إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

جارٍ التحميل...

الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2009

العولمة و الهويّة

الهويّة الشخصية عند جون لوك
إنّ الهوية عند "لوك"  ليست حدّا يُحمل على كلّ الأشياء. وهو، خاصّة، لا يُقال على الأشياء المادية، لذلك فإنّ مشكل الهويّة الشخصية بالنسبة إلى "لوك" لا يمثّل حالة خاصّة ضمن الإشكالية العامة للهويّة بل إنّه مشكل قائم بذاته و لا يقارن بمشكل الأشكال الأخرى للهويّة، ذلك أنّ "لوك" يميّز بين ثلاث معاني غير متجانسة للهويّة:
* الهويّة العددية: عندما يتعلّق الأمر بجسم فيزيائي، فإنّ الهويّة تكون عددية و تتغيّر بتغيّر عدد الذرّات التي تكوّن هذا الجسم،  فشيئين متماثلين يختلفان عدديا من جهة اعتبارهما اثنين.
 * الهويّة النوعية: عندما يتعلّق الأمر بكائنات حيّة فإنّ العدد لا يكفي بما أنّ أجزاء الجسم الحيّ تتغيّر باستمرار في حين يبقى الجسد هو هو، إذ هو نفس الكائن الحيّ فالمهر و الحصان هما نفس الكائن الحيّ. و الهويّة هنا تتحدّد بتنظيم الأجزاء. و لكن هذه الهويّة تُحمل أيضا على الآلات الصناعية و كذلك شأن الهويّة الإنسانية فإنها تُقال بهذا المعنى حسب "لوك" إذ هي تُقال على الإنسان من جهة كونه كائنا حيّا يتميّز بشكل ما أو بصورة ما، و إذا ما غيّر الإنسان شكله أو صورته  و يتّخذ مثلا صورة الحمار و يحافظ على روحه فإنّه لا يمكن أن يعيّن كإنسان رغم كونه عاقل. و بالمثل إذا اتّخذ ببّغاء شكل إنسان و صورته فإنّه سيتعيّن من طرف الآخرين كإنسان لا كببّغاء، و هذا يعني أنذ موقف الآخر هو الذي يؤسّس الهويّة الإنسانية.
* الهويّة الشخصية: هذا النوع الثالث من الهويّة هو الأهمّ من الناحية الأخلاقية و الميتافيزيقية بالنسبة لـ"لوك"، و زاوية النظر لهذه الهويّة ليست من الخارج و إنّما هي نظرة الذات لذاتها. وهي، و في ذات الوقت، زاوية نظر داخلية و متفرّدة ولا يمكن التواصل حولها، فنظرة الذات لذاتها لا ترتكز على أيّ شيء آخر فلا الشكل ولا الصورة ولا عدد الأجزاء ولا أيّة علاقة مع الآخر تدخل في تحديد هذه الهويّة الشخصية. ذلك أنّ الهويّة الشخصية يحدّدها "لوك" عبر تحديده لمفهوم الشخص، و الشخص عنده هو "كـائن مفكـّر و ذكيّ"، فالشخص هو الذي يدرك و يدرك أنّه يدرك. و هذا يعني أنّ لوك بتوحيده بين الوعي و النفس يعزل الوعي عن بقية العالم و يميّز راديكاليا بين الهويّة بالوعي و الهويّة بأي شيء آخر غير الوعي أو الشخص لأنّ الوعي هو الذي يحدّد الشخص، و الشخص لا الإنسان الذي تكون هويّته مثل بقية الكائنات الحيّة مدركة من الخارج. و الشخص ككائن مفكّر و ذكيّ هو شيء واحد يفكّر في أزمنة مختلفة و أمكنة مختلفة بحيث لا يتدخّل لا الجسد و لا اعتراف الآخر في يقين الهويّة، و الأفعال المختلفة لشخص ما تخطّ مخزون وجوده المتواصل. و هذا يعني أنّ الهويّة التي تصنع هويّة الذات كشخص تصنع تعدّي هذا اليقين إلى كيان الشخص ذاته أي جوهره ذلك أنّه بالنسبة لـ"لوك" يمكن التمييز بين النفس كوعي و النفس كجوهر، و الهويّة الشخصية التي تتحدّد بتواصل الفكر في الزمان و المكان لا تطرح مشكل طبيعة هذا الجوهر ذلك أنّ تحدّد الهويّة الشخصية باعتباره الإحساس اللامنقطع للشخص بأنّه هو عينه يجعل من مشكل الهويّة عند "لوك" مشكل معرفة أو بالأحرى مشكل تعرّف لا مشكل أنطولوجي، فالخاصية التي تجعلنا نعتبر شيئا ما هو هو لا شيئا آخر لا يرجع إلى اعتبار طبيعة الشيء ذاته و لكن إلى اعتبار الزمان و المكان فالشيء عينه هو الشيء الذي يحتلّ نفس المكان في زمان غير محدّد، مكان يقصي منه كلّ شيء آخر.
غير أنّ تركيز "جون لوك" على الهويّة الشخصية بما هي ما تختصّ به الذات من تفرّد و وحدة يشمل  الوعي بالذات و تمثّل الفرد لها لا يؤمّن لنا إدراك هويّة هذا الشخص من جهة انتمائه الاجتماعي أو الثقافي لذلك يتحدّث الفلاسفة اليوم و خاصّة علماء الاجتماع عن هويّة اجتماعية تتمثّل في كلّ ما يؤمّن التعرّف على الذات من الخارج و ترتبط بجملة من الأنظمة التي تشترك فيها الذات مع الأعضاء الآخرين داخل المجتمع الواحد، فالهويّة الاجتماعية تمثّل الأساس الذي يستمدّ منه أيّ مجتمع اختلافه و تميّزه عن المجتمعات الأخرى، كما يتحدّث الأنثروبولوجيون عن هويّة ثقافية تتضمّن كلّ ما هو مشترك بين جميع أفراد المجتمع. و هكذا يمكن القول عموما بأنّ الهويّة تعني ما به يكون الشيء هو نفسه، فهي حقيقة الشيء أو الشخص المشتملة على صفاته العينية فالهويّة تشير إلى الخصوصية و الوجود المتفرّد الذي لا يقع فيه اشتراك.
الهويّة عند موران:
يتناول ادغار موران مشكل الهويّة من جهة تعقّد و تنوّع مستويات الهويّة الإنسانية، إذ أنّه يرى أنّ التنوّع بين الأفراد و الثقافات يبلغ حدّا كبيرا إلى درجة أنّنا نحسب القول بالوحدة الإنسانية ضربا من التجريد. و بخلاف ذلك قد يتضمّن القول بوحدة الإنسانية القضاء على فكرة التنوّع. و في كلتا الحالتين لا نتمكّن من فهم جدلية الوحدة و التنوّع بما هي الأساس التفسيري للإنسان و الثقافة على حدّ السواء، لذلك ينقد ادغار موران التصوّرات التي تقف عند الوحدة فحسب و تلك التي تقف عند الكثرة فحسب دون اعتبار الجدلية القائمة بين الوحدة و الكثرة، إذ يجب أن ننظر في الوحدة من جهة كونها تنتج التنوّع لا من جهة كونها تولّد التجانس و تقضي على التنوّع كما يجب أن ننظر للتنوّع من جهة كونه ينتج الوحدة، لا التنوّع الذي ينغلق على ذاته فيقضي على الوحدة.  ذلك أنّ السؤال عن الهويّة عند ادغار موران لا يخرج عن سؤال "مــا الإنسان؟" و السؤال عمّا هو إنساني في الإنسان، خاصّة و أنّ السّؤال عن الهويّة، هو سؤال كثرت المطارحات حوله في وقتنا الراهن، حيث أصبحنا الشهود المذعورين من المشاهد الوحشية التي تقدّمها وسائل الإعلام يوميّا لمشاهدي كلّ الكوكب، فنتساءل عن طبيعة هذا الكائن القادر على الخير كما الشرّ إلى أقصى حدّ، فالإنسان هو كائن يعيش منذ بداية تاريخه على ما ينتجه و لكن أيضا على ما يحطّمه إذ هو كائن حيّ يبلغ أقصى حدّ اشتغاله عندما يستعمل قدراته على التجمّع و على تكوين المجتمعات، لذلك فإنّ الثلاثية الإنسانية المتمثّلة في الفرد و المجتمع و النوع تضع الفرد الإنساني في وضعية تسمح له في ذات الوقت بتكوين تنوّع غير محدود و وحدة خصوصية، غير أنّ العلاقات بين هذه الحدود الثلاثة ليست فقط متكاملة بل هي أيضا متضادّة و تمثّل إمكانات صراع بين خاصيات بيولوجية و خاصيات ثقافية في سيرورة متعاودة  و في تولّد مستمرّ، لذلك فإنّ الهويّة الإنسانية حسب ادغار موران تحمل في ذاتها شكل الوضعية الإنسانية المتكثّرة لا بطريقة منفصلة أو متعاقبة، و لكن بطريقة متزامنة فالإنسان هو في ذات الوقت كائن عارف و كائن صانع و كائن اقتصادي... و الهويّة المركّبة بهذا المعنى لا تذوب لا في النوع ولا في المجتمع ذلك أنّ الإنسان كذات و كفرد لا يتعيّن فقط في الحوار مع ذاته و لكن يتعيّن أيضا في الحوار مع الآخر. و من هذا المنطلق يرفض ادغار موران أن يختزل الهويّة الإنسانية في نظرية واحدة و متجانسة، بل هو يوسّع ضروب تفكيرنا و يلحّ على ثراء و تعدّد روابطنا في التنظيم الاجتماعي، ذلك أنّ الإنسان يسير في اتّجاه هويّة كونية، وهو ما يجعل المستقبل غير يقيني. لذلك يقدّم ادغار موران درسـًا في التسامح بالنسبة للذين يزعمون أنّهم يمتلكون حلاّ لهويّة بعض المجموعات إن لم نقل الهويّة الكونية، ذلك أنّ مجموع المعارف الإنسانية لا يمكنها أن تكون مهمّة مجتمع أو عرق أو ثقافة واحدة، فالتنوّع  الإنساني غير محدود و لا نستطيع أن نضع له بطريقة اعتباطية إطارا أو قواعد صلبة، بل إنّ هذه الوجهة لا يمكن أن تكون إلاّ وجهة إيقاف حركة الإنساني، لذلك يدعو ادغار موران للاحتراس من عولمة النموذج الغربي المدفوع بالمحرّكات الأربعة الناجعة التي يمثّلها العلم و التقنية و الصناعة و الرأس المالية، هذه المحرّكات القادرة على إحداث خسائر فادحة تلحق التوازنات الجوهرية للكوكب. و من هذا المنطلق ينادي ادغار موران  بضرورة الوعي بأهمّية التضامن المتبادل و القدر الكوني المشترك، ذلك أنّ أخلاقيات المعرفة وحدها قادرة على تدبير تناقضاتنا و على تكوين خصائص إنسانية. وهو ما يعني أنّ ادغار موران يريد أن يفكّر في إنساني ثريّ بتناقضاته: الإنساني و اللاإنساني، التقوقع على الذات و الانفتاح على الآخر، العقلانية و الانفعالية، العقل و الاسطورة، الحتمية و الحريّة...  و الهويّة الإنسانية هي في آخر الأمر هويّة مركّبة تتكون عبر الأرض وعبر العائلة وعبر الثقافة وعبر التربية، ولكنها أيضا تتكون عبر اختيار المهنة، و عبر اختيار مواهبنا و قدراتنا، و عبر اختيار قيم الحياة و عبر اختيار الأصدقاء و عبر البحث عن الحقيقة، حقيقة ذواتنا و حقيقة حياتنا. كما أنّها أيضا الانفتاح على الآخرين و خاصّة الآخر المختلف و النظر إليه لا كمنافس أو كعدوّ و لكن كأخ أو كأخت في الإنسانية قادر على تمرير الحقيقة المختفية في ذاته، كآخر نستطيع العيش معه في اشتراك متبادل فالمهمّ بالنسبة لكلّ إنسان هو أن تكون له هويّة واضحة و أن يكون منفتحا على الآخرين.
اللغة و مطلب التفاهم عند  هانز جورج غاديمار
لقد بيّنت التجربة أنّ لقاء الإنسان بالإنسان و لقاء الثقافات كمناسبة لممارسة طقوس الاعتراف المتبادل، كثيرا ما يؤدّي إلى مجموعة من ردود الأفعال المرتبطة بأحكام مسبقة، و كليشيات مبنية على العادة و حتّى المركزية الاثنية، وهو ما يفسّر واقع الصراع و النزاع الذي يتجلّى في لقاء الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة. و قد يسهل علينا استجلاء أسباب فشل اللقاء، ذلك أنّ انغماس الهويّة في خصوصيتها و انغلاقها على ذاتها يؤدّي إلى فشل اللقاء مع الآخر الحضاري. و لكن أيضا المركزية الإثنية التي تتجلّى في ادّعاء خصوصية ما للكونية يولّد الفشل. غير أنّه إذا كان من الهيّن علينا معرفة أسباب فشل اللقاء، فإنّ تحديد شروط تحقيق كوني إنساني يبدو أكثر صعوبة خاصّة إذا تعلّق الأمر بحوار بين أفراد ينتمون إلى مجموعات لسانية مختلفة. فكيف يمكن استئناف التفكير في اللغة بما يجعلها أرضية للقاء لا يكون قاتلا للجميع ؟ ثمّ ما هي مقتضيات التفاهم المتبادل و مشاكل الفهم و التفاهم خاصّة في وضعية الحوار بين ثقافتين مختلفتين ؟
إنّ الانتماء إلى ثقافة ما يعني التواصل بطريقة خصوصية أي ممارسة طقوس الاعتراف المتبادل مثلما أقرّ ذلك "لويس ألتوسار" باعتبارها طقوس متعارف عليها و تدخل في إطار العادة، كما يعني التخاطب بواسطة لغة مشتركة، و بالتالي الحوار، بمعنى التبادل و الاتّفاق المتبادل. و من هذا المنطلق يقرّ غادامار أنّ التفاهم "هو سيرورة حيّة تعبّر من خلالها جماعة حيّة عن نفسها"، و تتحدّد اللغة في هذا الإطار بما هي صيرورة الحياة الخصوصية و الفريدة، ذلك أنّ اللغة لا تتضمّن فقط علامات و قواعد تنظم استخدام هذه العلامات بل تتضمّن أيضا طريقة فريدة في تحليل عناصر موضوع التواصل اللغوي، فأن نتعلّم لغة جديدة لا يعني فقط تعلّم تسمية الأشياء بأسماء مختلفة و إنّما هو أيضا تعلّم ضروب عيش المجموعة التي تتكلّم هذه اللغة. لذلك يرى غادامار أنّه علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ظاهرة الغيرية، و أن نخضع إلى مقتضيات معيّنة حتّى يحصل التفاهم المتبادل. ذلك أنّ التفاهم "ليس فعلا بسيطا"، و عندما نتواصل نجد أنفسنا أمام إمكانيتين:
* إمّا أن يكون هناك توافق بين المتكلّم و المتقبّل، المخاطِب و المخاطـَب عبر معايير اللغة، و نقول عندها إنّ شروط التفاهم ناجحة.
* و إمّا أن لا تكون هناك بداهات مشتركة، أي نكون إزاء معايير و قيم متغيّرة و مختلفة، وهو حال تلاقي الأفراد الحاملين لثقافات مختلفة، ففي هذه الحالة نكون إزاء مواجهة بين رؤى مختلفة للعالم، إنّه لقاء الغريب.
و إذا كان سوء التفاهم وارد بين أفراد ينتمون إلى نفس الثقافة، فإنّه في حالة لقاء الغريب قد يتحوّل التفاهم أيضا إلى سوء تفاهم، و ربّما حتّى إلى لا تفاهم، و إذا كان من الممكن تجاوز سوء التفاهم بمجرّد توضيح ما أسيء فهمه، فإنّنا نجد أنفسنا في اللاتفاهم أمام مأزق قد يتحوّل إلى اختلاف كلّي و ربّما حتّى رفضا للتلاقي، لذلك لا بدّ من البحث عن أسباب مشاكل الفهم، خاصّة و أنّ الفهم ليس معطى بسيط، بل إنّه يقتضي مجهود تأويل. و من هذا المنطلق يحدّد غادامار شروط التفاهم في أربع نقاط:
ü    اللامركزية: إذ علينا أن لا ننظر إلى أنفسنا كمركز، و بالتالي أن نقبل بقيام تجربة الأنت.
ü    قبول قواعد لعبة اللغة و المتمثّلة أساسا في الدخول في لعبة الآخر للقيام بتجربة حوار حقيقي، بمعنى محاورة الآخر دون أن نعرف مسبقا ما سينتهي إليه الحوار.
ü    مراجعة نظرتنا للحوار، ذلك أنّ الحوار حسب غادامار ليس حركة دائرية مغلقة على ذاتها بحيث تصل فيها الأجوبة إلى أسئلة مولّدة لأجوبة جديدة، فالحوار يشبه تجربة الفنّ الذي ينكشف إلينا كحدث مضيء، و الحقيقة التي تظهر لنا عندها كحقيقة ممكنة تدفعنا إلى مراجعة منطلقاتنا، إذ يتعلّق الأمر بالنسبة لـغادامار بالتخلّي عن حقيقة مثالية واحدة، وهو ما يتحقّق عند حصول التفاهم التأويلي.
ü    الاعتراف بدور العادات في الحوار و التفاهم، إذ علينا أن نتبيّن أنّ مواقفنا مبنية وفق عادات، فنحن نعيش في زمان محدّد و مكان محدّد، و نتحرّك في وسط معيّن، و كلّ هذه الـعوامل تحدّد كياننا، و الاعتراف بحقّ الآخر بأن تكون له عادات خاصّة به تمكّننا من الوعي التأويلي الذي يساعدنا على الانفتاح على الآخر و الحوار معه في إطار تواصل حقيقي.
و شروط الحوار هذه تجعل غادامار يحدّد الحوار بما هو فنّ التأويل، فنّ تأويل يعترف بأنّ الفكر كحامل لمواقف و لأحكام هو عنصر كوني يمكنني من تجاوز الحدود الضيّقة لخصوصيتي، و يمكّن كلّ إنسان من معرفة الإنسان عبر الامتناع عن إدراك الآخر في كلّ خباياه من نظرة واحدة، و ذلك لا يكون ممكنا إلاّ بالوعي بالدور الذي يلعبه التاريخ في ذاكرة الشعوب، و دور الأحكام المسبقة و العادات في بناء هويّة الأفراد، و هذا العقد الكوني الذي يقوم على التأويل هو ما سيمكّننا من إقامة تواصل حقيقي بين الثقافات، فلا يتعلّق الأمر فقط بتعلّم لغة الآخر للتواصل معه، بل يجب أيضا أن نتكلّم ثقافته، ذلك هو شرط تحوّل التعلّم إلى فهم و بالتالي إلى تفاهم. ذلك أن فكر غادامار يتأسّس حول مفهوم التأويل الذي يقتضي البحث عن القصد العميق الذي يحي الخطاب، إذ يتعلّق الأمر بالفهم الدقيق لما أراد المتكلّم قوله كما يتعلّق بمعرفة المحتوى الفعلي للرسالة، فغادامار يريد أن يصالح بين مشروع التأويل و فكرة الحقيقة، إذ توجد فعلا حقيقة للخطاب، و هذه الحقيقة ليست واحدة و مغلقة بصفة مطلقة، و لكنّها أيضا ليست مفتوحة لكلّ التأويلات. فالتأويل يجب مقارنته بعمل المترجم الذي يسعى إلى التعبير الأكثر أمانة عن معنى النصّ الأصلي، لأجل ذلك علينا استخدام كلّ الوسائل المتاحة في اللغة و في تاريخنا و في ثقافتنا و خاصّة قدراتنا على تجاوز ذواتنا بالفكر و بالخيال لننفتح على فكر الآخر، لأنّ معنى الخطاب و معنى كلّ أثر إنساني لا يمكن فهمه إلاّ عبر إعادة بناء رؤى العالم و قيم و دوافع صاحبه.
التنوّع الثقافي عند كلود ليفي ستروش:
إنّ عصرنا اليوم هو عصر الاختلاف دون منازع، فنحن نمدح الاختلاف و نقرضه، نطالب بحقّ الاختلاف و نناضل من أجله. غير أنّ الحضور الدائم لكلمة الاختلاف في منطوقنا اليومي و في مختلف المنابر، لا يعكس بالضرورة حضور فكرة الاختلاف في ظلّ واقع العولمة حيث تسيطر ثقافة واحدة، و حيث نلاحظ مواقف عنصرية و لا تسامح مع الاختلاف الثقافي. ذلك هو منطلق "كلود لفي ستراوس" في تظنّنه على ما آلت إليه العلاقات الإنسانية اليوم و العلاقات بين الثقافات و الحضارات في ظلّ الحدّ الأقصى من الاتّصال أو ما سمّاه "إفراط الاتّصال". ما هو إذن  شأن الاختلاف الثقافي اليوم ؟ هل هو واقع فعلي معيش أم أنّ الاختلاف هو مجرّد كلمة أو شعار نتبجّح بها في المنابر لتوشي الخطب ؟
عندما قارن "كلود لفي ستراوس" علاقات القرابة و الأساطير عند "البدائيين" لاحظ أنّه ينتهي دائما إلى نفس المشكل الأساسي، فاستخلص أنّ وراء تنوّع الثقافات توجد وحدة نفسية للإنسانية، إذ هنالك عناصر أساسية مشتركة للإنسانية، و الحضارات لا تقوم إلاّ بتركيب هذه العناصر المشتركة في تشكيلات مختلفة. و لذلك نلاحظ بين الثقافات البعيدة عن بعضها البعض تشابهات وهي تشابهات لا تُعزى بالضرورة إلى التواصل بين الحضارات خاصّة إذا ما تبيّنا وجود حضارات يصعب تصوّر الاتّصال فيما بينها نظرا لانزوائها و تباعدها عن بعضها البعض مثلما هو شأن حضارة "الأنكا" في "البيرو" و"الداهومي" في "إفريقيا".
و يلاحظ "كلود لفي ستراوس"، انطلاقا من دراسته للأساطير و القواعد الاجتماعية لمختلف الثقافات نواة أساسية تمثّل لا متغيّرات بنيوية Des Invariants structurales في كلّ بقاع العالم مثل علاقات المحرّمات Prohibition de l'inceste، فهذا الممنوع يحضر في كلّ المجتمعات و يمثّل لا متغيّر بنيوي يسمح في كلّ المجتمعات من التحوّل من الإنسان البيولوجي إلى الإنسان الاجتماعي. و من هذا المنطلق يقرّ "لفي ستراوس" أنّه:"ليس هناك حضارة بدائية و أخرى متطوّرة"، بل هناك إجابات مختلفة لمشكلات أساسية و متماثلة، و ما يسمّيه العنصريون بالمتوحّشين هم أيضا يفكرّون و فكرهم ليس أقلّ مرتبة من فكر الغربيين بل هو فقط فكر يشتغل بطريقة مختلفة عن فكر الغربيين. و هذا يعني أنّ الإنسانية عند "لفي ستراوس" تتطوّر في ضروب متنوّعة من المجتمعات و الحضارات، و هذا التنوّع الثقافي ليس مرتبطا بأي حتمية بيولوجية لأنّ التنوّع البيولوجي ليس إلاّ تنوّعا على مستوى آخر  موازٍ للتنوّع الثقافي خاصّة و أنّ التنوّع الثقافي يتميّز عن التنوّع البيولوجي من جهة كون التنوّع الثقافي يعدّ بالمئات و الآلاف في حين أنّ التنوّع البيولوجي يُعدّ بالعشرات. و قدرة الثقافة على دمج هذا المجموع المركّب من الاختراعات في الميادين المختلفة و الذي نسمّيه حضارة يتناسب مع عدد و اختلاف الثقافات التي تتشارك مع بعضها عن قصد أو عن غير قصد في تأسيس استراتيجيا مشتركة. ذلك ما ينتهي إليه "لفي ستراوس" عبر مقارنته بين أوروبا في عصر النهضة و أمريكا ما قبل "كولومبس"، فأوروبا عصر النهضة كانت تمثّل موضع تلاقي و صهر التأثيرات الأكثر تنوّعا بدءا بالتقليد الروماني و اليوناني فالجرماني و الأنقلوساكسوني وصولا إلى التأثيرات العربية و الصينية، في حين أنّ أمريكا ما قبل "كولومبس" لا تنعم بهذا التنوّع بحكم عزلتها كقارّة، و في حين أنّ الثقافات التي كانت تتلاقح في أوروبا تمثّل نتيجة اختلافات قديمة تعود إلى ألفيات ممّا جعلها تحقّق توازنا اجتماعيا فإنّ ثقافات أمريكا لم تكن متمفصلة بما فيه الكفاية وهو ربّما ما يفسّر انهيارها أمام حفنة من المستعمرين ثمّ إنّ الحلف الثقافي في أمريكا ما قبل "كولومبس" كان مقاما بين أطراف أقلّ اختلافا.
و هذا يعني أنّه ليس هناك مجتمع ترسّبي في ذاته و بذاته و التاريخ الترسّبي ليس خصوصية بعض الأعراق أو بعض الثقافات بل هو نتيجة سلوك ثقافي، هو ضرب من وجود الثقافات يتمثّل في وجودها معا، و هكذا يستخلص "لفي ستراوس" أنّ التقاء الثقافات قد يؤدّي إلى نتيجتين، فإمّا أن يؤدّي إلى تصدّع و انهيار نموذج أحد المجتمعات و إمّا أن يؤدّي إلى تأليف أصيل بمعنى ولادة نموذج ثالث لا يمكن اختزاله في النموذجين السابقين. و هذا يعني أنّه ليس هناك تلاقح حضاري دون مستفيد و المستفيد الأوّل هو ما يسمّيه "لفي ستراوس" بالحضارة العالمية التي لا تمثّل حضارة متميّزة عن الحضارات الأخرى و متمتّعة بنفس القدر من الواقعية و إنّما هي فكرة مجرّدة. و مساهمة الثقافات الفعلية المختلفة لا تقتصر على لائحة ابتكاراتها الخاصّة، خاصّة و أنّ البحث عن جدارة ثقافة ما باختراع أو بآخر هو أمر لا يمكن التثبّت منه، ثمّ إنّ المساهمات الثقافية يمكن توزيعها إلى صنفين، فمن جهة لدينا مجموعة من الإضافات و المكتسبات المعزولة التي يسهل تقييم أهمّيتها وهي محدودة و من الجهة المقابلة لدينا إسهامات نسقية ترتبط بالطريقة الخاصّة التي يختارها كلّ مجتمع للتعبير أو لإشباع مجموع طموحات إنسانية و المشكل بالنسبة لـ"لفي ستراوس" لا يتمثّل في قدرة مجتمع ما على الانتفاع من نمط عيش جيرانه و لكن، إذا ما كان هذا المجتمع قادرا و إلى أيّ مدى يكون قادرا على فهم و معرفة جيرانه ؟ و من هذا المنطلق فإنّ الحضارة العالمية لا يمكن أن توجد إلاّ كفكرة، من حيث أنّها: "تحالف للثقافات التي تحتفظ كلّ واحدة منها بخصوصيتها".
أمّا ما هو بصدد التحقّق في إطار العولمة، فليس إلاّ علامة تقهقر الإنساني و الكوني. و إذا كانت الإنسانية تأبى أن تكون المستهلك العقيم للقيم التي أنتجتها في الماضي، فإنّه عليها أن تتعلّم من جديد أنّ كلّ خلق حقيقي يتضمّن نفيا و رفضا للقيم الأخرى، لأنّنا لا نستطيع أن نذوب في الآخرين و أن نكون مختلفين في نفس الوقت و العصر الذهبي للخلق تحقّق في "ظلّ شروط الحدّ الأدنى من الاتّصال"، لأنّ هذا الحدّ الأدنى من الاتّصال هو ما يدفع أطراف التواصل رغم البعد و دون أن يكون التواصل دائما و سريعا وهو الشكل الذي يضعف الاختلاف. و "كلود لفي ستراوس" يعلم أنّ العودة إلى الوراء غير ممكنة، و لكن الوجهة التي تسير فيها الإنسانية، وجهة العولمة تجعل الوضع الإنساني مشحونا و مولّدا للحقد العرقي و اللاتسامح الثقافي "فنحن الآن  مهدّدون باحتمال تحوّلنا إلى مجرّد مستهلكين قادرين على استهلاك أي شيء من أيّة نقطة في العالم و من أيّة ثقافة و الثمن دائما فقداننا لأصالتنا بأكملها". يبدو إذن أنّ إفراط الاتّصال هو ما يهدّد الإنساني لأنّه يهدّد التنوّع و الاختلاف المحفّز و المولّد للإبداع المحرز للتقدّم. و بالتالي فإنّ عدم اعتبار الاختلاف يجعلنا نعتقد أن ما هو عادي بالنسبة إلينا هو كذلك بالنسبة لكلّ الناس، يجعلنا نعتقد أن معاييرنا الثقافية هي معايير كونية، و يجعلنا نعتقد أن ما هو عادي بالنسبة إلينا هو أيضا طبيعيا.
و هكذا فإنّ المختلف بثقافته لا يعتبر فقط غريبا بل أيضا بربريا، فالغريب هو الآخر بالنسبة إلى الأنا، هو من ينتمي إلى ثقافة مختلفة و البربريّ هو الغريب الذي أُموضعه في مرتبة أقلّ من الإنسان. لذلك يسمّي "كلود لفي ستراوس" مركزية إثنية Ethnocentrisme الحكم المسبق الذي لا يحكم قيميا على ثقافة أخرى إلاّ انطلاقا من ثقافته الخاصّة. و هذا يعني أنّ المركزية الاثنية بالنسبة للوعي الجماعي، هي عند "كلود لفي ستراوس" نظير الأنانية بالنسبة للوعي الفردي. لذلك يدعونا "كلود لفي ستراوس" إلى التسامح مع الثقافات  الأخرى و أن نتعلّم تقبّل اختلافات الإنسانية، ذلك ما يسمّيه بالنسبية الثقافية، فليس هناك ثقافة لها الحقّ في النظر إلى ذاتها باعتبارها أرقى من الثقافات الأخرى، و لذلك يقول: "كلود لفي ستراوس" :" إنّ البربري هو ما يعتقد في وجود البربرية"، فمن وجهة النظر الأنثروبولوجية ليس هناك سلّم مفاضلة بين الثقافات و إنّما هناك تنوّع نسبي بين الثقافات و مفهوم التفوّق الثقافي ليس إلاّ وليد  الحكم المسبقة الذي تمثّله المركزية الاثنية أو الميل لاعتبار ثقافتنا الخاصّة نموذجا للإنسان.
الكونية و السّلم عند كــانط:
عندما نعتبر أنّ حالة الطبيعة هي حالة حرب، نعتقد أنّ السلم ليس إلاّ نوعا من الهدنة بين حربين و كأنّ السلم ليس حالة طبيعية. و كانط لا يناقش و لا ينفي كون حالة الطبيعة هي حالة حرب و أن الإنسان شرّير، و لكنّه يقرّ بضرورة إقامة السّلم. و على خلاف الحسّ المشترك يرى كانط أنّ السّلم هو مشروع قابل للتحقيق، لا بمعنى تغيير جذري في الطبيعة الإنسانية بحيث نتحوّل من إنسان شرّير إلى آخر خيّر، بل إنّ إنشاء الحقّ يمثّل بالنسبة له خلاصا سياسيا للإنسان. ذلك إنّ كانط يرى أنّ السّلم هو نتيجة للحقّ فلا يكون السّلم إلاّ بتطبيق الحقّ، فالحقّ هو الذي يحدّد التعايش السلمي بين الحريّات إذ لا تكون شرعية إلاّ العلاقات، سواء بين الأفراد أو بين الدول، التي لا تقوم على العنف و إنّما تقوم على الخضوع الحرّ لقانون مشترك.
و من هذا المنطلق فإنّ السّلم ليس مثاليا لا يمكن تحقيقه بل، إنّه مطلب العقل ذاته، لذلك يتعلّق الأمر بالنسبة لكانط بتحديد شروط إمكان السّلم، شروط يجب أن تؤمّن في ذات الوقت واقعيته و طابعه الدائم. لذلك يقدم "كانط" الشروط الحقوقية التي تجعل الحرب مستحيلة، و التي يمكن تلخيصها في ثلاث شروط أساسية:
ü    إقرار النظام الجمهوري باعتباره النظام الوحيد الذي يجعل الحرب غير محتملة لأنّه يقتضي موافقة المواطنين، و المواطنون يخيّرون السلم و الأمن على الصراع.
ü    التحالف الضروري بين الشعوب على مستوى عالمي، ذلك أنّ اتّحاد الدول في كنفدرالية هو ما يضمن الأمن لكلّ دولة بحيث يكون من حقّ الاتّحاد فرض السّلم على الرؤساء الذين يريدون تضخيم قوّتهم.
ü    سنّ قانون سياسي كوني يحمي حقّ الغرباء حتّى لا ترى الدول في حضور الغرباء على أقاليمها فعل عدواني، وهو ما يعني دفاع كانط عن فكرة مواطنة عالمية، إذ أنّ الفرد يجب أن يتمتّع بحقوق بطريقة مستقلّة عن انتمائه الوطني والإقليمي.
و يجب أن نلاحظ أن كانط يؤسّس هذا الحقّ السياسي الكوني، أي الحقّ الذي ينظّم علاقات مواطن دولة مع بقية العالم، على معاينة جغرافية فالأرض مستديرة و الناس ينتهون بالضرورة إلى التلاقي. و من هذا المنطلق فإنّ الأرض هي ملك مشترك للنوع الإنساني ولا أحد له الحقّ طبيعيّا في أن يكون هنا أو هناك. و بالتالي فإنّ حقّ الضيافة يجب أن يُسند إلى كلّ إنسان، فكلّ مواطن له الحقّ في أن يُعامل معاملة سلمية. ذلك إنّ الحقّ السياسي الكوني عند كانط، هو حقّ العلاقات الحرّة و التنقّل الحرّ، وهو حقّ التجارة الحرّة و حقّ العدالة في المعاملة و حقّ الهجرة. و هذا الحقّ يحدّد واجب كلّ الدول في ضيافة الغريب و في عدم معاملته كعدوّ.
و هكذا فإنّ الحقّ السياسي الكوني يدين غطرسة الدول الاستعمارية التي تخلط بين حقّ الزيارة و حقّ الغزو فتحتلّ الأراضي الأجنبية دون اعتبارٍ لحقوق متساكنيها. الحقّ السياسي الكوني هو أيضا إدانة لكلّ أشكال التخوّف من الغريب التي تخلط بين الغريب و العدوّ و ترى فيه خطرا كامنا و لذلك فإنّ تأسيس حقّ سياسي كوني يجعل من كلّ إنسان مواطنا للعالم لا مواطنا عالميا بمعنى تنكّره لأصوله و ثقافته و لكن إنسان منفتح على العالم، إنسان لا يتوقّف وعيه بالمواطنة مع حدود بلده و لكن هذا الوعي بالمواطنة يتّسع بحسب العالم كلّه.
و يبرز كانط أن التاريخ الإنساني يقف إلى جانب السّلم بما أنّ الحرب تتحوّل شيئا فشيئا في نظر الأفراد إلى شيء لا يمكن التسامح معه و المفارقة التي يحيل إليها كانط تتمثّل في كون كثرة الحرب هي التي ستولّد السلم لذلك يحذّر كانط من خُطب المستبدّين الذين يقرّون بأنّ الإنسان شرّير جدّا ولا يحترم الحقّ لتبرير الحرب. ذلك أنّه من وجهة نظر "كانط" ما يجب على الإنسان فعله هو بالضبط ما يستطيع فعله وهو معنى الحريّة الأخلاقية عنده. و إذا كان السلم الدائم يمثّل خيرا مثاليا بما هو الخير الأسمى السياسي فإنّ الحقّ الكوني هو مطلب قابل للتحقيق في ظروف الإنسان الواقعية و الفعلية، ذلك أنّ "كانط" يقيم نوعا من المماثلة بين الأفراد و الدول في حالة الطبيعة فحالة الطبيعة هي حالة عدوانية و تنافس، هي حالة حرب تماما كما وصفها "هوبز". و الأفراد ينشئون بالعقد الاجتماعي مجتمعا مدنيا يؤمّن العدالة بفضل الحقّ، و الحقّ يؤمّن في نفس الوقت التعايش السلمي بين الأفراد الذين يتنازلون عن حقّهم في استخدام العنف لفائدة الحقّ، و يلاحظ "كانط" أنّ نفس الشيء يمكن أن يتحقّق في مستوى الدول بالكيفية التي تجعل الدول تغادر حالة الطبيعة كحالة حرب عبر إنشاء مجتمع الأوطان أو حلف بين الأوطان تؤسّس حالة الحقّ. يتعلّق الأمر إذن، بعقد اجتماعي جديد يكون أعضاءه الدول و لكنّه عقد لا يتعلّق بالتخلّي عن السّيادة، وهو أمر غير معقول ولا يولّد غير الفشل، بل هو عقد يتمّ بالتنازل عن الحرب كضرب لحلّ المشاكل و بتأسيس الحقّ السياسي الكوني. و أمن الشعوب لا يؤمّن بالقوّة أو بقوانينهم الخاصّة و لكن يؤمّن بمجتمع الدول و بالحقّ السياسي الكوني وهو ما يتحقّق بالتدرّج حسب "كانط" و السّلم الذي لا يكون من الوهلة الأولى كونيا يصبح كذلك بالتجمّع و الاتّحاد المتطوّر إذ تنخرط فيه الشعوب بتلقائية و بصفة متدرّجة.
ذلك هو الكوني كمطلب، الكوني الذي نظرت له الحداثة مع كانط غير أنّ كانط لم يأخذ بعين الاعتبار أهمّية العامل الاقتصادي في نشأة أو اندلاع الحروب، لم يأخذ بعين الاعتبار أهمّية الايدولوجيا كمؤسّس للتحالفات في الحرب و اكتفى بمناشدة الإرادة الخيّرة للسياسيين, و قام بنداء للعقل لنصرة الحقّ و لكن هذا النداء لم يتمّ الاستماع إليه حيث نلاحظ اليوم تعدّي أمريكا على سيادة الشعوب و الدول باسم الكوني المعولم. كانط أيضا لم يتبيّن أهمّية المسارات اللاواعية في ظهور العنف وهو ما تفطّن له "فرويد" في نظرّية الكبت و هذا يعني أنّ نظرية السّلم أكثر تعقيدا ممّا تصوّرها كانط، لا لأنّ مسألة السلم مسألة لا حلّ لها و لكن هي مشكل يقتضي فهما أكثر تجذّرا ممّا كان يتوقّعه كانط و مهما تصوّرنا الحلول فإنّ سنّ قوانين لا يكفي لحلّ المشاكل و لحلّ الصراعات الإنسانية، ذلك ما تترجمه العولمة اليوم التي تدعّي أنّها تحقّق الكوني كمطلب إنساني نظرت له الحداثة، فإذا بالشعوب تفقد أصالتها الثقافية، و إذا بالقوانين تأوّل وفق مصالح الإمبريالية باسم الكوني.
الثقافة و الكونية عند هيقل:
إنّ الكوني يبدو في الفلسفة كلمة مفتاح فما أن تبدو أطروحة ما قابلة للطعن على ضوء الكوني يتمّ دحضها نهائيا، و ما أن تبدو أطروحة أخرى قابلة للدفاع من جهة الكوني يتمّ تحليلها. لكن هذه الكلمة المفتاح التي هي سند الوضوح و التميّز هي في ذاتها مفهوم غامض ولا يخلو من مفارقات. و لا يتعلّق الأمر بالنسبة إلينا بالتظنّن على الكلّي، بما أنّ من يتكلّم الكوني يتكلّم الفلسفة، و لكن أن نرفع مع هيغل المفارقة الأولى في الكوني، فالكوني يُقال كفردي و ليس هناك كوني قادر على أن يأخذ شكل الكلّ بل إنّ الكلّ ذاته قابل للتعداد و بالتالي لا يخلو من الفردي و ربّما ذلك ما جعل "هيغل" يقرّ: أنّ الكوني ليس إلاّ عملية تضمين للفردي" ففيما تتمثّل علاقة الكوني بالفردي ؟ و ما هو دور المثقّف في تحقيق الكوني ؟
إنّ الفرد بالنسبة لـ"هيغل" لا يتحرّر من طبيعته المباشرة إلاّ عبر اغتراب الذات المشكّلة و بالتالي يمكن له تحقيق اعتراف الآخرين به في بعده الإنساني النوعي ككائن ثقافي قادر على تحقيق كلّ أنواع الغايات، ذلك أنّ الثقافة في توجّهها المطلق هي عند هيغل التحرّر، هي فعل التحرّر الأرقى، فهي نقطة التحوّل المطلق نحو الروحاني السامي إلى شكل الكونية، فبفضل الثقافة تستطيع الإرادة الذاتية اكتساب الموضوعية داخل ذاتها، فتكون قادرة و جديرة بأن تحقّق الواقع الفعلي للفكرة، ذلك أنّ الإرادة الفردية لا تتوصّل إلى تحقيق الحرّية إلاّ إذا تعالت على الرغبات و الدوافع الفردية، و بالتالي إلاّ إذا احترمت حركة السموّ المحايثة التي تجعل هذه الرغبات و الدوافع الفردية متوسّطة في ذاتها، لا عبر خضوعها الخارجي للمطلب الأخلاقي مثلما هو شأن الإنسان الجاهل، بل إنّ الإرادة تحقّق الحريّة عبر تحرير العنصر الكوني و العقلاني الذي تحتويه من جهة كونها التمظهر الذي في ذاته للإرادة الحرّة، و ذلك يتحقّق في سيرورة الثقافة. ذلك أنّ دوْر الثقافة باعتبارها سيرورة مشكلة للطبيعة الخارجية عبر العمل و مشكلة في ذات الوقت للطبيعة المباشرة للإنسان، يتمثّل بالنسبة لهيغل في توسّع الخصوصي و الكوني. فالفرد لا يتحرّر من طبيعته المباشرة ولا يتأنسن إلاّ بفضل العمل إذ أنّ العمل يجعل الفرد خاضعا لنظام خارجي مغاير لنظام تحطيم الموضوع الذي تنحو إليه الرغبة الطبيعية للفرد، فالعمل كسلْبٍ جزئي لموضوعه لا يُموْضعُ الماهية الكلّية و النوعية للذات الإنسانية إلاّ عبر تمكينها من تمثّل ذاتها في مسافة مع الرغبات و الحاجات الخاصّة. و هذا يعني أنّه، بالنسبة لهيغل، هناك قطيعة و تواصل في ذات الوقت بين الطبيعة و الثقافة، و العنصر المحرّر الذي يحتوي عليه النشاط الغائي للعمل يمنع من تجذير الحرّية في المباشر يمنع دمج حالة الطبيعة و حالة الثقافة، ذلك أنّ الحاجة الطبيعية و إشباعها المباشر ليست إلاّ الحالة الروحية في الطبيعة، و بالتالي حالة غياب الحرّية، فالحرّية لا توجد إلاّ في انعكاس الروحي على ذاته. و هذا يعني أنّه بالنسبة لـ"هيغل" يمثّل الفكر العنصر الخاص بالكوني إذ لا شيء يصل إلى مرتبة الكوني إذا كان في شكل موضوع، فالكوني هو لا موضوعي جوهريا ولا يمكن تحقّقه إلاّ في إنتاج و إعادة إنتاج صيرورة الفكر، فالذات تستدعى في كلّ مرّة كفكر في لحظة الإجراء أين يتكوّن الكوني. و الكوني بهذا المعنى هو الذي يحدّد مواقف الذات وهو ما يعني أنّ الجدلية المركزية للكوني عند هيغل تتمثّل في جدلية الجهوي كذات و جدلية الشامل كإجراء لا متناهي، وهذه الجدلية هي جدلية الفكرة ذاتها، و لذلك ليس هناك أي تغيير كوني ممكن للخصوصية كخصوصية. و من هذا المنطلق الهيغلي يجب الاحتراس من الأطروحات الدارجة اليوم و التي تقرّ بأنّ وصفة الكونية الوحيدة تتمثّل في احترام الخصوصيات لأنّ هذه الأطروحات تصطدم دائما بخصوصيات قد يعتبرها رُوّاد هذه الأطروحات كخصوصيات لا يمكن التسامح معها، خاصّة و أنّ الإقرار بأنّ احترام الخصوصيات هو قيمة كونية يميّز قبليا بين خصوصيات جيّدة و خصوصيات رديئة، فنقول مثلا بأنّ خصوصية ثقافية هي رديئة إذا لم تكن تتضمّن في ذاتها احترام الخصوصيات الأخرى، و من هنا يجب الإقرار بضرورة التخلّي عن الخصوصية إذا ما رمنا الكونية، وهو ما يعنيه هيغل عندما أقرّ "إنّ الإنسان المثقّف هو الذي يحسن ختم أفعاله ببصمة الكلّية، وهو الذي تخلّى عن خصوصيته بحيث أصبح يتصرّف وفق مبادئ كلّية". و هذا يعني بأنّ الكوني لا يتقدّم كتقنين للخصوصي أو للاختلافات و لكن كفرادة تملصّت من المحمولات الهووية رغم كونها تشتغل في هذه المحمولات و بها.
و لكن ماذا لو نزعت فرادة للكوني؟ هل يمكن أن نقول عندها أنّ الكوني واحد بالنسبة للكلّ ؟ هل يمكن أن نقول عندها أن الانخراط في الكلّي لا يرتبط بأيّ تحديد خصوصي ؟ أليس معنى التاريخ عند هيغل مرتبطا بمعنى الارتقاء و التقدّم لما هو أفضل؟ ألم يعبّر هيغل عن كون الروح بما هي الثقافة الإنسانية تتجسّد في التاريخ المتّصل بالشعوب و أنّ هذا الروح يتجسّد في الشعب الألماني ؟ ألا يتنزّل هذا القول في موقف شعوبي ؟ و إذا كان هيغل في تصوّره للتاريخ قد اعتبر تحقّق روح المطلق هو نهاية للتاريخ ألا يكون قد شرّع لمفكّر مثل "فوكوياما" بإعلان نهاية التاريخ في انتصار الرأسمالية على الاشتراكية التي تمظهر فشلها في تفكّك الاتّحاد السوفياتي ؟ علينا إذن أن نميّز بين كونية حقيقية تؤسّس الإنساني و أخرى ليست إلاّ خصوصية مدّعية للكونية، خصوصية تتقدّم في شكل كونية تمثّل خطرا على ما هو إنساني، و إذا كان الانتصار للخصوصية و انغلاق الهويّة على ذاتها يقضي على الإنساني فإنّ، و بالتوازي، انفتاح الهويّة نحو الهيمنة، وهو ما يتجلّى في مفهوم العولمة، هو أيضا خطر على الإنساني.
العولمة و الهويّة الثقافية عند سمير أمين:
إنّ قضية الهويّة تمثّل أكثر القضايا حساسية لارتباطها بنشأة المجتمعات و استمرارها و لعلّ هذا ما يضع قضية الهويّة في عمق كثير من النزاعات المسلّحة أو حتّى السلمية في العالم ذلك أنّ الاندفاعات نحو الهويّة ليست حكرا على الأماكن التي تقدّم في التداول الإعلامي باعتبارها مناطق صراع و تعصّب بقدر ما هي منتشرة في مختلف بقاع العالم. و لنتبيّن أهمّية هذه القضية بالنسبة إلى كلّ الثقافات يكفي أن نذكّر بالمفاوضات الشاقّة التي جمعت فرنسا بالولايات المتّحدة الأمريكية على هامش معاهدة "القاط" التي تقضي بحريّة مرور البضائع و الأشخاص و المعلومات بين الدول حيث كان زعماء فرنسا و مثقفّوها متخوّفين من مدى قدرة الهويّة الفرنسية على الصمود في وجه الاختراق الثقافي و الإعلامي الأجنبي.
و هذا ما يضعنا أمام أحد أهمّ الأسئلة على هامش علاقة العولمة بالهوّية وهذا السؤال يتعلّق بالمكان فهذا المكان ضلّ على امتداد التركيبة السياسية التقليدية ممثّلا في الدولة الوطنية، مكانا مغلقا على مجموعة من الفاعلين الحاضرين في علاقات تقوم وجها لوجه أصبح اليوم مجالا كونيّا مفتوحا لتفاعلات أبعد من نطاقه المحدّد يدخل فيها أفراد غير موجودين بالمكان و أحداث لا تحدث بالمكان ذاته، و بهذا المعنى يكون التعايش مع العولمة و الحدود السياسية أمرا محدودا للغاية ما دامت هذه الأخيرة ترتكز على الخصوصية، بينما تسعى العولمة إلى تجاوز هذه الخصوصية و الانتقال إلى العمومية، فالعولمة تسعى إلى إلغاء السيادة و إضعافها مستعينة بوسائلها و آلياتها في تخطّي الحدود و التعدّي على خصوصيات المكان و اختراقه و غزو ثقافة شعبه و أفراده و فرض ثقافة أخرى عليه ممّا يضعف الانتماء الوطني و القومي و يساهم في تفكيك عناصر الهويّة و مكوّناتها ليصبح كلّ شعب بلا هويّة تميّزه عن غيره من الشعوب و الأمم.
وهذا يعني أنذ العولمة هي نظام يعمل على إفراغ الهويّة الجماعية من كلّ محتوى، و هذه العملية تجد جذورها في تاريخ الرأسمالية حسب "سمير أمين" و تحقّقت عبر مراحل يختزلها سمير أمين في ثلاث:
ü    المرحلة الأولى: تمتدّ من ثمانينات القرن 19 إلى سنة 1945 و هذه الفترة يسمّيها "سمير أمين" بالفكر الليبيرالي الوطني للاحتكارات و يعني اقتناع الفكر بأنّ الأسواق الاحتكارية هي المسؤولة طوال هذه المرحلة عن ضبط الاقتصاد  ولو في إطار سياسات ملائمة للدولة التي تقوم على اعتبار المصالح الوطنية من أجل تدعيم موقع الأمّة في المنظومة العالمية و ظهور ما يسمّى بالدولة الأمّة.
ü    المرحلة الثانية: و التي تمتدّ من سنة 1945 إلى سنة 1980 و في هذه الفترة أُقيم الفكر و لو جزئيا على أساس نقد الليبيرالية دون أن يخرج عن إطار الرأسمالية و لهذا يسمّيه "سمير أمين" بالفكر الاجتماعي الوطني الذي ظهر في إطار نمط من العولمة المنضبطة و تحقّق في هذه المرحلة تقدّم ملحوظ في مجال الحقوق الاجتماعية الخاصّة المدعّمة للحقوق العامة مثل الحقّ في العمل و حقّ التعليم و الصحّة و الضمان الاجتماعي و تحسين أوضاع النساء في العمل و خارجه.
ü    المرحلة الثالثة: هي المرحلة التي نشبت خلالها أزمة في دولة الرّفاهة في البلدان الرأسمالية و أزمة في النظام السوفياتي و أزمة في مشروع البلدان النامية أدّت إلى انهيار نمط الفكر الاجتماعي الوطني المتدرّج و قام فكر ليببرالي جديد غير اجتماعي يعمل في إطار عولمة غير منضبطة يسمّيها "سمير أمين" ليبيرالية جديدة و معولمة يغلب عليها طابع الفوضى و تتّسم بالخصخصة و الانفتاح و تخفيض مصاريف الدولة و إلغاء التقنين من أجل إطلاق مطلق الحريّة لفعل السوق.
و يلاحظ "سمير أمين" أنّ التوسّع الرأسمالي ضلّ دائما قائما على تناقض بين مراكزه الذي تمثّله الولايات المتّحدة الأمريكية و أوروبا و اليابان و بين أطرافه الذي تمثّله بقية شعوب العالم، مركز متطوّر اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و أطراف متخلّفة على جميع الأصعدة. و هكذا فإنّ اندثار الحدود السياسية و الثقافية و القانونية أمام العولمة المدعومة بوسائل حديثة كالانترنات و الفضائيات التلفزية قد دمّر آخر قلاع المقاومة للاكتساح الغربي و الأمريكي بالأساس، إذ تتجاوز الهيمنة الأمريكية الجانب الاقتصادي والسياسي لتشمل الجانب الثقافي، ممّا جعل سمير أمين يتحدّث عن ثقافة العولمة بما يعنيه ذلك من تعميم للقيم النفسية و العقائدية... الأمريكية على الأذواق و السلوكيات و الأعراف التي تشكّل المنظومة المتكاملة للخصوصية الحضارية لباقي الشعوب في العالم. فثقافة العولمة تتعلّق بإيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم و أمركته، ايديولوجيا تعمل على تعميم نمط حضاري يخصّ بلدا بعينه هو الولايات المتّحدة الأمريكية على بلدان العالم أجمع، فهي تنحو باتّجاه القضاء على الخصوصية الثقافية بشكل عام. و المدخل الأساسي لهذه الايدولوجيا الثقافية يرتبط بالاختراق الإعلامي الهائل الذي يتجاوز كلّ الأشكال التقليدية للتواصل فيجنّد ثقافة جديدة هي ثقافة الصورة باعتبارها المفتاح السحري لثقافة العولمة. إنّها المادة الثقافية الأساسية التي يجري تسويقها على أوسع نطاق جماهيري وهي تلعب نفس الدور الذي لعبته الكلمة في التاريخ السابق مع فارق يتمثّل في كون الصورة أكثر إغراءا و جذبا و أشدّ تعبيرا و أكثر رسوخا و التصاقا بالعقل لأنّها لغة عالمية يفهمها جميع الناس جهلة أو متعلّمين. وه ذه الثقافة لا تعدو أن تكون معلّبات جاهزة للاستهلاك تتنافس الشركات الإعلامية لتسويقها، وهو ما كرّس منظومة جديدة من المعايير ترفع من قيمته النفعية و الأنانية و المنزع المادي المجرّد من أيّ محتوى إنساني. و يلاحظ سمير أمين أنّ محاولات الأمركة هذه لا تقتصر على مضامين الرسائل الإعلامية بل تتعدّاها إلى التبشير بالانتصار النهائي للقيم الليبيرالية، و الحديث عن نهاية التاريخ بوصفه النتيجة النهائية التي أعقبت الحرب الباردة لما تحتويه من تفوّق لقدرات التكنولوجية الأمريكية و من أفضلية للنظم و المؤسّسات العاملة على الطراز الأمريكي وب ما تنطوي عليه من تحديث و ديمقراطية لا بدّ وأن تعمّم على جميع دول العالم من خلال التمسّك بمبادئ الرأسمالية التي تشكّل غاية التطوّر العالمي و قدر جميع الشعوب و الدول الأخرى.
لذلك يحرص "سمير أمين" على التأكيد على كون الرأسمالية لا تمثّل نهاية التاريخ و ينظّر لضرورة إحلال نظام آخر محلّها، عولمة بديلة يطلق عليها اسم عولمة الثقافة بحيث تجد كلّ خصوصية مكانها في هذه المنظومة الكلّية البديلة، و من هذا المنطلق ينقد سمير أمين المثقّفين في الوطن العربي الذين تدور مناقشاتهم حول إشكالية مفتعلة و مشكل مغلوط يتعلّق بالحداثة و الأصالة ذلك أنّ سمير أمين لا ينظر إلى الثقافة باعتبارها منظومة صلبة ثابتة و مجمّدة في الزمان، فالمسألة بالنسبة إليه تطرح في إطار النسبية الثقافية أين تتحدّد الثقافة كنسق معاني و ممارسات منظّمة حول مراجع رمزية قوّية منظّمة للعلاقات الاجتماعية بالشكل الذي يجعلها متجانسة، ثقافة تتواصل بواسطة التربية و التعليم و تتطوّر بحسب ظروفنا المتغيّرة و لكن أيضا بحسب الجانب الخلاّق في الإنسان إذ تتقدّم الثقافة باعتبارها مبدأ تكيّف مع ظروف الحياة سواء تحقّق ذلك عبر تجديد تكنولوجي أو عبر إنتاجات فلسفية و أيديولوجية مركّبة. و في إطار هذه النظرة للنسبية الثقافة يكون بالإمكان تطوير ثقافة جديدة تجابه العولمة الثقافية لحماية الهويّة الثقافية من الهيمنة التي تفرضها أمريكا.
العولمة و الكونية عند بودريار:
يقرّ بودريار أنّ دينامية الكوني كتعالي، كغاية مثالية و كأوطوبيا تفقد كنهها عندما تتحقّق، خاصّة و أنّ الكونية التي تحقّقت في ظلّ العولمة ليست كونية حقّه، و إنّما هي ادّعاء للكونية، إنّها العولمة المتنكّرة في ثوب الكونية. و من هذا المنطلق يشدّد بودريار على التقابل بين العولمة و الكونية. لأنّ العولمة ليست إلاّ ادّعاءً للكونية ذلك أنّ العولمة تتعلّق بالجانب الاقتصادي و التجاري، إذ هي "كونية" السوق و السياحة و الإعلام، "كونية"  تشيّؤ الإنسان و تنميطه، "كونية" عنف محض يعمل على إقامة عالم متحرّر من كلّ قيمة إنسانية لفائدة الاستهلاك. أمّا الكونية فإنها كونية القيم الإنسانية الثابتة، كونية الحرّية و الديمقراطية و حقوق الإنسان، كونية لا تكون كذلك إلاّ كفكرة و كغاية مثالية. لكن هذا التقابل بين الكوني و العالمي ليس إلاّ تقابلا من جهة الحقّ لأنّ الواقع هو واقع عولمة الحريّة و الديمقراطية و حقوق الإنسان، ذلك أنّ هذه القيم الإنسانية أصبحت بضائع تروّج و تعبر الحدود كأيّ منتوج عالمي، لذلك يرى بودريار أنّ مرآة الكوني قد تكسّرت «لأنّ الكوني كان فكرة، تنتحر كفكرة، كغاية مثالية، عندما تتحقّق في العولمي». و لكن بودريار لا ينظر إلى تكسّر هذه المرآة باعتباره خسرانا لأنّ الخصوصيات التي وقع دهسها في العولمة انبثقت، من حسن حظّ الإنسان، من جديد في شظايا هذه المرآة المكسّرة. إنّ مفارقة الكوني التي أحالنا عليها "هيغل" و المتمثّلة قي كون الكوني يتجذّر في الخصوصي و الفردي يضيف إليها "بودريار" مفارقة أخرى، مفارقة تحطّم الكوني عند تحقّقه. و لذلك كان الكوني لـ"بودريار" مجرّد إيطوبيا تغنّت به الحداثة و نظرت إليه و من هنا يميّز "بودريار" بين كونية عصر التنوير التي ينظر إليها "كانط" من حيث هي كونية إنسانية تبقي على الاختلاف و الكونية كما تحقّقت في العولمة باعتبارها تدمير كلّ اختلاف و دمج بالقوّة لكلّ الثقافات، قتل الثقافات و الخصوصية و إعلان شبه كونية تجسّدت في عولمة القيم الغربية، لذلك فإنّ العولمة ليست شيئا آخر غير الخصوصية الغربية المدّعية للكونية. فهذه الثقافة الغربية التي كانت حبلى بالكوني، جاءها المخاض فولدت العولمة و ماتت هي بدورها. و لذلك يقرّ "بودريار" إنّ الثقافات الأخرى كان موتها رحيما لأنّها ماتت من فرط خصوصيتها في حين كان موت الثقافة الغربية موتا شنيعا لأنّها فقدت كلّ خصوصية عبر استئصال كلّ قيمها السمحة في إطار العولمة و هكذا يستخلص "بودريار" إنّ الكوني يهلك في العولمة". لكن هل يجب أن نعلن انتصار العولمة و نصرها ؟ هل أنّ العولمة باتت قدرا لا مناص منه ؟ إنّ الأمر سابق لأوانه بالنسبة لـ "بودريار"، ذلك أنّ الخصوصيات التي اعتبرت مهدّدة و ماتت أو كادت انتعشت و الخصوصيات التي اعتقدها الغرب قد اندثرت انبعثت من جديد، لذلك يرى "بودريار" ضرورة الانتباه و الاحتراس ممّا يروّج له إعلام العولمة من أنّ كلّ مقاومة للعولمة ليست إلاّ رفضا قديما و مهجورا للحداثة باسم الأصالة. و ذلك أوّلا لأنّ العولمة لا تمثّل الحداثة أو هي حداثة ساقطة و ثانيا لأنّ حركات المقاومة هذه هي حركات أصيلة تتحدّى هيمنة الكوني في شكله المعولم هذه المقاومة تتجاوز الاقتصاد و السياسة بما هي نوع من المراجعة الممزّقة لما يعتقد أنّه مكتسبات الحداثة ممزّقة لفكرة التقدّم و التاريخ كما تتجلّى في العولمة فحركات المقاومة هذه هي رفض لا فقط للبنية التقنية العالمية و لكن أيضا رفض للبنية الذهنية التي تدعّي توحيد كلّ الثقافات و كلّ القارّات تحت علامة الكوني المعولم. و تمثّل هذه المقاومة في منظور " بودريار" انبجاسا جديدا للخصوصية، انبجاسا يمكن أن يأخذ شكل مظاهر عنيفة أو مرضية أو حتّى لا عقلانية من منظور العولمة، فتنبجس في شكل عرقي أو ديني أو لغوي و لكن أيضا تنبجس في المستوى الفردي في شكل سلوك مزاجي أو حتّى عصابي، و لذلك يرى " بودريار" أنّه من الخطأ أن نعتبر هذه المقاومة حركات شعبية معزولة و مهجورة أو حتّى حركات إرهابية فبالنسبة لـ " بودريار" كلّ ما يحدث اليوم من مناهضة للعولمة هو علامة صحّة علامة تمنع العولمي من إعلان انتصاره. و في هذا المنظور يجذّر " بودريار" عداوة الإسلام للقيم الغربية المعولمة و يعتبر أنّ الإسلام هو الاحتجاج الأكثر حدّة للعولمة الغربية و لذلك يعتبر "العدوّ رقم واحد" لثقافة العولمة. و يلاحظ " بودريار" إنّ الغرب إذا لم يدرك هذا فإنّ الإنسانية ستذوب في نوع من القبضة الحديدية بين فكر يدّعي الكونية فكر متيّقن من قوّته و خصوصيات غير قابلة للعولمة خصوصيات يتزايد عددها يوما بعد يوم. إذ أنّ المجتمعات التي تلاقحت مع العولمة لا تخلو من حركات المقاومة، ذلك أنّ ما وقع التضحية به في هذه المجتمعات في سبيل العولمة لم يمت و إن كان قد انزوى في نوع من التخفّي الفاقد للشرعية القانونية. و هذه المقاومة تمثّل في معنى ما "مجرم العولمة" التي تلاحقها في كلّ بقاع العالم. و هكذا ينتهي " بودريار" إلى الإقرار بتصدّع العولمة بل حتّى الإقرار بأن تصدّعها في العمق يسير بنسق أسرع من نسق فرضها بالقوّة فالعولمة لم تنتصر، و الإنسانية اليوم أمام وضع معقّد و مركّب من ثلاث حدود هي عولمة التبادلات و كونية القيم و خصوصية الإشكال الثقافية  و هذه الوضعية تتغيّر بفقدان القيم الكونية لسلطتها و شرعيتها ذلك أنّه كلّما تقدّمت هذه القيم كقيم وسيطة إلاّ و نجحت في ضمّ الخصوصيات كاختلافات في ثقافة كونية للاختلاف و لكن هذه القيم تتراجع اليوم لأنّ العولمة تقضي على الاختلاف و على كلّ القيم بوحشية لذلك يتحسّر " بودريار" على وضع الإنساني اليوم و يعتبر أنّ الكوني كان أمام فرصة تاريخية غير أنّ الحريّة و الديمقراطية و حقوق الإنسان خسرت مواجهتها للعولمة من جهة و المقاومة الخصوصية من جهة أخرى و رغم كون وضعية القيم الكونية تبدو اليوم متدهورة فإنّ " بودريار" يعتبر أنّ العولمة لم تحسم الأمر بعد و لن تحسمه بما أنّ رهانات الكوني الذي انهزم أمام العولمة تواصلها هذه القوى غير المتجانسة و المختلفة بل و المتناقضة و غير القابلة للاختزال التي تمثّلها المقاومة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق