو ذاك أو بين هذه الإمكانية أو تلك بالخضوع لشروط سيكولوجية أو اجتماعية معينة وبالنظر إلى أغراض ومصالح تفرض ذاتها في كل موقف. حرية الاختيار بهذا المعنى حرية مشروطة أمبريقياً وخاضعة بالتالي لمقتضيات الظاهرة. لذلك، يمكن تفسيرها باللجوء إلى مفاهيم الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا والعلاقات الاجتماعية.
10- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs - op.cit - p320.
11- Kant: Critique de la raison pratique –In: Œuvres philosophiques- Tome II- op.cit- p610.
12- Kant: Métaphysique des mœurs (Droit+Vertu)-Introduction- In: Œuvres philosophiques- Tome III-
Paris، 1986, p474.
13-Kant: Critique de la raison pratique- op.cit - p611.
14-Kant: Qu'est-ce que s'orienter dans la pensée?- In: Œuvres philosophiques- Tome II –op.cit-
 p534-535.
 15- Kant: Critique de la raison pure- In: Œuvres philosophiques- Tome I- Paris، 1980- p1364.
16-Kant: Critique de la raison pratique-op.cit- p643.
17 ـ يقول كانط: (مفهوم الحرية مفهوم خالص للعقل (…) فلا يمكن أن نعطي عنه أي مثال مطابق له في أية تجربة ممكنة أياً كانت. فهو إذن لا يشكل موضوعا لأية معرفة نظرية ممكنة بالنسبة لنا ولا يمكنه مطلقا أن يصبح بموجب ذلك مؤسسا (لمعارف موضوعية)، لن يكون سوى مبدإ معياري موجِّه بل هو على الحقيقة مبدإ سلبي)، أي يدل على عدم الخضوع لأية محددات عرضية وطبيعية في الفعل اللهم العقل كعلة صورية خالصة- انظر:
Kant: Métaphysique des Mœurs-(Droit+vertu) –Introduction –op.cit- p467.
18- Kant: Leçons d’éthique- op.cit- p93.
19- Kant: Critique de la raison pure –op.cit- p1168.
20-Kant: Prolégomènes à toute métaphysique future qui pourra se présenter comme science- Trad. J. Rivelaygue- In:Œuvres philosophiques- Tome II - p126.
 21- Kant: Critique de la raison pure – op.cit- p1181.
22 ـ المرجع السابق – ص1182. ويقول أيضا: (بما أن العقل ليس ظاهرة وغير خاضع لشروط الحساسية، فلا يوجد فيه (…) أي تتالٍ زماني، وبالتالي لا ينطبق عليه قانون الطبيعة الدينامي الذي يحدد التتالي الزماني تبعاً لقواعد معينة) - المرجع السابق نفسه.
23 ـ  المرجع السابق – ص1182-1183.
24- Kant: Critique de la raison pratique – op.cit - p723.
25 ـ  المرجع السابق نفسه.
26 ـ المرجع السابق – ص675.
27- Kant: Critique de la raison pure – op.cit - p1167.
28-Kant: Prolégomènes à toute métaphysique future qui pourra se présenter
comme science – op.126 –
29-Kant: Critique de la raison pratique- op.cit -p722 -723.
30- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs - op.cit - p328.
31-Kant: Critique de la raison pure – op.cit- p1173
32- Kant: Critique de la raison pratique – op.cit- p726-727.
33- Kant: Critique de la raison pure –op.cit - p1174.
34 ـ يقول كانط: (وهكذا، لا تعيق الحرية وجود القانون الطبيعي للظواهر، كما لا يضر هذا القانون بالحرية داخل الاستعمال العملي للعقل الذي يكون مرتبطاً بالأشياء في ذاتها بوصفها أسسا محددة) – انظر: Kant: Prolégomènes … –op.cit- p128.
35 ـ المرجع السابق – ص128-129. المعطيات ذاتها تقريبا في (نقد العقل العملي):
Kant: Critique de la raison pratique – op.cit- p726-727.
36- Kant: Critique de la raison pratique – op.cit- p: 726 – aussi p731.
37 ـ  المرجع السابق – ص728-729.
لنشر أيضا إلى أن كانط يعترف أن الحل الذي اقترحه لإشكالية الضرورة والحرية داخل الإنسان يحتوي في ذاته صعوبات كثيرة وأن إيضاحه ليس بالأمر الهين. المرجع السابق – ص733.
38 ـ يقول كانط: (فالإرادة الخيرة مطلقا – وهي التي يكون مبدؤها أمرا قطعيا (للعقل) – لا تتحدد بأي موضوع من الموضوعات، ولن تتضمن سوى شكل الإرادة عامة بوصفها استقلالا ذاتيا. وهذا يعني أن قابلية قاعدة (السلوك الذاتي) لدى كل إرادة فاضلة؛ لأنّ تقوم كقانون كوني، هي وحدها القانون الوحيد الذي تلزم الإرادة نفسها بها لدى كل كائن عاقل دون أن تترك المجال في ذلك لتدخل أي دافع أو مصلحة معينة) – انظر:
Kant: Fondements … – op.cit - p314.
39 ـ المرجع السابق، ص315.
40 ـ  المرجع السابق، ص304.
41 ـ  المرجع السابق، ص307.
42 ـ  المرجع السابق، ص304.
43- Kant: Métaphysique des mœurs (Droit+Vertu)- Introduction- op.cit- p473.
44-Kant: Critique de la raison pure- op.cit- p1368-1369.
45- Kant: Fondements…- op.cit- p304 -305.
46 ـ  المرجع السابق، ص323.
47- Kant: Critique de la raison pratique- op.cit-p751-752.
48- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs- op.cit- p294.
يقول أيضا: (أقول: إن الإنسان وكل كائن عاقل عامة يوجد كغاية في ذاته ولا يشكل مجرد وسيلة يمكن لهذه الإرادة أو تلك استعمالها لتحقيق أغراضها. وينبغي علينا أن نعتبره دائما كغاية في ذاته وهو يمارس كل أفعاله سواء كانت تخصه ذاتيا أو تخص غيره من الكائنات العاقلة). المرجع السابق – ص293.
49- Kant: Critique de la raison pratique- op.cit- p714.
50- Kant: Critique de la raison pure- op.cit. - p1366.
51- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs- op.cit- p278-279.
52 ـ  المرجع السابق، ص297.
53 ـ المرجع السابق، ص308-309.
54 ـ يقول كانط: (يتطلب التبصر حكما (أو تمييزا) جيدا. أما الأخلاقية، فتتطلب إرادة طيبة). انظر: Leçons d'éthique-op.cit- p94.
55-Kant: Critique de la raison pratique- op.cit- p643.
يعرف كانط القاعدة الذاتية للسلوك (Maxime) بأنها المبدأ الذي يختاره الفرد كمبدإ لأفعاله. أما القانون، (فهو المبدأ الموضوعي الذي يصلح لكل كائن عاقل والذي ينبغي عليه أن يسلك وفقا له. إنه إجمالا أمر). انظر:
 Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs- op.cit- p284 (marge de Kant، n° 2).
56- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs- op.cit- p285.
57 ـ المرجع السابق، ص288.
58-Kant: Leçons d’éthique- op.cit- p127.
59- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs- op.cit- p271- aussi p248.
60- Kant: Idée d’une histoire universelle au point de vue cosmopolitique- Trad. Luc Ferry- In: Œuvres philosophiques- Tome II- op.cit- p199.
61-Kant: Critique de la raison pratique- op.cit- p721.
62-Kant: Pédagogie-Trad, pierre Jalabert- In: Œuvres philosophiques- Tom III- opcit- p1158.
63- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs- op.cit- p311.
64 ـ المرجع السابق، ص247.
65 ـ المرجع السابق، ص288-289.
66- Kant: Critique de la raison pratique- op.cit- p743.
67- Kant: Fondements de la métaphysique des mœurs –op.cit- p267-268.
68- Kant: Critique de la raison pratique- op.cit- p257

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق