إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2009

الأصول الفلسفية لمفهوم حقوق الإنسان

محمّد سبيلا
تبلوّر مفهوم حقوق الإنسان في الغرب عبر مسارين كبيرين: أوّلها التجارب السياسية الغربية المتمثّلة في الصراع ضدّ الحكم المطلق من أجل الحدّ من صلاحياته الواسعة. و الأمثلة الكبرى الواضحة لهذا المسار هو الصراع السياسي في إنجلترا من أجل تحديد صلاحيات الكنسية الحكم السياسي المطلق و انتزاع بعض الحقوق للأفراد و الجماعات كما صيغ ذلك في وثيقة الماغناكارتا (Magna-carta) و كذا عملية تحرير الولايات المتّحدة الأمريكية و الوثيقة الصادرة عنها، ثمّ الثورة الفرنسية، و الثورة الروسية... إلخ.
 أمّا المختبر الثاني لهذه الأفكار فهو اجتهادات المفكّرين و تنظيرات الفلاسفة ابتداء من الحقبة الإغريقية، و الرومانية، و الإسلامية ثمّ الحقبة الحديثة في الغرب، و التي تعتبر فلسفة الأنوار معلّمتها الرئيسية. و هذه الاجتهادات الفكريّة، التي كانت بمثابة مختبر آخر تبلوّرت فيه حقوق الإنسان، لم تكن إسهامات معزولة عن سياق التاريخ الفعلي. بل كانت تفكيرا في هذه الصّراعات و التحوّلات من جهة و إنارة و توجيها لها من جهة ثانية. لذلك سيكون من باب التبسيط أن نقول بأنّ حقوق الإنسان هي بنت التجربة التاريخية، و أنّ هذه هي التي ولّدت هذه الأفكار أو على العكس من ذلك أنّ مفهوم الحرّية و الحقّ هو الذي أنتج هذه الحقوق الفعليّة في التاريخ. و لعلّ هذا الإشكال أصبح اليوم متجاوزا في العلوم الإنسانية. و هذا ما يبيح لنا القول بأنّ مفهوم حقوق الإنسان قد تبلّور عبر تفاعل تجربتين تاريخيتيّن طويلتي الأمد: تجربة الواقع و تجربة الفكر، و أنّه قد يكون من التبسيط اختزال هذه الجدلية التاريخية الحارّة في أحد طرفيها فقط. فيما يخصّ المختبر الفكري نفترض أن تبلّور مفهوم حقوق الإنسان قد جاء نتيجة لتحوّلات فكريّة كبرى كتلك التي عرفتها أوربا ابتداء من القرن الخامس عشر، القرن المفصلي بين نهاية العصور الوسطى و العصور الحديثة. هذه التحوّلات تجمل عادة فيما يسمّى بالنشأة التدريجيّة للحداثة الأوربية، و التي تعتبر معالمها الكبرى المدشّنة هي اكتشاف "العالم الجديد" و انطلاق النهضة الأوربية (La Renaissance) في إيطاليا و الإصلاح الديني الذي دشّنه " لوثر".  و قد تولّدت عن هذه الأحداث الثلاثة الكبرى تحوّلات ديناميّة كبيرة على مستوى الفكر شكّلت بدورها أرضية فكرّية و ثقافية لتبلّور مفهوم الحقّ و التشريع. و قد أدّى هذا المخاض التشريعي و الحقوقي النظري إلى تبلّور تدريجي لمفهوم حقوق الإنسان عبر عدّة مسارات. المعالم الكبرى لهذه الأرضية الثقافية الحديثة هي إيلاء الإنسان و الوعي الإنساني مكانة مركزيّة سواء تعلّق الأمر بالإنسان كعقل أو كإرادة أو كرغبة. فالإنسان هو الفاعل المركزي في المعرفة و الطبيعة و التاريخ. و بموازاة هذا التحوّل الاستراتيجي في مركز الإنسان و وعيه و دوره حدث تحوّل تدريجي حاسم في المعرفة بتحوّلها من معرفة تأمّلية، ذاتية، قيميّة و أخلاقية إلى معرفة علميّة وضعية و أداتيّة و تقنية. و ستّتجه هذه المعرفة العلمية التقنية إلى أنّ إضفاء طابع تقني على المعرفة العلمية و إلى إضفاء طابع علمي على المعرفة في مجال الإنسانيات كلّها. العنصر الثالث الذي طالته هذه التحوّلات العميقة هو الطبيعة، و قد تمثّل ذلك في الانتقال من نفور الطبيعة كماهيات روحية متفاوتة القيمة إلى تصوّر رياضي للطبيعة. بمعنى أنّ العلم الحديث استبعد البحث في الكيفيات المختلفة التي تظهر عليها الطبيعة أو التي تنسب لها لينظر إليها من خلال منظور يجعلها كمّيات و مقادير قابلة للتحكّم و الضبط. و ذاك ما يفسرّه التصوّر الرياضي للطبيعة الذي عبّر عنه غاليلو بقوله أنّ كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات أو أنّ الطبيعة تتحدّث بلغة المربّعات و المثلثات و النسب و العلاقات. و بموازاة ذلك تبلّور مفهوم التاريخ كحقل لتفاعل أحداث وتلاحقها تلاحقا يعطيها معنى و توجّها.  و من ثمّة أصبح معنى التاريخ رهينا بالأسباب العينيّة المختلفة لهذه الأحداث، و بدور الإنسان في الفعل في هذه الأحداث إمّا بإرادته أو خارج إرادته، وهو ما أطلق عليه اسم النـزعة التاريخانية؛ فهذه الأخيرة هي تصوّر للتاريخ البشري كصيرورة تحكمها عدّة حتميّات و توجّهها فواعل بشريّة  و طبيعية لا تفلت بدورها من هذه الحتميّة و الصيرورة. و هذا التصوّر يتضمّن أو يصادر على تصوّر للزمن، لا كحركة لولبية أو دائرية بل كحركة خطّية متصاعدة. هذه الأرضية الثقافية الجديدة طالت كلّ المجالات و الفروع المعرفيّة و وسمتها بميسمها بشكل واضح، بما في ذلك مجال التشريع و فلسفة الحقّ. يتضمّن هذا التوجّه فرضيّة رئيسيّة مؤدّاها أنّ مفهوم حقوق الإنسان لم يظهر إلاّ في العصر الحديث. لكن هذه الفرضية، على قوّتها، ما تزال محطّ خلاف و نقاش. فالعصور القديمة هي العصور التي شهدت مشروعية الرقّ بل حقّ الاسترقاق، و التعصّب الإثني و الديني و المذهبي و دونية المرأة، و النظرة الاستصغاريّة للطفل... الخ. و رغم أنّ معظم الديانات، و خاصّة الديانات السماويّة قد خطت خطوة في تحرير الإنسان من قيود النظرة البدائية و طوّرت شعوره النوعي بالتميّز و الكرامة، و جعلت الناس، مبدئيّا، و نظريّا، كائنات متماثلة، فإنّ تحوّل الحرّيات و الحقوق الفرديّة و الجماعيّة من دائرة الأخلاق إلى دائرة القانون لم يتمّ إلاّ ابتداء من القرن السابع عشر الميلادي. و بالتالي فإنّ العصور القديمة كانت تثرى بالدعوات الأخلاقية إلى المساواة و الأخوّة  و الحفاظ على كرامة الإنسان و بما شاكل ذلك من الأخلاقيات الجميلة سواء في النصوص الدينية  أو في التراث الأدبي للشعوب، و لكن الواقع المعيش كان حافلا بضروب الاستعباد و التمييز،  و الاستصغار. فحتّى القانون المدني Jus civile الذي هو ابتكار روماني أصيل لم يعرف مفهوما مماثلا لمفهوم حقوق الإنسان (1). يجمع جلّ مؤرّخي الفكر الحقوقي على أنّ مفهوم حقوق الإنسان قد تولّد عن مفهوم القانون الطبيعي Droit naturel ، أو أنّ حقوق الإنسان تجد أصلها في الحقوق الطبيعية. إلاّ أنّه قد يكون من الأدقّ الإشارة إلى أنّ مفهوم حقوق الإنسان قد انبثق في سياق فكر تصبّ فيه ثلاثة روافد:
*  فكرة الحرّية أو الحرّيات * فكرة العقد الاجتماعي * فكرة الحقّ الطبيعي* هذه الروافد أو المسارات الثلاث الكبرى قد شكّلت البوتقة التي انبثق فيها مفهوم حقوق الإنسان، بل إنّ الرافدين الأوّل والثاني يصبّان في النهاية في مفهوم الحقّ الطبيعي، و يسهمان في البلورة النظريّة لمفهوم حقوق الإنسان. لذلك فإنّ مسار الحقّ الطبيعي ظلّ هو الطريق الملكي من و إلى مفهوم حقوق الإنسان. و يجب أن نشير هنا إلى أنّنا عندما نتحدّث عن الأصول (أو الجذور) الفلسفية لحقوق الإنسان، فإنّ من اللازم التمييز بين الجذور الفكرية و الأسس الفكرية. فالبحث في الجذور الفكرية يوجّهنا إلى القيام بنوع من أركيولوجيا لحقوق الإنسان، كيف و أين و متى نشأت و تطورت، بينما يوجّهنا البحث في الأسس الفكرية لا إلى التتبّع الأركيولوجي و الكرونولوجي لهذه المفاهيم و الأفكار بل إلى أسسها و خلفياتها الفلسفية. و قد قمنا بذلك جزئيا عندما حاولنا ملامسة بعض التحوّلات الفكرية الكبرى في سياق الفكر الأوربي. و انطلاقا من ذلك يمكن أن نربط بما سبق ذكره و نشير إلى أن الأسس الفكرية الكبرى لحقوق الإنسان هي إلى حدّ كبير فلسفة الأنوار، و ذلك من حيث أنّ حقوق الإنسان قد انبثقت، في القرن الثامن عشر، عبر صراع الأنوار ضدّ مطلقية و تعسّفية السلطة (2). فالروح التي تسكن مفاهيم حقوق الإنسان هي روح أنوارية. و من ثمّة فإنّ الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان هي: العقلانية، والمشروعية التاريخية ـ والنزعة الفردانية، و الوضعانية القانونية. وهذه الأسس هي بمثابة الأرضية الفكرية التي ازدهرت على بساطها مقولات الحقّ الطبيعي، و العقد الاجتماعي و مبدأ المساواة، و الحرّيات الأساسية للإنسان. فالأصول هنا تقوم على أرضية الأسس. و هذه المقولات هي بمثابة منظومة ارتوازية يصبّ بعضها في البعض، وتؤازر كلّ مقولة منها المقولات الأخرى و كأنّها بمثابة منظومة فكر خلفية مولّدة لمجرّة حقوق الإنسان و قائمة منها مقام المرتكز و الأساس. و كلّ فهم أو تأويل لحقوق الإنسان لا يراعي هذا السياق التاريخي الأصلي،  و هذه المرتكزات إنّما يقدّم تصوّرا مجبوبا و قاصرا عن هذه الحقوق، لأنّها في الأصل كتلة فكرية واحدة قائمة على أرضية الحداثة. قد يعترض البعض بالقول بأّن هذه المرتكزات المتمثّلة إمّا في التعاقد و ما يعنيه من استمداد لمشروعية السلطة من تحت، أو في سيادة القانون الذي هو تعبير عن السيادة القانونية للإرادة العامة، أو في شيوع فكرة المساواة كفكرة خلفيّة ضامنة فلسفيا لجملة من الحقوق، قد ظلّت مجرّد "أحلام جميلة" و مزاعم غير ذات أساس كما يقول أحد أهمّ فلاسفة الحقّ في الثقافة الفرنسية المعاصرة وأقصد ميشيل فيللي (M ;Villey). لكن يبدو أنّ هذه المقولات الحقوقيّة السياسية ظلّت دوما تتراوح بين الإيديولوجيا و اليوتوبيا. فهي من جهة شعارات و مثل كبرى، لكنّها لم تكن مثلا سياسية تسبح في سماء المجرّد بل شكّلت بالتدريج عناصر فعليّة في المنظومة التشريعية و السياسية الغربية، كما أنّها شكّلت باستمرار معتقدات يقينيّة سائدة و متواترة في الإيديولوجيات السياسية و التشريعية في الغرب (3) منذ عصر الأنوار.
* الحقوق كحريات:
 الحرّية هي الحقّ الأوّل وهي أصل كلّ حقّ:
 ليس من الصدفة أن ينصّ إعلان 1789 حول " حقوق الإنسان و المواطن" على الحرّية كحقّ أوّل للإنسان سابق على غيره من الحقوق. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو في العمق مدوّنة سياسية للحرّية (4). بل إنّ الحقوق الأخرى هي، في النهاية، حرّيات. فمثلا حقّ التملّك، هو حرّية التملّك، و حقّ العيش في المجتمع هو حرّية العيش في المجتمع. و هذان الحقّان الأساسيان المشكّلان للدولة والتنظيم السياسي، هما في عمقهما ضربان من الحرّية (5). إنّ حقوق الإنسان هي في جانب كبير منها حرّيات، أو هي حرّيات تنتهي و تقود إلى، و تصبّ في الحقوق الذاتية للإنسان، كما تعبّر عنها المواثيق الدولية المؤسّسة و خاّصة إعلان 1789 (6)و هذه الحرّيات التي صيغت أوّلا على شكل إعلانات للمبادئ ذات إلزام أخلاقي أكثر منه قانوني، ثمّ تحوّلت بالتدريج إلى مصدر للتشريعات الدولية الوطنية المقنّنة و المرسّمة لهذه الحرّية، تطال كافّة مستويات الجسم الاجتماعي: حرّيات في مجال العمل السياسي، حرّيات في المجال الاقتصادي، و حرّيات في المجال الثقافي، و حرّيات في مجال الفكر و الثقافة. إنّ ما يسمّى بالحقوق كحرّيات (أو الحقوق / حرّيات  Droits-Libertés) بمقابل الحقوق الدائنة (Droits créances) هي في النهاية حرّية الممارسة السياسية، و حرّية الممارسة الاقتصادية، و حرّية الممارسة الثقافية و حرّية الممارسة الفكرية. و هذه الحرّيات ليست حرّيات مطلقة، بل إنّ المبادئ و الإعلانات و العهود الدولية و القوانين المحلّية تضبطها، و تحدّد شروط ومجالات و حدود تطبيقها بل إنّ حقوق الإنسان هي ضبط للحرّيات المطلقة للإنسان في الحالة المفترضة: حالة الطبيعة، لأنّه إذا كانت الحرّية حقّا طبيعيّا مطلقا للإنسان في الحالة الطبيعيّة كما تقول بذلك مدرسة الحب الطبيعي، فإنّ هذه الحرّية متدوّرة للموت و الاقتتال وهو ما يتطلّب ضبطها في الحالة الاجتماعية للخروج بها من حالة أو إمكانية الحرب و الاقتتال إلى حالة الاتّفاق و السلام الاجتماعي. و لعلّ هذا هو المعنى الذي تفهم في إطاره قولة هيجل "بأن فكرة الحرّية لا توجد بالفعل إلاّ في واقع الدولة" (7). إنّ حقوق الإنسان، من حيث هي في جوهرها حرّيات يتمّ ضمانها أخلاقيّا و تشريعيّا، هي ضبط و تقنين لهذه الحرّيات في إطار تنظيم مجتمعي قائم، بتحويلها من مثال أخلاقي إلى واقع تشريعي ملموس. ما السرّ في هذه المكانة الجوهرية التي اكتسبتها الحرّية في العصور الحديثة، لدرجة أنّها توسّعت و تجذّرت  و أصبحت بمثابة تعريف للإنسان نفسه بل حقّا طبيعيّا أساسيا للإنسان و تجسيدا فعليّا لكلّ الحقوق الأخرى (8). تشكّل فكرة الحرّية قطعة أساسية ضمن أيديولوجيا النـزعة الإنسانية التي شكّلت الأرضية الفكرّية لعصر النهضة. فتمجيد الإنسان، هذا التمجيد الذي أرسته الديانات السماوية، إمّا بالقول بأنّ الله خلق الإنسان على صورته، و على شاكلته كما تقول بذلك المسيحيّة (9)، أو بالقول بأنّ الإنسان خليفة الله في الأرض كما يقول بذلك الإسلام، قد بلغ ذروته في الفكر الحديث الذي أعاد ترتيب صورة الكون بحيث جعل الإنسان كائنا مركزيّا و فاعلا أساسيّا في التاريخ و المعرفة. و هذا الإنسان هو كائن عقلي مزوّد بإرادة و قدرة على الفعل، و بحرّية لا تقبل الإنكار أو السلب. العقل، الإرادة، الحرّية هي الصفات الرئيسيّة الثلاث التي تمّ التركيز عليها و إسنادها للإنسان فردا و نوعا. لذلك نرى أنّه إذا كانت النـزعة الإنسانية (أو ما يدعى أحيانا بالنـزعة الذاتية) قد جعلت الذات الإنسانية أو الذاتية في مركز الصدارة، فقد نسبت لهذه الذات حرّية مرادفة و معادلة لها تماما. و قد أوضح هيجل بقوّة هذا الترابط، في العصور الحديثة، بين الذاتية و الحرّية. فالذاتية في رأيه، من حيث أنّها هي ما يميّز العصور الحديثة، لا تختلف عن الحرّية بل إنّه في بعض الأحيان ـ كما يقول هابرماس ـ يفسّر مبدأ الذاتية بالحرّية و بالفكر (10). إنّ هيجل لا يكتفي بالتحدّث عن مفهوم الحرّية بل عن "الحقّ في الحرّية الذاتية" من حيث أنّه "يشكّل النقطة الحاسمة و المركزية التي تجسّد اختلاف الأزمنة الحديثة عن العصور القديمة"(11) و يذهب إلى حدّ الإفتاء بأنّه يجب، ابتداء من الآن، أي من عصر هيجل نفسه، يجب على كلّ ميادين الحياة الإنسانية أن تتحدّد انطلاقا من هذا المبدأ (الذاتية كحرّية). "و هكذا فإنّ الحقّ، و الملكية و الأخلاق، و الحكومة، و الدستور يجب أن تكون ابتداء من هذا الوقت، محدّدة انطلاقا من مبادئ عامة ملائمة لمفهوم الإرادة الحرّة و العقلانية أي لمبدأ الذاتية" (12). و قد وقفنا بالخصوص عند بعض آراء هيجل حول مسألة الحرّية باعتباره الفيلسوف الذي استخلص و استقرأ مسار أوديسة الحرّية في كلّ التاريخ الغربي و الإنساني، و ربط هذه المقولة بالعصور الحديثة. فهو الذي يفسّر كلّ التاريخ البشري باعتباره مسارا تدريجيّا نحو تحقيق الحرّية. ففي الشرق كان هناك إنسان واحد حرّ هو المستبّد. و في الإغريق و روما أصبح العديد من الناس (المواطنون) أحرارا. و في العالم الحديث أصبح الجميع أحرارا أمام الله على الأقلّ. فمع الإصلاح الديني، و الثورة الفرنسية التي تشكّل لديه "بزوغا رائعا للشمس" يصبح كلّ الناس أحرارا (13). و إذا كان هيجل قد رصد قيمة الحرّية في العالم الحديث فإنّه ليس الوحيد الذي فعل ذلك، و إنّما يرجع إليه الفضل في ربط هذه الحرّية بالتحوّلات التي عرفها العصر الحديث، و في ربطها بنظام المجتمع و الدولة (14). فنحن نعثر على أشكال مختلفة من تمجيد الحرّية لدى كلّ الفلاسفة الذين فكّروا في تحوّلات العصور الحديثة، و من أبرز هؤلاء جان جاك روسو الذي يعتبر الحرّية صفة أساسية للإنسان و "حقّا" غير قابل للتفويت. لدرجة أنّه "أن يتخلّى الإنسان عن حرّيته معناه أن يتخلى عن صفته كإنسان، و عن حقوق الإنسانية وواجباتها" (15)
*  فكرة العقد الاجتماعي:
الحقوق كمكاسب ينظّمها و يضمنها نصّ تعاقدي:
 على الرغم من أنّ فكرة العقد الاجتماعي هي فكرة افتراضية أكثر ممّا هي فكرة واقعيّة، أو هي بتعبير دوركهايم " لا تربطها أيّة علاقة بالواقع"، فإنّها قد لعبت دورا حاسما في التحوّل من النظرة الكنسية حول المجتمع و السلطة، وهي النظرة التي ترجع نشأة المجتمع إلى الأمر الإلهي، و مشروعية السلطة إلى الحقّ الإلهي، و من النظرة الطبيعية التي ترجعهما معا إلى الطبيعة؛ إنّ إرجاع نشأة كلّ من المجتمع و السلطة إلى فعل تعاقد بين الناس معناه إرجاعهما إلى فعل بشري، أي إلى الإنسان من جهة و إلى الإرادة من جهة ثانية. و بذلك حلّت إرادة الأفراد محلّ أيّة إرادة أخرى، و ربّما كانت إرادة الأفراد هي أساس و أصل الإرادة الجماعية نفسها. لقد كانت نظرية العقد الاجتماعي، في نظر المفكّرين الذين بلوروها، منذورة لمناهضة نظرية الحقّ أو الأصل الإلهي الذي تدعمه الكنيسة. فبوفندورف Pufendorf ، وهو أحد أقطاب مدرسة الحقّ الطبيعي، يخصّص أحد فصول كتابه "حقّ الطبيعة والناس" لدراسة " أصل و أسس السيادة"، وهو فصل مخصّص بكامله لرفض نظرّية الحقّ الإلهي المدعومة من طرف الكنيسة، و المعروضة في كتاب هورنيوس Hornius المعنون بـDe civitate   (1664) و نظرّية الأصل الإلهي للسلطة المدنية، تمثّل الموقف التقليدي للكنيسة الكاثوليكية تجاه المسألة السياسية، كما نجدها لدى تلامذة القديس أوغسطين (16). مثل سواريس Suarez و بوسويه Bossuet و آخرين. و هذه النظرية هي تطوير لقولة القديس بولس: كلّ قوّة تأتي من الله"(17). إلاّ أنّ النقاشات و التأويلات التي تعرّضت لها هذه القولة و نظرية الحقّ الإلهي دفعت بها في مرحلة أولى في اتّجاه التمييز بين السلطة العليا المستمدّة من الله و السلطة الدنيا التي يمارسها البشر، ممّا يعني أنّ الله هو المصدر الأعلى للسلطة  و أنّ دور الناس يقتصر على تعيين أولئك الذين سيمارسونها. فليس الله هو الذي يعيّن الحكام، لكن بمجرّد أن يتمّ تعيين هؤلاء من طرف الناس عبر اتّفاقات بينهم فإنّ الحكام يتلقّون و يستمدّون العون من الله على ممارسة سلطتهم. فأمر تعيين الحكّام و نوع الحكومة و كيفية تسمّية أولئك الذين سيحكمون كلّها أمور تعود إلى اتّفاق البشر فيما بينهم، و إن كانت السلطة القصوى في النهاية تعود إلى الله (18). أمّا في المرحلة الثانية فقد اتّجهت نظرّية العقد الاجتماعي إلى الاستقلال عن كلّ ارتباط لاهوتي، بل أصبحت، في النهاية، أداة لإضفاء طابع بشري، إرادي على نظام السلطة و منشأ المجتمع. و قد لعب روّاد مدرسة الحقّ الطبيعي غروتيوس وبوفندورف دورا كبيرا في الفصل بين الحقّ الطبيعي و اللاهوت. فقد بذلوا جهدا في فكّ الاشتباك بين المسألة السياسية و المسألة الدينية، محققّين في تاريخ الفكر السياسي، ثورة حقيقيّة، بتخليص العلم السياسي من ارتباطه باللاهوت المسيحي، و كذا بتخليص الدولة من هيمنة و وصاية الكنيسة (19). فالحقوقي الهولندي غروتيوس هو الذي أقام الدولة على الميل الطبيعي نحو العيش المأمون، الذي يأمله الناس من قيام المجتمع، كما قام بالبحث عن إمكانية دوام قواعد قانونيّة قائمة على العقل و بقائها حقيقيّة حتّى في حالة غياب سند لاهوتي لها. و قد أدخل بوفندورف هذا التصوّر غير الديني للدولة إلى ساحة الفكر الألماني. إنّ السلطة المدنيّة، بالنسبة لكلّ من غروتيوس وبوفندورف و أتباعهما من أصحاب مدرسة الحقّ الطبيعي، هي في النهاية مؤسّسة إنسانية. و لا ضرورة للصعود إلى المرتبة الإلهية للعثور على أصل السلطة و المؤسّسة السياسية، فجذرها و أصلها و أساسها يقوم في الاتّفاقات التي يقيمها الناس بينهم (20). " ويجب أن نشير ـ كما يقول غروتيوس ـ إلى أنّ الناس الأوائل الذين كوّنوا المجتمع المدني، لم يفعلوا ذلك نتيجة أمر إلهي، بل وجدوا أنفسهم مدفوعين لذلك عن طريق الخبرة التي شعروا فيها بضعف الأسر المنفصلة و بعدم قدرتها على أن تحمي ذاتها، بما يكفي، من عنف و سباب الآخرين. و من ثمّة تولّدت السلطة المدنيّة التي دعاها القديس بطرس (St Pierre) بسبب ذلك مؤسّسة إنسانية؛ و ذلك على الرغم من أنّه، في مكان آخر، كان قد اعتبرها مؤسّسة إلهية، لأنّ الله قد باركها كشيء يحقّق مصالح البشر، الذين هم مؤسّسو هذه السلطة. و الحال أنّ الله عندما يصادق على قانون بشري فإنّما يصادق عليه كقانون خاصّ بالبشر يوافق رغباتهم ويحقّق مصالحهم" (21). و هكذا يتخيّل هؤلاء المفكّرون حالة طبيعية افتراضية لم يكن الناس خاضعين فيها لأيّة سلطة، باستثناء قانون العقل أو القانون الطبيعي. في هذه الحالة كان الناس يعيشون في حالة من التساوي  و الاستقلال. فالتساوي يعني أن لا أحد يملك بالطبيعة حقّ حكم الآخرين. و قد ظلّ المشكل المطروح في هذه الحالة هو معرفة كيف تمّ الانتقال من حالة الاستقلال هاته إلى المجتمع المدني الذي يخضع فيه الناس لسلطة مشتركة. و قد قدّمت نظرّية العقد الاجتماعي حلاّ لهذه المعضلة. و سواء كان الخضوع للسلطة الناشئة عن العقد خضوعا طوعيّا ناتجا عن مصادقة الرعايا أم خضوعا قسريا ناتجا عن غزو أو انتصار فإنّ أفراد المجتمع يتخلّون عن قسم من حرّيتهم الطبيعية لصالح حاكم فرد أو لصالح جمعية (Assemblée ) تمارسها بالنيابة عنهم. و إذا كانت نظرية التعاقد قد وجدت صدى سياسيا في الواقع السياسي آنذاك فذلك لأنّها كانت استجابة متوازنة و موفّقة للتحوّل التدريجي الذي حدث في تركيب السلطة في أوربا. فهي من زاوية موجّهة ضدّ السلطة الزمنية للبابا، كما أنّها تحاول من زاوية أخرى أن تعيد للسلطة الملكية استقلاليتها بإقامتها على أسس دنيوية خالصة (22). إلاّ أنّ هذه النظرية، التي انبثقت من حضن مدرسة الحقّ الطبيعي ستتبلّور أكثر على يد جان جاك روسو J.J.Rousseau الذي عاب على غروتيوس أنّه لم يتوان عن "تجريد الشعوب من كلّ حقوقها ليزيّن الملوك بها بواسطة فنّ رفيع" (الكتاب الثاني ـ الفصل الثاني من "العقد الاجتماعي".)، ممّا يعني أنّ نظرية التعاقد ستأخذ مع روسو منحنى ديمقراطيّا أوضح، و ستتّجه أكثر نحو التأكيد على سيادة الشعب. لكن ما سيميّز نظرية روسو، من حيث أنّ كلّ روّاد مدرسة الحقّ الطبيعي يرجعون السيادة للشعب، هو قوله بأنّ هذه السيادة تعود في الأصل فقط إلى الشعب بل هي مستمدّة منه وراجعة إليه دوما و أبدا. فالشعب لا يتنازل عنها و لا يكلها لأحد. فسيادة الشعب حقّ غير قابل للتفويت، ولا يمكن أن يكون هناك سيّد آخر غير الشعب. و الدولة الوحيدة المشروعة في نظر روسو هي تلك التي يمارس فيها الشعب ذاته السيادة، و هي الدولة الجمهورية (23). و بغضّ النظر عن الفروق التي تفصل بين روّاد نظرية العقد الاجتماعي (بوفندورف ـ هوبز ـ لوك ـ روسو) (24) فإنّ بالإمكان إبراز بعض السّمات المشتركة بينها، و التي تندرج في إطار مساهمتها في بلورة حقوق الإنسان.
1 ـ  أنّ هذه النظرية شكّلت العتبة الفكرية للانتقال من المشروعية السياسية المستندة إلى الكنيسة، و المبرّرة لسلطتها، بل لاستبدادها، باسم المتعالي، و ذلك على الرغم من أنّ نظرية العقد الاجتماعي قد خرجت من صلب نظرية الحقّ الإلهي في الحكم، عبر صراع تأويلي طويل أدّى إلى التمييز بين السلطة الروحية العليا المستمدّة من الله، و السلطة الدنيوية المستمدّة من الشعب، و التي يتمّ ترسيمها و ترسيخها عبر العقد الذي ينصّ على مبدأ السيادة للشعب.
2 ـ  تتفاوت هذه النظريات، بل تتراوح في إثبات مبدأ السيادة للشعب. فهي في صيغها الأخيرة، ذات المنحى الديمقراطي، و خاصّة مع روسو، تنتهي إلى الإقرار على الأقلّ بحقّ الشعب (حقوق الشعوب) في السيادة، وهو حقّ ثابت، دائم غير قابل للتنازل أو الانتقال أو التفويت. و هذا المبدأ الذي هو حقّ أساسي، هو أصل كلّ الحقوق السياسية للشعوب أوّلا و للأفراد بالتالي. تفترض فكرة العقد إذن وجود حقّ أو حقوق غير قابلة للتفويت، و هذه الحقوق تجد ضمانتها وتجسيدها في المشروعية السياسية المتولّدة عن نظام سياسي قائم على العقد. فالعقد يفترض الحقوق (السياسية على الأقلّ) و يدوّنها و يشكّل نواة نظام سياسي كفيل بحمايتها وصونها (25).
*  فكرة الحقّ الطبيعي: 
 للإنسان حقوق طبيعية راسخة:
الطريق الملكي أو الرافد الفلسفي الكبير و الأساسي لحقوق الإنسان هو فكرة الحقّ الطبيعي كما بلورتها و طوّرتها مدرسة حقوقيّة كاملة هي مدرسة الحقّ الطبيعي. و قد نصّت أولى إعلانات حقوق الإنسان على وجود حقوق طبيعيّة للناس، أي حقوقا سابقة على وجود المجتمع و السلطة بحيث لا ينسخها و لا يلغيها أي نظام لأنّها حقوق طبيعيّة بمعنيين: فهي من جهة مسجّلة في طبيعة الأشياء، وهي من جهة أخرى مدوّنة في طبيعة الإنسان نفسها و مرتبطة بها. إنّها حقوق جبّلية راسخة في الطبيعة الإنسانية. فالفصل الأوّل من إعلان الحقوق فرجينيا (سنة 1776) ينصّ على أنّ "كلّ الناس خلقوا بالتساوي أحرارا و مستقلّين. إنّ لهم حقوقا أكيدة، أساسية و طبيعية، لا يمكنهم، بأي عقد، التفريط فيها، وهي حقّ الاستمتاع بالحياة و الحرّية، مع وسائل الحصول على و احتياز ممتلكات و البحث عن كيفية الحصول على السّعادة والأمن". لا تشكّل مدرسة الحقّ الطبيعي اتّجاها فكريّا متجانسا. بل هي تيّار فكري واسع يضمّ العديد من الأسماء: غروتيوس (Grotius 1645-1583 )  و بوفندورف (Pufendorf 1694-1632 ) و توماسيوس ( 1728-1655 ) و ليبنتز ( 1716-1646 ) و كريستيان فولف ( 1674-1754 ) و إيميل دوفاتيل  -1714 ) و بورلاماكى ( 1798-1694 ) و باربيراك  ( 1744-1674 ) (26). و ينسب بعض الدارسين إلى هذه المدرسة تجاوزا كلاّ من هوبز و روسو و سبينوزا . و من ثمّة يشيرون إلى الاختلافات الكبيرة بين هؤلاء فيما يخصّ الحالة الطبيعية و القانون الطبيعي، و الحقّ الطبيعي نفسه. فالحالة الطبيعية بالنسبة لأحدهم هي القابلية للاجتماع بينما هي، بالنسبة لمفكّر آخر هي الانعزال، وهي الغزيرة بالنسبة لأحدهم، و الأخلاقية بالنسبة للآخر، وهي الحرب بالنسبة لأحدهم و السلام بالنسبة للآخر (27). يصنّف مؤرّخو الفكر الحقوقي اتّجاهات مدرسة الحقّ الطبيعي، من حيث بحثها عن أصل الحقّ خارج المجتمع، إلى النظرية اللاهوتية للحقّ الطبيعي، و النظرية العقلانية التي ترجع أصل الحقّ إلى العقل الإنساني، و هذه الأخيرة يمثّلها الحقوقي النمسوي فرانس فون زيلر F.V.Zeiller واضع المدوّنة المدنيّة النمساويّة في بداية القرن 19 (28). و قد ظلّ مفهوم الحقّ الطبيعي محطّ تنازع بين نظرية لاهوتية ترجع الحقّ الطبيعي إلى نظرية الخلق، و نظرية عقلانية ترجعه إلى العقل البشري (29). و هذه النظرية الأخيرة تجد تعبيرا عنها لدى أحد أكبر ممثّلي مدرسة الحقّ الطبيعي وهو بوفندورف حيث يقول: " إنّ الحقّ الطبيعي يأمر بهذا الشيء أو ذاك لأنّ العقل المستقيم يجعلنا نحكم عليه بأنّه ضروري للحفاظ على المجتمع الإنساني عامة" (30). و أصحاب الاتّجاه العقلي في هذه المدرسة وضعوا نصب أعينهم تخليص الفلسفة و السياسة من تأثير الكنيسة الكاثوليكية و كذا تأسيس الحقّ على أساس العقل و الإرادة البشريين (31). كما أنّهم جميعا تقريبا يقولون بفكرة العقد الاجتماعي بل إنّ أصحاب النظرية التعاقدية (هوبزـ لوك ـ روسو) قد استعاروا منهم الكثير من الأفكار. و لعلّ هذين الاتّجاهين يلتقيان معا في جعل العقل أساسا للحقّ، و في إفساح المجال للإرادة و الفعل البشريين،  و كذا في تأسيس كلّ من المجتمع و السلطة على مبدأ التعاقد الإرادي بين الناس. تعود الجذور البعيدة لفكرة الحقّ الطبيعي إلى المدرسة الرواقية حيث كانت تعني لديهم، كما لدى الحقوقيين الرومانيين، حقّا مشتركا بين كلّ الناس، وهو حقّ يمكن التعرّف عليه بفعل أنوار العقل، كما أنّه يرجع إلى مبدأ القابلية للاجتماع (32). لكن لحظة التحوّل الكبرى في تاريخ فكرة الحقّ الطبيعي ترجع إلى سنة 1540 ميلادية عندما أعلن Victoria ، في وقت كانت فيه الأوغسطينية القانونية تحرم الوثنيين من كلّ الحقوق، أنّ الهنود هم أيضا بشر لهم حقوق ملازمة لطبيعتهم، و على رأس هذه الحقوق حقّ الملكية. و هكذا اعتبر حقّ الملكية، حقّا طبيعيّا للإنسان، بل كان أوّل حقوق الإنسان الحديثة (33). إلاّ أنّ فكرة الحقّ الطبيعي الحديث تختلف في أسسها عن فكرة الحقّ الطبيعي الكلاسيكية. فالحقّ الطبيعي عند الأقدمين غير قائم على فكرة المساواة. و ما ذلك إلاّ جزء من تصوّر للطبيعة و الكوسموس في الفكر الإغريقي غير قائم على فكرة التساوي و التعادل. فالعالم المغلق القديم يتضمّن تصوّرا تراتبيّا و تفاوتيّا للكائنات و الأمكنة و الأزمنة، و ذلك حسب درجة كمال كلّ منها: ففي الأعلى توجد الدوائر المكتملة، الكمالية، المضيئة، غير الفانية و غير القابلة للفساد، و في الأسفل توجد الأجسام الثقيلة، العتمة، المادية. و هذه الصورة التراتبية و التفاوتية تتناقض مع فكرة قانون طبيعي مساواتي صالح لكلّ الكائنات و يشمل كلّ الإنسانية (34). أمّا في العصر الحديث فقد تطوّر مفهوم الحقّ الطبيعي تطوّرا متسارعا و مذهلا ابتداء من القرن 17، و خاصّة تحت تأثير التطوّرات المتسارعة في مجال الفيزياء و علوم الطبيعة، و على وجه الخصوص مع غاليلي و ديكارت و نيوتن (35 ). فقد حطّمت فيزياء غاليلو حول المكان اللامتناهي و المتماثل النموذج الطبيعي التقليدي لمجتمع غير متساو كما عرضته الكوسمولوجيا الأرسطية. و بذلك مهّدت فيزياء غاليلو الطريق أمام انتقال نموذج المساواة من الطبيعة إلى الثقافة السياسية. و بالتوازي مع تطوّر العلوم الطبيعية فإنّ فكرة الحقّ الطبيعي بانغراسها في الطبيعة الإنسانية، أي بتذويتها للحقّ تكون قد واكبت تطوّرا آخر حدث في الفلسفة و عبّر عنه الكوجيتو الديكارتي وهو حلول الذات البشرية، كعقل و إرادة، محلاّ مركزيّا في كلّ معرفة وفي كلّ وجود. هذا التحوّل إذن في مفهوم الحقّ و الحقوق يزامن بل يواكب تحوّلات كبيرة حدثت في مجال تصوّر الطبيعة في العلوم الفيزيائية، و تطوّرا كبيرا حدث في مجال الفلسفة عكسته فكرة قدوم الذات البشرية الفاعلة و احتلالها لمركز الصدارة في المعرفة و التشريع و العمل.
*  خاتمة:
 تشكّل هذه الروافد الثلاث الكبرى، التي تصبّ كلّها في دائرة حقوق الإنسان، عائلة فكريّة واحدة. فهي جميعا تعكس التحوّلات الكبرى التي حدثت في التاريخ الحيّ و في الفكر، و التي أسهمت في إحداث تعديلات كبرى على أساس الثقافة الغربية الكلاسيكية في اتّجاه إثبات دور أكبر للعقل في الكون (العقلانية)، و إثبات صورة الطبيعة كنظام مستقلّ له نواميسه الخاصّة (الوضعية)، و إقرار إرادة الإنسان بما لها من قدرة على الوعي بالحتميّات المختلفة و التخلّص من تأثيرها (النـزعة الإرادية)، و ذلك ضمن منظور الصيرورة و التحوّل في سياق التاريخ الحيّ (النـزعة التاريخانية)، و في أفق منظور نمطي متصاعد للزمن (36). و في مناخ تنويري، تميّز بالنضال ضدّ النـزعة المطلقة في الحكم و ضدّ النـزعة التعسّفية و الاستبداديّة (37)، ارتبطت فكرة حقوق الإنسان بالنـزعة الفردانية، الممجّدة لحرّية الفرد و لإرادته و عقله، بفكرة العقد الاجتماعي، كفكرة ضابطة للأصل البشري التعاقدي لكلّ سلطة، بفكرة الحقّ الطبيعي القائمة على وجود حقوق طبيعية راسخة و قبلية لدى الإنسان، أهمّها الحرّية أم الحقوق الإنسانية جميعا. و لعلّ الجملة التي أوردها هوبز في "اللفياتان" سنة 1651 تجمع بشكل لمّاح هذه العناصر الثلاثة الحرّية ـ التعاقد ـ الحقّ الطبيعي حيث يقول: "الحق الذاتي الطبيعي  ـ الذي تعوّد الكتاب على تسميته بالحقّ الطبيعي ـ هو الحرّية التي يملكها كلّ إنسان في أن يستعمل كما يشاء قدراته الخاصّة"(38). و هذه الأفكار، في مراوحتها الجدلية بين نضالات و صراعات الواقع التاريخي و الاجتهادات الفلسفية في ميدان الفكر ستنتقل بالتدريج من بطون الكتب و دوائر الخاصّة إلى رحاب الواقع السياسي، كما ستتحوّل بالتدريج من معايير أخلاقية ملهمة و موضوعيّة إلى تشريعات و قوانين ضابطة و ملزمة سواء على الصعيد الداخلي أو على صعيد العلاقات بين الدول.
 المراجع:
1 ـ بالفرنسية:
- Batiffol H. : La philosophie du droit, PUF, que sais je ? N°857.
- Brimo Albert : Les grands courants de la philosophie du droit et de l’état, Ed. pedone, Paris 1978.
- Barttroly (S.D) : Le pouvoir (Textes), Paris Magnard 1977.
- Benachour : Etat nouveau, Tunis 1980.
- Derathé Robert : J-J. Rousseau et la science politique de son temps, paris, PUF 1950.
- Fouquet et Stalloni : Le droit, Ellipses, Paris 1988.
- Haarscher : Philosophie des droits de l’homme, Ed. de l’université de Bruxelles 1987.
- Haarscher : La raison du plus fort, Madaga, Bruxelles 1988.
- Barret-Kriegel, Blandine : Les droits de l’homme et le droit naturel, PUF, Quadrige 1989.
- Mourgeon J. : Les droits de l’homme, PUF, que sais je ? N°1728, PUF 1978.
- Havet Jaques (S.D) : Tendances principales dans les sciences sociales et humaines, Tome II, unesco-Mouton 1978.
- Goyard Fabre et sève : Les grandes questions de la philosophie du droit, PUF, questions 1986.
- Huisman et Ribes : Les philosophies et le droit (Textes), Bordas 1988.
- Laqueur et Rubin (S.D) : Anthologie des droits de l’homme, Nouveaux horizons 1979.
- Villey Michel : Le droit et les droits de l’homme, PUF 1983.
- Habermas J.: Le discours philosophique de la modernité, Gallimard 1985.
2 ـ بالعربية: ـ  برناند غروتيوزن: فلسفة الثورة الفرنسية، عويدات ـ  بيروت 1982.
ـ سيفان ماتون: حقوق الإنسان من سقراط إلى ماركس، ترجمة محمد الهلالي الرباط.
ـ عبد الله العروي: مفهوم الحرية، الدار البيضاء.
ـ هيجل: مبادئ فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير بيروت.
ـ جون لوك: رسالة في التسامح، ترجمة عبد الرحمان بدوي، بيروت 1962.
ـ جون لوك: في الحكومة المدنية، ترجمة ماجد فخري، بيروت دار صابر.
ـ مونتسكيو: روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر، القاهرة 1953.
ـ روسو: في العقد الاجتماعي، بيروت 1982.
(1)
Villey, 94-95.
(2)
Haarscher, p. 23.
(3)
Y. Benachour : L’Etat nouveau et la philosophie politique et juridique occidentale, Tunis 1980, p.166.
(4) نفس المرجع، ص: 181.
(5)
Généalogie des droits de l’homme in Droits N°2, 1985.
(6) بنعاشور، ص: 180.
(7) انظر العروي: مفهوم الحرية، ص: 64.
(8) هناك نقاش دائر حول ما إذا كان من الصائب إرجاع كلّ الحقوق إلى حرّيات، أم أن حقوق الإنسان أوسع من مفهوم الحرّيات حيث يرى الأخيرون بأنّ كلّ الحرّيات حقوق للإنسان،  ولكن ليست كلّ حقوق الإنسان حرّيات.
G.Soulier : Nos droits face à l’état, Seuil 1981, in le Droit, Ellipses 1988, p. 147.
(9) يشير
M.Villey إلى أنّنا نجد نظيرا لهذه الفكرة لدى سيشرون حيث يقول "إنّ الإنسان يشبه الله".
(10)
Habermas : Le discours philosophique de la modernit, Gallimard 1985, p. 19.
(11) هيجل: مبادئ فلسفة الحق، ص: 34، (1992).
(12) ص: 320 (راجع هابرماس ص:19-20).
(13) انظر العقل في التاريخ (هارشر 91).
(14) يقول ذ.عبد الله العروي في مفهوم الإيديولوجيا إنّ الكلاسيكيين كانوا يرون الحرّية في توافق إرادة الفرد مع إرادة الخالق المبدع، في حين أنّ هيجل يضعها في توافق هدف الفرد مع عقلانية الدولة وهدف التاريخ، ص: 65.
(15) عن:
Blandine Barret-Kriegel : Les droits de l’homme et le droit naturel, PUF, Quadrige, p.75 فيما يخص مكانة مقولة الحرية في منظومة روسو السياسية. Derathé : Rousseau et la science politique de son temps, P.U.F. 1950.
(16)
Derathé, p. 172.
(17)
Derathé, p. 33-34.
(18)
Ibid, p. 34.
(19)
Ibid, p. 39.
(20)
Ibid, p. 41.
(21)
Grotius : Droiy de la guerre et de la paix in Derathé, p. 41, Note 4.
(22)
Derathé, p. 44-45.
(23)
Derathé, p. 46-49.
(24)
Brimo : Les grands courants de la philosophie du droit, Paris Pedone 1978, Section II ch II Les doctrines du contrat social, p. 109-130.
(25)
Rials p. 142.
(26)
Kriegel : Les droits de l’homme et le droit naturel, p. 60-61.
(27)
Unesco : Tendances 1000.
(28)
Unesco : Tendances 1002.
(29)
Derathé, p. 390.
(30)
Brimo, p. 95.
(31)
Derathé, p. 390.
(32)
Rials, p. 142.
(33)
Kriegel, p. 46.
(34)
Kriegel, p. 48.
(35)
Kriegel, p. 49.
(36) عياض بن عاشور: العالم العربي: الدولة و حقوق الإنسان، مجلّة الفكر العربي المعاصر، عدد 72-73، ص:52-53.
(3)
Haarscher, p. 12 et 23.
(38)
Villey, p. 136
. 

هناك تعليق واحد: