إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

السبت، 30 مارس، 2013

مسألة الفنّ

                 * الفن: بين كونية الجمال و نسبيّة الحقيقة *
 بقلم الأستاذ: محمد كريم النيفر
  (متحصّل على جائزة يوم العلم الجهوي بولاية القيروان لأستاذية الفلسفة لسنة 1999)
وضعية استكشافية:1
وضعية استكشافية: 2
لوحة" دوام الذاكرة" أو "الزمن المصهور" لسالفادور دالي


وضعية استكشافية:3
التجربة الجمالية  لـفيرناندو بوتيرو ( رسام كولومبي معاصر ولد سنة: 1932 )


عيّنات من أعماله:   موناليزا بوتيرو

"فيرناندو بوتيرو" من مواليد عام 1932 كولومبيا ، توفّي أبوه وعمره 4 سنوات، تتضمّن أعماله طبيعة صامتة و مناظر طبيعية، وتتميّز لوحاته ومنحوتاته بالتّضخيم والبدانة وأجسامه مستديرة شديدة الامتلاء. كما رسم رموز القوّة والسلطة في كلّ مكان، مثل الرؤساء والجنود والكهنة، وهناك ضمن أعماله لمسات مرح خاصّة سواء في محاكاة لوحات شهيرة مثل لوحة "الموناليزا البدينة" أو في تصوير رموز السلطة.. رسم سنة 2005  ما يناهز على 180 لوحة حول سجن أبو غريب ومشاهد الابتذال والتعذيب والإنسان المفقود الكرامة...
قراءة جمالية في أعماله:
- تصنّف أعماله ضمن التيّار التجريدي.
- أبرز الجماليين اشتغلوا حول فكّ شفرة الجسد البدين ضمن لوحاته برغم اعترافه الشخصي بأنّه لا يرسم أجسادا بدينة
-  يمكن تأويل هذا التوجّه بأنّه لا يعكس الواقع بقدر ما يتوجّه له بالنقد عن طريق أسلوب المبالغة والإفراط  في تصوير شخصيات المجتمع البورجوازي المترف على حساب بؤس الطبقات الفقيرة والجائعة...
-  إنّ الأحجام الكبيرة التي يستعملها هي العصا السّحرية التي يُحوّل من خلالها الحياة والعالم إلى واقع عائم غير واقعي..  وفق أسلوب يكاد يكون شبيها برسوم الكاريكاتور... إنّ الأحجام الكبيرة التي يستعملها تتحوّل ببساطة إلى أشكال بالونية خفيفة تكاد تطير.. سعى من خلالها الرسّام الى كسر الثوابت الجمالية تفقد الجسد العاري إثارته المألوفة في الأعمال الفنيّة.
-  و يقول الكاتب الإيطالي الشهير "ألبرتو مورافيا": أنّه رأى في أجسام بوتيرو الممتلئة و أرجلها الثقيلة عوامل نفسية و ليس نواح جمالية فقط .. إنّها تعكس حساًّ مظلماً وألماً و معاناة في هذا العالم المنتفخ.. وفي الوقت نفسه تعكس شللاً وخدراً وفقداناً لحسّ الألم.. إنّ الثورات التي حدثت في أمريكا اللاتينية وإعلان الحرب على الفقر وعدم المساواة وعلى الديكتاتورية و العنف.. كلّ ذلك تمّ ترويضه و تحويله في لوحات وعالم "بوتيرو"  إلى موت وهدوء.. إنّه الكابوس.. إنّ الحياة الآن هادئة ومسالمة.. لكنّها مشلولة و ناعسة.. و قد ترّهلت الأجسام وانتفخت.. و أصبحت راضية لطيفة.. وهذا القلق والانزعاج هو السبب و الأصل في رؤية بوتيرو للعالم ..
-  يهتمّ "بوتيرو" بتحويل أو تشويه الواقع كأسلوب لتحويل الواقع إلى فنّ. وهو يقول إنّ التشويه في الفنّ له تاريخه الطويل.. ومثلاً فإنّ "جيوتو" و"رفائيل" و"لوڤراكو" و"بيكاسو" كلّهم شوّهوا الواقع والأشياء ليصنعوا شيئاً آخر منه .و بالنسبة لجيوتو فقد ركّز على مرونة الشكل وحوافّه ممّا أعطى انطباعاً بوجود البعد الثالث في الشكل المسطّح. أمّا "روبينز" فقد استعمل بدوره حساسية الكتل اللحميّة ليقدّم روعة الإيمان في لوحاته .. وبشكل مخالف تماماً لصوفية " لوڤراكو" الذي اعتمد على تطويل الأجسام وثنيها باتّجاه الأعلى كأنّها تسعى إلى السماء وقد عبّر بذلك عن نزعته الدينية الإسبانية. و أمّا بالنسبة "لألبرتو جياكوميتي "في القرن العشرين فقد عبّرت أشكاله النحيلة الدقيقة عن فلسفته الوجودية بشكل واضح.
