إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الجمعة، 3 مايو، 2013

ـ 4 ـ غيرية الإنّية

لاكان: «الحقيقة يمكن العثور عليها من جديد، و في أغلب الأحيان تكون قد كتبت في موضع آخر «
   1 ـ من الجــسم إلى الجــــــسد:
ظهر الاعتراف بمنزلة الغيرية كشرط لتحقّق الإنّية منقوصا و ذلك لاختزال الغيرية ـ بالرغم من الوجوه المتعدّدة التي ظهرت عليها ـ في معنى ما يكون قبالة الذات سواء كانت الغيرية موضوعا أو ذاتا أو بنية الحقل الإدراكي، و هذا الفهم و إن كان يصنع 
مكانا للغيرية إلاّ أنّه يظلّ مكانا خارج الذات، و إذا كانت الغيرية هي ما ليس أنا فهل يعني ذلك ضرورة أنّها ما يكون قبالة "الأنا" أو خارج عالم الذات، و هل لا تفهم الغيرية إلاّ على معنى خارجي ؟ أليس من الممكن لحظة الحفر وراء الذات العثور على غيرية فينا ؟ أليس من الأجدى قبل الاعتراف بغيرية الآخر أن نعترف بغيرية الأنا ؟ ألا يشترط منطق الاعتراف هذا التعرّف على مكامن الذات حيث اللامفكّر فيه و المسكوت عنه ؟ ألا يدعونا هذا المشكل المتعلّق بالغيرية فينا  إلى مراجعة فهمنا للجسد و الرغبة و اللاوعي ؟
أ‌ ـ الجسد الخاص: [من الجسد الموضوع إلى الجسد الفينومينولوجي]
 يفيد الجسد في آن الموضوع الذي يمكن إدراكه و ما لا يمكن أن ندرك بدونه. من جهة إمكانية إدراكه يكون الجسد شيئا من أشياء العالم، أو موضوعا هو الجسم أو الجسد الموضوعي، أمّا من جهة تمنّعه عن الاستكشاف يكون الجسد هو الذات أو هو الإدراك ذاته، و هذا هو الجسد الفينومينولوجي، فالجسد دائما معي و ليس أمامي على حدّ تعبير مرلوبونتي.
Merleau-Ponty: « Le corps,. .est avec moi, jamais devant moi...»

الجسد الفينومينولوجي هو الجسد الواقعي الذي من خلاله أدرك، و الذي بفضله أكون في العالم،   أو يفعل بطريقة يكون بالنسبة لي هناك عالم. أمّا الجسد الموضوع فهو مجرّد مفهوم بالنسبة لي،  أو هو جسدي كما يمكن رؤيته في جسد آخر.
و إذا كان جسدي يتمنّع عن الاستكشاف و المعرفة فهذا لأنّه حامل جملة العادات، و مكان إقامة أفعالي اليومية، وهو الذي يضفي المعنى لعالمي اليومي. و الذات المتجسّدة لا تنفصل عن العالم بل تنخرط فيه بحسب موقع لها، و عبر هذا الموقع تتواصل و تعي، و عبر هذا الموقع يكون في كلّ مرّة هناك "فهم ما" للعالم؛ الذات تعي العالم بحسب منظورية الجسد، لأنّ "الإدراك ينتج عن فعل الشيء في الجسد و فعل الجسد في النفس" فعلى النحو الذي يكون عليه جسدنا، و بحسب موقعه، في العالم و مع العالم، يكون وعينا. بل الوعي صيرورة تستوجبها منظورية الجسد، و كلّ تعطيل في عضو من أعضائه ينجرّ عنه تعطيل في الوعي؛ فيظهر العالم بهذا المعنى للذات المتجسّدة فضاء قُدّ من الدلالات، و مساحة مشحونة بالقيم و المعاني، و مجالا للترميز و التمعين، لأنّه حاصل ما تفهمه و تدركه و تعرفه الذات المتجسّدة. و بما أنّني لا أمتلك الوعي الحقيقي بجسدي إلاّ في الفعل، و بما أنّ الفعل يقتضي في تحقّقه التغافل على الجسد للانخراط في العالم، فإنّني لا امتلك الوعي بجسدي إلاّ بتوسّط الوعي بالعالم. و لكنّ جسدي ليس جزءا من المكان و إنّما هو ما لا يكون المكان بدونه. إذ يمكن أن نقول إنّ جسدي يوجد دائما هنا و لكن "هنا" هذه لا مكان لها بل هي ما قبل المكان، أو هي ما به يكون المكان ممكنا.
M. Merleau Ponty : « véhicule de l'être au monde »,...  « l'expérience motrice de notre corps nous fournit la manière d'accéder au monde et à l'objet, une praktognosie qui doit être reconnue comme originale et peut-être originaire ». phénoménologie de la perception, p 402
2 ـ  من الجــســــد إلى الرغــــبة:
مع مرلوبونتي لا يُدرك الجسد باعتباره جسما أو نشاطا عضويا خالصا أو موضوعا للإدراك و إنّما باعتباره الإدراك. و لذلك يرفض الإقرار بقدرة النفس على الفعل في الجسد خاصّة لحظة يتحوّل الجسم جسدا إنسانيا. موقف مرلوبونتي هذا يذكّرنا بالنقد الذي وجّهه سبينوزا للثنائية الديكارتية إذ يقول :" إنّ النفس و الجسد شيء واحد تارة نتصوّره بصفة الفكر و طورا بصفة الامتداد"، فثابت عند هذا الفيلسوف أنّ أهواء النفس هي ذاتها نوازع الجسد. "و أنّ الذين يقولون أنّ هذا الفعل أو ذاك من أفعال الجسد متأتٍّ من النفس التي لها نفوذ عليه إنّما يقولون ما لا يعلمون".

Spinoza :« Le corps ne peut determiner l'ame a la penser, ni l’âme le corps au mouvement ou au repos ou a quelques manière d’être que ce soit . »   L’ETHIQUE   -proposition 2  p114
انطلاقا من هذا الموقف النقدي  يلغي سبينوزا جوهريّة النفس: النفس ليست جوهرا مستقلاّ و متميّزا، و إنّما هي صوت الجسد و تعبيريّة الرغبة؛ و الإنّية  تتحدّد بالرغبة التي يسميها سبينوزا
"بالكوناتوس":  conatus  و هو المجهود الذي يبدله الكائن الحيّ للمحافظة على بقائه. و هذا الجهد تدفعه الحاجة و الشهوة و الإرادة بحسب التداخل بين الرغبة و الوعي.
فإذا توقّف الجهد على قدرة النفس وحدها، دون الجسم، أي أنّ الجهد المبذول لا تقف من ورائه مطالب الجسد، فهو "إرادة" و إذا استهدف الجهد تسكين النفس و الجسد، فهو شهوة أي كلّ ما يتعلّق بالدوافع الضرورية لحفظ وجود الإنسان و بقائه. أمّا "الرغبة" فتعلّق عموما بأفراد الإنسان من حيث أنّهم يعون رغباتهم: الرغبة هي الشهوة المصحوبة بوعي ذاتها.
اشتراك الحاجة و الرغبة في صفة الضرورة لا يعني تطابقهما، فكثير من الحاجات تكون ملّحة لكنّنا لا نرغب في تحقيقها و بالمقابل هناك الكثير من الرغبات التي تلحّ لإشباعها لكنّنا لا نحتاجها واقعيا؛ و إذا كانت الحاجة صفة مشتركة بين كلّ الكائنات الحيّة، فإنّ الرغبة خاصّية إنسانية محضة،
و الإنسان لا يرغب في الشيء لأنّه مستحبّ لديه أو هو طيّب بل هو كذلك لأنّه يرغب فيه و يشتهيه. و لكنّ "الناس يعون حقّا أفعالهم و رغباتهم، إلاّ أنّهم يجهلون العلل التي تجعلهم يرغبون في شيء من الأشياء".[1]  و في الحقيقة توهمّ الحرّية هو استتباع حسب سبينوزا لجهل الإنسان دوافع الفعل، و لعلّ هذا ما دفع سبينوزا للقول "بأنّ الحرّية ليست الفعل عن إرادة بل الفعل عن دراية" و هذا يعني أنّ الإنسان ليس حرّا و أنّ الحرّية تكمن فقط "في الوعي بالضرورة".
و بالرغم من المكانة التي يحتلها الجسد في فكر سبينوزا ، فإنّ التحوّل الحقيقي ظهر مع المقاربة الفينومينولوجية لمرلوبونتي إذ أحدثت قراءته قطيعة مع المقاربة الميتافيزيقية من جهة و مع  النظام البيولوجي و الانتروبولوجي من جهة ثانية.
فالانتقال نحو الجسدي هو قفزة نوعية نحو الإنساني، حيث ينفصل الجسد الإنساني عن الجسد الحيّ.  و رمزية الجسد الإنساني ليست منطقية، و إنّما معيشة، و تجربة الجسد تحيل على دلالات لا يمكن ردّها للتفسير العلمي و لا للفهم الميتافيزيقي للإنّية و هذا ما يدفعنا ضرورة للتمييز بين جسد نعرفه connu  و جسد نعيشه.  vécu
Merleau-Ponty: « En tant que j'ai des mains, des pieds, un corps, un monde, je porte autour de moi des intentions qui ne sont pas décisoires et qui affectent mon entourage...»
 Phénoménologie de la perception , p. 502
3 ـ من الجــسد إلى العـــــالم:
تستهلك التجربة الإدراكية حضور الجسد الخاصّ في العالم و هو إدراك بسيكولوجي و قصدي في آن، فيعطي مرلوبونتي للإدراك ما يعطيه ديكارت للفكر، حيث يكون الإدراك نشاط الجسد. الحضور في العالم هو حدث من فعل الجسد الإنساني، فإدراك الحيوان يحيل على الوسط milieu  في حين يحيل الإدراك الإنساني على العالم    monde أن نفكّر في فلسفة الحضور هو أن نفكّر في عالم الإنسان، و كأنّنا نقول إنّ الحيوان لا يدرك.

Merleau-Ponty: « La perception m'offre des présences»
« La nature de la perception »
Le primat de la perception et ses conséquences philosophiques, op.  cit., p. 45
هذا التمييز يقتضي النظر للإدراك لا على أنّه معرفة فحسب و إنّما على أنّه خبرة وجودية، لأنّ الإدراك هو الذي يحددّ شكل الوجود. و في حضور الجسد في العالم نشهد ولادة المعنى. و نحن لا نقيم مختلف الوضعيات الإنسانية انطلاقا من ذات مفكّرة و إنّما انطلاقا من ذات جسدية. إذ يولد نداء العالم من الإمكانية ذاتها الخاصّة بالجسد على إنتاج العالم انطلاقا من الإدراك.
Merleau-Ponty: «« Notre corps en tant qu'il se meut lui-même, c'est-à-dire en tant qu'il est inséparable d'une vue du monde [...] est la condition de possibilité non seulement de la synthèse géométrique mais encore de toutes les opérations expressives et de toutes les acquisitions qui constituent le monde culturel. »        Phénoménologie de la perception , p. 502
الوعي في قصديته يتّجه نحو العالم، و لكّنه لحظة يقصد الأشياء يجهل أنّه يقصدها. هكذا تريد الفينومينولوجيا أن تكون نظرة جديدة على العالم، نظرة أصيلة تكون بمثابة العودة نحو المعنى، نحو التجربة، ضدّ النظرة العلمية و الميتافيزيقية، إذ تبدو الفينومينولوجيا كخطاب خارج المعرفة، باعتبارها تعليقا للحكم. و باختصار استعادة تلك الدهشة القديمة تجاه العالم، إذ يعتبر مرلوبونتي أنّنا مع العلم و مع المعرفة نميل دائما إلى نسيان العالم. و المقاربة الفينومينولوجية هي شرط البقاء في عالم الكهف أو شرط العودة إليه. و عودة الإنسان للكهف هي في النهاية عودة للجسد الذي بفضله يحافظ الإنسان على أصالة الوجود في العالم.
العودة إلى عالم الكهف لا يجب أن تفهم على أنّها عودة لعالم الظنّ و الوهم، و إنّما على أنّها عودة إلى عالم المعنى، و قد يكون ثمن المعنى عودة أشياء الكهف و موضوعاته، و لكن ليس للكهف أشياء و موضوعات إلاّ ما صنعه السّجناء، و بالتالي ما يستعيده الكهف هو الإنسانيّ ذاته، لأنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يوجد في العالم و في ذهنه عالم، بل هو الكائن الوحيد الذي يعيش و يتفاعل مع عالم كهفه و ذهنه، أكثر من تفاعله مع عالم الأشياء في ذاتها و عالم الحقائق.
و إذا كان بالنسبة لهديجير الوجود في العالم يعني أنّنا دزاين [ كائن هنا   Dasein] فإنّه بالنسبة إلى مرلوبونتي الإنسان هو جسد منخرط في العالم، و هذا يعني أنّني لست شيئا من الأشياء المادية في العالم، و لكنّني انخراط في عالم الأشياء و العالم البينذاتي.  و بفضل المنظورية يوجد الإنسان في العالم و في ذهنه عالم، إذ تمتلك المنظورية أفقا تتقاطع فيه كلّ الإدراكات الأخرى، وهو أفق الذاكرة الثقافية، هذه هي العوالم التي يحيل إليها الوجود في العالم أو الذي يسمّيه مرلوبونتي "بين العوالم l'inter monde ، وهي العوالم الذاتية التي تستدعي كلّ الأشياء التي غابت عن عالم المنظورية، و التي يمكن إدراكها. باختصار من جدلية المنظورية و الأفق يولد المكان الموضوعي و لكن حتّى نمتلك حدسا أوليّا بالموضوع، و حدسا بالمدركات الأخرى في جدلية النظر و الأفق، هنالك تجربة الجسد حيث لا تتحدّث عن الكوجيتو و إنّما عن الأنا المنخرط   Je-engagé
أنا في العالم أتعامل بشكل مباشر و هذا هو الذي يسمّيه مرلوبونتي اللحظة الما قبل تفكّرية     préréflexifs،  فأنا هنا يعني أنّ لجسدي وضعية ما   je suis mon corps en situation  و هذا الوضع الذي عليه جسدي هو الذي سيحدّد طبيعة علاقتي بالأشياء من حولي، فالمكان تنظّمه ممكنيات جسدي، و أن أقدّم تحيّة لصديق في الطرف المقابل يفترض انخراط الجسد في كلّيته في العالم و مع الغير.
تبيّن لنا كيف كشف مرلوبونتي خصوصية الجسد من جهة تمييزه عن الموضوع،  إذ هو قادر على إدراك ذاته في استقلالية عن الموضوعات، فما تستطيعه الأنانة في الطرح الديكارتي، من جهة قدرتها على الانغلاق على ذاته، يستطيعه الجسد في المنطق الفينومينولوجي من خلال انفتاحه على العالم أو انخراطه فيه. فثبت لنا أنّ الاعتراف بالجسد هو اعتراف بما كان يعدّ غيرية تشدّنا لعالم الحيوان، وهو اعتراف جعل من الجسد عتبة الإنسانية و أساسها، و لذلك يبدو أنّه من المفيد أن نعلن بعودة الجسديّ احتواء الإنّية للغيرية وهو اعتراف كما استعاد في طيّاته العالم و أشياءه  يستعيد للذات أشياءها الخفية أو المكبوتة، و كأنّنا نعترف بعودة الجسد هذا الأنا الآخر الممتنع عن الاستكشاف أنّ الإنسان في ما يخفى و يُخفي في آن؛ عودة تزيح "الصخرة من مكانها" لتظهر مقولات الفلسفة الإغريقية و الميتافيزيقية دون القدرة على الحفر وراء الذات حيث يتبدّى "السّطح سطحيّا جدّا" كما قال نيتشة.
نيتشة: " عجبا لهؤلاء الإغريق لكَمْ كانوا لا يعرفون أسباب العيش لأنّ ذلك يستلزم البقاء على السّطح في ثنايا الثوب عند القشرة و البشرة ، إنّه يقتضي عبادة المظهر و الإيمان بالشكل و الأصوات
و الكلمات، هؤلاء الإغريق كانوا سطحيين من شدّة تعمّقهم."
و يعتبر نيتشة أنّ محاولة سبينوزا التوفيق بين[ الجسد / النفس] في نقده للثنائية الديكارتية، لا ترتقي  بالجسد  إلى مستوى المبدئية، و هذا الارتقاء قد برز بصفة خاصّة مع ما يسمّيه نيتشة "باب الاعتراف بالجسد"   إذ مع هذا الفيلسوف تساوق مفهوم الجسد مع مفهوم "العود الأبدي" [2]










Nietzsche
"tout commence par le corps"
 يقول نيتشة في تمجيده للجسد: "إنّ وراء أفكارك و مشاعرك يا أخي يقوم سيّد جبّار و حكيم مجهول هو الذي يسكن جسدك، بل هو جسدك". و في افتتاح نيتشة "باب الاعتراف بالجسد" يؤسّس باب الوجود في عمقه، إذ أنّ الإنسان لا يتوحّد مع الوجود إلاّ عند إدراكه بعمق باطنه، هذا الباطن هو الجسد مكمن الحقيقة و الوجود .
Nietzsche «le corps est une raison, une grande raison, une multiplicité qui à un seul sens, une guerre et une paix, un troupeau et un berger »
و الحقيقة قوامها معاناة و مغامرة، مغامرة "الهو" في تمرّده و تحدّيه "الأنا "و معاناة جسد محكوم بالمرض أو الموت. هنا يظهر التفكيك النيتشوي مستفزّا للطرح الميتافيزيقي القائم على العقل و الوعي. و ليست الصرخة الجينيالوجية ـ الكاشفة عن مستطاع الجسد ـ إلاّ صوت الجسد المنتفض في وجه الأنا و الكوجيتو و العقل .
نيتشة: " هم مرضى… أولئك اللذين احتقروا الجسد و الأرض و تشبّثوا بالسّماء و ما وراء النجوم ."
في الفلسفة المعاصرة أصبح الجسد ضروريا، لأنّه الوحيد القادر على الانفتاح على العالم، و ما الوعي إلاّ أكذوبة ميتافيزيقية و مع الميتافيزيقا بدأ تاريخ الإقصاء لكلّ مختلف غريب، هذا المختلف هو" الأخر" وهو الطفولة و الجنون و اللاوعي، هو الرغبات
Nietzsche «je suis corps de part en part, et rien hors de cela ; et L’âme, ce n’est qu’un mot pour quelque chose qui appartient au corps »
و الأهواء و الحياة و الحرّية، فالإعلان عن حضور "الجسدي" هو إعلان عن موت الإلهي، أي عن موت الحقيقة الواحدة و موت اللوغوس المتسلّط ؛ و إن مثّل الوعي معجزة الميتافيزيقا، فقد مثّل الجسد معجزة فلسفة ما بعد الحداثة، إذ في اللحظة البعدية ظهر الإنسان في كلّيته جسديّ و في جزئيته وعي فقط، و عي يخفي عمق الذات و بنية الإنّية.
4 ـ  الإنـّــــية: من الذات إلى البنية:
أحدثت فرضية اللاوعي في التحليل النفسي رجّة و ثورة حقيقيّة  في سؤال الإنيّة، إذ أعادت هذه الفرضية تركيب بنية الإنّية، انتقلت بنا من سطح الوجود الإنساني إلى عمقه، و مثّلت إعلانا عن نهاية براديغم الأنانة، أو مثّلت قطيعة إبستيمولوجيّة، كشفت خللا في النموذج، و هي ثورة قد انتقلت بنا من الإنّية البسيطة إلى الإنّية المركبّة. و من عالم الوعي و اليقظة و القصدية إلى عالم اللاوعي و الحلم و الهفوة.
أ‌ ـ اللاوعي و الوجه الخفي للإنّية:
ظاهرة الحلم:
الحلم لا عقل فيه ولا فكر، فوضى لا معنى لها؛ لكن إذا كان هذا صحيحا فلماذا نحلم ؟   ما الذي يدفعنا إلى اللامعنى و اللامعقول ؟ ما قلناه في البداية عن ظاهرة الحلم هو ما يؤكّده الفكر الكلاسيكي الذي يعتبره ظاهرة لا تستحقّ الدراسة، لأنّ لا مبرّر لها و لا دوافع تحدّدها، فهو بمثابة المجانية أو اللاجدوى؛ و لكن ألا يمكن أن يكون الحلم كما الوعي يتحرّك داخل منطق قصديّ  لا يطاله الوعي؟ منطق مغاير أو غيريّ يؤسّس الدوافع و يحدّد الأهداف ؟
قد تتحدّد قصديّة حلم ما انطلاقا من رغبة ما، و بذلك يمكن أن يكون هنالك داخل الحلم فكرا كامنا  أو لنقل فكرة ناظمة تحرّكها رغبة، تظهر في الحلم بشكل مبعثر فوضوي و كأن لا معنى له. و ما حدث في الحلم يمكن أن يحدث في اليقظة، فيما نسمّيه "الهفوات"، مثل زلّة القلم، سبق اللسان، النسيان، التعثّر، فقدان الأشياء...
الهفوات   Parapraxis  :
الهفوة هي فعل يعجز الوعي عن القيام به أو ردّه، لذاك تظهر الهفوة على أنّها عديمة المعنى، و لا نوليها أيّة أهمّية، خاصّة إذا كانت ميزتها الأساسية، أنّها تخطئ هدفها، و لكن ليس كلّ ما يظهر للوعي على أنّه غريب أو غيرية، يعني أنّه محروم من المعنى، و الحال كذلك بالنسبة لباقي الهفوات التي لا تحصى في حياتنا اليومية. [3]
و من خلال فرضية اللاوعي المهيمن على الرغبة، أو الناطق الرسمي باسم الرغبة، تواجه الأنا معركة صعبة، لذلك يعتبر فرويد أنّ الإنسان ليس سيّدا حتّى في بيته، إذ هناك في الذات مناطق لا يصلها نور الوعي:
هكذا تبدو فرضيّة اللاوعي قراءة ممكنة للإنسان في جوانبه المضيئة في السّطح و جوانبه المظلمة في الأعماق، على أنّها فرضية تمكنّنا من فهم الحياة اليومية النفسية للإنسان، و تمكنّنا كذلك من كشف بنية الإنّية، و على الأنا أن يعترف أنّه ليس الفكر في كلّيته  بل يدرك من الفكر ظاهره، و يبقى في الفكر فكرا كامنا:
Des pensées surgissent subitement dont on ne sait d'où elles viennent: on n'est pas capable non plus de les chasser.






عندما يدخل الفكر الكامن في الخطاب، أو يدخل الرغبوي، علينا انتظار اللاواعي، و الخطأ كلّ الخطأ أن نعتقد أنّ اللاواعي هو "أنا" مختلف عنّي أو  لا يخصّني، بل هو جزء من الأنا التي لا أدركها، هو ماضٍ يثقل كاهل حاضرنا و لكنّه في كلّ الأحوال ماضينا.
"الطفل أب الرجل"... " و كما كان الهو يصير الانا"
ب ـ الإنّية بما هي بنية "الجهاز النفسي":
يشبّه فرويد الجهاز النفسي بمنزل يحتوي ثلاث غرف، كلّ غرفة مستقلّة عن الأخرى داخليا، و لكنّها مرتبطة بذات المنزل:
الهو   [ESLe ça
الأنا [ Ich ] le Moi
الأنا الأعلى    Sur Moi
مبدأ اللذّة [الرغبة]
عدوانيّة         Thanatos +     جنسيّة   Eros       
 [الدوافع]
مصدر الطاقة النفسيّة
(إشباع / كبت)
 * الهو أناني لا منطق له و لا أخلاق
* يمرّ الهو في نموّه بثلاث مراحل:
أ. المرحلة الفمّية:
الفم موطن اللّذة: رضع + عضّ + مصّ.
ب. المرحلة الشرجية:
التبوّل + التبرّز
ج. المرحلة التناسلية:
اكتشاف الأعضاء التناسلية، وظهور عقدة أوديب و إلكترا. 
مبدأ الواقع  [ العقل ]
أداة تكيّف  +  وسيط
* حاصل اصطدام الهو بالعالم الخارجي
لاشعوري  +  شعوري
من جهة الرغبة  من جهة الواقع
*  يمارس عملية الكبت رغم تواطئه مع الهو.
*  الأنا في الظاهر يحترم مقتضيات الحياة الاجتماعية؛ و في الباطن خادم وفيّ للهو.
* يعتمد أسلوبا ديبلوماسيّا يقوم على الرياء و التحيّل.
* مهمّته اقتصادية تحاول التوفيق بين رغبات الهو [الإعلاء] و مطالب العالم الخارجي [الكبت]
مبدأ الفضيلة  [الضمير]
* يتكوّن من تداخل القوانين
العائلية + الاجتماعية
[الأوامر]
المواعظ +  النواهي
* جزء منه لاشعوري إذ لا نتحكّم في كلّ الموانع.
*  يتكوّن فينا تحت تأثير سلطة الأب، لذلك يقوم مقامه و قد يكون أشدّ قسوة منه.

نفهم  بالنظر إلى بنية الإنّية كيف تقيم الذات توازنا ـ بفضل الكبت ـ و لكنّه توازن هشّ و ضعيف إذ تستطيع الرغبة المكبوتة أن تخترق الرقابة و أن تراوغ الذات و ذلك بتغيير شكلها الأصلي،[4] هنا بالذات تبدو صعوبة مهمّة الأنا، على اعتبار أنّ دورها الوسيط يقتضي منها التوفيق، بين السّلط الثلاث، العالم الخارجي و "الهو" و "الأنا الأعلى"، فممارسات مثل الكبت و التبرير و النكوص و الإسقاط و الإعلاء... كلّها حيل عقليّة تعتمدها الأنا للتحكّم في الصّراع، "الأنا مسكين إذ عليه أن يخدم ثلاثة أسياد قساة، وهو يجهد نفسه للتوفيق بين مطالبهم"،[5] و الأنا لا ينجح دائما في مهّمته، التوفيقيّة و الاقتصادية، و ينتج عن فشل المهمّة أمراض يمكن اختزالها في: أمراض عصابية Névrose  أمراض ذهانية  Psychose
و لا يتميّز السويّ عن اللاسويّ إلاّ بقدرة الأوّل على التحمّل و الصبر [الكبت]، أو على التحيّل و المراوغة [الإعلاء]،[6] هكذا يمكن أن نقول مع كارل يسبرس " أنّ الإنسان لعبة لا شعوره، بقدر ما يكشف عنه، بقدر ما يتحكّم فيه"؛ و عليه تظهر فرضية اللاوعي من الضرورة بحيث لا نفهم الإنسان بدونها، و قيمتها تكمن في قدرتها على فهم الوعي  ذاته، و تحمّلنا مسؤوليّة ما نتركه خارج الوعي في المناطق المظلمة و المساحات النائية فينا.
إذا سلّمنا بأنّ للأنا مهمّة و أنّه على الذات أن تضطلع بها، و إذا سلّمنا بأنّ الحقيقة هي ما ينبغي تحقيقه، ألا تتحوّل الإنّية عندها من ماهية ثابتة مكتفية بذاتها إلى مشروع ينجز أو مهمّة تتحقّق ؟
ألا تفيد الإنّية وفق هذا المنطوق الكثرة لا الوحدة، و الزمنية بدل الثبات ؟
ألا يكشف وعينا بأنّ الإنّية مهمّة إن طلب تحقّقها لا يكون في العزلة أو بالتعالي و لا في الجهل و الادعاء و إنّما بمواجهة الغيرية و الاعتراف بها و التعرّف عليها سواء كانت الغيرية خارجية أو كامنة  ليكون بحث الإنسان عن شروط تحقيق إنّيته هو بحث عن شروط تحقيقها بشكل كلّي لا تكريسا للمماثلة و إنّما تشريعا للاختلاف و تأسيسا للوحدة المتكثّرة ؟
ألا تكون بذلك الإنّية جدارة و استحقاقا لا معنى لها خارج التاريخ تأثّرا و تأثيرا ؟
الهوامش:
[1]  فكرة سبينوزا الخاصّة بالرغبة من جهة الوعي بالفعل و جهل الدوافع هي لتي ستكون أساس فكرة اللاشعور فالتحليل النفسي مع فرويد و  لاكان الذي قال فيما بعد:" حيثما توجد الرغبة يوجد اللاشعور (...) إنّ اللاشعور لغة توجد وراء الشعور، و هنا بالضبط تتموضع وظيفة الرغبة   .
[2] العود الأبدي: عند نيتشة هو صرخة الرجل القوي المنادية بموت العقل و بناء الإنسان الأرقى. L’éternel Retour
[3] س. فرويد: "قد نقع في سبق لسان أو زلّة قلم  و قد نخطئ في القراءة أو نتعثّر و قد نضيع أمتعة. أو نكسّرها... يضاف إلى ذلك الأعمال و الحركات التي يقوم بها الناس دون أن يشعروا بها... كأن يلعب الواحد ببعض الأشياء بصفة آليّة أو يدندن ألحانا أو يقلّب أصابعه أو يتلمّس ثيابه الخ"
Cinq Leçons sur la psychanalyse /ed,Payot.p42
[4] عودة المكبوت تكون في شكل تقمّص Déguisement    و هنا تظهر صعوبة مهمّة الأنا 
[5] S. Freud. Nouvelles conférences de psychanalyse/1932.ed.Gallimard/1936.p104
[6] الإعلاء: هو قدرة الوعي على تحويل المرغوب مقبولا، إذ تحوّل الأنا الطاقة الجنسيّة و العدوانية إلى دوافع إبداعية، تخفي أصل هذه الرغبة، فتقبل على مستوى الواقع، بطريقة تراوغ فيها الأنا الأعلى، فيتحوّل بذلك دافع جنسي إلى إبداع موسيقي، أو إلى أثر فنّي، أو إلى أعمال خيريّة و اجتماعيّة، كما تتحوّل رغبة عدوانيّة إلى ممارسة نقديّة أو رياضيّة.
طريق النجاح: شكرا للأستاذ: الصحبي بوقّرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق