إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

السبت، 30 مارس، 2013

فلسفة الأخلاق

                       فلسفة الأخلاق بين تأصيل الخير و تحصيل السّعادة.
بقلم الأستاذ: محمّد كريم النيفر
(متحصّل على جائزة يوم العلم الجهوي بولاية القيروان لأستاذية الفلسفة لسنة 1999)
وضعية استكشافية׃
مفهوم الأخلاق׃ المقصود بالأخلاق معرفة الفضائل وكيفية اكتسابها لتزكو بها النفس، و معرفة الرذائل لتتنّزه عنها. وعلم الأخلاق هو النظر في أحكام القيم و في المبادئ الأخلاقية، بينما تتعلّق الأخلاق بالأفعال الصادرة عن الإنسان محمودة كانت أو مذمومة. و لقد تكوّن علم الأخلاق منذ العصر اليوناني القديم… ولمعرفة ما يجب على الإنسان فعله لبلوغ السعادة تحدّث الفلاسفة عن طبيعة الوجدان والضمير والواجب والخير والعدل… و بنوا جميع المفاهيم الخلقية التي تصوّروها على الأسس المستمدّة من مبادئهم الفلسفية العامة. و الأخلاق النسبية هي مجموع قواعد السلوك الخاصّة بمجتمع معيّن في زمان معيّن، والتي تختلف من مجتمع إلى آخر. أمّا الأخلاق المطلقة فهي مجموع قواعد السلوك الثابتة التي تصلح لكلّ زمان و مكان. والأخلاقي هو المنسوب إلى الأخلاق و إلى قواعد 
السلوك المقرّرة في زمن معيّن. أمّا اللاأخلاقي فيطلق على السلوك المناقض للأخلاقو أخيرا فقد فرّق الفلاسفة بين الأمر الأخلاقي والأمر الذي هو في معزل عن الأخلاق كسلوك الحيوان الذي هو سلوك  محايد لا يوصف بأنّه أخلاقي أو لا أخلاقي
" معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية"
جلال الدين سعيد ـ دار الجنوب للنشر. ص: 23
قيل عن الأخلاق׃
ديدرو׃ "لا وجود لعلم أكثر بداهة وبساطة من علم الأخلاق في نظر الإنسان الجاهل، و لا وجود لعلم أكثر منه غموضا وتعقّدا في نظر الإنسان العالم"
كانط׃ " أمران يملآن النفس  إعجابا وإجلالا متجدّدين ومتطوّرين على الدّوام طالما ارتبط بهما التأمّل׃ السّماء المرصّعة بالنجوم من فوقي، والقانون الأخلاقي من داخلي"    (قولة مكتوبة على قبر كانط)
مفهوم الخير׃ الخير عموما هو أن يجد كلّ شيء كمالاته اللائقة، بينما الشرّ هو فقدان ذلك ومفهوم الخير هو الأساس الذي تبني عليه مفاهيم الأخلاق كلّها، لأنّه المقياس الذي نحكم به على قيمة أفعالنا في الماضي و الحاضر و المستقبل. والخير المطلق هو الذي يكون مرغوبا فيه من قبل كلّ إنسان، بينما الخير النسبي هو الذي يكون خيرا عند بعضهم و شرّا عند بعضهم الأخر وينقسم الخير، في نظر كانط، إلى خير طبيعي محسوس وخير خلقي معقول والخير الخلقي هو الخير الأعظم و الأسمى، و المقصود بالخير الأعظم أو الاسمي عند معظم الفلاسفة هو الوجود الذي ليس لذاته حدّ و لا لكماله نهاية، لأنّه خير لذاته وبذاته، ولا ينفصل الخير الأسمى عند بعض الفلاسفة (الأبيقوريون منهم والرواقيون مثلا) عن الفضيلة والحكمة والسعادة والغبطة.
"معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية"
جلال الدين سعيد ـ دار الجنوب للنشر. ص:187
مفهوم السّعادة׃
الشّعور بالرضا التامّ وغياب ما يعكّر صفو النفس واعتدالها على أنّ من الفلاسفة من يقول إنّها في اللامبالاة بالدّهر وتقلّباته، ومنهم من يرى إنّها في الحرّية والإبداع، ومنهم من يقول إنّها في إشباع الحاجات الأوّلية.
"معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية"
 لطفي العربي. ص: 72 ـ دار شوقي للنشر.
- I  دواعي طرح مسألة الأخلاق:
 لماذا الأخلاق اليوم ؟ بطرحنا السّؤال " لماذا الأخلاق اليوم" نلامس عمق مسألة الإنسان في علاقته بالعالم و بالإنسان لا فقط من جهة الفعل بل من جهة الانفعال أيضا نظرا لأنّ المجال العملي و القيمي هو المحدّد الفعلي لهذه العلاقات و هو أيضا محكّ تواجد الذات المفكّرة داخل البنية المجتمعيّة للكائن. إذا ما سلّمنا منذ البدء بمبدأ المدنية و بضرورة المعايشة و المعاشرة وما تستلزمانه من مؤازرة و تـﺂلف، رافعين بذلك الشعار الكونتي «العيش ﻷجل الآخر» لكن إلى أيّ حدّ تصحّ هذه المعادلة ؟ هل أنّ "الأنا" يمكن أن يعيش لأجل الآخر دون أن يقصي "أناه" أو يضحّي بسعادته قصد إسعاد الآخرين، دون أن يقزّم من شعاع حرّيته و من إشعاع حضوره في العالم كذات تروم السّيادة فلا تطال منها إلاّ ما ينتهي من مستطاعها و ما هو مبتدأ لحرّية الآخر؟ ألا يستحيل "الجحيم هو الآخرون" كما علّمنا "سارتر" في مسرحية " الأبواب الموصدة " ، هذا المفكّر الذي أدرك مع بقيّة الوجوديين أنّ حدود الحرّية التي يستوجبها "تحاضرنا" مع الآخر في نفس العالم و مقاسمته مكاننا وزماننا هي سبب استحالة هاجس السّعادة و سبب تفشّي طــاعون  القلق الذي يزيده تجذّرا و تشعّبا في دوّامة الكينونة، قدر هذا "الدازاين" أو إن استلهمنا العبارة الهيدﭭارية «الموجود ـ هناك» بأنّه قدر مأساوي، لا لشيء إلاّ لأنّه كائن ملقى به في هذا العالم و لأنّه أيضا "كائن لأجل الموت." غير أنّ الحديث عن قلق الكائن و غرقه في مستنقع الزمنيّة هو وجه من وجوه الإفلات و حياد عن حيثيات المساءلة الفلسفية لموضوع الأخلاق نظرا لأنّ الأخلاق هي فنّ الحياة و فنّ التأسيس لوجود أجمل إذا لم تنظر إليها من منظار وجودي بل من منظور الواجب. هذا الهاجس الرئيسي الذي لأجله تفلسف الفلاسفة و لأجله قام علم بأسره هو علم "اﻷكسيولوجيا" أو علم القيم التي هي دراسة مركزيّة لأهمّ المؤسّسات المعياريّة التي كانت محور الوجود البشري و مركز التواجد الذي يقوم أساسا على فهم علاقة الإنسان بالإنسان ورصد "ممكنيّات" الفعل اللازم لتأكيد التوازن الاجتماعي و لتحقيق إنسانية الإنسان لأنّه هو الكائن الوحيد الذي أعطى و يعطي كونيّة ممكنة لأسئلة الواجب و الضمير و الخير و السّعادة و هي أمثلة كلّها نابعة من مبدأ رئيسي هو الفعل. لذلك يقول "ﭭوته" في مسرحية "فاوست" :" في البدء كان الفعل"
 ما السرّ في  فلسفة الفعل لتكون مبحثا قديما قدم الفلسفة و متجدّدا باستمرار في الآن ذاته متابعا لرحلة الوعي البشري عبر حلقات تاريخه المرعبة ؟ مـا الداعي للطرح المتجدّد للمسألة الخلقية عبر أحقاب الفكر؟ هل أنّ الطرح القديم قد أعلن عجزه عن فهم المسألة الخلقية لذلك يكون تجدّد زعم الفلاسفة لإشفاء غليل التساؤل بشأن المسألة هو أساس تجدّد الأنساق الأخلاقية ؟ هل أنّ ذلك يعود إلى أنّ الأخلاق هي مسألة عصر و حضارة تتجدّد دائما وفق تجدّد المعطيات الاجتماعية و الثقافية هل تنبع الأخلاق من الأديان؟ من عالم مفارقي ؟ من حدس باطن متأصّل في طبيعة الإنسان ؟ هل يمكن أن يكــون المجتمع هو منبع الواجب و هو هدفه الأخير ؟  هل إنّ المسألة الخلقية هي مسألة ذاتية قائمة على التشريع الحرّ الرامي إلى تأسيس وعي شمولي، و إلى تصدير مثال الإرادة الذاتية ليكون نموذجا كونيّا ؟ هل أنّ المهمّ في علم الأخلاق هو الأصل أم الغاية ؟ أم اللاغاية ؟ هل أنّ الحضارة المعاصرة بما تتّسم به من عولمة وقدسيّة للعلم تظلّ دائما مدينة للمذاهب الخلقية و توّاقة لتأسيس خطاب قادر على استنقاذ الإنسان من دوّامة النجاعة  اسنتقاذا لسؤال السّعادة من الاغتراب خلف قضبان المادّة والمردودية ؟ ما الداعي لربط إشكالية الخير بالسعادة ؟ و إذا كان مفهوم السّعادة مفهوما نسبيّا، هل يعني ذلك اليأس من السّعادة أم اليأس من الأخلاق التي قد يكون ربطها بهذا المفهوم  قتل فعلي لعلاقة الأخلاق بالواجب باعتباره الغاية الأسمي للفعل الأخلاقي ؟ نظرا لأنّ الواجب الأخلاقي الحقيقي هو نابع من القانون الأخلاقي الذي يحدّد قيمته الإنسانية  و يجعل منه غائية بدون غاية و فعل لذاته و ليس لغيره في حين أنّ مطلب السّعادة قد يخرج الفعل الأخلاقي من "القطعية" اللامقيّدة بلذّة أو نفع مادّي أو معنوي إلى "الشرطية" أي من الحيادية القيميّة للفعل الأخلاقي إلى الانزلاق البراغماتي  الذي بتوفّره يتأزّم المطلب الأخلاقي بتحوّله من الفعل التواصلي إلى الفعل الاستراتيجي  على حدّ عبارة يورغن هابرماس
  - 1 - مفهوم الأخلاق׃
 يتنزّل مبحث الأخلاق ضمن سياق أكسيولوجي (قيمي) لذلك نتحدّث عن قيم أخلاقية تصف السلوك البشري وتحدّد ضمن نظرة معيارية مبادئ وغايات الفعل الإنساني ومدى إيجابيّته أو سلبيته استنادا للأفق الاجتماعي أو المرجعية الثقافية التي ينتمي إليها الفرد، لذلك يمكن تعريف الأخلاق باعتبارها مجموعة السّلوكات التي قد تعكس ما هو مسموح به وما تنبذه الجماعة وتقصيه نظرا لمنافاته للنواميس الاجتماعية  وفي هذا السياق يقول "فرانسوا شاتليه"׃ " تخضع كلّ المجتمعات الأخلاقية لمجموع، شبه منتظم، من القواعد التي تحدّد الخطّ المستقيم و المنحني، المسموح و الممنوع…" و تعتبر " الإيـتـيقا" أو "فلسفة الأخلاق" فرعا متجذّرا من فروع الفلسفة منذ القدم نظرا لأنّ هاجس الفلسفة ليس فقط التنظير الميتافيزيقي بل التأسيس لممكنية وجود أجمل و لتعايش يعطي قيمة للحياة الإنسانية  استبدالا لمنطق حبّ البقاء بهاجس حسن البقاء لذلك يعتبر ديكارت الفلسفة بمثابة الشجرة " التي جذورها الميتافيزيقا و أصلها الفيزيقا (علوم الطبيعة) و فروعها بقيّة العلوم الأخرى من طبّ و أخلاق وميكانيكا"
- 2 -  مفهوم  الخير׃
 الخير لغة هو نقيض الشرّ وهو حصول الشيء على كمالاته… أمّا فلسفيا هو تصوّر معياري للفعل الإيجابي و للتأسيس للأفضل لذلك يعرفه "أندريه لالاند" في موسوعته الفلسفية بما يلي׃ " الخير كلّ ما يكون موضوع إرضاء أو استحسان في أيّ مستوى من مستويات الغايات׃ مكتمل في نوعه، مؤات ، ناجح أو ناجع، مفيد لأي غاية، فالخير هو المفردة التقريضية (المدحية) الشمولية في الأحكام التقويمية …  و ما يكون مفيدا لغاية معيّنة، لكائن ما… و الخير الأسمي هو، في الفلسفة اليونانية، الخير بامتياز والوحيد الذي يكون حسنا بذاته، والذي لا تكون المحاسن الأخرى سوى وسائل بالنسبة إليه، كما أنّه هدف كلّ فعالية في العالم كما يذهب إلى ذلك أرسطو… أمّا في الفلسفة الحديثة، فيقال الخير الأسمي على ما يرضي الإنسان بكلّيته سواء من جهة العقل أم من جهة الإحساس و الفعالية… و بالنسبة للأفعال المنجزة׃ الخير هو ما تمّ استحسانه، و بالنسبة للأفعال المقبلة׃ الخير هو ما يتعيّن وما يجب فعله لذلك يقول "جون لاشولييه"׃ " إنّ فكرة الخير الأخلاقي لا يمكن فصلها عن فكرة الواجب"
-3 -  مفهوم السّعادة׃
السّعادة لغة هي نقيض الحزن والشّقاء والنحس كما تفيد معنى البهجة والفرح والحظ المؤاتي أمّا فلسفيا فهي حالة من الغبطة والرضا والطمأنينة التى تعيشها النفس وتكون عادة مرتبطة بالوجود الذي يعيشه الإنسان والظروف الذاتية أو الموضوعية التي تصف وضعا بشريّا معيّنا وقد تعبّر عن مرحلة حياتية معيّنة كأن نقول فلان قد قضى طفولة سعيدة أو يمكن أن ينال مستقبلا سعيدا وقد تنتمي السّعادة إلي الوجود الحسّي المباشر فتكون مرتبطة باللّذة أو النفع أو النجاعة أو إلى الوجود النظري أو ربّما انتمى إلى مجال الحلم و التوق إلى واقع أفضل أو إلى تعويض نقص معيّن لذلك فيمكن اعتبارها هاجسا أو مطلبا يشدّ رحال الجميع لذلك يقول القديس أوغسطين ׃ " كلّ الناس يتمنون السعادة ويبحثون عنها بجديّة، إنّهم يبحثون عن أشياء أخرى أيضا و لكن دائما من أجل الوصول إلى السّعادة" و يقول باسكال׃ " إنّ السّعادة هي الباعث على كلّ أعمال الناس حتّى أولئك الذين يصل بهم الأمر إلى الانتحار"… غير أنّ هذا المفهوم و إنّ كان مطلبا كونيّا غير أنّه مؤسّس على الاختلاف في تصوّر السعادة التي يربطها البعض بالمتع الحسّية أو بالتأمّل أو بوجود مفارق أو بالمجد والثروة أو في الزهد واللامبالاة لذلك تعتبر نظرة ذاتية للوجود ورؤية للعالم موسومة دائما بمنطلق نسبي…
 II- الأسس الفلسفية لتحصيل السّعادة:
  يقول " لويس بواس": بقي لفظ الأساس، منذ زمن بعيد، يشير إلى الدعامة المجرّدة والقاعدة النظرية لدرجة أنّه أصبح الآن من باب المجازفة أن نمنحه دفعة واحدة محتوى عينيّا و مع أنّ التمييز بين الأسس و المبادئ يبقى ضروريا في نظرنا إلاّ أنّه ليس تمييزا واضح المعالم إنّي أسمِّي أسسا المبادئ الخاصّة التي يقوم عليها مبحث من المباحث الجزئية ثمّ إنّ كلاّ من الأسس و المبادئ إنّما هي مجرّدة و نظرية و منطقية". أمّا في الأدبيات الفلسفية فيفهم الأساس على أنّه ما يقام عليه الشيء و ما يبنى فوقه صرح النظرية. و يفهم البعض الأساس على أنّه مجاز تسلّل إلى الفلسفة من علم الهندسة المعمارية نظرا لأنّه في هذا المجال يجسّد الأرضية الصّلبة التي يشيد فوقها البناء. إذ يؤّول الأساس دائما على أنّه المبدأ و المنطلق و المرجعيّة الأولويّة لكلّ مجال و لأيّ مبحث.
*ـ اللذّة و السّعادة׃
-1- في تأكيد اللذّة (+):
يعتقد البعض أنّ السّعادة الحقيقيّة التي ينشدها الإنسان هي سعادة اللذّات التي يجب عليه تحقيقها وطلبها دون خجل أو حياء لأنّ ذلك أمر طبيعي  وما تدخّل الأديان و الأنساق الأخلاقية للحدّ منه أو لمنعه أو تحريمه إلاّ مجرّد تعبيرات ثقافية لا يمكن أن تكون حاجزا حقيقيّا أمام صوت ما هو طبيعي و غريزي باعتباره بعدا مؤسّسا للذات الإنسانية وهذا الموقف هو موقف قديم في المجال الفلسفي حيث نجده خاصّة مع الفيلسوف الإغريقي" أريستبيوس" الذي يعتبر أنّ اللذّة هي الخير الأوحد بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليعتبر أنّ اللذّة هي المقصد الأوحد للحياة  لذلك انصبّ تفكيره على تأكيد اللذّة الحسّية والجسديّة كمنفذ حقيقي لتحصيل السّعادة وفق تصوّر فلسفي مؤكّدا على ضرورة حسن استثمار راهنيّة اللحظة وعدم التفكير في الماضي المولّي أو في المستقبل الذي لم يحن بعد…
-2- في تنسيب اللذة (+-):
إنّ هذا الموقف هو موقف المدرسة الأبيقورية  التي تؤكّد على ضرورة اللذّات في حياة الإنسان  الذي ينشد اللذّة بدافع غريزي، لذلك كان توجّه أبيقور هو ضرورة توفير المتع واللذّات للحصول على ما يُسمّيه أبيقور بـالأتراكسيا وهي درجة من الطمأنينة والسعادة التي تبلغها النفس لتتمكّن من التفكير السليم والارتقاء إلى عالم الحقيقة فاللذّة حسب أبيقور هي׃" السّعادة (…) وهي منطلق ونهاية كلّ حياة سعيدة لأنّها مبدأ الحياة نفسها"  لذلك أسّس أبيقور ما يُسمّى بالحدائق الأبيقورية التي تُعرف بالمزج بين حياة اللذّة والمعرفة حيث كان روّاد هذه المدرسة عراة  وكانت العلاقات الجنسيّة بين أفرادها... مباحة بالإضافة إلى توفّر المتع الحسّية الأخرى مثل الخمور والأطعمة غير أنّ الإضافة الأبيقورية بالنسبة لموقف أريستبيوس هو ضرورة التعديل في اللذّات نظرا لأنّ الإفراط في اللذّة يؤدّي للألم  ولذلك يجب دمج اللذّة بفضيلة الفطنة وتفضيل اللذّات التي تدوم  مثل الصداقة وحبّ الجمال  والحكمة على اللذّات التي لا تدوم.
-3- في دحض اللذّة (-):
على عكس الأبيقورية  قامت المدرسة الرواقية على ضرورة الزهد في المتع  وعلى مقولة " سياسة الذات للملذّات" فالسّعادة عند الرواقيين تكمن في "ضبط النفس" و " الاكتفاء بالذات" و" الحكمة" لأنّ الإفراط في اللذّة هو كسر لمنطق الطبيعة الشيء الذي يجعل تصوّرهم للسّعادة يتّخذ طريق الخلوِّ من الرغبة والاكتفاء بالقليل من الأكل إلى حدِّ الكفاف مقابل العناية أكثر بحياة التأمّل و الحكمة لذلك قضى " ديوجان اللايارسي" حياته داخل برميل، و لمّا أراد الحاكم احتواءه ملتمسا  منه أن يطلب أيّ شيء  و أن يتمنّى أي أمنية ليحقّقها له قال له " تنحّى عني كي أرى الشمس" والجدير بالذكر أنّ الفلسفة الرواقية كانت ملهمة لمدارس التصوّف الإسلامي فيما بعد.
* الخير و السعادة
1 ـ  أفلاطون و الأساس المثالي للأخلاقية:
  يعتبر أفلاطون أب الفلسفة لأنّه من المؤسّسين الأوائل لميتافيزيقا العالم من خلال منظوره المثالي الذي يحاول رصد زيف المادّة و وهم الحسّ و المحسوس و ضآلة مجال الشهوة و الغريزة مقابل العالم العلوي منشأ العالم و مهد الحقيقة الأبدية الذي يشبّهه في أكثر من مناسبة بوهج الشمس و نورها الخالد. و لأنّ تاريخ الفلسفة من بعده لم يكن إلاّ مستلهما من الأفلاطونية إمّا عن طريق معاودتها بطرق أخرى أو بنقدها قصد الإفلات من مأزق الميتافيزيقا مؤسّسا أجناسا أخرى من ميتافيزيقا هجينة (ليست من سلالة أصيلة، بل من جينات فكرية أخرى) لذلك يقول "هيدﭭار" إنّ  " تاريخ الفلسفة الغربية من أفلاطون حتّى نيتشه لا يعدو إلاّ أن يكون تاريخا للميتافيزيقا"يفهم التوجّه الميتافيزيقي لأفلاطون من خلال نظرية المثل التي هي بمثابة توق لعالم الحقيقة من قبل الفيلسوف غير أنّ مثال المثل لديه هو مثال الخير الأسمى الذي هو أصل جميع الخيرات في العالم السفلي و لأجله يجب احتقار الجسد و حقن شهواته قصد التطّهر و بلوغ الفضيلة التي هي نسخة مشوّهة لمثال الفضيلة الكلّية كما هي في العالم العلوي الذي هو عالم الآلهة و الحقائق الخالدة. لتقريب صورة هذا العالم المثالي الذي يحتلّ مثال الخير مرتبة السيادة فيه يورد لنا أفلاطون في الكتاب السابع من محاورة "الجمهورية" أمثولة رمزية تساعد على فهم العلاقة بين العالم السفلي الزائف و المخادع و العالم العلوي الأزلي و الحقيقي و هي "أمثولة الكهف" حيث يصوّر لنا مجموعة من السّجناء وضعوا منذ طفولتهم داخل كهف أرضي و قيّدت أعناقهم لدرجة تجعلهم لا ينظرون إلاّ لجدار الكهف و ليس لفتحته و كان هؤلاء السّجناء يسمعون أصوات و يرون خيالات و ظلالا على الجدار و يعتقدون أنّ هذه الظلال هي الحقيقة الكلّية و النّهائية للعالم غير أنّه ثمّة سجين سيتحرّر من القيود و يصعد إلى العالم الحقيقي حيث سيرى أناسا حقيقيين و سيبهر بضوء نور الشمس ليكتشف بذلك أنّ العالم الذي اعتقد أنّه حقيقي منذ طفولته ليس إلاّ انعكاسا خياليا و مشوّها للعالم الحقيقي  و بذلك سيعود إلى أسفل الكهف قصد تحرير بقيّة السّجناء من ربقة الجهل و الوهمإنّ هذه الأمثولة هي تعبير رمزي عن عالم الوهم الذي نعيش فيه وهي تعبير أيضا عن سجن الروح في قبر الجسد الذي يظلّها ويحاول الحدّ من أخلاقياتها و ما السجين المتحرّر من الأوهام إلاّ رمزا للفيلسوف الذي يتوق دائما إلى عالم الفضيلة والحقيقة وذلك بالخروج من قبر الجسد وبالتسامي الروحي عن طريق المعرفة وممارسة الفضيلة والزهد في الحياة الزائفة، وبذلك يمكن أن نفهم مدلولات التعريف الأفلاطوني للفلسفة بما هي تدرّب على الموت أي باعتبارها إعدادا للروح عن طريق التفكير والفضيلة لملاقاة عالم الحقيقة ومثال الخير.
2 ـ أرسطو والتأسيس لأخلاق السّعادة:
لقد تشبّع أرسطو بالفكر الأفلاطوني نظرا لأنّه تتلمذ على يد مؤسّس نظرية المثل، لكنّه في فلسفته الأخلاقية قد خرج عن طوع أستاذه وذلك بنقد واحدية مثال الخير أوّلا، ثمّ بمحاولة رفض مفارقة مثال الخير وتعاليه على عالم الواقع والأشياء محاولا إعطاء توجّها جديدا وتأسيسا آخر لفلسفة الأخلاق قائما على نظرية السعادة. فلو أخذنا المأخذ الأوّل الذي ينطلق منه أرسطو في دحض نظرية أستاذه المثالية القائلة بواحدية مثال الخير نجد أنّه يبرّر ذلك باستحالة إرجاع جميع الخيرات الموجودة في العالم إلى أصل واحد موجود في عالم المثل؛ فالخير حسب أرسطو يجب أن يفهم من خلال مماثلته للوجود الذي هو متكثّر ومتعدّد الأجناس والأنواع لذلـــك «يقال الوجود على أنحاء شتّى» (الجوهر، الكيف، الزمان، المكان، الإضافة، الفعل، الانفعال) ولذلك لا يمكن وجود مثال واحد للخير يستوفي جميع مجالاته؛ فالخير من جهة الجوهر هو الإله ومن جهة الكيف هو جملة الفضائل الأخلاقية ومن جهة الكمّ هو مساو للاعتدال بين الإفراط والتفريط؛ فالشجاعة مثلا هي الاعتدال بين الجبن والتهوّر والاعتدال أيضا يفهم من خلال رجوع كلّ خير نطبّق عليه مبدأ الاعتدال إلى مجال خاص، فالاعتدال في الأكل يرجع إلى علم الطبّ والاعتدال في السّلوك يرجع إلى علم الأخلاق والاعتدال في الجهد يرجع إلى علم الرياضة، كذلك يلاحظ أرسطو أنّه لو أرجعنا الخير الموجود في العالم إلى منبع واحد هو مثال الخير كما ذهب أفلاطون فإنّنا يمكن أن نقع في تناقض نظرا لوجود أنماط عدّة للخير مثل الرّوية والشرف واللذّة التي تختلف من حيث الطبيعة وبالتالي لا يمكننا إرجاعها إلى وحدة المبدأ.
أمّا الوجه الثاني من النقد الذي يوجّهه أرسطو للأفلاطونية هو مفارقة مثال الخير للواقع وعدم تماهيه معه وحضوره فيه ومحايثته له حيث يتساءل في الكتاب الأوّل من "الأخلاق إلى نيقوماخوس" وهو من أهمّ كتب أرسطو التي تضمّنت مبادئ نظريته الأخلاقية " بماذا سينتفع الحائك أو النجّار في صناعته إذا علم بمثال الخير في ذاته أو كيف سيكون الطبيب طبيبا ماهرا إذا ما تأمّل فكرة الخير في ذاتها". لقد حاول أرسطو من خلال هذا النقد تغيير وجهة الفلسفة الأخلاقية من الوجهة المثالية المتعالية إلى وجهة أخرى ليصبح فهم الخير مرتبطا بغاية يطمح لها كلّ إنسان حسب منظوره الخاصّ، ذلك لأنّ فلسفة أرسطو قائمة في أهمّ نقاطها البارزة على رصد قوانين الميل التي تحكم الطبيعة، فالأجسام الخفيفة تصعد إلى أعلى نظرا لميلها إلى أصلها السماوي و الأجسام الثقيلة تسقط إلى أسفل نظرا لأنّ طبيعتها تميل إلى أصلها الأرضي و على ضوء هذا يحاول أرسطو تصنيف نوعية السعادة التي ترومها كلّ فئة من الناس، فالعامّة يميلون لحياة اللذّة والمتع المادّية لذلك تنحصر سعادتهم في تحقيق الشهوات الجسدية وكسب الثروة أمّا رجل السياسة فتكمن سعادته في التشريف وفي الحفاظ على مصالحه السياسية أمّا الحكيم فتكمن سعادته في التأمّل وطلب الحقيقة والاعتكاف على الكتابة والتفلسف. فجميع السعادات فانية وزائلة  باستثناء حياة الفضيلة والـتأمّل غير أنّه يقّسم الفضائل إلى أنواع فهناك فضائل تتطلّب شروطا لتحقّقها مثل العدل الذي يستوجب حضور طرفين متنازعين أو فضيلة الكرم التي تستوجب وجود مال نتكرّم به ووجود أشخاص نتكرّم عليهم في حين أنّ الفضيلة الأجدر بالسّعادة هي فضيلة التأمّل التي يمارسها الإنسان في معزل عن الآخرين وفي أي زمن يشاء .هذا و تجدر الملاحظة أنّ نظرية أخلاق السّعادة حسب أرسطو لا يمكن فهمها إلاّ بربطها بالعديد من المفاهيم الهامّة في فلسفته الأخلاقية مثل الاعتدال والفضيلة والطبيعة وحتّى ما بعد الطبيعة نظرا لأنّ فلسفته النسقيّة تحاول دمج الطبيعي بالسياسي و دمج السياسي بالأخلاقي ودمج الأخلاقي بالميتافيزيقي. كما تجدر الإشارة إلى أنّ السّعادة الحقيقية التي ينشدها أرسطو هي سعادة فردية في عزلة عن الغير، الشيء الذي يمكن أن يبرّر لنا إمكانية نقد هذا التوجّه في تحصيل السّعادة الذي يفصل السّعادة المادية عن السعادة المعنوية أوّلا ويفصل بين الفضيلة كأداة لإمكانية إسعاد الآخرين  والفضيلة كأداة لإسعاد الذات المنعزلة عن المجتمع وذلك ما سيلاقي العديد من الانتقادات فيما بعد من طرف الفلسفة النفعية والفلسفة الكانطية.
* المنفعة والسعادة:
ازدهر التيّار النفعي في أنقلترا منذ بدايات الثورة الصّناعية التي أسهمت في بروز العديد من النظريات الاقتصادية المدّعمة  للتوجّه الرأسمالي ولإمكانات تنميّة الثروة و الربح دفاعا على مصالح الرأسمالية الصاعدة  لذلك كانت جلّ الكتابات النفعيّة مرتبطة بمبدأ المصلحة والربح  والبراغماتية التي تنادي بضرورة الدفاع عن "مجتمع الرّفاه" الذي هو شعار من شعارات هذا التوجّه والذي يعني أنّ الازدهار الاقتصادي إذا ما أسّس على ثوابت نظرية قوّية من شأنه أن يكون سببا في سعادة الجميع لذلك سعى هذا التيّار إلى ربط جميع ما يتعلّق بالوجود الإنساني  تقريبا بالمنطلق الاقتصادي الذي يعتبرونه هو العنصر الأكثر جدارة بالاهتمام  لأنّه هو العنصر الفاعل في التاريخ  والمحدّد لمدى تقدّم الشعوب وتفوّقها. لذلك لا غرابة أن نتحدّث في هذا السياق عن أخلاق نفعية يدغم فيها السلوك الإنساني بالمصلحة التي يروم تحقيقها الفرد من خلاله و بحجم الربح الذي قد يعود عليه إذا ما قام به  وينقسم التيّار النفعي إلى نافذتين أساسيتين׃ الأولى  تضع المنفعة الفرديّة في صدارة اهتماماتها والثانية تضع المنفعة الجماعية و الداعي للمصلحة العليا للمجتمع والدولة غاية الفعل الأخلاقي و هدف النماء الاقتصادي.
البراغماتية الفردانية:
يعتبر هذا التوجّه من النظريات  النفعية المتطرّفة التي تجعل من المصلحة الذاتية هدف وغاية الفعل الإنساني ، مقرّا أولويّة للأنا على حساب الآخرين ويعتبر المفكّر الأمريكي "وليام دجايمس" من مؤسّسي هذا التوجّه حيث يعتبر أنّ الأنانيّة شعور طبيعي لا يمكن نكرانه أو تزييفه بأيّ قناع أخلاقي أو ديني "فليس ثمّة شخص يستطيع الاهتمام بأنا جاره على قدر اهتمامه بالأنا الخاصّة به ، فأنا جاري تكون مع بقيّة العالم كتلة غريبة تقف قبالتها الأنا الخاصّة بي على نحو بارز للعيان. فحتّى الدودة المحشورة في الأرض عند الأقدام، (…) تقابل بين أناها المعذّبة وبقيّة الكون، رغم أنّه لا يوجد لديها تصوّر واضح عن نفسها  ولا عمّا يمكن أن يكون الكون…" هذا و يمكن الإشارة إلى أنّ مبادئ هذا التيّار وجدت صداها في العديد من مجالات العلوم الإنسانية وخاصّة الأمريكية منها حيث نجد مثلا أنّ عالم الاجتماع "سپريتشارد" قد استلهم من نظرية دجايمس نظريته التقاطعية التي يمكن اختزالها كالآتي׃" أنا ضدّ أخي  ولكن في زمن الضائقات أنا وأخي ضدّ الجار  ولكن إذا ما تعرضّت أنا وأخي والجار إلى خطر خارجي فأتحوّل أنا و أخي والجار ضدّ العالم …".
البراغماتية الجماعية:
تاريخيّا  ظهر هذا التيّار في إنقلترا قبل ظهور التيّار  الفرداني الأمريكي بقليل، وتقوم معالم هذا التوجّه على ضرورة جعل المصلحة الجماعية للمجتمع والدولة رمزا و هدفا لأيّ سلوك نقوم به فلا يمكن الحديث عن فضيلة أو خير دون أن نضع في الاعتبار " المصلحة المشتركة"  و" السعادة الجماعية" على أعلى هرم القيم التي نطلبها و نتوق إليها .إنّ تغليب السعادة الجماعية على السعادة الفردية هو أساس الفعل الأخلاقي لدى بعض روّاد هذه المدرسة مثل "جون ستيوارت ميل" الذي يعتبر أنّ مطلب السعادة هو مطلب كوني  غير أنّ هناك من "يستطيع أن يحيا دون سعادة " أي هناك من يتنازل عن سعادته لأجل شيء آخر يعتبره دافعا قويّا لهذا التنازل غير أنّه يقوم بمقارنة بين من يفعل ذلك لأجل غاية فردية أو قضيّة شخصية  ويعطي في ذلك الزهّاد والمتصوّفين مثل" سيميون العمودي" الأنطاكي في القرن 5 م الذي ظلّ مقيما لعدّة سنوات على رأس عمود من الأعمدة المتهدّمة بهدف التقرّب إلى الإله، وبين من يفرط في سعادته أو حياته لأجل وطنه أو من يكرّس حياته لأجل البحث العلمي مثلا. فالمثال الأوّل ضحّى بسعادته لأجل غاية ذاتية و سعادة وهميّة أمّا المثال الثاني فإنّه رام مصلحة الجميع و وضع  سعادة الكلّ فوق سعادته الخاصّة.
3 ـ في نقد أخلاق السعادة׃ أو من أخلاق السّعادة إلى أخلاق الواجب (ﺇيمانوئيل كانط)
يُعتبر كانط فيلسوف النقد في تاريخ الفلسفة نظرا لأنّ نسقه الفلسفي برمّته قد انصبّ على دراسة الحدود التي من الممكن للعقل إدراكها في مجال المعرفة وفي مجال الفعل وفي المجال الجمالي، لذلك نقرﺃ له المقدّمةIII  من كتاب "المنطق" ما يلي:
" يردّ مجال الفلسفة (…) إلى الأسئلة التالية:
1) ماذا يمكنني أن أعرف ؟
2) ماذا يجب عليّ أن أفعل ؟
3) ما الذي يجوز لي أن آمل ؟
4) ما اﻹنسان ؟
عن السّؤال الأوّل تجيب الميتافيزيقا، وعن الثاني تجيب الأخلاق، وعن الثالث يجيب الدين، وعن الرابع تجيب الأنثروبولوجيا" نفهم من خلال هذه الأسئلة أنّ بداية المشروع الكانطي النقدي هو بداية معرفيّة لذلك خصّص كانط كتابه "نقد العقل الخالص" للإجابة عن هذا السّؤال محاولا ملاحقة ماذا يمكن للعقل معرفته و تحديد ما الذي لا يمكن للعقل معرفته ليتوصّل أنّ حدود العقل معرفيا لا تتعدّى المطابقة بين ما هو حسّي تجريبي مع مقولات الذهن. أمّا الأسئلة الميتافيزيقية مثل مسألة "وجود الله" و "خلود النفس" و "الحرّية" فهي المجالات التي لا يستطيع العقل إليها نفاذا لذلك يمكن للعقل أن يقع في تناقضات إذا ما رام الولوج إلى مثل هذه الموضوعات فيمكن لشخص أن يثبت وجود الله و يمكن لشخص آخر أن يثبت عدم وجوده نظرا لاستحالة استناد العقل في هذه الأمثلة على مطابقة تجريبية مع هذه الأفكار الميتافيزيقية. لذلك سيحلّ كانط هذه التناقضات بردّ هذه الأسئلة إلى مجال الأخلاق مخرجا إيّاها من مجال المعرفة و ذلك قصد إتمام مشروعه الفلسفي القائم على إمكانية تأسيس الميتافيزيقا كعلم. نظرا لأنّ الإنسان حسب كانط هو "حيوان ميتافيزيقي" أي أنّه ميال بطبعه إلى الميتافيزيقا.
لقد خصّص كانط كتابي "نقد العقل العملي" و "أسّس ميتافيزيقا الأخلاق" للإجابة عن السّؤال الثاني في مشروعه النقدي "ماذا يجب عليَّ أن أفعل ؟" حيث قد حاول تجاوز الإرث الفلسفي الأرسطي و ما بعد الأرسطي في مجال التنظير الأخلاقي متجاوزا بذلك نظريات أخلاق السعادة و مؤسّسا أخلاق جديدة مؤمنة بالإنسان و مبنيّة على أساس الواجب الذي يعرّفه في الصفحة 2 من "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" بأنّه «ضرورة أداء الفعل احتراما للقانون» غير أنّ القانون هنا هو ليس القانون المدني كما تحدّث عنه فلاسفة السياسة و إنّما هو قانون جديد يشرّعه العقل و تمليه الإرادة الخيّرة المشرّعة ذاتيا والملتزمة بمبدأ الحرّية الفردية.
 تقوم الأخلاق الكانطية على التمييز بين ثلاثة أصناف للأوامر الأخلاقية و هي: "الأمر الشرطي"    و "الأمر القطعي" و "الأمر المطلق".
الأمر الشرطي هو أداء الفعل الأخلاقي ابتغاء لغاية كامنة وراءه كأن نقول مثلا: "إذا أردت أن يحترمك الناس فلا تكذب" أو "إذا أردت أن لا تدخل السّجن فلا تسرق" أو "لا تغشّ لكي تكسب ثقة حرفائك" كلّ هذه الأصناف من الأوامر يرفضها كانط و يقول أنّها لا تتّصف بالأخلاقية و لا يمكن أن تكون مؤسّسة لفعل الخير نظرا لأنّ الأخلاق الحقيقية هي التي يكون الأمر فيها قطعيّا أي غير مرتهن بأيّ ربح أو بأيّ خوف مثل القول "لا تسرق لأنّ السرقة ليست حسنة" أو "قل الصدق" فالأمر القطعي هو الذي يجعل من الأخلاق تكون غاية ذاتها و ليس غاية مصلحة شخصية. غير أنّ الأمر القطعي عند كانط مرتهن بالأوامر المطلقة التي هي بمثابة القانون العام الذي يكو ن قادرا على إنتاج الأخلاق العليا و الذي يكون أيضا مصدرا للأخلاق الذاتية لتكون مشروعا إنسانيا كلّيا.
  يرصد لنا كانط ثلاث صيغ للقانون الأخلاقي يصوغها كما يلي:
أوّلا: " اعمل دائما بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من قاعدة فعلك قانونا كلّيا عاما للطبيعة"
 ثانيا:" اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك و في أشخاص الآخرين كغاية لا كمجرّد  و وسيلة".
 ثالثا: " اعمل بحيث تكون إرادتك  ـ باعتبارك كائنا ناطقا ـ هي الإرادة المشرّعة الكلّية"
 ترمي هذه القوانين الثلاثة التي سنّها كانط إلى ضرورة العود إلى الذات في تشريع الأخلاق و إلى ضرورة احترام الإنسان و ذلك بجعل الإرادة الخيّرة صوتا لجميع الإرادات الإنسانية و نموذجا لعالمية الأخلاق و لكونية القانون الأخلاقي. لذلك يمكن الاستشهاد بالقولة الشهيرة لكانط في ص173 من نقد العقل العلمي، و التي كتبت على قبره فيما بعد " " أمران يملآن النفس  إعجابا وإجلالا متجدّدين ومتطوّرين على الدّوام طالما ارتبط بهما التأمّل׃ السّماء المرصّعة بالنجوم من فوقي، و القانون الأخلاقي من داخلي"
طريق النجاح: نجدّد الشكر للأستاذ: محمّد كريم النيفر

هناك تعليق واحد:

  1. الرجاء نشر بقية الدراسة المرسلة مع الشكر لفريق المدونة الأستاذ محمد كريم النيفر

    ردحذف