وضعية استكشافية: 4
الفنّ        =     الحقيقة:
أرسطو׃ " الفنّ يحاكي الطبيعة"
هيقل׃ " لا يعدو أن يكون الاختلاف بين الفنّ والدين والفلسفة إلا في الصورة أمّا الموضوع فهو واحد"
آلان׃ " كلّ الفنون بمثابة مرايا يتعرّف الإنسان من خلالها على شيء ما يجهله من نفسه"
هربارت ماركوز: " يتحدّى  الفنّ الواقع بخلق عالم خيالي يكون مع ذلك أكثر واقعيّة من الواقع ذاته"
الفنّ          الحقيقة:
بروست׃"عوضا أن نرى عالما وحدا، عالمنا هذا، فإنّنا، بفضل الفنّ، نرى هذا العام يتكاثر، وبقدر عدد الفنانين المبدعين يكون عدد العوالم التي ندركها"
هيقل׃ "بصفة عامّة، يجب قول أنّ الفنّ عندما يقتصر على المحاكاة لا يستطيع منافسة الطبيعة وأنّه يشبه دودة تجهد نفسها في تقليد فيل"
كانط׃ " العبقرية مناقضة تماما لروح المحاكاة"
كلود برنارد׃ " الفنّ أنا والعلم نحن"
أندريه مالرو׃ " الفنّانون الكبار ليسوا مُدوّني العالم و إنّما هم منافسوه"
پـول كلي׃ " لا يعيد الفنّ إنتاج المرئي، بل يجعل اللامرئي مرئيا"
نيتشه׃ " لنا الفنّ لكي لا تُميتنا الحقيقة"
مدخل إشكالي:
ما الداعي لطرح مسألة الفنّ ؟ هل أنّ تعقيدات الواقع وتوتّراته ما يبرّر استدعاء التجربة الجمالية كأداة لمساءلة الملتبس و المبهم ؟ و إذا كان الفنّ أداة تعبير شأنه شأن اللغة والأسطورة والمقدّسات، هل يُعدّ استدعاءه استكمالا للرّحلة التواصلية وللتجربة الرّمزية الإنسانية، إذا لم يختلف إثنان مع المنظور الكاسيراري المنحاز لاستكشاف البعد الرمزي للوجود الإنساني الذي يعرف هذا الكائن مجازيا بأنّه" حيوان رامز" ؟ أم هل أنّ توق الإنسان للأفق الجمالي قد نتج عن عجز بقيّة الأنظمة التواصلية في التعبير عمّا أراد و يريد التعبير عنه منذ القديم ؟ هل جسّد الفنّ منذ نشأته أداة تعبير عن الواقع أم أداة استبدال له أو مهرب منه إذا ما توسّل مفردات الخيال و إذا رام دائما دروب المستحيل وعوالم لا مستقرّ لها، "على قلق كأنّ الريح تحتها تحركّها يمينا وشمالا" ؟ هل يُدنينا الفنّ من الواقع ومن الحقيقة أم يقصينا عنهما ؟ عن أيّة حقيقة يبحث الفنّ ؟ لماذا الربط بين الجمال والحقيقة ؟ هل أنّ كلّ جميل هو حقيقي ؟ وهل أنّ كلّ حقيقي جميل بالضرورة ؟ ألا يمكن للقبح أن يكون الوجه الآخر للحقيقة ؟ هل أنّ إبداع الجمال هو مجرّد حيلة للعقل لتجميل قبح وبشاعة الواقع عملا بالمقولة النيتشية "لنا الفنّ لكي لا تُميتنا الحقيقة" ؟ هل يطلب الجمال لذاته أم لأجل غاية نفعية ؟ ما السرّ في التجربة الإبداعية لتكون تجربة متفرّدة وخارقة للمألوف و العادي؟ على أي نحو يمكن التفكير في التجربة الفنيّة و أيّة وجاهة تبرّر مقاربتها من جهة العلاقة بين الجمال والحقيقة ؟ وهل تستوفي المقاربة الإستيطيقية كلّ أبعاد هذه التجربة ؟ ألا يدعونا تنزيل البعد الجمالي ضمن كونية التجربة الإنسانية إلى التفكير في الجمال على نحو إيتيقي؟ أيّة علاقة ممكنة بين الجمال والحقيقة ؟ هل يعبّر الفنّ عن حقيقة أم عن حقائق يتداخل ضمنها الذاتي بالاجتماعي بالسياسي بالإيتيقي بالوجودي ؟ ما الذي نطلبه من الفنّ ؟ هل له دور ممكن ضمن الوجود الإنساني ؟ هل يمكن للفنّ أن يكون أداة اغتراب أم تحرّر؟ ما وضع التجربة الجمالية بين النسبي و المطلق ؟ هل يمكن الجمع بين الجمال والحقيقة في العمل الفنّي ؟ هل يمكن أن نختار بين الجمال والحقيقة ؟ وهل يتعارض مطلب الجمال مع مطلب الحقيقة ؟ أم أنّ في تلازمهما توق للكلّي وتحقيق له ولو بشكل نسبي؟
مفهوم الفنّ:
  تعود كلمة فنّ اشتقاقيّا إلى الأصول اليونانية واللاتينية Techné وars  التي اشتقّت منها مفردة   Art في اللسان الفرنسي واللتان تعنيان الصّنعة المحكمة والمهارة الحرفية والتقنية غير أنّ الجماليات المعاصرة أصبحت تحترز من هذا المفهوم الضيّق للفنّ باعتباره تقنية أو باعتباره صناعة حرفية  مميّزة من ناحية بين العمل التقني باعتباره عملا ممكنا و متكرّرا ولا يحمل لمسة الفنّان وأحاسيسه الذاتية  وبين العمل الفنّي باعتباره عمل متفرّد وممضى وغير قابل للتكرار أو النسخ أو الطباعة  «un modèle unique »، و لهذا السبب تصل أسعار اللوحات الحقيقية إلى مستويات فلكية في حين أنّ الرسومات المُستنسخة بقيت زهيدة الثمن، كما ميّزت الجماليات المعاصرة بين الفنّ والحرفة اليدوية التقليدية نظرا لأنّ الحرفي يعتمد آلية التكرار لنفس الحركات التي تلقّنها ليسقط عمله ضمن دائرة الرتابة الفاقدة للدلالة الحقيقيّة في حين أنّ الفنّان ما ينفكّ يبدع ويرتجل ويتحكّم في دائرة موضوعاته المبتكرة والمتفرّدة دائما والمتنوّعة باستمرار... لذلك قد لا نجد غريبا ما كتبه ابن منظور في لسان العرب حول كلمة فنّ التي عنى بها "واحد الفنون وهي الأنواع، والفنّ الحال... و رجل مفنّ: يأتي بالعجائب... و رجل معنّ مفنّ ذو عنن واعتراض... وافتنّ الرجل في كلامه وخصومته إذا توسّع   و تصرّف... كما تفيد الطرد... و العناء ... و الأفانين الأساليب". و إذا رجعنا إلى "الفارابي" أو "أبي حيّان" وجدنا الفنّ دالاّ على الصّناعة الإنسانيّة التي تضاف إلى الطّبيعة، فتكيّفها أو تستكملها و تعيد تشكيلها وفق ما يُمليه العقل و الشّعور و الحاجة لنفهم من هذا التعريف أنّ الفنّ هو ضرب من الثقافة التي تستهدف تحوير الطبيعة وتجميلها. أمّا في "المعجم التقني والنقدي للفلسفة" فنجد أنّ أندريه لالاند يعرف المصطلح باعتباره" كلّ إنتاج للجمال يتحقّق في أعمال كائن واع ". وهذا التعريف اللالاندي يخصّص التجربة الفنّية باعتبارها تجربة ذات صلة مباشرة بصناعة وإبداع الجمال طلبا لقيمة إنسانية كونية هي قيمة الجماليات أو الإستيطيقا  و هذا المصطلح الأخير مشتقّ من اليونانيّة aïsthesis  بمعنى الإحساس ليدلّ أوّلا على دراسة المعرفة الحسّية  لدى ( كانط ) و ثانيا على التّفكير في الجمال أي على ذلك العلم الذي يهتمّ بدراسة الإحساس بالجمال و الذّوق الفنّي و يسعى إلى إنشاء نظريّة في الجمال كما أشار إلى ذلك "هيقل" في مدخل كتابه في الجماليات. يبدو لنا أنّ تعريفاتنا السّابقة ساهمت في توضيح مفهوم الفنّ من حيث أنّه نشاط إنساني يضيفه الإنسان إلى الطّبيعة بهدف التّعبير عن الجمال أو إثارة الشّعور بالجمال أو إنشاء ما هو جميل.      و لكنّنا نلاحظ أنّ الفنّ يتنزّل أيضا في سياق تاريخي و اجتماعي و أنّه لا يتعلّق بذات متعالية بل بذات منخرطة في شروط وجودها الواقـعي الاقتصادي و السّياسي.    إذن، ضمن هذا السّياق المزدوج من علاقات الفنّ بالطّبيعة و بالواقع الاجتماعي يتّضح معنى حديثنا عن الفنّ بما هو رؤية للعالم: فهو منظور للطّبيعة و منظور للوجود الاجتماعي. و في إطار هذا الأفق ننزّل تحليلنا للتجربة الفنّية تأصيلا للجمال من ناحية و نشدانا للحقيقة من ناحية أخرى أي نشدانا للمعنى، فمعاناة... لكنّ سؤال الأسئلة يظلّ بامتياز: عن أيّة حقيقة يبحث الجمال إذا كانت حقيقة الجمال في حدّ ذاته غير مدركة وغير واضحة المعالم؟
الجمال والإستيطيقا:
ماذا يمكن أن يعني الجمال ؟ هل هناك معايير محدّدة وثابتة للجمال؟ لماذا نحكم على شيء ما أنّه جميل أو قبيح ؟ من أي منظور يمكن أن ندرك الأشياء الجميلة؟ فالجمال مفهوم معياري تحيل عليه الأحكام الجمالية وهو حكم يفيد الإيجابية ولا يكون خاضعا لمعايير ثابتة أو علمية أو أخلاقية فالجميل ليس بالضرورة الفاضل لذلك ينزل إيمانوئيل كانط الجمال ضمن مجال الإستيطيقا وهي علم الحساسية (كلّ ما يرتبط بالإحساس والذوق والتلقّي) حيث يكون الجميل كانطيا ما يولد إحساسا بالجمال، إنّ النسبية المحاصرة لهذا المفهوم تعود أحيانا لمعطيات  ذاتية تكون  متعلّقة بالذوق وبالحالة النفسية و برؤية الشخص الذي يصدر حكما جماليا كما قد تعود إلى معطيات تاريخية فلو أخذنا على سبيل المثال الموضة نجد أنّها تتغيّر من زمن إلى آخر وما قد يبدو جميلا اليوم يبدو مضحكا غدا، لذلك تعدّدت الرؤى الفلسفية في تأويل ظاهرة الجمال و ردّها إلى آليات ومعطيات مختلفة فنجد على سبيل المثال أنّ ديفد هيوم يربط الحكم الجمالي بالذوق وباللذّة أو الألم واللذان يتغيّران حسب الفئة العمرية فذوق الطفل يختلف عن ذوق المسنّ وما يمكن أن يكون مصدر لذّة لشخص قد لا يكون كذلك بالنسبة لشخص آخر حيث يقول "إنّ اللذّة والألم ليسا فقط المرافقين الضروريين للجمال والقبح بل هما ماهيتهما" غير أنّ هيوم يستدرك ليعلن أنّ ذلك لا يمكن أن يكون قاعدة مطلقة دائما حيث يؤكّد إمكانية الاتّفاق بشأن الأشياء الجميلة.  أمّا الجمال ضمن الجمالية الكانطية فنجد أن كانط   يستبعد في فهمه مثل هيوم وجود قاعدة ثابتة أو معيار حقيقي للجمال، كما أكّد انفصال اللذّة عن الجمال مؤكّدا البعد الكوني للأحكام الجمالية فكلّ حكم جمالي ينطوي على طموح الكونية حيث يقول: "إنّ الجميل، ما يعجب كونيّا دون مفهوم" والجمال عنده " إحساس جميل بالانشراح" لذلك يُميّز كانط بين المستحبّ والجميل  فالمستحبّ يرتبط دائما بلذّة حسّية في حين يتنصّل الجميل منها والجميل الكوني هو شعور ينتاب الإنسان إزاء الأشياء الجميلة يجعله يعتقد أنّ الأشياء الجميلة التي يراها يمكن أن تعجب جميع الناس لذلك يقول "الجميل هو الذي يعجب بطريقة كونيّة دون مفهوم..." كما تجدر الإشارة إلى أنّ الحكم الجمالي يكون مرتبطا عند كانط بثلاثة أشياء بين الموضوع من ناحية وبين الخيال من ناحية وبين الفهم من ناحية أخرى فاللوحة (موضوع الحكم الجمالى) مثلا تجعلنا نغوص في عالمها الخيالي قصد فهم معناها ثمّ نصدر حكما ذوقيّا جماليا بشأنها، فالتناغم الذي يحدثه العمل الفنّي بين الموضوع والفهم والخيال هو لأجل الفنّ وليس لغاية اللذّة والمنفعة لذلك دافع كانط في جمالياته عن نظرّية "الفنّ للفنّ". لئن فهم الجمال في علم الجمال الحديث على أساس أنّه حكم قيمة يصدره المتلقّي انطلاقا من رؤيته وفهمه وتذوّقه  لموضوع الجمال فإنّ هذا المفهوم كان منذ القدم محطّ جدل بين الفلاسفة كما نجده في الفلسفة الأفلاطونية متجاوزا لهذا الفهم ليتّخذ وضعية أنطولوجية داخل عالم أفلاطون المثالي الذي يميّز بين المادي والروحي والعقلي والذي انعكس بدوره على التفكير في نظرية تفاضلية للجمال يكون الجمال الحسّي فيها في أدني السلّم الوجودي للكائنات ثمّ يليه الجمال الروحي ثم يليهما الجمال العقلي أو" الجمال في حدّ ذاته" أو" الجمال كفكرة" مطلقة موجودة في عالم المثل على شاكلة "مثال للجمال" حيث بيّن في محاورة المأدبة إمكانية الارتقاء من الرغبة في الأجسام الجميلة إلى الرغبة في الأرواح الجميلة إلى تأمّل الجمال في ذاته ليتسنّى له بعد ذلك إمكانية المقابلة بين الإيروس (الرغبة) واللغوس (العقل) ليكون الجمال وفق هذا التصوّر المثالي مطابقا للحقيقة كلّما دنا أكثر من مثال الجمال ومزيّفا لها كلّما انحدر إلى العالم الحسّي الزائف والمشوّه فيميّز أفلاطون بذلك بين الأصل والنسخة ونسخة النسخة أو النسخة المشوّهة للجمال مستبعدا بذلك إمكان أن تقول المحاكاة (النسخ) في الفنّ الحقيقة المطلقة للجميل حيث يتحدّث عن فنّ الرسم باعتباره فنّا يبعدنا عن الحقيقة بثلاث درجات ويورد لنا مثال النجّار الذي يصنع نسخة مشوّهة عن فكرة  الطاولة في عالم المثل والرسّام الذي يحاكي طاولة النجّار برسم مثال مزيّف لها فلا يصيب منها إلاّ نسخة النسخة وربّما لهذا السبب يتّخذ أفلاطون موقفا سلبيا من الفنّ حيث أطرد الشعراء والرسّامين ومن دون رجعة من جمهوريته الفاضلة، توقّيا من شرّ الخداع ومن سلبيات المغالطات التي قد يوقعنا فيها هؤلاء  
الفنّ بين المحاكاة و الإبداع:
لئن فهمت المحاكاة عند أفلاطون كتشويه للحقيقة وكابتعاد عنها بثلاث درجات، فإنّ أرسطو كان قد اعتبر محاكاة الطبيعة ميزة الفنّان نظرا لأنّ ما يمتاز به الفنّانين عن الأشخاص العاديين هو قدرتهم على إجادة هذا الفنّ لأنه فنّ مهارة وحذق لأبجديّات الرّسم أو النحت أو غيرهما من الفنون حيث يقول في كتاب " فنّ الشعر": إنّ الصورة تسرّنا لا بوصفها محاكاة ولكن لإتقان صنعتها أو لألوانها أو ما شاكل ذلك" غير أنّ اعتراف أرسطو بفنّ المحاكاة لم يمنعه من تمييز الفنّانين بحسب طبيعة الموضوعات التي تحاكى حيث يرى أن "ذوو النفوس النبيلة حاكوا الأفعال النبيلة وأعمال الفضلاء،  و ذوو النفوس الخسيسة حاكوا أفعال الأدنياء". أمّا في جماليات هيقل فقد طرحت إشكالية المحاكاة من زاوية نظر أخرى لا تنقص بها المحاكاة مرتبة الفنّان  و لا يكون فيها العمل الفنّي مجانبا للحقيقة بل إنّ هيقل  يعتبر أنّ المحاكاة مهما تمّت بإتقان وحرفية ـ ويستشهد في هذا السياق بأعمال الرسام الإغريقي "زوكسيس" (ق: 5 ق.م) الذي رسم لوحة العنب بشكل فائق الإتقان لدرجة أنّ الحمام قد خدع باللوحة وكان يرتطم بها كلّما أراد أن يأكل من العنب الموهوم ـ غير أنّ هذا الفيلسوف يرى أنّ الفارق بين المحاكاة والطبيعة هو فارق جمالي بالأساس فالفنّان الذي يحاكي الواقع لا يضيف له شيئا كما أنّه لا يمكن أن يحاكي الجمال الطبيعي بإطلاق لذلك يقارن هيقل هذا الفنّان" بالدودة التي تجهد وتكدّ لتضاهي فيلا" لذلك يفضل هيقل منطق الإبداع على منطق الاتّباع نظرا لأنّ الإبداع هو إعادة تشكيل للرؤية لدى الفنّان فيه تحاول الروح المبدعة خوض تجربة تعبيريّة تخترق بها أفق الفكرة المطلقة وتتوق بها إلى عالم الكمال متحرّرة من العالم الحسّي إلى العالم المجرّد الذي هو العالم الذي ينشده الفنّان والذي يحكم منطق التاريخ الذي يجسّد تجربة الوعي الإنساني الذي يتوق دائما إلى التحرّر من المادي والطبيعي توقا إلى المجرّد والمطلق مبدعا الدين ثمّ الفنّ الذي مرّ بمراحل عدّة لعلّ أبرزها الفنّ الكلاسيكي والفنّ الرومنطيقي والفنّ الرمزي الذي جسّد انتصارا للفكرة على حساب المادّة وتحريرا للعقل والخيال على حساب الحسّي والغريزي، ثمّ الفلسفة باعتبارها انتصارا للتجريد على حساب المادّة وعن طريقها  أعلن  العقل المغترب داخل الطبيعة بداية اقترابه من بلوغ الفكرة المطلقة و نشدان الحقيقة المجرّدة التي هي غاية التاريخ الإنساني الذي سيكتمل ببلوغها وباستكمال رحلة تحريرها من تجربة الاغتراب الطويلة داخل العالم والتاريخ. لذلك يعتبر هيقل أنّ "الفنّ مثل الدين والفلسفة شكل من أشكال التعبير عن الإلهي وعن أسمى حاجات الفكر ومتطلّباته" (هيقل ـ مدخل إلى علم الجمال. ص:37. ط. فلاماريان)
 الفنّ والحقيقة:
أ ـ الفنّ و التأويل:
إذا لم يختلف مختلفان في أنّ لغة أي فنّ كان، لا يمكن أن لا تكون لغة رمزية، فالفنّ هو اختراق لعوالم الجمال والخيال والمجاز والصور بمختلف مجالاتها حيث نتحدّث عن صورة شعرية، إذا ما تعلّق الأمر بالشعر والأدب، و صورة تجسيديّة أو تشخيصيّة أو عن صورة رمزية أو متخيّلة إذا ما تعلّق الأمر بالرسم السريالي حيث يمكن أن نستدعي في هذا المجال مدوّنة الرسّام الإسباني "سالفادور دالي" أو أعمال "روني ماقريت" صاحب لوحة "هذا ليس غليونا؟" أو بالفنون التجريدية والتي من روّادها نذكر" كيندنسكي" أو "جون ميرو" صاحب الرسومات الغريبة ذات المفردات المبهمة بخطوطها المتقاطعة و عوالمها الرسومية الصدفويّة  أو بالتيّارات التكعيبية  مثل رسومات " بيكاسو" متعدّدة الوجوه، كما أنّ الحديث عن الصورة لا يمكن أن يتناسى الانفجار الرقمي لها و الذي حوّلها إلى فنّ وعلم إن لم نقل إلى ديانة جديدة و يمكن أن نستدعي في هذا السياق ما وصلت إليه سينما الرّعب أو أفلام الخيال العلمي التي يجسّد المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبارغ رمزا من رموزها  مبدع ومبتدع الصورة المتخيّلة لـ"إي.تي." ذلك الكائن القادم من الفضاء ذو الخلقة الدميمة التي تثير الشفقة  والأخلاق الخيّرة التي تثير الإعجاب..

Spielberg (Steven), E.T
E.T. (E.T., The Extra-Terrestrial, 1982) de Steven Spielberg
                                                                            
كما تجدر الإشارة إلى أنّ الرمزيّة في الفنّ تتجاوز المجال المكتوب أو المشهدي لتطال جميع الفنون تقريبا من نحت (مثل أعمال رودان التي نذكر منها منحوتة "المفكّر") ومسرح (مثل أعمال شكسبير أو المسرح الملحمي الإغريقي لسوفوكل) وعمارة (الفنّ العربي الإسلامي ـ أهرامات مصر الفرعونية ـ المعمار القوطي  و موسيقى ( سنفونية بحيرة البجع أو سنفونية الفصول الأربعة لفيفالدي مثلا )... ولأنّ الفنون بأسرها هي تجسيد وتأكيد للبعد الرمزي المطوّق للوجود الإنساني العالق في الشبكة السيميولوجية للرّمز كما علمنا ذلك فيلسوف الرمزية "أرنست كاسيرر" الذي أكّد أنّ علاقة الفكر بالواقع وبالغيريّة لا يمكن أن تكون حمّالة لمعنى تواصلي ممكن دون وساطة الرمز والعلامة والإشارة والحركة والشكل واللون والطقوس حيث يقول: "ما دام الإنسان قد خرج من العالم المادي الصرف فإنّه يعيش في عالم رمزي، وما اللغة والأسطورة والفنّ والدين إلاّ أجزاء من هذا العالم، فهذه هي الخيوط المتنوّعة التي تحاك منها الشبكة الرمزية..." (كاسيرر ـ مقال في الإنسان).
إذا كان الفنّ بوّابة مفتوحة على عالم الرمز، فإنّ ذلك لن يُقصينا من جدلية الدّوال والمدلولات هذا المبحث اللساني و السيميولوجي الذي يرجّح دائما كفّة الاعتباطي على كفّة الضروري في ربط العلاقة بين الأسماء والمسميّات دون أن نكون دائما على ثقة بإصابة هدف  تسمية الأشياء بأسمائها، نظرا لأنّ كلّ لغة تقال على الأشياء، إنّ هي إلاّ "بطاقات ملصقة عليها" كما علّمنا هنري برقسون في كتاب "الضحك" ولهذا السبب وحده سيجد في الحلّ الحدسي بين الفنّان والفكرة الجمالية أو بين الإبداع والتلقّي باعتباره علاقة مباشرة بين الوعي  و الموضوع دون توسّط مربك للغة، منفذا لولوج عالم بلا كلمات يقول فيه الفنّ شحنته الجمالية فيفهم الفنّان أو المتلقّي للفنّ ذلك عن طريق الإحساس المبهم بمقاصد العمل الفنّي ضمن آنية مباشرة يطلق عليها برقسون صفة الديمومة...
 ولعلّنا نصطدم أيضا بسحر الهيرمينونوطيقا (التأولية) وبآفاقها المفتوحة دائما صوب إشعاع المعنى ذلك لأنّ "الرمز ليس شفّافا" كما راق لـ بول ريكور فيلسوف التأويل وكاتب "صراع التأوّلات"، أن ينعته، ذلك لأنّ كلّ تعبير رامز لا يحتمل حقيقة واحدة بل معان عدّة، تجعل من التجربة التأويلية نصّا مفتوحا و رحلة لا تنتهي لأجل التنقيب عن الدلالة التي تروم إيجاد مصالحة ممكنة بين الكتابة والقراءة (إذا ما تعلّق الأمر بقراءة الإبداعات الفنّية) وبين القراءة والكتابة ( إذا ما تعلّق الأمر بالرؤية الفنّية للفنّان التي سيعبّر عنها بطريقته الخاصّة ) وبين الإبداع والتلقّي لتأسيس جمالية مفتوحة على الاختلاف والمعاودة (إعادة القراءة)، الشيء الذي يجعل العلاقة  جدّ شرعية بين الحقيقة والتأويل في الجمال والفنّ، فتكسّر الحقيقة قمقم الوحدة منصهرة في عالم الكثرة  وممتزجة معه" امتزاج قطرة نبيذ مع ماء اليمّ" إذا ما استعرنا الاستعارة الرواقية القديمة التي ترمز لتداخل عناصر الطبيعة فيما بينها، عل ذلك يوحي لنا بتفجير تأويلي للحقائق التي يمكن أن يحيل عليها الفنّ، وللمعاني المتمازجة به لحظة الإبداع ولحظة التلقّي... حيث يعلّق هانس قادامير استنطاقا لمعضلة المعنى في الفنّ  وحقنا لالتباسات الفهم الأحادي الجانب للحقيقة المتاخمة للتجربة الإبداعية فيقول: "عندما يتعلّق الأمر بالفنّ، لا معنى من أن نطلب من الفنّان ما أراد أن يقوله، و على القدر ذاته لا معنى من أن نطلب من متقبّل الأثر ما يقوله له الأثر على وجه التحديد، إنّ التجربتين تتعاليان عن الوعي الذاتي لهذا و لذاك..." (قادامير ـ الفلسفة التأويلية)، وكأنّنا به هنا  يريد أن يعلن أنّ أيّة حقيقة متعلّقة بالفنّ هي دائما متناصفة بين المبدع والمتقبّل لإبداعه. وهذا تقريبا موقف موريس ميرلوبونتي  في كتابه " المرئي واللامرئي" حيث سيبحث عن علاقة الرؤية الفنّية بالوجود الإنساني وعن علاقة الفنّ بالفنّان من ناحية وبالمتلقّي من ناحية أخرى، مفكّرا في جدلية الرائي والمرئي وهي تجربة مؤكّدة  لقيمة العلاقة البينذاتية في شحذ الرؤية الفينومينولوجية للعالم، إذ " هناك ـ حسب تعبيره ـ  حقيقة شهيق و زفير للوجود، هناك تنفّس في الوجود، هناك فعل و انفعال لا يمكن بالكاد تمييزهما بحيث لا نعود نعرف من الذي يرى و من الذي يُرى"
ب  ـ عن أيّة حقيقة ينبّئنا الفنّ ؟
يقول الرسّام الإسباني "بابلو بيكاسو": "إنّنا لنعرف جميعا أنّ الفنّ ليس هو الحقيقة و إنّما هو كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة أو على الأقلّ تلك الحقيقة التي كتب لنا أن نفهمها" إنّ هذا الاعتراف الذي يدلي به فنّان من شأنه أن يدعونا للتفكير في علاقة الخيالي بالواقعي و علاقة الجمال بالحقيقة، حيث أنّ المنحى اللاواقعي في الفنّ من شأنه أن يدفع البعض إلى الزهد في الحقيقة و اليأس من طلبها في حضرة الفنّ والجمال لذلك يمكن استحضار الجمالية الماركوزية لرفع اللبس بين اللاواقعي والحقيقي فالفنّ حسب هيربارت ماركوز:" لا واقعي لا لأنّه شيء أقلّ من الواقع القائم، بل لأنّه أكثر منه و     " مغاير" له أيضا من جهة النظر النوعية و بصفته عالما خياليا يحتوي من الحقيقة أكثر ممّا يحتوي عليه الواقع اليومي..." (ماركوز ـ البعد الجمالي) وهذا تقريبا ما عناه جون بول سارتر حين أكّد أن: "الواقع ليس أبدا جميلا فالجمال صفة لا يمكن أن تنطبق إلاّ على ما هو خيالي: عالم الجمال عالم خيالي والفنّان الموهوب هو ليس ذلك الذي يعطينا صورة وفيّة عن الواقع بل ذلك الذي يخلق "واقعا" مختلفا عن الواقع، الذي يستعمل عناصر من الواقع لتكوين أشكال جديدة... " فالتعبير الجمالي ليس بالضرورة" تمثّلات لأشياء جميلة، بل تمثّلات جميلة لأشياء" كما عبّر عن ذلك كانط، فبإمكان الفنّان أن ينطلق من موضوع وضيع وقبيح ليعبّر به عن حقائق عظيمة و حسبنا في هذا المجال "لوحة الحذاء" لفان ڤـو ڤ، فأيّة حقيقة يمكن أن يعبّر عنها حذاء بالي ورثّ وملطّخ قذارة ووحلا لأحد الفلاحين؟ إن لم تكن تعبيرا عن البؤس والشّقاء والاغتراب في العمل...
                   
  لوحة الحذاء: فانسون فانغوق
فإذا اعتبر الفنّ هيدقاريا "بدء تنفيذ الحقيقة"  (هيدقيرـ  أصل العمل الفنّي) فما هي الحقيقة التي يعلن عنها الفنّ ؟ وهل يقول حقيقة بعينها أم أن تعدّد القراءات على اختلافها للعمل الفنّي من شأنها أن تكشف عن منطق للكثرة مخترق للوحدة الظاهرة للحقيقة لذلك سنسعى إلى تتبّع فلسفة الفنّ عسانا نلامس شعاع حقيقة من خلف منظومة التعدّد والاختلاف...
هيقل: حقيقة الفنّ تكمن في توقه إلى الفكرة المطلقة:
 لدى هيقل لا فرق بين الجمال والحقيقة، نظرا لأنّ الجمال فكرة  وكذلك الحقيقة هي مطلب للعقل لذلك يسعى العقل عبر التاريخ إلى بلوغ الحقيقة التي يعبّر عنها هيقل بالفكرة المطلقة أو الروح المطلق لذلك يقول:" عندما نقول إنّ الجمال فكرة، نقصد بذلك أنّ الجمال و الحقيقة شيء واحد"
- لدى هذا الفيلسوف يعتبر الفنّ معبّرا يمرّ به العقل في رحلته عبر التاريخ شأنه في ذلك شأن الدوائر التاريخية الأخرى مثل  الدين والفلسفة  وذلك في إطار تعقّل الروح لذاته وتحرّره من الحسّي إلى المجرّد والعقلاني لذلك فإنّ تاريخيّة الفنون قد مرّت من الفنون المحسوسة كالنحت والعمارة إلى الفنون المجرّدة كالشعر والرسم التجريدي والموسيقى، فالفنّ حسب تصوّره كلّما كان مجرّدا إلاّ واقترب أكثر من طبيعة الفكرة المطلقة  التي من طبيعتها الإطلاقيّة والتجريد لذلك تكون الحقيقة  في تصوّره جوهر الفنّ موضوعا و غاية في حين أنّ جوهر الفنّ لديه هو الإستيطيقا أي الحسّ الجمالي لدى الإنسان لذلك يقول "يموت الفنّ وتولد الإستيطيقا" تعبيرا عن لا تناهي الحسّ الجمالي لدى الإنسان وعن إمكانية تلاشي الأعمال الفنّية الحسّية بمرور الزمن مثل المعالم المعمارية الفنّية  وإمكانية تجديدها أو تشييد ما هو أعظم منها لأنّ الروح الجمالي والإبداعي لدى الإنسان روح خالدة * أرنست كاسيرر: الفنّ وكلّ الشبكة الرمزية تعبير عن حقيقة الذات:
-  يقول أرنست كاسيرر في كتاب "مقال في الإنسان" ص347: ” الفنّ و التاريخ، أقوى أداتين تعينان على البحث في الطبيعة الإنسانية... ولكي نجد الإنسان لا بدّ من أن نذهب إلى الشعراء العظام، إلى الكتّاب التراجيديين أمثال شكسبير، و الكوميديين أمثال سيرفنتوس، و إلى القصّاصين المُحدثين أمثال بلزاك و فلوبير و دستويفسكي. ليس الشعر محض محاكاة للطبيعة. الشعر و التاريخ هما قانون معرفتنا الذاتية...“.
- الفنّ هو من بين الأشكال الرمزية كالدين و العلم و الفلسفة و الأسطورة التي ينشئ عبرها الإنسان المعنى و الدلالة لذاته ولعالمه.
 فرويد: حقيقة الفنّ تعبير عن لاوعي الإنسان: 
 ـ يقول في كتاب "التحليل النفسي و الفنّ" و في معرض حديثه عن ليوناردو دافنشي: "إنّ مجهودا لكتابة ترجمة حياة، إذا ما سعى حقّا إلى النفاذ إلى فهم الحياة النفسية لبطلها، لا ينبغي (...) أن يمرّ في صمت بالنشاط الجنسي أو الخواصّ (الأسرار) الجنسية للشخص موضوع البحث..."
ـ قام فرويد بدراسة مذكّرات و تاريخ حياة ليوناردو دافينشي  و بعض شهاداته و ذكرياته و خاصّة الحكاية التي رواها هذا الرسام بشأن النسر(نسر ليوناردو) الذي جاءه إلى المهد و فتح فمه بذيله و ضربه على شفتيه ليكتشف من خلالها و من خلال تأويل بعض الأعمال لهذا الفنّان أنّه تعرّض لحادث "جنسية مثلية l’homosexualité" في طفولته لذلك تبدو جلّ أعماله مثل لوحة "العذراء، الطفل يسوع و القديسة آنا" حاملة في طيّاتها لرمزية النسر كما وردت حزينة الألوان مثل لوحة  "الموناليزا" القاتمة ... و في ذلك مؤشّرات عدّة للولوج إلى الجانب اللاشعوري للفنّان.


لوحة "العذراء، الطفل يسوع، و القديسة آنا" ـ ليوناردو دافنشي.
انظر المنطقة المحاطة داخل اللوحة علّك تلحظ حضور شكل يشبه "نسر ليوناردو"
ـ تعتبر الأطروحة التحليلية النفسية  أنّ العمل الفنّي من شأنه أن يعبّر عن العقد النفسيّة المختزنة داخل "الهو" (le ça) " باعتباره الجزء المحدّد للجانب اللاواعي في الإنسان و حسبه يمكن أن نفهم شخصية الفرد و رغباته المكبوتة و صراعاته النفسية المتردّدة دائما بين مبدأ اللذّة و مبدأ الواقع
ـ  يمكن أن نستحضر في هذا المجال المقارنة التي قام بها سيقموند فرويد بين العصابي و الفنّان حيث أكّد أنّ الفرق بينهما أنّ الأوّل يقوم باستبدال واقعه بواقع خيالي يقيم فيه في حين أنّ الفنّان يخترق عالم الخيال و الجنون بحثا عن توازن مفقود ثمّ سرعان ما يعود لواقعه الأصلي...
 الماركسيّة: الحقيقة في الفنّ كشف عن الواقع و تفعيل لحركة التاريخ:

ـ الفنّ في الجماليات الماركسيّة ليس منعزلا عن حركة التاريخ لذلك فهو وثيق الارتباط بأشكال التطوّر الاجتماعي عبر العصور و يعكس طبيعة الوعي الاجتماعي الذي هو بنية فوقية تنبثق عن البنية التحتيّة و الأرضيّة الماديّة للمجتمع التي تحدّد أنماط  وسائل و علاقات الإنتاج القائمة أساسا على الاستغلال الطبقي و صعود طبقة على جماجم طبقة أخرى لذلك يعتبر التصوّر الماركسي للفنّ أنّ لكلّ مجتمع فنونه  و لكلّ طبقة فنونها التي تعبّر عن واقعها و مصالحها لذلك أكّد ماركس على الطابع الواقعي للفنّ رافضا بذلك الفنّ الرومنطيقي و فنّ الطبقات البورجوازية (مثل الأوبيرا، أو موسيقى الصالونات، أو فنّ الرسم التشخيصي لشخصيّات هذه الطبقة...) و ناعتا إيّاهما بالرجعية و الانحطاط  مؤكّدا على قيمة الفنّ الملتزم و النضالي الذي يحاول توعية الجماهير ببؤسهم قصد تحفيز الثورة الاجتماعية و تحقيق العدالة المفقودة

ـ في هذا الاتّجاه يذهب المفكّر الماركسي ليون تلستوي في كتابه "ما هو الفنّ ؟" إلى الدفاع عن مبدأ دمقرطة الفنّ مناديا بضرورة المصالحة بين الفنّان والمتذوّق للفنّ مستبعدا بذلك موسيقى الأوبيرا المعاصرة بتعلّة أنّها لا تفهم من قبل عامة الناس لذلك لا تكمن الحقيقة في التجريد أو في الفنّ البورجوازي بل في الفنّ البسيط و الشعبي و الواضح مستبدلا منطق التعقيد بمنطق السهولة  حيث يعتبر أنّ أغنية شعبية في ريف ما يمكن أن تكون أعظم وقعا من سنفونيات موزار أو مسرحيات شكسبير الفلسفية.
 هيربارت ماركوز: الحقيقة في الفنّ مناصفة بين الذاتي و الموضوعي:
ـ ردّا على الماركسيّة من ناحية التي تحصر الفنّ في بعده التاريخي و التسييسي و النضالي والمادي مهمّشة الفنّ الرومنطيقي و البورجوازي و على الفرويدية التي تضيق من رقعة الحقيقة الفنّية بفهم أحادي الجانب لا يهتمّ إلاّ بالبعد الإيروسي و الشبقي و الغريزي يعتبر هيربارت ماركوز أحد روّاد مدرسة فرانكفورت أو كما يروق للبعض تسميتها بالمدرسة الفرويدو ـ ماركسية l’école freudo-marxiste   أنّ "البعد الجمالي" هو مزج بين المعطى التاريخي و الاقتصادي و البعد النفسي الإبداعي، فخطأ ماركس أنّه أوقع كونية الفنّ في فخّ الإيديولوجيا فلم يعترف من الفنّ إلاّ بما كان فنّا نضاليا ملتزما و مدافعا عن نظرية الثورة الطبقية متجاهلة الفنّ المضادّ للطبقات الأخرى و للفئات المبدعة الأخرى و الحال أنّ "الفنّ يوجّه منظوره نحو كوني عيني، نحو إنسانية غير المحتواة في أيّة طبقة خاصة" كما يقول ماركوز، و خطأ المدرسة التحليلية النفسية أنّها جرّدت الذات المبدعة من كلّ شعور بالجمالية الخلاّقة لتقزّم الفنّ ضمن نظرية اللاشعور ليكون الفنّ مجرّد نشاطات  لاواعية ولا مسؤولة جماليا  و الحال أنّ التجربة الجمالية بما هي تعبير عن النظرة الذاتية للفنّان وعن لمسته الإبداعية و حسّه المرهف مهمّة جدّا في فهم المسألة الإبداعية بما هي تجربة متفرّدة  و بما هي بعد من أبعاد الكوني للوعي الإنساني.
ـ لقد دافع ماركوز عن كونية الإحساس و كونية الرغبة و اللذّة  و التذوّق و الرؤية و كونية التعبير الجمالي لدى الجميع و ليس لدى طبقة دون أخرى أو في حقبة تاريخية دون سواها كما دافع عن كونية التعبير الحرّ للفنّان فمن الخطأ إلزامه بالخطّ الواقعي دون سواه أو إلزامه بفنّ مفهوم لدى الجميع أو موجّه لفئة دون أخرى فالمشاعر الإنسانية من حزن و فرح و غضب و يأس و أمل و ألم غير قابلة للتذويب ضمن طبقة دون غيرها، فلكلّ فنّ لغته الخاصّة وهو لا ينير الواقع ولا يكون له دورا في التاريخ و في الوجود الإنساني ما لم يكن لدية لغته الخاصّة و المستقلّة عن أيّة إيديولوجيا.
* الفلسفة الوجودية: الفنّ كشف لحقيقة الوجود و تجلّي فعلي لقيمة الحرّية:
    هيدقير: الفنّ تعرية لحقيقة الوجود:
ـ يقول هيدقير:”ما الذي يتمّ عمله في العمل الفنّي، إنّه انفتاح الموجود على وجوده. هو حدوث الحقيقة ”  و يقول أيضا: ”جوهر الفنّ وضع حقيقة الموجود نفسها في العمل الفنّي”
ـ  فحقيقة الوجود شبيهة بوميض البرق أو بنور الشمس الذي يصعب النظر لهما بشكل مباشر. لذلك يتمظهر الوجود كتفتّح و كوميض انبجاس يكون في الفنّ بمثابة وسيط التعرية و التذرية له فتكون الحقيقة فيه بمثابة الكشف عنه أي كـ"آلاثيا alethéa" ( وهي عبارة إغريقية  تفيد الانكشاف و اللا تحجّب )
ـ  ظهور الوجود في الموجود لغة منتشرة على الفنّان الإصغاء إلى هديرها لذلك أعجب هيدقير بأعمال الشاعر هولدرلين الذي كان شعره معبّرا فعليّا عن حركة الوجود في نقائه و صفائه لذلك يقول هيدقير أنّ "اللغة مسكن الوجود": و باللغة الأشياء تستجمع الأشياء قوّة أساسية بها يأتي الوجود صوبنا و ينكشف.
  سارتر: الفنّ تعبير عن أرقى معاني الحرّية:
ـ لا يبعدنا الخيال عن الحقيقة بل يمكن أن يكون الخيال مجسّما فعليّا للحرّية الإنسانية باعتبارها المطلب الوجودي الأسمى، فإن كان تجسيد الحرّية في الواقع مستحيلا نظرا لتقاطع الإنّية مع أفق الغيرية الشيء الذي يجعل من الآخرين يكونون بمثابة القيد الجحيمي للذات فلا قيود يمكن أن تحول دوننا و الخيال نظرا لأنّنا في عالمه نكون سادة أنفسنا دون قيد أو شرط...
* نيتشه: حقيقة الفنّ تكمن في تجاوز كلّ حقيقة:
ـ يعلمّنا المنعرج النيتشي في تاريخ الفلسفة فنّ قلب المواقع  و كذلك فنّ التنسيب الذي قد يفضي بنا إلى إعادة التفكير في الموروثات الفلسفية القديمة بدءا بالأفلاطونية وصولا إلى رموز الميتافيزيقا في الأزمنة الحديثة كما يعلّمنا أيضا محاربة "الصنميّة" و"الفرعونية" (بمعنى التحنيط للحقائق) اللتان وَسَمَتَا تاريخ الحقيقة في الفلسفة لهذا السبب هاجم نيتشه هذا المفهوم معلنا موت الإله و موت الحقيقة أو "الحقائق" كما يروق لنيتشه تسميتها والتي يعتبرها "أوهام نسينا أنّها كذلك" حيث ما انفكّ العقل الإنساني يبدع الحقائق التي تخارجت على أنحاء شتّى طيلة تاريخ الميتافيزيقا الطويل مثل "المثل "الأفلاطونية أو" النفس" أو العقل أو الإله الشيء الذي أفرز إنسانا تابعا للأوهام التي ابتدعها، أخلاقيّا و معرفيا و وجوديا مدافعا بذلك عن خيار إنساني يحطّ من قيمته و يبوّبه ضمن خانة العبيد، الشيء الذي رفضه نيتشه بعنف مدافعا عن نظرية "السوبرمان" العاشق للقوّة و المحتلّ لمرتبة السيادة في هذا العالم، لذلك كانت فلسفة القوّة و السيادة التي نادى بها نيتشه هي فلسفة في تحرير الجسد و فلسفة في عتق الرغبة و الشهوة واللذّة دفاعا عن فلسفة الحياة و نضالا ضدّ التاناتوسية و فلسفة الموت...
ـ  لا تنفصل جماليات نيتشه عن فلسفة المتعة لديه لذلك يعتبر أنّ الفنّ قد خدم الجانب الإيروسي و الديونيزوسي منذ القديم حيث يقول: "لقد علّمنا الفنّ على مدى آلاف السنين أن ننظر إلى الحياة و إلى كلّ شكل من أشكالها باهتمام و متعة و أن نستدرج أحاسيسنا هذه إلى الحدّ الذي تصرخ فيه: أيّا تكن هذه الحياة فهي جميلة" ففي مقابل الحقيقة التي تنمّط و تموضع و تشيّء الوجود، لنا الجمال الذي يعيد تسريح ما تعطّل من ذواتنا و إحياء الحيوي فينا بعد أن جمّدته العقلانية. حيث أنّ فلسفة الجمال لديه لا تعتبر الجمال مجرّد أثر أو عمل بل هو كيفية وجود: حرّية، إقبال، امتلاء، انتشاء (ديونيزوس، زارادشت، زوربا.. )
ـ  يقول نيتشه: "قبل كلّ شيء يجب أن يجمّل الفنّ الحياة... يجب أن يخفي كلّ ما هو قبيح و يعيد تأويله" (إنسانيّ مفرط في إنسانيته) فالفنّ من هذا المنظور هو سلاح ضدّ القبح و ضدّ بشاعة الواقع و ضدّ صنمية الحقيقة وجمودها، و هو بذلك أداة يجب أن يحتمي بها الإنسان من الثبات و الصنمية أي أنّه مبدأ إبداع و تجديد للتجربة الإنسانية و تأكيد لمبدأ القوّة ضدّ الوهن الشبيه بنسيج العنكبوت الذي تتّسم به حقائق الواقع وحقائق الميتافيزيقا التي يحوّلها نيتشه إلى أوهام و خيالات للعقل الشبيه بنسيج العنكبوت لذلك يقول نيتشه: "الفنّ ولا شيء غير الفنّ، لنا الفنّ لكي لا تميتنا الحقيقة..." (نيتشه ـ أسطورة سيزيف).
خاتمـــة:
ما انفكّ مطلب الحقيقة يسجّل حضوره أمام العقل الإنساني فهو مطلب قديم طرح منذ بداية التفكير الفلسفي  و جاب العديد من مجالات المساءلة فمنذ البدء سعى الإنسان لإيجاد حقيقة للعالم الذي يحويه فنشأت الفلسفات الذرّية ثمّ الفلسفات الميتافيزيقية و حاول الإنسان بعد ذلك تطوير سبل الكشف عن الحقيقة فابتدع علم المنطق ليميّز الصّواب عن الخطأ تنقية لما يمكن أن يعترض الحقيقة من لبس أو إرباك، ثمّ ابتدع العلوم الرياضية التي اقتحم بها مجالات العلوم الأخرى من طبيعيات و فلك  و غيرها، و في هذه الأثناء أيضا طرح مفهوم الحقيقة على قيمة أخرى لا تقلّ أهمّية عن سابقيها وهي القيمة الجمالية، غير أنّ مساءلة الجمال للحقيقة لن تلقى بعد حظّ الإقناع أو الإيفاء  منذ عصر أفلاطون إلى يومنا هذا خصوصا بعد رحلة الفنّ الطويلة التي خاضها الوجود الإنساني و بعد تنوّع التجارب الجمالية من التجسيد إلى التجريد إلى التعقيد الشيء الذي دفع ببعض الجماليين إلى تحوّل دفّة البحث عن تعالق الجمال بالحقيقة إلى البحث عن تعالق القبح بها، باعتبار أنّ القبح يصنّف منطقيّا كجنس من أجناس الجمال باعتباره الدرجة الصفر له مثلما تصنّف البرودة أرسطيّا كجنس من أجناس الحرارة باعتبارها درجة حرارية، حيث تطرح مشروعية البحث عن علاقة الحقيقة بالقبح في ظلّ ما يسمّى اليوم بأزمة الفنّ في العصر الحديث هذه الأزمة التي طالت جلّ مجالات الفنّ تقريبا انطلاقا من الموسيقى التي شهدت ثورة كوبرنيكية وقع إثرها إيثار الإيقاع على اللحن و إيثار الصخب على العذوبة و الصفاء للألحان كما استبدلت الأذن الموسيقية بالعين التي أصبحت تلاحق صور" الكليبات" العارية دون أن تعير أيّ اهتمام لطبيعة الأغنية، حيث نجد في أعمال" تيودور أدورنو" ما يشفي الغليل بخصوص نقد الموسيقى المعاصرة، كما أنّ العقلانية الأداتية اليوم، قد أحدثت تحويرات هامّة على المفهوم الكلاسيكي للجميل و للفنّ باعتباره تجربة ذاتية و إبداعية متفرّدة لتفسح المجال للآلة الطابعة و للحواسيب النحّاتة  و للتصميمات الذكيّة للهندسة المعماريّة و للأزياء الشيء الذي حوّل الفنّ إلى صناعة تتداخل فيه قيمة الجميل بقيمة النافع  le beau et l’utile  و تتداخل فيه النمذجة العلمية بالإبداع الحرّ و بموهبة الفنّان هذا بالإضافة إلى بروز أنماط فنّية جديدة على درجة من الغرابة يصطلح على تسميتها بفنون ما بعد الحداثة تقوم على الحفر في المزابل أو في مقابر السيّارات لتبدع أشكال هجينة تستخدم مفردات جمالية مستحدثة إن لم نقل مستقبحة أحيانا، فهل يعبّر ذلك عن أزمة في الفنّ أم عن أزمة في الجميل أم عن أزمة في الإبداع أم عن بداية جديدة لأزمة للحقيقة بعد الأزمات الكثر التي عجّ بها تاريخها فلسفيّا و منطقيّا و علميا و حتّى دينيا... لكن برغم ذلك يظلّ كلّ من الجمال و الحقيقة قيمتين كونيتين قد يطالهما التأزّم لكّنه تأزّم يكون عادة متردّدا بين الإطلاقية و النسبية نظرا لأنّ العقل الإنساني هو عقل المفارقات العجيبة وعقل الأسئلة المبهرة و المرعبة في الآن ذاته...

هناك تعليق واحد: