إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

جارٍ التحميل...

الخميس، 28 أكتوبر، 2010

مفهوم الغير في الخطاب الفلسفي

مفهوم الغير في الخطاب الفلسفي بين الالتباس و الوضوح
جميل حمداوي: باحث من المغرب.
يعدّ مبحث الغير من أهمّ المباحث الفكرية التي انشغل بها الخطاب الفلسفي قديما و حديثا. و بالتالي، لا يمكن الحديث إطلاقاً عن الغير أو الآخر إلاَّ في علاقته مع الذات و الأنا. و من ثمّ، لم يظهر مفهوم الغير إلاَّ حديثاً مع هيجل الفيلسوف الألماني الذي ناقش تصوّرات الغير و إشكالاتها ردّا على الفيلسوف الفرنسي ديكارت صاحب التمركز الذاتي و فلسفة الأنا.
أمّا الفلسفة اليونانية فلم تطرح قضية الغير في علاقتها بالأنا كما طرحها الفلاسفة المحدثون و المعاصرون كديكارت، و هيجل، و سارتر، و ميرلوبونتي، و بيرجي، و مالبرانش، و هوسرل، و جيل دولوز، و ماكس شيلر، و لاشولييه، و كاتاري، و مارك جيوم، و كلود ليفي شتراوس، و جوليا كريستيفا...، بل كانت هناك مفاهيم منطقية تناولتها فلسفة أفلاطون وأرسطو كمبدإ الوحدة في 
علاقته بمبدإ الكثرة، و(الهو هو) في علاقته بمفهوم الاختلاف. أي إنّ الفلسفة اليونانية ناقشت مفهوم الغير ضمن تصوّرات منطقية و أنطولوجية بحتة، فلم يكن همّها هو مقابلة الأنا بالغير، بل معرفة موقف الإنسان من الوجود و البحث عن أصل العالم و الاهتمام بالميتافيزيقا الكوسمولوجية (الكونية). أي التقابل بين الإنسان و العالم، و التقابل بين الشعب اليوناني و الشعوب الأخرى المجاورة التي كانت تعتبر في منظور اليونانيين شعوباً أجنبية و أقواماً من العبيد و الغرباء الذين يستحقّون أن يستعبدوا، و يستغلّوا في مرافق الإنتاج كآلات و حيوانات تحصد اللعنة الإلهية. و بالتالي، لم تناقش الفلسفة اليونانية خصوصية الذات، و مستوى وعيها بمكوّناتها الفردية و كينونتها الوجودية و الأخلاقية في حضور الغير أو الشخص الآخر.
إذن، ما هو مفهوم الغير لغة و اصطلاحا ؟ و هل وجود الغير ضروري للأنا ؟ و ما طبيعة الغير؟ و ما هي علاقة الأنا بالغير؟ هل هي علاقة إيجابية أو سلبية ؟ و هل علاقة الأنا بالغير قائمة على أساس المودّة و الصداقة أم على أساس التغريب و الإقصاء ؟ هذه هي الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في ورقتنا الفلسفية هاته.
1 ـ مفهـوم الغير لغة و اصطلاحا:
يعرِّف ابن منظور الغير في كتابه: (لسان العرب) بقوله: (الغير: الاسم من التغيّر. وغير عليه الأمر: حوله. و تغايرت الأشياء: اختلفت. و المتغيّر: الذي يغيّر على بعيره أداته ليخفّف عنه و يريحه. و غير الدّهر: أحواله المتغيّرة) (1).
و المقصود من هذا الاشتقاق اللغوي أنّ الغير هو الشخص المغاير و المخالف أو الآخر المخالف للذات. و يحضر الغير في المعاجم الفرنسية بدلالة الآخرين و الأشخاص المختلفين و المتقابلين. و عليه، فالآخر (l'autre) ليس هو الغير الذي يحيل على مفهوم الشخص، بل هو أعمّ منه، فقد يطلق على الأشخاص autre personne، أو الأشياء (autre chose) على حدّ سواء. و يرى سارتر أنّ الغير هو الآخر. و بالتالي، فالغير هو ليس أنا، بل هو آخر مقابل للذات المفكّرة. و كلّ أنا تتحوّل إلى غير حينما تصبح موضوعا قابلا للمعرفة و الإدراك و التشيّؤِ، و كلّ غير يتحوّل بدوره إلى أنا، حينما تصبح بدورها ذاتا عارفة تمارس الإدراك الموضوعي.
و تتحدّد دلالات الغير بكلّ وضوح و جلاء في الخطاب الفلسفي الحديث و المعاصر عندما نستحضر سياقيا الصراعات الموجودة حاليا بين الأفراد و الشعوب و الإثنيات و العرقيات و الأقليات، و كذلك حينما نستدعي ما يسمّى بالتطهير العرقي، و التمييز العنصري، و صراع الحضارات (صامويل هنتغتون)، و نهاية التاريخ (فوكوياما).
2 ـ هل الغير ضـروري بالنسبة للأنـا؟
ثمّة موقفان أساسيان متناقضان من وجود الغير، فهناك من يرى أنّ الغير غير ضروري بالنسبة للأنا كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي ديكارت  Descartes، و هناك من يرى أنّ الغير ضروري بالنسبة للأنا كالفيلسوف الألماني هيجل Hegel، و الفيلسوف الفرنسي سارتر Sartre.
ديكارت: وجود الغير غير ضروري للأنا:
يرى الفيلسوف الفرنسي ديكارت مؤسّس الفلسفة الحديثة أنّ الأنا هي الأساس في المعرفة، وهي تستغني كامل الاستغناء عن الآخر و الواسطة المعرفية. و يعني هذا أنّ الذات المفكّرة تستطيع أن تصل إلى الحقيقة و اليقين عن طريق التفكير و الشكّ من أجل البلوغ إلى الهدف المعرفي المنشود. لذا، يطرح ديكارت مفهوم الكوجيتو: (أنا أفكّر، إذن، أنا موجود. أو أنا أشكّ، إذن، أنا موجود). و المقصود من هذه القولة التي تشبه عصارة المسار الفلسفي لدى الغزالي صاحب كتاب (المنقذ في الضلال) أنّ الشكّ أو ممارسة التفكير التأمّلي هو الطريق الوحيد للوصول إلى اليقين و الحقيقة. و يمكن أن يشكّ الإنسان في كلّ شيء: الله، و النفس، و الطبيعة... و لكن شيئاً واحد لا يمكن الشكّ فيه هو أنّ الإنسان يمارس الشكّ و التفكير. و بما أنّ الإنسان يشكّ و يفكّر فهو موجود. و بالتالي، فالله موجود و الطبيعة موجودة بدورها. و من هنا، فالذات المفكّرة هي جوهر الكينونة الأنطولوجية للإنسان، وهي المعيار الاستدلالي على وجود الأنا الواحدية. و بتعبير آخر، فالأنا هي التي تثبت وجودها بدون أن تحتاج إلى الغير، و الغير بدوره في حاجة ماسّة ليثبت وجوده عن طريق العقل و الاستدلال و البرهان المنطقي. و يصل ديكارت إلى أنّ الأنا مستقلّة عن الآخر و الواسطة الخارجية، و يمكن أن تعيش بمفردها مستغنية عن وجود الآخر الذي هو في حاجة إلى الاستدلال على وجوده الكينوني و المنطقي. و يترتّب عن هذا أنّ الغير غير ضروري بالنسبة للذات و الأنا. و يقول ديكارت عن الآخر أنّه من الضروري أن يبرهن على نفسه بالمنطق الاستدلالي و التفلسف الأنطولوجي: (...أنظر من النافذة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول عند رؤيتهم إنّي أرى رجالا بعينهم، مع أنّي لا أرى من النافذة غير قبّعات و معاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحرّكها لوالب، لكنّي أحكم بأنّهم ناس: و إذا، فأنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوّة الحكم ما كنت أحسب أنّي أراه بعيني(2) و نستنتج من هذا أنّ ديكارت يشكّ في الآخر، و يعتبر وجوده الافتراضي خاضعا للاحتمال و الشكّ الاستدلالي. و من ثمّ، يؤمن ديكارت بالفلسفة الواحدية أو فلسفة الأنا على حساب الغير، باعتبار أنّ الأنا هي الموجودة يقينيا، وهي الضرورية أنطولوجيا. و بالتالي، يمكن للذات الأنا أن تعيش في غنى عن الغير الخاضع بدوره للشكّ و الاحتمال.
هيجـل: وجود الغير ضروري للأنا:
يعتبر الفيلسوف الألماني هيجل أنّ الوعي هو أساس وجود الذات و الآخر. و لقد ظهر الإنسان وجوديا و كينونيا مع ظهور الوعي و الإدراك و العمل. و يتكوّن هذا الوعي من خلال العلاقات الجدلية الموجودة بين الفكر و الواقع، و بين الذات و الآخر، و بين الأنا و الموضوع. و يعني هذا أنّ الإنسان يدرك وجوده و قيمته و كينونته من خلال وجود الآخر أو الغير باعتباره وسيطا ضروريا للذات. و من الأدلّة القاطعة على ضرورة الغير بالنسبة للأنا لدى هيجل نظرية جدلية السيّد و العبد. فكلّ من السيّد و العبد يحاول كينونيا و اجتماعيا و ميتافيزيقيا أن يحقّق وجوده و حياته و حرّيته عن طريق الصراع الجدلي و المخاطرة لتفادي الموت و الاندثار. فالسيّد لا يمكن أن يحافظ على مكانته الاجتماعية و المصيرية إلاَّ بالصراع مع العبد و الانتصار عليه. و ينطبق هذا على العبد الذي لا يمكن أن يحقّق ذاته إلاَّ بالصراع مع السيّد من أجل أن يفرض ذاته. و المقصود من هذا أنّ الصراع الجدلي هو السبيل الوحيد لتحقيق: الوعي و الوجود الحقيقي للذات. و لا يتأتّى هذا الوجود إلاَّ عبر الصراع مع الآخر. و بالتالي، فوجود العبد مقترن بوجود السيّد، و وجود السيّد أيضا مرتبط بوجود العبد. و للتوضيح أكثر، فالسيّد مرتبط بالعبد مرّتين، و العبد بدوره رهين بالسيّد مرّتين. فالسيّد يحسّ بالانتشاء و الافتخار و الزّهو حينما يسمع العبد يسيّده و يعلي من مكانته. و من ثمّ، فالسيّد في حاجة إلى العبد ليتحقّق من مكانته الاجتماعية، و يتأكّد من تميّزه الطبقي. زد على ذلك أنّ السيّد لا يمكن أن يعيش بدون العبد (الغير)، لأنّه هو الذي يفلح أرضه و يزرعها، و يجد في توفير الطعام و الشراب له، و يعينه على قضاء حوائجه و تحصيل مآربهو العبد بدوره يحسّ بفرح شديد حينما يعلم أنّ سيّده لا يمكن أن يستغني عنه مادام أداة للإنتاج و وسيلة لتسييد مالكه. و في نفس الوقت، يحسّ العبد أنّه بدون سيّده سيضيع هباء منثورا، و لن يجد ما يقتات به، و لا من يشغله و يؤويه، فالسيّد هو الذي يتحكّم في رزقه و عيشه و مستقبله. و بناء على ما سبق، نرى أنّ السيّد لا يمكن أن يستغني عن العبد، ولا العبد يستطيع أن يستغني عن السيّد. و بالتالي، تترجم لنا هذه العلاقات التقابلية جدلية السيّد و العبد و فلسفة الحياة و الموت. و نستشفّ من كلّ هذا أنّ الغير ضروري بالنسبة للأنا أو الذات، ولا يمكن لها أن تعيش في غنى عن الغير كما قال ديكارت، بل الغير ضروري و واجب لوجود الأنا و الذات على حدّ سواء كما يقول هيجل. و بالتالي، فإذا كان ديكارت فيلسوف واحدي و أنوي، فإنّ هيجل فيلسوف غيري يؤمن بضرورة وجود الآخر لتحقيق: كامل الوعي و الإدراك الإنساني. و في هذا السياق يقول هيجل موضّحا جدلية السيّد و العبد و مؤكّدا أهمّية الغير في حياة الذات و الأنا: (تتمثّل عملية تقديم الذات لنفسها أمام الآخر بوصفها تجريدا خالصا لوعي الذات، في إظهارها أنّها ليست متشبثّة بالحياة. و هذه العملية مزدوجة: يقوم بها الآخر كما تقوم بها الذات. و أن يقوم بها الآخر معناه أنّ كلاّ منهما يسعى إلى موت الآخر. و أن تقوم بها الذات يعني أنّها تخاطر بحياتها الخاصّة. يتحدّد سلوك كلّ من وعيي الذات (الفردين البشريين المتواجهيين) إذن، بكون كلّ منهما يثبت ذاته لنفسه، كما يثبتها للآخر بواسطة الصراع من أجل الحياة و الموت. إنّهما مجبران بالضرورة على الانخراط في هذا الصراع؛ لأنَّ على كلّ منهما أن يسمو بيقين وجوده إلى مستوى الحقيقة بالنسبة لذاته و بالنسبة إلى الآخر. فالمخاطرة بالحياة هي وحدها التي يتمّ، بواسطتها، الحفاظ على الحرّية، و بها وحدها يقدّم الدليل على أنّ وعي الذات ليس مجرّد وجود، و ليس موجودا على نمط مباشر مثل نمط وجود الأشياء... ولا انغماسا أو تشبّثا بالحياة. صحيح أنّ الفرد الذي لم يخاطر بحياته، قد يعترف به كشخص، و لكّنه لا يبلغ حقيقة الاعتراف به كوعي لذاته مستقلّ. كذلك يكون على كلّ فرد عندما يخاطر بحياته الخاصّة أن يسعى إلى موت الآخر؛ لأنَّ الآخر لم يعد أسمي منه قيمة، و إنّما تتجلّى له ماهيته كآخر يوجد خارجا عن ذاته، و عليه أن يلغي وجوده الخارج عن ذاته) (3).  و هكذا، يرى هيجل عكس ديكارت أنّ الغير ضروري بالنسبة لوجود الأنا و الذات على حدّ سواء، بيد أنّ العلاقة بينهما علاقة سلبية قائمة على العدوان و الصراع الجدلي.
3 ـ معرفة الغير:
من المعروف أنّ الأنا  ـ باعتبارها ذاتا مفكّرة و مدركة ـ تحاول أن تعرف موضوعا ما، و قد يكون موضوع المعرفة الذي تريد أن تعرفه الأنا أو الذات العارفة معطى مجرّدا أو معطى ملموسا حسّيا، و قد يكون الموضوع المدرك معرفيا ذاتا أو شيئاً ماديا. و إذا كانت الذات العارفة تتّسم بالحرّية و الوعي و الإرادة و القصدية، فإنّ الغير المقابل  ـ باعتباره موضوعا للمعرفة الذي يشبه المادة الخاضعة للدراسة و المراقبة ـ  يفقد كلّ خصائصه الطبيعية و المكتسبة كالعقل و المعنى و الحرّية و الإرادة. و بالتالي، يصبح موضوعا قابلا  للتشيّؤ و الاستلاب من قبل الأنا العارفة المدركة. و من هنا، هل يمكن أن تقوم معرفة ما بين الأنا و الغير؟ و هل الغير ضروري لمعرفة الأنا لذاتها ؟ و هل المعرفة التي تنشأ بينهما ممكنة أو مستحيلة ؟ و هل علاقة الأنا بالغير سلبية أو إيجابية ؟ و ما هي أسس هذه العلاقات المثبتة بين الأنا و الغير ؟
سارتر: الغير ضروري، و لكنّه جحيم:
إذا كان هيجل يرى أنّ الغير وسيط ضروري بالنسبة للأنا و لوعيها الإدراكي و الأنطولوجي و الميتافيزيقي و الاجتماعي و التاريخي و الإنساني. و من ثمّ، فالعلاقة بين الأنا و الغير ليست إيجابية، بل هي علاقة سلبية قائمة على الصراع الجدلي القائم على مخاطرة الحياة و الموت، ولا يمكن لأيّ واحد منهما أن يحافظ على حياته و بقائه إلاَّ عبر الصراع الجدلي الذي يعطينا في الأخير منتصرا و منهزما، و يفرز لنا اجتماعيا و طبقيا ثنائية السيّد و العبد. فإنّ جان بول سارتر Sartre يرى بدوره أنّ الغير ممرّ ضروري و وسيط لا يمكن الاستغناء عنه في مجال المعرفة الإنسانية. فالذات لا يمكن أن تعرف كينونتها إلاَّ عن طريق الغير الذي يراقبها، و يستطيع تقويمها بشكل جيّد و دقيق. كما أنّ الغير يتدخّل كثيرا في حياة الأنا، و يعرف مجموعة من التفاصيل الدقيقة عن الذات المرصودة من قبل الغير أو الآخر. لذا، قال سارتر في كتابه (الوجود و العدم) قولته المشهورة: (أنا، و الآخرون إلى الجحيم). و من هنا، فالمعرفة بين الأنا و الغير مستحيلة وغير ممكنة، وهي مبنية على العدوان و الصراع، على الرغم من كون الغير وسيطا ضروريا للأنا على مستوى المعرفة و الإدراك. هذا، و يورد لنا سارتر مثال: النظرة Le Regard للاستدلال على جحيمية الآخر و تطفّله السلبي. فالطفل، مثلا، عندما يكون وحيدا في مكان ما يختاره بإرادته، فإنّه يلعب بكلّ حرّية، و يتصرّف بعفوية مطلقة، و يعبّر من خلال هذا اللعب الطبيعي عن إرادته و وعيه و وجوده و شخصيته الشعورية و اللاشعورية. لكن في حالة حضور الآخر الذي يراقبه، تتجمّد حركاته، و تتصلّب عضلاته، فيتوقّف عن لعبه، و يحجم عن أداء حركاته العفوية الفطرية. و من هنا، تحسّ الذات أنّ الغير يقيّدها و يحوّلها إلى موضوع مُشيّإ و مُستلِب. وعليه، فالغير بالنسبة لسارتر جحيم أنطولوجي و عدم سلبي. و يقول سارتر في هذا الشأن: (يقوم في أصل مشكلة الغير، افتراض أساسي، وهو أنّ الغير هو الآخر، بالفعل، أي الأنا الذي ليس هو أنا. هنا ندرك سلبا أو نفيا يتّخذ صورة بنية مكّونة: يكون (أنا ما) غيرا (..)، فالغير هو ذلك الذي ليس هو أنا، و لست أنا هو. هذا الـ(ليس) (النفي) يشير إلى عدم يدخل كعنصر فصل معطى بين الغير و بيني أنا. بيني و بين الغير عدم يفصل بيننا و يباعد بيننا. و هذا العدم لا يستمدّ أصله منّي أنا و لا من الغير، و لا من العلاقة المتبادلة بين الغير و بيني أنا، بوصف هذا العدم غيابا أوّل للعلاقة) (4). و إذا كان بعض الدارسين يعتبرون هيجل هو أوّل من طرح مسألة الغير أثناء مناقشته لفلسفة الأنا لدى ديكارت، إلاَّ أن جيل دولوز يرى في كتابه (منطق المعنى): (أن نظرية سارتر، في الوجود و العدم، هي أولى نظرية عامة حول مسألة الغير، لأنّها تجاوزت الخيار التالي: هل الغير موضوع أم هل هو ذات ؟ يعتبر إسهام سارتر إسهاما رائدا للبنيوية؛ لأنّه أوّل من تصوّر الغير كبنية خاصّة أو محدّدة غير قابلة للاختزال في الموضوع و في الذات) (5)  وعلى العموم، فسارتر يؤكّد استحالة وجود علاقة إيجابية بين الذات و الغير مادام هذا الغير جحيما يتطفّل على الذات إرصادا و تبئيرا و وسيطا.
ميرلوبونتي: العلاقة بين الأنا و الغير إيجابية، و أساسها التواصل:
هناك في المقابل من يعارض الطرح الفلسفي القائم على استحالة المعرفة بين الأنا و الغير لدى هيجل و سارتر، و خير من يمثّل هذا الطرح المعاكس الفيلسوف ميرلوبونتي Merleauponty الذي يرى أنّ العلاقة بين الأنا و الغير ممكنة و إيجابية. و بالتالي، فهي قائمة على التواصل و التعاون و الأخوّة. و أساس هذا التواصل هو اللغة؛ لأنَّ باللغة يتحقّق التعارف بين الأنا و الغير. فكم من مرّات عديدة داخل القطار أو الطائرة أو الحافلة أو سيّارة التاكسي، يدخل الإنسان، بعد تردّد و خوف و خجل، في حوار قصير أو مستفيض مع الغير الآخر في مواضيع شتّى، فتتولّد بينهما معرفة أخوية إيجابية ! يقول ميرلوبونتي في هذا الصدد: (إذا ما ربطتني صلة بشخص مجهول لم ينبس بعد بكلمة، فإنّني أستطيع أن اعتقد أنّه يعيش في عالم آخر لا تستحقّ أفعالي و أفكاري أن توجد فيه. لكن ما أن ينطق بكلمة حتّى يكفّ عن التعالي عليّ: هو ذا صوته وهي ذي أفكاره، هو المجال الذي كنت اعتقد أنّه يستعصي عليّ بلوغه، فلا يعلو كلّ وجود معيّن على الآخرين بصورة نهائية إلاَّ حين يبقى عاطلا، و يتوطّد في اختلافه الطبيعي) (6) كما أنّ الغير ضروري بالنسبة لميرلوبونتي، لأنّه لا يمكن للأنا أن تتأقلم مع الوجود ـ و بالتالي، تتكيّف معه سلبا و إيجابا ـ إلاَّ بحضور الغير. فإذا أردنا، مثلا، أن نرفع سيّارة ما، فالذات بمفردها لا يمكن أن تتحمّل ثقل ذلك الرّفع إلاَّ بمساعدة الآخر و مؤازرته الإيجابية. و هكذا، نجد ميرلوبونتي  ـ عكس سارتر ـ يعترف بالعلاقة الإيجابية الممكنة بين الأنا و الغير، و أنّ هذه العلاقة قائمة على أساس التعارف و التواصل (اللغة) و التعاون و الأخوّة.
ماكس شيلر: العلاقة بين الأنا و الغير إيجابية، و أساسها التعاطف:
يرى ماكس شيلر Max Scheller -في كتابه (التعاطف: طبيعته و أشكاله) أنّ وجود الغير ضروري بالنسبة للأنا؛ ذلك أنّ الغير هو الذي يعرّفنا بخبايا النفس و الذات شعوريا و لا شعوريا. فالطبيب النفساني هو الذي يساعد المريض على فهم نفسيته و تفسيرها على ضوء أسبابها الذاتية و الموضوعية. و من ثمّ، فالغير وسيط ضروري للذات لتعرف موضوعها القابل للإدراك. و يذهب ماكس شيلر إلى أنّ العلاقة الموجودة بين الذات و الغير هي علاقة إيجابية ممكنة أساسها التعاطف لا التنافر. أي لا بدّ للغير أن يقيم علاقات نفسية وجدانية مع الذات الأخرى المقابلة أساسها التعاطف الوجداني الداخلي المتين، و مشاركة الأنا في أفراحها و أتراحها ضمن كلّية لا تتجزّأ فيه الذات إلى جسم و نفس، و ظاهر و باطن، و عقل و مادة. و بتعبير آخر، أنّه من الضروري أن نعايش الآخر في مشاعره و انفعالاته و أحاسيسه كيفما كان نوعها باهتة أو عميقة عن طريق المماثلة التي تعني أنّ الآخر مماثل لنا. و من هنا، يرفض ماكس شيلر العلاقات القائمة على النبذ و الكراهية و الحقد و التنافر و التغريب و الإقصاء، و يدعو في المقابل إلى علاقات وجدانية باطنية إيجابية أساسها التعاطف البناء و العطاء الوجداني المثمر و المشاركة الفعّالة. كما يرفض ماكس شيلر بشكل مطلق تقسيم الذات إلى أجزاء ثنائية منفصلة أثناء الإدراك المعرفي، بل علينا أن ننظر إلى الغير الآخر نظرة محترمة كلّية موحّدة يلتحم فيها الداخل و الخارج، و الظاهر و الباطن، و الجسم والروح في بوتقة وجدانية لا تخضع بشكل من الأشكال لأيّ نوع من التقسيم أو التجزيء المصطنع. يقول ماكس شيلر في هذا السياق: (إنّ أوّل ما ندركه من الناس الذين نعيش و إيّاهم، ليس هو أجسادهم (ما لم يتعلّق الأمر بفحص طبّي خارجي)، و لا أفكارهم و نفوسهم، بل إنّ أوّل ما ندركه منهم هو مجموعات لا تنقسم ولا تتجزّأ، ولا نسارع إلى تجزئتها إلى شطرين، أحدهما مخصّص للإدراك الداخلي، و الآخر للإدراك الخارجي. بوسعنا أن نتوجّه، بكيفية فرعية، نحو الإدراك الخارجي أو نحو الإدراك الداخلي. و لكن هذه الوحدة الفردية و الجسدية (المعطاة) لنا في المقام الأوّل تمثّل، قبل كلّ شيء، موضوعا يكون في ذات الوقت في متناول الإدراك الخارجي و الإدراك الداخلي: الواقع أنّ هذين المحتويين يتعلّق أحدهما بالآخر و يترابطان برباط جوهري يستمرّ و يبقى حتّى حين أحاول أن أدرك نفسي. و يستقلّ عن كلّ ملاحظة و عن كلّ استقراء) (7).  و من هنا، فماكس شيلر يرى أنّ العلاقة الموجودة بين الأنا و الغير هي علاقة إيجابية ممكنة يتحكّم فيها التعاطف الوجداني الكلّي.
جيل دولوز: العلاقة بين الأنا و الغير إيجابية، و أساسها الإدراك:
يرى جيل دولوز J.Deleuze في كتابه (منطق المعنى) أنّ الغير ضروري بالنسبة للأنا، و لكن جيل دولوز لا ينظر إلى الغير من منطق شخوصي إنساني و ميتافيزيقي، بل ينظر إليه من وجهة بنيوية محضة. فيرى أنّ ثمّة العديد من الأغيار المقابلة لعنصر الأنا. و لكن العلاقة القائمة بين الأنا و الغير إيجابية قائمة على التكامل الإدراكي. أي إنّ الأنا لا يمكن أن تدرك كلّ العناصر المحيطة بالشيء المرغوب إدراكه، فلا بدّ من الاستعانة بالغير على مستوى المعرفة و الإدراك. فإذا أخذنا على سبيل المثال الشجرة، فالذات لا يمكن أن تدرك منها سوى زاوية معيّنة، بينما الزوايا الأخرى من الموضوع المدرك موجودة، ولا يمكن القول بعدمها و استحالة وجودها ما دمنا لا ندركها من زاوية معيّنة. و من هنا، يتدخّل الغير الآخر ليدركها من منظوره الخاصّ. و يعني هذا أنّ الغير يساعد الذات في المعرفة و الإدراك و التحصيل الموضوعي. فالطالب الذي يعرف الرياضيات يدرك ما لا يدركه طالب الآداب، و العكس صحيح أيضا. و بالتالي، فالغير يكمل الذات في الجانب المعرفي الإدراكي. و من هنا، نتحدّث عن مدرك فعلي وهو الأنا، و مدرك ممكن هامشي هو الغير الوسيط و المكمل. كما ينقسم المدرك الممكن إلى قسمين على مستوى الحضور و الغياب: مدرك تخييلي حينما يغيب وجوده تحضر صورته ذهنيا و وجدانيا لدى الأنا، و مدرك فعلي يتّسم وجوده بالحضور في المكان و الزمان اللذين تحضر فيهما الذات العارفة. و هكذا، فإنّ الغير: (بوصفه بنية هو تعبير عن عالم ممكن، إنّه هو الشيء المعبّر عنه مدركا بوصفه لم يوجد بعد خارج ما يعبّر عنه.) (8). وعليه، فوجود الغير ضروري للأنا عند جيل دولوز من خلال تصوّره النسقي البنيوي، كما أنّ العلاقة بين الأنا و الغير إيجابية قائمة على التكامل الإدراكي.
4 ـ الصداقة و الغرابة من أوجه العلاقة بين الأنا و الغير:
تتمثّل علاقة الأنا و الغير في الخطاب الفلسفي قديما و حديثا في أهمّ تجلياتها الواضحة في ثنائية الصداقة و الغرابة. فـالعلاقة بين الذات و الآخر قد تكون إيجابية مبنية على الصداقة و المحبّة و المودّة، و قد تكون سلبية قائمة على الإقصاء و التغريب و التهجير و التنافر. و تحضر هذه العلاقة بشكل جيّد في مجتمعاتنا المعاصرة التي بدأت تعرف صراعات حادّة و سجالات طاحنة، فينتج عنها تغريب الآخر كينونيا و وجوديا و أخلاقيا و إنسانيا، و تصفيته جسديا و معنويا حقدا و كراهية و عدوانا و تمييزا.
أ ـ  العلاقة بين الأنا و الغير أساسها الصداقة:
مفهوم الصداقـة:
من المعلوم أنّ الصداقة في اللغة العربية مشتقّة من الصدق و حسن القصد، و تدلّ معجما و اصطلاحا على العلاقة التي تجمع بين قريبين أو شخصين متجاورين أو متباعدين على أساس الإخلاص و المحبّة و الفضيلة، فتساهم هذه العلاقة في تحقيق: التقارب و التآلف و المودّة و المحبّة و حسن الرضى بين الطرفين المتوادّين. كما تعبّر الصداقة عن الحقيقة و الكمال و الفضيلة و القوّة، و تدلّ أيضا على علاقة الحبّ و المودّة و الإخلاص التي تجمع بين شخصين متفاهمين و متآلفين. لذا، فالسؤال الجوهري: لماذا يترابط الأنا بالغير برباط الصداقة و المحبّة و المودّة ؟
أفلاطون: الصداقة حالة و جودية وسطى:
يناقش الفيلسوف اليوناني أفلاطون قضية الصداقة في محاورة ليزيس Lysis باعتبار أنّ الصداقة هي علاقة محبّة و مودّة تجمع بين الأنا و الغير، أساسها حالة وجودية وسطى بين الكمال المطلق و النقص المطلق، و بين الخير المطلق و الشرّ المطلق. و يعني هذا أنّ الكائن الكامل المطلق ليس في حاجة إلى صديق، و الناقص المطلق أيضا لا يرغب أحد في مصادقته. و بالتالي، فالذي في حاجة إلى صداقة الغير هو الجامع بين النقص و الكمال من جهة، و يتأرجح بين الخير و الشرّ من جهة أخرى. و بتعبير آخر، يقول أفلاطون: (لا توجد صداقة بين الطيّب و الطيّب، ولا بين الخبيث و الخبيث، ولا بين الطيّب و الخبيث. ذلك لا يجوز في ضوء محاجتنا السابقة. يبقى... أنّ هذه الصداقة تقوم بين ما ليس طيّبا ولا خبيثا من جهة و بين الطيّب و ما في طبيعته من جهة أخرى. ذلك لأنّه لا يمكن أن تقوم، فيما افترض، صداقة نحو ما هو خبيث) (9). و من هنا، فالصداقة هي حالة وجودية وسطى تتوق فيها الأنا إلى الكمال النسبي بعد إحساسها بالنقص الجزئي. و بمعنى آخر، أنّ الصداقة الحقيقية هي التي تجمع واقعيا و إنسانيا بين الأنا و الغير على أساس حالة وسطى وجودية تتراوح بين الكمال و النقص المطلقين من جهة، و الخير و الشرّ المطلقين من جهة أخرى.
أرسطو: الصداقة فضيلة
يرى أرسطو ـ الفيلسوف اليوناني ـ أنّ الصداقة في أبعادها الواقعية و الأخلاقية و المدنية و السياسية و الاجتماعية أنواع ثلاثة: صداقة المنفعة، و صداقة المتعة، و صداقة الفضيلة. فصداقة المنفعة و صداقة المتعة زائلتان و متغيّرتان و غير ثابتتين ما دامتا قائمتين على أساس براجماتي مرتبط بتحقيق: شهوات الذات و تحقيق: مآرب و مصالح الأنا. و كلّ قيمة أخلاقية قابلة للفناء و الزوال و التبدل و التغير فهي غير حقيقية. و بالتالي، لا تستحقّ أن تكون قيمة جوهرية ثابتة. لذا، فصداقة الفضيلة هي صداقة تراد لذاتها بعيدا عن كلّ مصلحة و متعة و منفعة زائلة. و من هنا، فصداقة الفضيلة هي من أحسن الصداقات على مستوى القيم و الأخلاق، و تتسمّ بالكمال و السّعادة و الفضيلة. و لو أخذ بها الناس لما كانت هناك صراعات و حروب و محاكم لفضّ النزاع بين المتخاصمين. و حينما تتحقّق صداقة الفضيلة تتولّد عنها تبعا صداقة المنفعة و صداقة المتعة. و في هذا يقول أرسطو: (لو تعلّق المواطنون بعضهم ببعض برباط الصداقة لما احتاجوا إلى عدالة إذا بلغت حدّ الكمال ظهرت من طبيعة الصداقة. إنّ الصداقة ضرورية. ماذا أقول ؟ إنّها رائعة. فنحن لا ندخّر جهدا في امتداح من يتّخذون الصداقة شعيرة لهم، و نعد كثرة عدد الأصدقاء من المزايا المشرفة. بل إنّ البعض ليرى أنّ الإنسان الشريف و الصديق الحقّ هما شيء واحد.) (10)  و هكذا، فالصداقة الحقّة عند أرسطو ليست هي الصداقة المثالية كما عند أفلاطون، بل هي صداقة واقعية و مدنية قائمة على الفضيلة من خلال البحث عن الجمال و الخير و الكمال و السّعادة الفضلى.
ب ـ العلاقة بين الأنا و الغير أساسها الغرابة:
مفهوم الغرابة:
من المعروف أنّ الصداقة لا تتحقّق سوى في المجتمعات الصغيرة كالعشيرة والقبيلة و الدولة / المدينة كما هو الحال في اليونان، و حتّى إن وجد الغرباء و الغير البعيد أو الأجنبي، فإنّه لا يمكن أن يؤثّر على تماسك المجتمع أو يعكّر صفو وحدته؛ لصعوبة الاندماج في بنية المجتمع الذي لا يعترف إلاَّ بالسكّان الأصليين. بيد أنّه في المجتمعات الكبيرة المفتوحة على الأجانب و الغرباء و الثقافات الأخرى، يكثر الأغيار و الآخرون و المهاجرون، فتكون العلاقات داخل هذه المجتمعات مختلفة و متفاوتة و مضطربة تخضع لمجموعة من العلاقات الإيجابية و السلبية تجاه الغير. و كلّ من يحاول أن يعكّر الصفو على أفراد المجتمع المضيف، فإنّه يتعرّض بلا محالة للطرد و الإقصاء و التغريب و النبذ و الرفض. و من هنا، فالغريب هو المجهول، و الغامض، و المتوحّش، و المتخلّف، و الإرهابي، و المجرم، و المهمّش، و المخيف. علاوة على ذلك، فهو ذلك الرجل الأجنبي الذي ينزل ضيفا على بلد الاستقبال، فيقع في موقفين متقابلين: إمّا أن يتمّ استقباله بشكل إنساني جيّد تحقيقا لمبدأ المعايشة و المماثلة و المشاركة الوجدانية و احتراما لحقوق الإنسان العامة و الخاصة، و إمّا يتمّ رفضه و طرده و نبذه حينما يدخل هذا الغريب في صراع مجتمعي و قيمي و حضاري، أو يعلن تمرّده و خروجه عن قوانين و أعراف و تقاليد ذلك المجتمع المضيف.
جوليا كريستيفا: لا للإقصاء و التغريب!
ترى جوليا كريستيفا Julia Kristeva أنّ وحدة المجتمعات مجرّد وهم و سراب، و أنّ المجتمعات تعيش غربتها قبل أن ينزل بها الغرباء. و يعني هذا أنّ الغربة  ـ تقول كريستيفا ـ تسكن ذواتنا و نفوسنا قبل أن نتعرّف على الغرباء و الأجانب. و بالتالي، فعلينا ألا نسقط مشاكلنا و همومنا على الأغيار و الغرباء و الآخرين، و ننسى نفوسنا المنطوية الغريبة و تصرّفاتنا الشاذّة.
و عليه، فليس الغريب، الذي هو اسم مستعار للحقد و للآخر، (هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلّها...ولا ذلك العدّو الذي يتعيّن القضاء عليه لإعادة السلم إلى الجماعة. إنّ الغريب يسكننا على نحو غريب. إنّه القوّة الخفية لهوّيتنا، و الفضاء الذي ينسف بيتنا، و الزمان الذي يتبدّد فيه وفاقنا و تعاطفنا. و نحن إذ نتعرّف على الغريب فينا نوفّر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته. إنّ الغريب، بوصفه عرضا دالاّ يجعل الـ(نحن) إشكاليا و ربّما مستحيلا، يبدأ عندما ينشأ لديّ الوعي باختلافي، و ينتهي عندما نتعرّف على أنفسنا جميعا على أنّنا غرباء متمردّون عن الروابط و الجماعات.) (11). و هكذا، ترفض جوليا كريستيفا مبدأ الإقصاء و الكراهية و الحقد و تغريب الأغيار الأجانب و نبذ الغرباء المهاجرين و الدّخلاء.  و تقول جوليا كريستيفا صارخة: (لا للإقصاء و التغريب!).
مارك جيوم: العلاقة بين الأنا و الآخر أساسها التسامح
يذهب مارك جيوم M. Guillaume إلى أنّ العلاقة التي ينبغي أن تجمع بين الأنا و الغير أو بين الذات و الآخر أو بين ثقافة و أخرى ليس هو النبذ و الإقصاء و التغريب و الصراع و الحرب و السّجال و العداء، بل الإنصات إلى الحوار و التسامح و الاحترام المتبادل؛ لأنَّ الآخر، أوّلا، يماثلنا في الكينونة البشرية. و ثانيا، فالوجود الفردي و البشري و الاجتماعي و الثقافي و العلمي فيه نقص و استلزام لحضور الغير لتحقيق: التكامل و التعاون الحقيقي. يقول مارك جيوم: (يظلّ الآخر، دوما، غير قابل؛ لأنَّ يردّ أو يختزل إلى الأنا، و غير قابل للفهم، إلى الأبد. إنّه في آن واحد مختلف، بكيفية جذرية، مشابه لغيره في وضعه. الآخر هو منبع هذه الضروب من عدم الفهم الذي يحيي الفكر و ينعشه، بدلا من أن يكبحه و يجمده، وهو يبدّد كلّ أمل في المعرفة المطلقة. إنّه تفاهم و وفاق لا محدود، لأنّه، على التحديد، يترك، دوما، بقيّة من عدم الفهم. يقوم في أساس كلّ كائن مبدأ نقص و عدم كفاية. و هذا النقص لا يكون في وسعي أنا حتّى أن أضعه وحدي، و إلاّ صرت مكتفيا بذاتي. و هكذا، يرتبط مبدأ الشعور بالنقص بالضرورة القصوى للغيرية الجذرية، الغامضة و المستغلقة...ينبغي أن يفهم الوفاق و التفاهم مع الآخر كما تفهم العبارة (التفاهم مع العدو) (12)  و يعني هذا أنّ العلاقة بين الأنا و الغير عند مارك جيوم قائمة على الحوار و التفاهم و التسامح و التكامل و الاحترام و التقدير.
كلود ليفي شتروس و التكامل الثقافي:
يشتغل كلود ليفي شتروس C.L. Strauss في المجال الأنتروبولوجي و الثقافي. لذا، فهو يرى أنّ مستقبل العلاقات بين المجتمعات الفردية و البشرية و الثقافية فيما بينها ينبغي ألاّ يقوم على مسخ حضارة الآخر و تغريبها و طمسها و محاربتها و عولمتها و القضاء عليها، بل لا بدّ للشعوب من الحفاظ على ثقافتها و استقلالها و هوّيتها مع المساهمة ضمن الكلّ الثقافي و الحضاري. أي لا بدّ من تحقيق: التكامل الثقافي بدلا من إذابة ثقافة الآخر داخل ثقافة الأنا. و يدعو كلود ليفي شتروس في كتابه (الأنتروبولوجية البنيوية) إلى الاحتكام إلى مبدإ تكامل الثقافات قائلا: (إنّ الإسهام الحقيقي للثقافات لا يكمن في قائمة اختراعاتها، بل في الفارق المميّز الذي تكشف عنه فيما بينها. إنّ الشعور بالعرفان و التواضع الذي يستطيع كلّ عضو من أعضاء ثقافة معيّنة، بل يجب عليه، أن يستشعره نحو جميع الثقافات الأخرى، لا يمكن أن يتأسّس إلاَّ على الاقتناع التالي: إنّ الثقافات الأخرى مختلفة عن ثقافته، اختلافا تتنوّع أشكاله أشدّ ما يكون التنوّع، و ذلك حتّى و إن كان لا يدرك طبيعة هذا الاختلاف.) (13). و هكذا، يرى كلود ليفي شتراوس أنّ علاقة الأنا بالغير على مستوى الثقافي قائمة على أساس التكامل و التبادل و احترام خصوصيات الآخرين وهوّياتهم الثقافية.
خاتمة:
و نستنتج مِمَّا سبق ذكره، أنّه إذا كان وجود الغير غير ضروري عند ديكارت في إطار فلسفة الكوجيتو، فإنّ هيجل ـ على العكس ـ يرى أنّ وجود الغير ضروري كما توضّح ذلك نظريته جدلية السيّد و العبد. و إذا كان هيجل يرى أيضا أنّ علاقة الأنا بالغير علاقة سلبية قائمة على الصراع الجدلي، و إذا كان سارتر يرى أنّها مبنية على أساس العدم و العدوان، فإنّ ميرلوبونتي يرى أنّها علاقة إيجابية قائمة على أساس التواصل اللغوي. في حين نجد ماكس شيلر يرى أنّ هذه العلاقة مرتكزة على أساس التعاطف و التعايش و المشاركة الوجدانية. أمّا جيل دولوز، وهو ينطلق من مقاربة بنيوية، فيؤكّد إيجابية العلاقة بين الأنا و الآخر من خلال التكامل الإدراكي بين المدرك الفعلي و المدرك الممكن. هذا، و تعدّ الصداقة و الغرابة من أهمّ أوجه العلاقة الموجودة بين الأنا و الآخر. و إذا كان أفلاطون يرى أنّ الصداقة هي الحالة الوجودية الوسطى بين الكمال و النقص المطلقين، والخير و الشرّ المطلقين، فإنّ أرسطو لا يعترف سوى بصداقة الفضيلة. و في نفس الوقت، يغضّ من قيمة صداقة المتعة و صداقة المنفعة؛ لأنَّ هاتين القيمتين الأخلاقيتين زائلتان و فانيتان. وعلى مستوى الغرابة، فقد رفضت جوليا كريستيفا كلّ العلاقات الإنسانية القائمة بين الأنا و الغير، و المبنية على أساس الإقصاء و التغريب و الحقد و التهجير.  و من جهة أخرى، يدعو مارك جيوم إلى الأخوة و التسامح و الحوار و الاحترام المتبادل بين الذات و الآخر مع نبذ السجال و العداء و الحروب الطاحنة و الصراع الحضاري. و في نفس السياق، نستحضر فلسفيا كلود ليفي شتراوس الذي يدافع عن ثقافات الشعوب مهما كانت قوّتها و ضعفها، و يحثّ على ضرورة استقلالها الثقافي هوّية و خصوصية. و يرفض، في نفس الوقت، كلّ سياسة عدائية تحاول طمس ثقافات الآخرين عبر تشويهها و مسخها و تغريبها و عولمتها.
************************
الحواشي:
1 ـ  ابن منظور، تهذيب اللسان، تهذيب لسان العرب، تهذيب من قبل المكتب الثقافي لتحقيق: التراث، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1993م، ص289.
2 ـ ديكارت، التأمّلات، التأمّل الثاني، ص14.
3 ـ هيجل، فينومينولوجيا الروح، ترجمة هيبوليت أوبييه، الجزء الأوّل، سنة 1977م، ص158-161.
4- J.P.Sartre, l’Etre et le néant, Gallimard, 1943, P285-287.
 5- Gilles Deleuze, Logique de sens, Minuit, 1969, p360, note11.
6-  Merleauponty, Phénomologie de la reception, NRF, Gallimard, 1967, p414.
7- Max Scheller, Nature et formes de la sympathie, Traduction: M.Lefebvere, Payot, 1971, P353-355.
8-  Jilles Deleuze, Logique du sens, Minuit, 1977, P356-360.
9-  Platon, Lyris, œuvres complètes, La Pléade, Gallimard, 1977, Traduction: Léon Robin, P338-342.
10- Aristote, Ethique à Nicomaque, Traduction: J.Voilquin, Garnier Flammarion 1965, p207-209.
11- J.Krestiva, Etrangers à nous-mêmes, Fayard, 1988, P7.
12- M. Guillaume et J.Boudrillard, Figures d’altérité, Descartes, 1994, p128.
13- C.L.Strauss, Anthropologie structurale, 2, Plon, 1973, p413-417.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق