إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2009

من التسامح كفضيلة إلى التسامح كحقّ

محّمد سبيلا
أصبحت حضارة الأمم تقاس اليوم فقط بمدى التقدّم العلمي و التقني الذي اكتسبته، بل أيضا بمدى قدرتها على الخروج من تقوقعها الذاتي، و قدرتها على رؤية الآخر المختلف، و الاعتراف له بكامل حقوقه و على رأسها حقّ الوجود، و حق الاختلاف. و هذه القدرة ليست ملكة معطاة، بقدر ما هي مكتسب فكري و حضاري يتمّ اختياره بالتدريج، بالتوازي مع النضج الفكري المتمثّل في تحجيم مظاهر النرجسية الفكرية و الجماعية التي تحجب رؤية الآخر كما هو، و تعوق عملية فهم و تفهّم أوضاعه و خصوصياته و دوافعه. و إذا كانت العصور السابقة من تاريخ البشرية قد اتّسمت بالعديد من الحروب و الصراعات الاثنية، و المذهبية و الدينية 
ناهيك عن الصراعات الاقتصادية و السياسية، فإنّه من المفترض اليوم أمام التقدّم الهائل في معرفة أحوال مختلف الأمم و الشعوب، و كذا التقدّم الهائل الذي حققّته الفلسفة و العلوم الإنسانية في فهم آليات و دوافع و منطق التعصّب في مختلف مظاهره و مستوياته، من المفترض أن تخطو كلّ الشعوب خطوة إلى الأمام في نبذ مظاهر التعصّب العرقي، و الفكري، و الديني و السياسي، و في استبدالها بآليات للحوار و التفاهم و الإصغاء المتبادل، غير أنّه إذا كانت البشرية قد حقّقت نظريا و مبدئيا، بحكم التطوّر المعرفي إمكانيات أكبر لفهم الآخر المختلف و تفهّم خصوصياته في الإدراك و الفعل، فإنّ عوامل أخرى قد برزت و شكّلت الأرضية الخصبة لممارسة العنف و أشكال عدم التسامح، منها التقدّم التقني في اكتشاف أضخم و أدقّ وسائل العنف و تسويقها على نطاق واسع، و منها ما اصطلح على تسميته بعصاب الحضارة الحديثة المتمثّل في مظاهر القلق و اللامعنى التي تراود نفسية الفرد أو المجتمعات الحديثة، و منها التفكّك التدريجي لآليات التضامن و التعاضد العضوي التي كان المجتمع التقليدي يوفّرها للأفراد و يحميهم و يؤطّرهم بها سواء تعلّق الأمر بمظاهر التضامن العائلي، أو القبلي، أو العرقي أو غيرها، و منها أخير الظاهرة الأساسية التي تقضّ مضاجع المجتمعات الحديثة وهي ظاهرة التفاوت الحضاري و ما ينتج عنها من فقر و غبن. فقد عرفت المجتمعات التي هي في طريق النموّ طفرات ديمغرافية كاسحة لم تكتف بتغيير المشهد المعماري فقط بل طالت كلّ مستويات الوجود الاجتماعي في هذه البلدان، و بخاصّة منها العلاقات بين الناس. فهذا الطفح الديمغرافي يبرز كلّ محاولات التنمية، و يؤدّي إلى تزايد مظاهر الصراع من أجل كسب لقمة العيش، كما يقذف بشرائح كبيرة من السكّان في أتون حياة يومية تتّسم بالفوضى المعمارية، و التكدس السكني، و الصراع الحادّ على الخيرات و الخدمات، ممّا يولّد ذهنية أو نفسية قوامها عدم التهيّؤ للتسامح و الحوار، بل على النقيض من ذلك التهيّؤ لخطاب العنف و ممارسات العنف و الاحتجاج الناتجين عن الإحباط. فاللاتسامح هو الأرضية المعتادة للعنف، و التسامح هو الطريق إلى الحوار و التفاهم و السلام. و هذه الوضعية الجديدة تتطلّب إضافة إلى التحوّلات الاقتصادية و الاجتماعية تطوير ثقافة جديدة قوامها القبول بالتعدّد و الاختلاف، واعتماد خطاب و آلية الحوار و التفاهم بدل الإقصاء و الصمم عن سماع صوت الآخر. إلاّ أنّ التسامح ليس مجرّد فكرة أو حالة نفسية نعتنقها عند أوّل مصادفة، و ليست مجرّد موقف سلبي يتمثّل في اللامبالاة تجاه معتقدات الآخرين، أو الحلم أو التساهل الذي ينمّ عن درجة من الاحتقار، أو الرفق، أو الامتثال التعوّدي، أو الشفقة الأخلاقية، بل إنّ التسامح في معناه الحديث موقف إيجابي يعني الموافقة و المصادقة و التقبّل الواعي و الاختيار الإرادي. و بالتالي فهو موقف يتطلّب عناء و مراجعة للنرجسية الذاتية الفردية و الجماعة و ممارسة نقد ذاتي تجاه الثقافة الذاتية و المنشطّات الايديولوجية التي يجد المرء نفسه واقعا فيها. و التسامح في معناه الحديث ليس فقط محاولة للخروج من الذات لرؤية الآخر في تميّزه و اختلافه، بل إنّه يتطلّب جهدا فكريّا و تسلّحا ثقافيا بالثقافة الحديثة (ثقافة الحداثة) ثقافة الحقّ و المساواة، إضافة إلى مراجعة نقدية للتراث الثقافي التقليدي بهدف تأويله و تكييفه مع معطيات ثقافة الحداثة الفكرية. ثقافة التسامح هاته لا تعدم جذورا سواء في تراثنا الثقافي الممتلئ بالعديد من القيم الخيّرة و الجميلة، أو في الثقافة الحديثة ذاتها التي نظّمت مقولة التسامح و أدمجتها في القوانين و المؤسّسات الحديثة [...] التراث العربي الإسلامي بشقيه الديني و الثقافي طافح بمثل و آيات التسامح. و ككلّ تراث، روحي إنسانيّ فإنّه تتعايش فيه ثقافة التشدّد و ثقافة التسامح. في النصوص الدينية تتفاعل بشكل رفيع و ارتوازي ثقافة العنف و ثقافة التسامح و السّلم، أو آيات السيف، و آيات الحوار و التسامح. و هنا لا بدّ من إبداء بعض الملاحظات:
1)  أن عدد آيات الحوار و التسامح هو أكثر من 60 آية (انظر ماجد الغرباوي: التسامح و منابع اللاتسامح، بغداد، 2006، ص:159ـ164). و بجانب النصوص القرآنية المشرّعة للتسامح العقدي و الفكري تنضح السيرة النبوية بدورها بقيم التسامح و الدعوة للحوار،[...]  كما أنّ التراث العربي الإسلامي طافح بأدبيّات الحوار و المناظرة. بل إنّ في هذا التراث علما كاملا للحوار و للمناظرة و قاموسا غنيّا مادته المجادلة و المخاطبة و المناقشة و المنازعة و المجالسة و المذاكرة و المطارحة و المساجلة و المداولة و المناقضة سواء داخل الثقافة العربية الإسلامية أي بين الفرق المختلفة، أو بينها و بين الثقافات الأخرى. هناك اليوم ضرورة قصوى لإحياء هذا التراث و تطويره ليكون سندا ثقافيا لإنعاش ثقافة الحوار التي يفرضها علينا العصر الحديث الذي يطلق عليه عصر التواصل.
2) إنّ كلّ ثقافة تشهد، بدرجة أو أخرى، صراعا تأويليا تتوقّف نتائجه لا فقط على السياق الثقافي المحيط بل أيضا على السياق الاجتماعي ذاته. فالثقافة هي بمثابة مخزون فكري متعدّد الألوان، قابل للاستثمار و التأويل في اتّجاهات مختلفة. و القوى الاجتماعية و الثقافية التي هي في موقع التأثير و السيادة هي التي تفرض التأويلات الملائمة لها. لذلك قد يكون من عدم الدقّة أن نصف هذه الثقافة الدينية أو تلك بالعنف أو السلام، بالانغلاق أو الانفتاح، بالتشدّد أو المرونة. بل إنّ شروط التفاعل الاجتماعي السياسي الثقافي هي الشروط المحدّدة حسب الفترات. فإذا كانت العقود الأخيرة قد شهدت انبعاث تأويلات و فهوم أورثوذوكسية متشدّدة للنصوص الإسلامية تبعا لسياقات و محدّدات داخلية و خارجية فليس معنى ذلك أنّ الثقافة الدينية الإسلامية هي ثقافة تشدّد و انغلاق و عنف كما يميل الغرب اليوم إلى تصوّر و تصوير ذلك. لكن إبراز الوجه الآخر للثقافة الدينية الإسلامية يتطلّب تضافر الجهود الفكرية من طرف نخب ثقافية استوعبت أسس و محدّدات الثقافة الإنسانية الكونية الحديثة و بخاصّة في مجال الإنسانيات، لإبراز و تقديم القراءة، المستنيرة للنصوص الإسلامية، و من ثمّة تطوير و تعميق بعد الانفتاح و التسامح فيها. وهي بالتأكيد مهمّة عسيرة بالنظر إلى قوّة عوامل المقاومة و النكوص في مجتمعات ما يزال الوعي السائد فيها يتصوّر أن مظاهر التجديد الثقافي و الفكري على أنّها خروج عن النصّ.
3)  أنّ العالم قد دخل في سيرورة تحوّلات نوعية على كافة المستويات مع نشوء الحداثة بشقّيها المادي و الثقافي. و أنّه ابتداء من القرن الثامن عشر بدأت تتبلور ثقافة إنسانية حقوقية قوامها التعاقد، و المشروعية، و الحقّ، و محورها الفاعل الإنساني، ثقافة تمّ فيها الانتقال بالفكر السياسي من الإشكالية اللاهوتية السياسية إلى الإشكالية السياسية الإنسانية التي تعتبر منظومة حقوق الإنسان نواتها المركزية. في سياق هذا التحوّل أخذت العديد من المقولات الأخلاقية تتحوّل إلى مقولات تشريعية و قانونية و من بينها مقولة التسامح، التي أخذت في الانتقال التدريجي من كونها نوعا من الفضيلة المتمثّلة في الشفقة، و الرحمة، و العفّة، و الحلم، و الرفق، لتكتسب طابعا تشريعيا و قانونيا و مؤسّسيا، أي لتصبح بالتالي حقّا أساسيا من حقوق الإنسان. و قد طال هذا التحوّل العديد من المثل الأخلاقية التي انتقلت بالتدريج من مجال الضمير إلى مجال التشريع أو من دائرة الأخلاقية الذاتية إلى دائرة الأخلاقية الموضوعية حسب المصطلحات الهيجلية. و بذلك تستكمل الحداثة الصرح الأخلاقي بإضافة الآليات الموضوعية إلى الوعي الأخلاقي أو الضمير، انطلاقا من اقتناع فكري مؤدّاه أنّ الوعي و الضمير، في صورتيهما الأخلاقية و الدينية، ضروريان، لكنّهما غير كافيين بسبب هشاشة الكائن البشري و عدم قدرته على الصمود أمام الإغراءات و الإغواءات التي تتضاعف في عصر الحداثة و الوفرة. يطفح التراث الثقافي للأمم المتّحدة بالعديد من الأمثلة التي تشهد على هذا التحوّل و الانتقال في تصوّر التسامح من القيمة الأخلاقية إلى مستوى الحقّ المنصوص عليه تشريعيا. تنصّ ديباجة ميثاق الأمم المتّحدة على اعتبار التسامح قيمة أساسية في العلاقات بين الدول و الأفراد: "نحن شعوب الأمم المتّحدة آلينا على أنفسنا أن و أن نعيش نأخذ أنفسنا بالتسامح، و أن نعيش معا في سلام و حسن جوار". كما تنصّ موادّ هذا الميثاق على ضرورة "تعزيز احترام حقوق الإنسان و الحرّيات الأساسية للناس جميعا و التشجيع على ذلك بدون تمييز حسب العنصر أو الجنس أو الدين". لكن بجانب ميثاق الأمم المتّحدة الذي هو وثيقة توجيهية ذات طابع معنوي و أخلاقي، و بالتالي غير ملزم، فإنّ الأمم المتّحدة نفسها قد أصدرت العديد من الاتّفاقيات التي توقّع عليها الدول الأعضاء و تعتبر توقيعها عليها نوعا من الالتزام بتطبيقها و استدماجها في تشريعاتها المحلّية. و هذه الاتّفاقيات هي صيغ قانونية و تشريعات تتضمّن التسامح كخلفية فكرّية لها، و أوّلها و أهمّها في هذا الباب "اتّفاقية إلغاء العبودية و الاسترقاق" بما تعنيه من إقرار للمساواة المطلقة في الحقّ في الانتماء للإنسانية بعيدا عن أي تمييز في اللون أو العرق أو الحقذ في الكرامة. و الوجه الآخر لهذه الاتّفاقية هي إقرار حقّ الآخر، المختلف عرقا و لونا، في أن يحظى بالاحترام و الكرامة الملازمين لكلّ كائن بشري. فنيل الاعتبار و الاحترام و الاعتراف بالكرامة هنا لم يعد إحسانا، أو هبة، أو تكرّما، أو شفقة أخلاقية أو مجرّد فضيلة بل أصبح حقّا للمتلقّي و واجبا على الطرف الآخر. من بين الاتّفاقيات الدولية التي غذّت هذا التحوّل نذكر "اتّفاقية القضاء على كلّ أشكال التمييز العنصري" (1965) و"الإعلان المتعلّق بالقضاء على كلّ أشكال التعصّب و التمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد" (1981) و"اتّفاقية القضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة" (1979) إلى غير ذلك من الاتّفاقيات التي تشكل ثقافة سياسية كاملة للتسامح. و قد انعكست هذه الاتّفاقيات على مواثيق المنظّمات الإقليمية، و على دساتير و قوانين مختلف الدول. و على وجه العموم تشكّل مقولة التسامح إحدى مقوّمات الفكر الحديث كلّه. و لعلّ ما يمّيز هذا الفكر هو كونه قد أضفى على هذه المقولة طابعا مؤسّسيا و قانونيا و تنظيميا و لم يعد يكتفي باعتبارها مجرّد مقولة أو مثال أخلاقي. فالديمقراطية، التي هي قوام نظام الحكم العصري، تتضمّن مقولة التسامح و تستدمجها في صلبها، ناقلة إيّاها من مستوى الفضيلة إلى مستوى الحقّ. و ذلك لأنّ قوام الديمقراطية هو القبول بتعدّد و توازن الحقوق و المصالح المختلفة. و بالتالي يمكن اعتبار التسامح أحد الأسس الثقافية الرئيسية للديمقراطية، مثلما هو الفكرة المحورية الناظمة لمبدأ حقوق الإنسان. تصادر فكرة التسامح على مبدأ ضمني أساسي هو المساواة المطلقة بين الأفراد و الأجناس و الأقوام و الحضارات. كما أنّها تصادر على فكرة أخرى هي حقّ الاختلاف. فالناس متساوون فيما بينهم مهما اختلفت مذاهبهم و دياناتهم، و عاداتهم، و جنسهم، و عروقهم، و أنظمتهم و لغاتهم، بل إنّ مقولة التسامح هي إقرار بالحقّ من هذا الحقّ. و على المستوى الفكري نلاحظ أنّ التسامح الفكري مرتبط بنسبيته الحقيقية، و القبول بتعدّد المعاني، و اختلاف التأويلات، و تكاثر القراءات للظاهرة الواحدة أو للنصّ الواحد. و على النقيض من ذلك فإنّ القول بالرأي الواحد الأحد و الحقيقة الوحيدة أو المعنى الوحيد هو نوع من الاستبداد الفكري الذي يتعيّن علينا اليوم مقاومته و استبعاده. إنّ أشكال التعصّب المختلفة، التعصّب المذهبي و التعصّب الديني، و التعصّب العرقي، و التعصّب الوطني (رفض الأجانب)، بل و التعصّب الرياضي الذي يبرز إلى السطح بين الفينة و الأخرى تدلّ على أنّه رغم كلّ هذه الجهود و برغم كلّ هذا التراث الروحي و القانوني و المؤسّسي فإنّ التسامح لم يتحوّل اليوم إلى سلوك يومي و لم يصبح ذهنية و مسلكية عامة لدى كلّ البشر، إذ ما تزال بقايا النرجسية الفردية و الجماعية طاغية و متفشية بشكل كبير. وهو ما يجعل أمر إقرار التسامح مهمّة عسيرة لأنّها تتطلّب أوّلا تذويب الكثير من النرجسيات و الأحكام المسبقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق