إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الأحد، 31 مارس 2013

تحليل موضوع: شعبة الآداب

  إعداد الأستاذ: محمّد كريم النيفر
تدريب منهجي:
إصلاح الفرض التأليفي عدد:1
الموضـــوع الأوّل: هل تحقّق اللغة التواصل أم تقصيه؟

ملاحظات منهجية:
المطلوب: إمكانية تحرير
المقدّمة:
 رصد دواعي طرح المشكل
( يُستحسن ضبط المقدّمة بعد الاشتغال على أهمّ محطّات الموضوع أطروحة ونقدا وتأليفا ذلك لأنّ للمقدّمة دورا استشرافيّا لأبرز ما يتضمّنه العمل من تحدّيات وأهداف ومضامين فلسفية ومنهجية..)

إذا كانت الفلسفة منذ بداياتها الأولى، مبحثا جعل من الوجود الإنساني من أبرز أولوياته تساؤلا و شكّا و نقدا وغوصا في أصوله وفروعه و غاياته، فإنّ هذا الوجود هو بدوره مورّط ضمن بعد آخر "ملأ الدنيا و شغل الناس"، و هو البعد الرّمزي الذي يجسّد الوجود اللغوي أبرز وجوهه و أشدّهم طرحا للإحراج نظرا للطابع الملغز للظاهرة اللغوية حيث تتعدّد الألسن بتعدّد الأفق الثقافي و الاجتماعي الذي تنبثق ضمنه اللغة أوّلا، و نظرا للبعد التطوّري الذي تتّسم به اللغات تاريخيا ثانيا، و كذلك لتعدّد الصّيغ التي يمكن أن نقول بها ما نريد استنادا للتصوّر الأرسطي المنبني على "أنّ الوجود يقال على أنحاء شتّى" الشيء الذي يدنينا من الآخر تأسيسا لأفق تواصلي ممكن بين الذوات حينا، و يقصينا عنه أحيانا نظرا لالتباس المعنى أو لتحوّل غائية اللغة من تأكيد التفاهم إلى تفنيده أو تحوّل مساره منطقيا أو سيميوطيقيا أو إيتيقيا و ذلك ربّما ما عناه أبو حيّان التوحيدي حين قال في إحدى مقابساته بأنّ الكلام على الكلام صعب… ذلك لأنّ من لم يفكّر في اللغة كمن لم يفكّر أبدا والكلام على هذا الكلام لـآلان هذه المرّة…
* مرحلة الفهم والتفكيك:
قراءة لصياغة الموضوع و تحديد المطلوب

 هل تحقّق اللغة التواصل أم تقصيه ؟
* موضوع من صيغة: "هل" + صيغة إمّية يستوجب :
  1 أطروحة اللغة تحقّق التواصل
  2 نقيض أطروحة اللغة إقصاء للتواصل
 3  تأليف الجمع بين الموقفين أو تجاوز كليهما بفتح أفق جديد للموضوع أو القيام بالاثنين معا…
*      الإشكالية:
- صياغة الإشكالية هي بمثابة تخطيط أوّلي لكامل العمل لذلك يجب أن تكون مركّزة وواضحة كما يجب أن تتضمّن سؤالا مركزيّا (لا يعيد السؤال المطروح حرفيا) يجب تفريعه إلى:
-1-  سؤال مفهومي نتطرّق فيه لأهمّ مفاهيم الموضوع
-2-  سؤال تجيب عنه الأطروحة
-3- سؤال نقدي أو سؤال تجيب عنه نقيض الأطروحة
- فما وضع اللغة حتّى تكون أداة تواصل بين البشر ومدعاة     
  للشكّ فيه ؟
 لكن قبل الإجابة عن سؤال ملغز كهذا يجب أوّلا طرح الأسئلة  
 التالية:
- ما اللغة ؟  ـ ما التواصل؟
-  ما مدى حاجة الإنسان للغة ولتحقيق التواصل بواسطتها ؟
  و كيف نتواصل عبر مؤسّسة اللغة ؟
- ما الإقصاء ؟
ـ و كيف يمكن للغة أن تقصي الفعل التواصلي و إلى أي حدّ         يجب اعتبارها عائقا تحول دوننا ودونه ؟
* التحليل:
-  الجزء التحليلي من العمل متّصل بالاشتغال على الفعل التواصلي للغة (الأطروحة التي مفادها: اللغة تحقّق التواصل) غير أنّ هذا الجزء يمكن تقسيمه إلى لحظات فلسفية كبرى أي إلى مستويات اهتمام لعلّ أبرزها ما يلي:
* التعرّف على المعنى اللساني للغة و للتواصل والبحث عن الشروط الموضوعية لتحقيق أي فعل تواصلي يمكن في هذا المستوى من العمل التعريج على الفرق بين اللغة واللسان والكلام قصد الوصول بالمتلقّي إلى ضرورة وجود ازدواجية ما داخل مؤسّسة اللغة بين باثٍّ ومتلقٍّ الشيء الذي يشرّع لنا الولوج لمسألة التواصل
* التطرّق إلى البعد الرمزي ودوره في الوجود الإنساني التمييز بين التواصل الإنساني والتواصل الحيواني
* الحفر في مستويات التواصل و مدى حاجة الإنسان إليه (التواصل مع الذات، التواصل مع الآخر، التواصل مع العالم...)








































































































 * النقد:
 في هذا المستوى من العمل علينا الاشتغال على الفرضية الثانية من الموضوع (نقيض الأطروحة) والتي مفادها أنّ: "اللغة تقصى التواصل" المطلوب رصد بعض الحجج التي تجعل من التواصل اللغوي مشكلا و هذا يدعونا للتفكير في المسائل التالية:
  - علاقة الدوال بالمدلولات هل هي ضرورية أم اعتباطية ؟
  - إشكالية التأويل و الحقيقة هل تقول اللغة ما تعنيه ؟
  - اللغة بين الأغلوطة المنطقية والاستثمار الإيديولوجي
و الاستراتيجي اقتصاديا و إعلاميا وسياسيا لها










* الخاتمة
-  حوصلة وتأليف
- إبراز رهانات
 و راهنية الموضوع










 إذا كانت الفلسفة حسب التحديد الدولوزي لها (نسبة إلى جيل دولوز) هي فنّ الاشتغال على المفاهيم فذلك لأنّ كلّ مفهوم هو في حدّ ذاته مشكلا فلسفيّا نظرا لما يمكن أن يحمله المفهوم الفلسفي من شحنات تمعين (البحث عن المعنى) ومن ثراء مضموني خصوصا إذا ما تعلّق الأمر بمفهوم اشتغل عليه الفلاسفة منذ القدم  وتحوّل في الزمن الراهن إلى مبحث علمي مدرج ضمن سجّلات العلوم الإنسانية اليوم مثل مفهوم اللغة الّذي تحول إلى المشمولات اللسانية العامّة التي هي علم يدرس الظاهرة اللغوية دراسة علمية بنيويا  ومخبريا بعد أن كانت قبلة للنحاة و المناطقة و المعجميين حيث يعرّفها جميل صليبا في معجمه الفلسفي بأنّها مجموع من الأصوات المفيدة  ويعتبرها الجرجاني :"ما يعبّر به كلّ قوم عن أغراضهم" غير أنّ التعريف اللالاندي لها (نسبة إلى أندريه لالاند) ربّما  كان أكثر إحكاما بربطه بين اللغة والرمز والتواصل حيث قال: "اللغة هي كلّ مجموعة رموز يمكن أن تستخدم لغاية التواصل"، الشيء الذي يدعونا  للتعرّف أكثر على هذا المفهوم الذي ما انفكّ يعلن أولوية الحضور في الأدبيات الفلسفية نظرا لأهميّته من ناحية  ونظرا لما توحي به بعض المؤشّرات المعاصرة من رصد الكثير من لحظات التأزّم الحائمة به  والتي تسعى دائما إلى استبدال قوّة المنطق بمنطق القوّة أو بقوّة الإقصاء.
من هذا المنطلق يمكن تعريف التواصل بأنّه  لسانيا يعني: ربط صلة بين طرفي الخطاب أي توصيل رسالة لفظية ذات معنى بين باثٍّ و متلقٍّ، إنّ عبارة "ذات معنى" في هذا السياق تعني أنّ هناك فرقا بين الخطاب "الممعن" وبين الهذيان أي الخطاب الخالي من المعنى أو الخطاب الملتبس أو المختلّ شكلا أو مضمونا أو غائية كما سنتبيّن فيما بعد، الشيء الذي قد يدعونا ربّما إلى رصد شروط التواصل وآدابه تأصيلا لإيتيقا الحوار وتأسيسا لبينذاتية منطقية و تواصلية في الآن ذاته، إذا ما كنّا جاحظيين أكثر من الجاحظ نفسه فنتبنّى مقولته القائلة بأنّ لكلّ مقام مقال وأنّ لكلّ "بيان"" تبيين"…
إنّ الحديث عن" إيتيقا الحوار" قد يخرجنا من سؤال ما التواصل؟ إلى سؤال لا يقلّ أهميّة عن الأوّل وهو سؤال لماذا نتواصل؟  وعن هذا السؤال تجيبنا المقاربة الهابرماسية ببساطة وبدون التباس أو تعقيد بأنّ الفهم (أن أفهم ما التبس من أفق رمزي) و التفاهم (البعد المشترك والمتفاعل في عملية التخاطب)  الإفهام (أن أساهم في تبسيط فكرة أو معنى ملتبس للغير) هو الغائية الأوّلية لكلّ فعل تواصلي حيث نقرأ له  في "نظرية الفعل التواصلي" له ما يلي: ” أن نقول شيئا ليس معناه أن نقول شيئا، بل أن نقول شيئا لأحد، و أن نُفهمه ما نريد أن نقوله له" حيث تؤكّد هذه الجملة أنّ الكلام أو التخاطب عبر جهاز اللغة ليس غاية في حدّ ذاته إذا لم يؤدّي إلى تبليغ فكرة أو موقف ما في معزل عن اللغو أو مجرّد إصدار صوت أو إشارة معيّنة هذه الأفعال التي بإمكان الحيوان أيضا إصدارها لكنّ التواصل الحيواني لا يعدو إلاّ أن يكون مجرّد إيحاءات غريزية لا يمكن أن نقيس على غرارها التواصل الإنساني المرتبط دائما بالعقل  والتفكير  و الإبداع المتجدّد لأساليب و طرق التخاطب والتعامل بين الأشخاص، غير أن إيتيقا التواصل تستوجب شروطا يحدّدها يورغن هابرماس بالمعقولية والوجاهة والنزاهة والحقيقة وذلك لفتا للانتباه  لما يمكن أن توقعنا فيه اللغة من منزلقات منطقية أو إيتيقية
 تحيلنا هذه الأطروحة المشتغلة على دور اللغة في تحقيق التواصل على التنقيب أكثر في الأفق التواصلي الذي يمكن أن تشتغل ضمنه مؤسّسة اللغة  وذلك بتجاوز المستوى الأوّلي للعمل الباحث في فلك سؤال لماذا التواصل ؟ إلى معالجة سؤال أكثر إحراجا
 و هو سؤال مع من نتواصل ؟ هذا التساؤل الذي يمكن أن يحتمل أكثر من إمكانية شدّت الاشتغال الفلسفي كما اللساني منذ القديم
إذا ما اعتبر سارتر" أنّ الإنسان هو كائن الأبعاد" يمكن ربط مسألة التواصل اللغوي ببعض منها عسانا ندرك بعض الجوانب الخفية التي يمكن أن تطال هذه المسألة  مثل البعد الذاتي والبعد الغيري والبعد الوجودي الذي هو دائما حسب التصوّر الهيدقاري للمسألة "وجود ـ في ـ العالم" فبأي معنى  تكون اللغة أداة تواصل مع الذات ؟
   عودا على بدء، لا يمكن أن يتجاهل تاريخ الفلسفة النداء السقراطي المنقوش على جدران معبد" دولف" بأثينا " يا أيّها الإنسان اعرف نفسك بنفسك" ذلك أنّ العقل الأثيني قد كان متفطنا منذ البدء إلى وجود ما يمكن تسميته بالبعد الواعي في الذات الإنسانية هذا البعد سواء كان نفسا أو عقلا هو المسؤول عن سلوكات وتوجّهات الكائن لذلك وجب الإصغاء له و اتّباع تعاليمه هربا من سلطة الأهواء وجموح الرغبة  و تلك هي الرسالة الحقيقية لفعل التفلسف الذي يجب أن يبدأ بالحوار الذي يمكن أن ينطلق من محاورة الذات لذاتها كما شاء لأفلاطون تسمية ذلك  وهذا الحوار لا يمكن إلاّ أن يفرز ضربا من ضروب تواصل النفس مع ذاتها عبر منظومة الفكر واللغة اللذان سيعتبرهما بنفينيست فيما بعد شيئا واحدا نظرا لتوافق مقولاتهما غير أن تواصل النفس مع ذاتها لا يمكن أن يقصي تواصل الذات مع الغير باعتبار " أنّ الإنسان ليس جزيرة منعزلة " كما عبّر الشاعر الأنقليزي جون دون و هذا الإقرار ليس بغريب ضمن الأدبيات الفلسفية التي تسعى دائما إلى التفكير في البعد الاجتماعي للوجود الإنساني هذا البعد الذي تجسّد اللغة أبرز وجه فيه الشيء الذي دفع بـجورج ڤيزدورف إلى الإقرار التالي׃" أنا أتكلّم لأنّي لست وحيدا" فاللغة هنا هي أعجوبة الوجود الإنساني
 و أرقى ما توصّل إليه العقل البشري من ذكاء وظّف لكسر منطق العزلة ذلك الغول الذي نعته الروائي الفرنسي فيكتور هيـڤـو  بأقذع النعوت حين اعترف بأنّ " الجحيم كلّه في كلمة العزلة…".
إنّ العزلة إذا كانت قدرا وجوديا لا يمكن أن تكون انعزالا كلّيا عن كلّ ما يحمله الوجود من ثراء وخصوبة  ومعنى إذا كان على "الدازاين" (الموجود ـ هنا ـ والآن) هيدقيريا على الأقلّ محكوما عليه بتجربة "الوجود ـ فيـ العالم" فإنّ ذلك سيدعوه إلى خوض تجربة التواصل مع هذا العالم فكان الشعر و النثر والمقدّسات وضروب أشكال التعبير الجمالي بوّابة عبور بين الحامل والمحمول التي لن تكون مدركة إلاّ على شاكلة خوض تجربة الرمز التي بها ربّما أدرك سندبادنا الوجودي ـ عفوا ـ (الإنسان) سرّ الحوت الضخم الذي غشته التربة والأشجار بعد أن اعتقد منذ البدء أنّه جزيرة عائمة… لهذا السبب ربّما أعلن هيدقير أنّ هذه الجزيرة إن لم تكن حوتا أسطوريا عملاقا فستكون اللغة لا ريب حيث يقول في "ماهية الشعر": " هناك فحسب حيث توجد لغة يوجد عالم، أعني هذه الدائرة المتغيّرة من التصميم والمغامرة، من الفعل والمسؤولية".
  إذا اعتبر هيدقير أنّ اللغة مغامرة فإنّ هذه المغامرة قد لا تكون مضمونة النتائج دائما نظرا لما قد يحفّ بتجربة التواصل اللغوي من بعض الغموض والالتباس الشيء الذي من شأنه أن يحوّل غائية اللغة من تحقيق للتواصل إلى إقصاء له، والإقصاء لغة يعني المنع و إعدام الفعل أو الشيء و نفيه أو إلغائه وإقصاء التواصل يعني تحويله إلى رفض للآخر أو الترصّد به أو مغالطته والتمويه عليه… فمتى تكون اللغة كذلك ؟
لئن كانت اللغة و لا تزال أداة التواصل الأوّلية بين البشر نظرا لما تتّسم  به من بعد كوني فإنّ تعدّد الألسن يمكن أن يكون عائقا في فهم المختلف ثقافيا، كما أنّ التعثّرات الكلامية و التلعثمات التي تصاحب زلاّت اللسان بالمدلول اللساني أو بالمعنى التحليلي النفسي قد تقصي هي الأخرى غائية التواصل، هذا بالإضافة إلى وجود ما يُسمّى في علم اللسانيات بالصواتم المتشابهة   والكلمات ذوات المعنى الواحد  أو الكلمات ذوات الكتابة المشتركة والمعاني المختلفة مثل كلمة "عين" في  اللسان العربي التي تعني "عضو الإبصار" كما تعني "النبع الجاري" كما تعني "الجاسوس"، فبغضّ النظر عمّا يمكن أن تثيره مثل هذه المسائل من تداخلات معجمية أو منطقية أو لسانية متعلّقة مثلا بالبحث عن طبيعة العلاقة بين الدوال والمدلولات من جهة الضرورة أو الاعتباط  و استتباعات  ذلك على علاقة الكلمات بالأشياء وعلاقة الحقيقة بالمعنى وما قد يؤدّي ذلك من تأزّم لدرجات الفهم، يمكن اعتبار أنّ جلّ هذه المسائل من شأنها أن تقصي التواصل الذي قد يصطدم بمعضلة سوء التأويل أو إفقاد الكلام تماسكه الداخلي أو بنيته المنطقية الواضحة
 يمكن أن يدفعنا هذا الإشكال إلى مجابهة قضية التأويل الذي يعني "إخراج اللفظ من الدلالة المجازية إلى الدلالة الحقيقية" كما عرّفه ابن رشد في "فصل المقال ما بين الحكمة والشريعة من اتّصال" غير أنّ طلب الحقيقة قد يكون صعب المنال في غالب الأحيان  حيث يقول ابن الهيثم: " الحقّ مطلوب لذاته وكلّ مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده، و وجود الحقّ صعب، و الطريق إليه وعر، والحقائق منغمسة في الشبهات…"
إنّ كلّ عملية تأويل هي قراءة  ممكنة ولكن ما من ضامن أنّها هي القراءة الحقيقية التي يقصدها الخطاب  لذلك قد يتعطّل التواصل إذا ما تضاربت التأويلات أو تصارعت على حدّ عبارة بول ريكور الذي يعتبر أنّ " الرمز ليس شفّافا " بل إنّ قراءته تظلّ دائما منفتحة نحو الإمكان الأفضل ونقد القراءات القديمة قصد تجاوزها أو استبدالها أو تعديلها برصد مؤشّرات أو معاني أقرب للحقيقة لذلك  اعتبر أرسطو" أنّ اللغة لباس للعقل" فإذا  كان اللباس فضفاضا غاب المعنى و إذا كان اللباس ضيّقا حصل الالتباس.
 إنّ واقع الإنسان اليوم، في زمن العولمة، ما ينفكّ يستثمر التباس اللغة و يتفنّن في صناعة الوهم  و نمذجة  الأغاليط فالمتأمّل في عالم الإشهار مثلا يمكن أن يستنتج بشيء من الفطنة أنّ هذا الفنّ هو خير دليل على أنّ السفسطائيين لا يزالون يعيشون معنا حيث تقول الباحثة الألمانية "حنّا آرنت " أنّ الإشهار اليوم قادر على إقناع الجماهير بأنّ المرأة التي لا تستعمل نوعا معيّنا من الصابون يمكن أن تظلّ بثرة وعانسا طيلة حياتها، ذلك أنّ لغة الإشهار هي خطاب يستعمل التوظيف الإيديولوجي للعلم و يستثمر آخر اكتشافات علم النفس قصد التأثير والإقناع و ما يصح ّعلى علوم الإشهار يصحّ أيضا على المجال السياسي غير أنّ أعمال ميشال فوكو في هذا الشأن تؤكّد حقيقة واحدة هي أنّه " ليس باستطاعتنا أن نقول كلّ شيء…"
  إنّ مجابهة موضوع شائك من قبيل: هل تحقّق اللغة التواصل أم تقصيه؟ من شأنه أن يشي برهانات قد لا يتفطّن الوعي البسيط إنّ لم نقل الساذج  لها نظرا لأنّ "ما هو مباشر أكثر هو آخر شيء يمكن أن نفكّر فيه" والكلام للفيلسوف إيدموند  أورتيق ـ مرتبط بكشف الطابع المزدوج للغة، فهي من جهة  بوّابة عبور بين الإنسان و ذاته وبين الإنسان وغيره وبين الإنسان وعالمه  فتكون بذلك أسطورة ابتدعها هذا الحيوان الرامز حاكت بإحكام شبكة الوجود الرمزي كما بيّن ذلك كاسيرر على الأقلّ من خلال فلسفة الأشكال الرمزية، و من جهة أخرى  يمكن أن يكون سحر اللغة سببا لنسج الوهم والإيهام، عندها ينقلب السحر على الساحر، ليقع الإنسان في أحبلة  بلاغته و بيانه و بديعه  خصوصا إذا ما زاوج بين إقناع اللغة وتأثير الصورة في حضارة الرقم والمشهد، زمن "السماوات المفتوحة "و"العقل المغتال" كما يقال، غير أنّ مثل هذه المنزلقات الاستراتيجية والإيتيقية للفعل التواصلي بالإمكان تجاوزها بتوفّر حسّ نقدي ووعي عميق بما يمكن أن يحاصر العقل من تهجين واغتراب زمن "اللا نظام العالمي الجديد " والعبارة لتودوروڥ، غير أنّ الرهان في التفكير الفلسفي هو دائما " ليس بلوغ الهدف بل ما يعترض الفيلسوف في الطريق" كما يقول هاڥيلوك إيليس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق