إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

جارٍ التحميل...

الأحد، 9 أغسطس، 2009

الوعي و اللاوعي

إعداد : بن عبد الله الحمداوي، عصام فراسي، مصطفى بوهريم، عادل الكنوني
طرح الإشكالية: مشكل الوعي
تختلف مدلولات الوعي من مجال إلى آخر، و من فيلسوف إلى آخر فمنهم من يقرنه باليقظة في مقابل الغيبوبة أو النوم. و منهم من يقرنه بالشعور فيشير إلى جميع العمليات السيكولوجية الشعورية. و يمكن أن نجمل الدلالة العامة للوعي في ما يلي: إنّه ممارسة نشاط معيّن (فكري، تخيّلي، يدوي...إلخ) و واعين في ذات الوقت بممارستنا له. و من ثمّة يمكن تصنيف الوعي إلى أربعة أصناف وهي:
-1-  الوعي العفوي التلقائي:
 إنّه ذلك النوع من الوعي الذي يكون أساس قيامنا بنشاط معيّن، دون أن يتطلّب منّا مجهودا ذهنيّا كبيرا، بحيث لا يمنعنا من مزاولة أي نشاط آخر.
-2-  الوعي التأمّلي:
إنّه وعي يتطلّب حضورا ذهنيّا قويّا مرتكزا في ذلك على قدرات عقلية كلّية، كالذكاء، أو الإدراك، أو الذاكرة.
-3-  الوعي الحدسي:
 وهو الوعي المباشر و الفجائي الذي يجعلنا ندرك الأشياء أو العلاقات، أو المعرفة، دون أن نكون قادرين على الإدلاء بدليل أو استدلال.
-4-  الوعي المعياري الأخلاقي:
 وهو الذي يسمح لنا بإصدار أحكام قيمة على الأشياء و السلوكات فنرفضهما أو نقبلهما بناءا على قناعات أخلاقية، و غالبا ما يرتبط هذا الوعي بمدى شعورنا بالمسؤولية تجاه أنفسنا و تجاه الآخرين. و بالتالي فالوعي هو إدراكنا للواقع و الأشياء، إذ بدونه يستحيل معرفة أي شيء. لذلك يمكن تعريف الوعي بأنّه " الحدس الحاصل للفكر بخصوص حالاته و أفعاله ". فهو بمثابة "النور"الذي يكشف الذات عن بواطنها. أمّا اللاوعي فهو يدلّ إلى حدّ ما على الشيء المتقابل مع الوعي. و هنا يمكن الحديث عن اللاشعور، باعتبار السلوك اللاواعي أو الذي يصبح لا واعيا، واقعة نفسية، انطلاقا من هذا التصنيف الدلالي لمفهوم الوعي يمكن أن نتساءل عن:
ما هو الوعي ؟ ما شكل هذا الوعي ؟ هل هو وعي بسيط و مباشر؟ أم غير ذلك ؟ ما مضمونه الأوّل ؟ ماذا أدرك في فعل الوعي على وجه الدقّة و التحديد ؟ ثمّ ما علاقة الوعي باللاوعي ؟ و هل يكفي أن نكون على وعي لمعرفة أنفسنا ؟ هل الوعي هو أساس حياتنا الواقعية ؟ أو الوهم هو الأصل ؟.
  I ـ   مشكل الوعي:
لقد تحدّث برتراند رسل عن الوعي و ربطه بالمدركات الحسّية أو الخبرات الحسّية حيث أكّد على ضرورة عدم فصله (أي الوعي) عن مثيرات العالم الخارجي. فهو عبارة عن ردود أفعال تجاه وسطه، هذا يعني أنّ الوعي مجرّد طاقة ذات درجة خاصّة و غير مستقّلة و لكنّه يميّز الإنسان عن الجمادات كالحجارة و الأشياء و من ثمّ فإنّ رسل يؤكّد على حالة اليقظة و ليس حالة النوم أي أنّه غير مستمرّ في الزمن. كذلك الانتباه و مراعاة عامل اللغة مع إدخال تغيّرات عليها، لأنّ اللغة في نظر رسل جهاز و نظام غير منسّق، و هنا نجده يميّز بين نوعين من اللغة: لغة مرشدة، تمكّن من فهم طبيعة العالم الذي نتحدّث عنه، ثانيا: اللغة أداة مظلّلة و خدّاعة للتفكير، و من ثمّة فإنّ كثيرا من الفلاسفة الذين اعتمدوا عليها ظلّوا و أظلّوا. هذا يعني أنّ للغة تأثيرا على الفلسفة و يتجلّى في تناول القضايا الأخلاقية أو الميتافيزيقية كالجوهر و الأخلاق، و الكرامة و الخير... إنّ اعتماد رسل على التحليل المنطقي يؤسّس تمييزه للغة بناءا على مظهرين مختلفين و هما مجموع مفرداتها من جهة و تركيبها و بنائها من جهة أخرى. إنّ الإنسان الكائن الواعي بذاته عند رسل يعني أمرين هما: دخول هذا الإنسان في علاقة على نحو الجهاد مع العالم الخارجي، و اكتشافه لذاته و لأفكاره و لعواطفه أي أنّ هناك امتحان للإنسان بإدراك وجوده الذاتي. و هنا يكمن مفهوم الوعي عند رسل و يتجلّى، و يذكّرنا هذا الموقف بموقف جورج باركلي و الذي يرى أنّ الإدراك لا يتعدّى معرفة التصوّرات المعرفية المجرّدة أمّا عندما ندرك معطيات العالم الخارجي فإنّنا نكون حسب رسل فقط في مجال ردود الفعل تجاه العالم، و نشترك في هذه الخاصية مع الجمادات. هذا يدلّ على أنّ الوعي لا يتحدّد عند مستوى إدراك العالم الخارجي، بل هو فقط ردّ فعل على النحو الذي تؤدّيه الحجارة و الجمادات عموما. و هنا يقول:‹ فما دمنا نفترض أنّنا ندرك أشياء العالم الخارجي... قليلا جدّا.› و لتوضيح هذه الفكرة يرى رسل أنّه يستحيل إدراك المادة إدراكا مباشرا، و أنّ لها وجودا واقعيّا ملموسا. و يتّفق معه لوك في أنّنا لا ندرك من الواقع و العالم إلاّ بقدر ما تمدّنا حواسّنا به من معطيات حسّية. هذا و يؤكّد رسل على المعرفة القائمة على التجربة و على الحواسّ و على إدراك الكلّيات إدراكا فوريا و مباشرا وهو في نفس الوقت يؤكّد على التمييز بين الذات الواعية و الموضوع، و على سبيل المثال لا الحصر إنّنا لا ندرك مدينة الرباط و مرّاكش إدراكا جزئيا، بل إنّنا ندركهما في إطار العلاقة الخارجية القائمة بينهما، و هذه العلاقة ليست من طبيعة نفسية صادرة عن الذات العارفة، و لكنّها مستقلّة عنها تنشأ بطبيعتها في معزل عن فعل المعرفة في حدّ ذاتها. ممّا سبق يتبيّن لنا أنّ الجزء الأساسي من مفهوم الوعي مرتبط بمدى إدراكنا للوجود الذاتي فنكتشفه من أفكار و عواطف فينا. و تحصل هذه العملية بواسطة الاستبطان ممّا يدلّ على أنّ الاستبطان منهج يسمح و يمكّن من ولوج العالم الداخلي في الإنسان و فهم علاقة الذات الواعية بمحيطها الخارجي أي أنّه في هذه الحالة لا يتعلّق الأمر بشيء من بين أشياء العالم و الجمادات بل بذات لها طبيعتها الخاصّة بها. و من ثمّة فالشرط الأساسي لقيام الوعي و كلّ معرفة حسب رسل هو إدراك الوجود الذاتي للإنسان عن طريق الاستبطان. لأنّ الوعي ميزة خاصّة بالإنسان و ليست فقط مجرّد ردّ فعل تجاه العالم الخارجي أو أنّه فقط إدراك حسّي له. فرغم أنّ رسل ينتمي للاتّجاه الواقعي و يؤمن بدور الحواسّ و التجربة في غناء الوعي الإنساني بكلّ ضروب القوانين الطبيعية فنجد فلسفته تضرب بجذورها عند الأفلاطونية و المثالية. و قد دفعه موقفه هذا إلى اعتبار الفلسفة علما استبطانيا يمكن أن يستغني عن التجربة الحسّية فتصبح علما منطقيا تعتمد الرياضيات منهجية في التحليل و لهذا تسمّى فلسفته بالفلسفة التحليلية. بعد هذا السجال الفكري حول تعريف و ضبط مفهوم الوعي يؤكّد رسل على صعوبة تحديد دلالاته و معرفة ما يمكن أن يصل إليه من حقائق و الوعي في هذا المستوى يطرح كلفظ غامض يحتاج إلى الكثير من التوضيح فإذا كان رسل يجمع بين لفظ الوعي و حالة اليقظة متجاهلا حالة النوم فإنّ برجسون يتجاوز هذا الطرح ليؤكّد على صيرورة الوعي في الزمن ليشير به إلى جميع العمليات السيكولوجية الشعورية. فالوعي أو الفكر عند برجسون ذو طبيعة مجرّدة أي أنّه غير ملموس يرفض أن يقترن بأي طابع نسبي أو ذاتي حيث أنّه دائم الحضور في حياة كلّ إنسان لا يقبل القسمة إلى لحظات شعورية مرتّبة بشيء ما أو موقف معيّن بحيث تتدفّق و تنساب عبر الزمن حتّى يصعب التمييز بين لحظاته. إنّه إدراك الذات للأشياء في ديمومتها و استمراريّتها. أمّا تعريف الوعي بشكل واضح و نهائي فإنّه يطرح صعوبة كبرى أدّت ببرجسون إلى إبراز بعض من سماته و مظاهره
هي: الوعي ذاكرة و شرط قيام و حصول الذاكرة التي تحفظ ماضي الإنسان في الحاضر و هو أيضا قدرة على تجاوز الحاضر عقليا و تمثّل صورة المستقبل. فالإنسان الذي لا ذاكرة لديه لا وعي له لذلك فشرط وجود الوعي هو وجود الذاكرة و استقراره بها ليصبح انفتاحا على الحاضر و الماضي و المستقبل. فعندما نفكّر في أي لحظة معيّنة فإنّنا نجد هذا الفكر يهتمّ بالحاضر و بما هو كائن، لكن من أجل تجاوز ما سوف يكون في المستقبل و هذا يعني أنّه لا يوجد وعي عند برجسون  دون مراعاة حياة المستقبل فالمستقبل هو الذي يجعل الفكر يتقدّم باستمرار دون انقطاع في الزمن و يجرّه إليه. وهو «أيضا دافع... المستقبل». لفهم طرح برجسون بصدد تعريف مفهوم الوعي نستحضر أنّه ينتمي إلى فلسفة الحياة و الصيرورة و الحركة و نؤكّد على مجالين هامين في فلسفته عموما: مجال المادّة المتميّزة الصلبة و مجال الحياة و الوعي المتواصل و هذا يقع في نطاق الحدس فعن طريقه يمكن إثبات الحقيقة متجسّدة في الصيرورة و ليست مجرّد الحياة و الوعي. أمّا ابن رشد فإنّه بدوره يتناول مفهوم الوعي في علاقته بالعالم الخارجي و يطرح السؤال: هل الحسّ شرط لقيام الوعي بموضوعات العالم ؟. يرى ابن رشد على نحو معلّمه أرسطو أنّ الإدراك الحسّي شرط أوّلي و أساسي لقيام كلّ معرفة و وعي بموضوعات العالم الخارجي على خلاف رسل الذي يعتمد منهج الاستبطان بدل منهج الاستقراء في إدراك العالم الداخلي وهو شرط قيام الوعي لدى رسل و يعبّر هذا الرأي على الموقف الطبيعي للإنسان الذي يقوم على نطاق الوعي مع الواقع. هذا يعني أنّ هناك تشابه تامّ بين الشيء في واقعيته و الشيء كما هو مدرك. لأنّنا لا ندفع الوعي إلى التحليل أو النقد بل فقط يقوم باستقراء الواقع بكلّ جواهره و أشيائه عن طريق الوصف و التعميم و الترتيب...الخ، و لكن هل الإدراك الحسّي بالمعنى الذي تقدّم به ابن رشد و معلّمه أرسطو هو الشرط الكافي و الأوّلى لقيام كلّ معرفة و كلّ وعي بموضوعات العالم الخارجي ؟. هنا سنوجّه السؤال للفيلسوف الوجودي الفرنسي: ميرلوبونتي صاحب فينومينولوجيا الإدراك الحسّي التي تجعل من الإنسان الموضوع الأوّل لكلّ دراسة. إنّه ينطلق من هذه الفينومينولوجيا ليصل إلى فينومينولوجيا الوعي و الخبرة لأجل الكشف عن الطابع المفتوح للخبرة البشرية بصفة عامة. و يقصد بالإدراك الحسّي تلك العودة إلى الأشياء و الرجوع إلى المعرفة الأوّلية عن كلّ علم من أجل الوصف و ليس من أجل التركيب. و يتساءل: هل نعي العالم الخارجي ؟ و يقول إنّ العالم ليس بمثابة الموضوع الذي يمثل أمام الذات الواعية إنّ هذه الذات ليست لها القدرة على تملّكه. و لكنّه الوسط الطبيعي أو المجال الأوّلي الذي تتحقّق فيه إدراكاتنا الحسّية للعالم و جلّ أفكارنا. إنّ الوعي الإنساني حسب ميرلوبونتي يدخل في علاقة مشاركة مع العالم الخارجي فيه تتحقّق الإدراكات الحسّية التي يمكن اعتبارها شرطا أساسيا لقيام الوعي بهذا العالم.
II ـ  الــــوعـي و اللاوعـي:
لمعرفة الحياة النفسية و العلاقة التي تحكم الوعي بالذات و العالم الخارجي سيكون هذا الدّرس عبارة عن تحديد و معرفة أصل الحياة النفسية و الكشف عن تدخّل الوعي أو اللاوعي في تحديد وجود الذات. ثمّ الخلاصة إلى طبيعة إنتاجات كلّ واحد منها. لهذا ننطلق من فرضية اللاشعور أو لنقل التحليل النفسي كنظرية عند فرويد باعتبار اللاشعور يشكّل مفهوما مركزيّا ينبنى عليه التحليل النفسي. إلاّ أنّه يجب الإشارة إلى أنّ أعمال فرويد تشكّل إلى جانب أعمال كلّ من ماركس و نيتشة تدشينا لمرحلة الشكّ في الوعي الإنساني. إنّ تراجع فرويد عن إعطاء الأهميّة في التحليل للوعي أي الشعور يفترض في المقابل وجود مفهوم اللاشعور كأساس و أصل للحياة. ليتخلّى بعد ذلك عن هذين المفهومين لصالح مفهوم آخر هو مفهوم الجهاز النفسي المكوّن من ثلاث مناطق وهي: الـــــهـو، الأنـــا، الأنـــا الأعـلــــى. و نجد عبد الله العروي في مؤلّفه (العرب و الفكر التاريخي) يصنّف ضمن الاتّجاهات التي نقدت مفهوم الوعي و عقلية القرن 19 و يقول إنّ نظرية فرويد بدأت كمحاولة علمية عقلانية لإدخال اللاوعي في نطاق الوعي و أنّ هذا الأخير يعلن لنا عن حقائق سابقة لنشأة الإنسان و المجتمع و اللغة و أنّ منطق الميول و الرغبة هو منطق كوني أوسع بكثير من منطق العقل الإنساني المحدود. و نتساءل الآن ما هي مكوّنات الوجود النفسي عند فرويد ؟ و كيف تتحدّد الحياة النفسية لديه بناء على فرضية اللاشعور؟ و ما موقف فلسفات الوعي من هذا التّصور؟ إذا كان ديكارت (1596 ـ 1650)  قد مارس تأثيرا كبيرا على الفكر الغربي و ذلك من خلال جعل الحياة النفسية تطابق الشعور أو الوعي مطابقة تامّة مهملا بذلك الجانب اللاشعوري و بالرغم من أنّ ليبنتز (1646 ـ 1716) ) قد انتبه إلى الحوادث اللاشعورية فإنّنا نجد فرويد يدافع عن الطابع العلمي لاكتشافاته و يؤكّد على فرضية وجود الجهاز النفسي "إنّه ممتدّ في المكان و مركّب تركيبا مناسبا و يتصوّر وفقا لمقتضيات الحياة ولا تبدو فيه ظواهر الشعور إلاّ عند نقط خاصّة و ظروف معيّنة."(الموجز في التحليل النفسي. ( يرى فرويد أنّ ما يمرّ بنا من خبرات حسيّة و ذهنية و انفعالية يسجّله العقل بصورة ما و تكون ذاكرتنا أو حافظتنا بمثابة الأرشيف الذي نضع فيه تلك السّجلات فمن السّجلات ما يكون ماثلا أمامنا في الشعور و منها ما نستطيع أن نبحث عنه فنستخرجه من بعض الخزائن ( في ما قبل الشعور) و طبقا لفرويد تتألّف الشخصية الإنسانية من أنظمة رئيسة متعدّدة كالشعور و قبل الشعور و اللاشعور و في هذه الأنظمة تركيبات ضمنية أخرى تقوم عليها الدينامية المشتركة للعمل. و بكلمة مبسّطة يستعمل "الشعور" بمعنى مطابق للمعنى المستعمل في الحياة اليومية، فهو يشمل كلّ الإحساسات و التجارب و الفعاليات التي نكون واعين بها في أيّ لحظة. و يرى فرويد أنّ نظام الشعور يمثّل فقط سطح الحياة العقلية، وهو جزء بسيط إذا ما قورن باللاشعور. و هذا النظام يسير وفق المنطق و المألوف و ما هو متعارف عليه، وهو أمر مقته السرياليون و تمرّدوا عليه. و يشير مفهوم "قبل الشعور" إلى نظام يقع بين الشعور و اللاشعور، و يقع تحت طائلته نوعين من الأفكار الأولى: سهلة التفطّن مثل الذكريات التي لا ترتبط [ بالأم...] نفسه، و هذه المحتويات تخضع لنظام "رقابة ليّنة" تحيل دون اختلاطها بعالم الشعور. النوع الثاني: أفكار عسيرة التّفطن ـ  لها علاقة ما باللاشعور ـ و ربّما تحمل شيئا من التجارب المؤلمة و هذه تخضع "لرقابة أكثر شدّة". وهي بكلّ أحوالها محتويات لم تصل إلى مستوى "الكبت" في اللاشعور، و تستدعى الأفكار و الذكريات من نظام قبل الشعور لكي تعين الشخص على التكيّف في موقف يواجهه النظام الآخر و الذي يمثّل الامتداد الأوسع و الأكثر عمقا و أهميّة عند  فرويد و السرياليين هو نظام "اللاشعور"، وهو تركيبة من الموادّ النفسية المختلفة التي لا تكون تحت تصرّف الشعور مباشرة، و التي يتألّف قسم منها من حوادث "كبتت" الانفعالات المصاحبة لها من فترات طويلة، وهي بجملتها خليط من الأحاسيس و التجارب المؤلمة و الأفكار و الدوافع و الرغبات المتطرّفة المخالفة للجماعة، و المستبعدة لا شعوريا من نظام الشعور إلى نظام اللاشعور. و طبقا لفرويد تبقى تلك المحتويات اللاشعورية حيّة لا تموت، بل تظلّ نشطة تعمل على الوصول إلى نظام الشعور، إلاّ أنّ قوى الرقابة المشدّدة في الشخصيّة تحيل دون ذلك، فتضطّر هذه الموادّ المكبوتة أن تلتمس التعبير عن نفسها بطرق غير مباشرة "دون علم الرقيب" من خلال الحركات و الأفعال القسرية أو الأحلام و التخيّلات و فلتات اللسان، و زلاّت القلم، و ما إلى ذلك. لذا يكون اللاشعور مؤثّرا تأثيرا كبيرا في سلوك الفرد و مزاجه و يكون باستطاعته أن يغيّر أفكار الفرد وعواطفه تغيّرا واسعا دون أن يكون الفرد على علم بذلك، احتلت مفاهيم الشعور و قبل الشعور و اللاشعور التي طرحها فرويد في كتابه " تفسير الأحلام" 1900  مكان الصدارة في نظريته حتّى عام 1920 عندما قدّم طروحات أعمق تفسيرا و أكثر تعقيدا و مداخلة وهي "الهو  ID و الأنا Ego   و الأنا الأعلى super Ego   . طبقا لفرويد  يمثّل الـ "هو" القسم الأقدم الذي يحتوي على كلّ ما هو موروث من ميلاد الفرد حتّى لحظة حاضره، وهو مخزن الطاقة النفسية، و تجري أغلب عملياته على مستوى اللاشعور، و يعمل الهو على خفض التوتّر وفق مبدا "اللذّة". و يشير "الأنا" إلى تنظيم معقّد للعمليات النفسية، يؤدّي عمله وسيطا بين الهو بكامل اندفاعاته الغريزية و الأنا الأعلى بكلّ متطلّباته الاجتماعية المثالية و يوفّر إنجاز الأنا لوظائفه الاتّزان للفرد و الشيء المهمّ في عالم الأنا أنّ التحكّم هنا يخضع لمبدا "الواقع" أي ما هو موجود، و ممكن بالفعل و هدف هذا المبدأ تصريف الطاقة لحين اكتشاف الموضوع الذي يرضي الحاجة، فهو يعلّق مبدأ اللذة مؤقّتا، من أجل مبدأ الواقع. أمّا "الأنا الأعلى" فهو الممثّل الداخلي للقيم التقليدية للمجتمع المحدّدة لكلّ ما هو واجب و ينبغي أن يكون، و بصيغة مثالية "الأنا المثالي"، و كلّ ما لا يجب و لا ينبغي أن يحدث و بصورة متطرّفة "الضمير" و بذلك تمثّل محتوياته كلّ ما هو مثالي و ليس واقعي. فهو يشبه الهو من حيث أنّه غير منطقي، و يشبه الأنا في محاولته التحكّم بالغرائز إلاّ أنّه هنا يذهب أبعد من هذا في أنّه لا يحاول فقط إرجاء الإشباع الغريزي بل الحيلولة دونه، و هكذا تؤكّد نظريّة فرويد أنّ الإنسان تركيب دائم الصراع بين أنظمته الشخصية وأنّ القسم الأعظم من الحياة مغمور مبهم لا منطقي غير محدّد خاماته كتلة من الإحباطات و العقد و التجارب المكبوتة، و الغرائز المندفعة و المثل الأخلاقية المتطرّفة المتراكمة على مرّ البعد الزماني الماضي للفرد. إنّ تأكيد فرويد على ذلك العالم الغامض فينا، و ما ينطوي عليه من حقائق تمثّل الشكل الأوضح لصورة الإنسان الحقيقي لغرابة أعماق عوالم اللاشعور و طاقاته المتأجّجة وراء هدف محاولة "إدراك" بعض الأبعاد و الخواص في كينونتهم المغمورة و إنارة ما يمكن إنارته من الأماكن الخفية و التجوال في عالم غريزتي الموت "ثاناتوس" و الحياة "إيروس" لإظهار معالم الإنسان الحقيقة و تسجليها في الفكر و الأدب و الفنّ على نحو حرّ و العالم الآخر الذي ولع السرياليون به و اعتبروه منهلا مثمرا لمادتهم الأدبية هو الأحلام، و ذلك أمر آخر كان من أولويات اهتمام فرويد، وصف فرويد الحلم باعتباره أحد أهمّ الحيل التي تلجأ إليها النفس البشرية لإشباع رغباتها و دوافعها و بخاصة تلك التي يكون إشباعها صعبا أو مستحيلا في عالم الواقع. يوضّح فرويد في واحد من كتبه المهمّة "تفسير الأحلام" أنّ الحلم تحقيق رغبة، و أنّه ليس أمرا من أمور الصدفة، فهو مرتبط بالأفكار التي سبق أن كبتت في اللاشعور و التي تحاول جاهدة التعبير عن نفسها، وإن حدث و تمكّنت من ذلك فإنّها تضطرّ إلى الارتداد إلى مستوى الإدراك الحسّي، فتتحوّل تلك الافكار إلى مجموعة صور حيّة و مناظر بصرية في حالة الحلم. و بذلك يتحقّق للنزعة المكبوتة إشباع وهمي،  و لمّا كان منبع الأحلام هو اللاشعور، و حيث أنّ محتويات هذا العالم اللاشعوري ـ كما أوضح فرويد ـ جملة من التجارب المكبوتة في عالم سمته اللامنطق لذا تعبّر تلك التفاعلات النفسية عن وجودها بشكل مموّه يبدو أحيانا أمرا غرائبي و خلوا من المعنى بالنسبة لغير المتخصّص. و يؤكّد فرويد على وجود عمليتين أساسيتين في عالم الحلم هما "التكثيف و النقل" ففي مقدورنا ـ و الكلام لفرويد ـ  أن نفسّر عن طريق عمل التكثيف بعض الصور الخاصّة بالحلم و التي نجهلها في حالة اليقظة جهلا تامّا، هذه الصور تتمثّل في الوجوه البشرية المتعدّدة الشخصيات أو المزيجة، أو تلك التصاميم الغريبة المتنافرة العناصر و التي تقدّم في وحدة موضوعية من الحلم، و لا نستطيع كشف هويّتها أو إماطة اللثام عنها في أحيان كثيرة إلاّ بواسطة ذلك التركيب الرمزي المتنافر و المجتمع في صورة واحدة. إنّ شطرا كبيرا من اكتشافاتنا، و الكلام لا يزال لفرويد، بصدد عمل التكثيف في الحلم يمكن تلخيصه على النحو الآتي "إنّ مادة الحلم الكامنة هي التي تحدّد المضمون الظاهر حتّى في أدقّ تفاصيله تقريبا، و كلّ تفصيل من هذه التفاصيل لا يشتقّ من فكرة منعزلة و إنّما من عدّة أفكار مقتبسة من تلك المادة الأساسية و غير مترابطة فيما بينها بالضرورة بل من الممكن أن تكون منتمية إلى أشدّ ميادين الأفكار الكامنة اختلافا. إنّ كلّ تفصيل من تفاصيل الحلم هو بكلّ معنى الكلمة تمثيل في مضمون الحلم لزمرة من زمر الأفكار المتنافرة تلك"، إن التنافر بين مضمون الحلم الظاهر و مضمونه الكامن لا يمكن أن يعزى إلى ضرورة التكثيف و ما يرتبط به من تحويل الفكرة إلى موقف (الإخراج الدرامي) بل ثمّة مؤشّرات معيّنة تشهد على وجود عامل آخر وهو النقل، "فأثناء قيام الحلم بعمله تنتقل الشدّة النفسية للأفكار و التصوّرات التي هي موضوع عمل الحلم لتتلبّس أفكارا و تصوّرات أخرى هي بالضبط تلك التي ما كنّا نتوقّع البتّة أن نراها تأخذ تلك الحدّة و الكثافة الانفعالية" و يعتبر الكبت أساس الحيل الدفاعية جميعا فكلّنا نلجأ إليه بمقدار و عن وعى و إرادة و لكن إذا أسرف الفرد في الالتجاء إلية كحلّ لمشكلاته و رغباته انتقل به إلى حالة المرض و من ثمّ الوقوع في سلوكيات غير طبيعية. فالكبت المتّصل يمنع الفرد من مواجهة مشاكلة مواجهة موضوعية و بالتالى عدم حلّها و في كثير من الحالات تحاول الدوافع و الحاجات المكبوتة التعبير عن نفسها بطرق ملتوية لا شعورية قد توقع الإنسان في الخطأ أو الجريمة أو الأمراض النفسية كما قد يظهر الشيء المكبوت فجأة فيحطّم سدود الكبت كالنهر الجارف و يصبح القشّة التي قصمت ظهر البعير فقد يرتكب الإنسان جريمة لأسباب تافهة بسيطة:
 التعلية: التسامي: هو الارتفاع بالدوافع التي لا يقبلها المجتمع و تصعيدها إلى مستوى أعلى.
 التعويض: هو محاولة الفرد النجاح في ميدان لتعويض عجزه في ميدان آخر.
التوحّد: هو أن يجمع الفرد و يستعير إلى نفسه ما في غيره من صفات مرغوبة.
الاحتواء (الاستدماج): هو امتصاص الفرد في داخله قيم الآخرين.
الإسقاط: هو أن ينسب الفرد ما في نفسه من عيوب إلى الآخرين.
النكوص: هو العودة و التقهقر إلى مستوى غير ناضج من السلوك.
التثبيت: هو توقّف نموّ الشخصيّة عند مرحلة من النموّ.
التفكيك (العزل): هو فكّ الرابطة بين الانفعال والأفعال.
السلبية: هي مقاومة المسؤوليات و الضغوط.
العدوان: هجوم نحو شخص آخر.
الانسحاب: الهروب عن عوائق إشباع الدوافع والحاجات.
أحلام اليقظة: اللجوء إلى عالم الحلم و الخيال بعيدا عن الواقع.
التحويل: تحويل الصراعات الانفعالية المكبوتة من خلال العمليات الحسّية والحركية.
التبرير: تفسير السلوك الخاطئ بأسباب منطقية.
الإنكار: إنكار لا شعوري للواقع المؤلم.
الإبطال: قيام الفرد بسلوك معاكس لما ارتكبه مسبقا.
الكبت: إبعاد الأفكار المؤلمة إلى حيز اللاشعور.
النسيان: إخفاء المواقف غير المقبولة.
الإزاحة: إعادة توجيه الانفعالات المحبوسة نحو أشخاص غير الأشخاص الأصلية.
التعلية: اتّخاذ بديل لتحقيق هدف أو سلوك غير مقبول اجتماعيا.
التعميم: تعميم خبرة معيّنة على سائر التجارب.
التكوين العكسي: التعبير عن الدوافع المستنكرة في شكل معاكس.
الرمزية: اعتبار مثير لا يحمل أي معنى انفعالي رمزا لفكرة أو اتّجاه مشحون انفعاليا.
التقدير المثالي: المبالغة في التقدير و رفع الشأن بما يعمي الفرد عن حقيقة الشيء و يحرمه من الموضوعية.
نقد سارتر لمقولة "اللاّوعي":
إنّ أهمّ ما يمكن أن نستخلصه ممّا عرضنا من نظريّة فرويد في اللاوعي، هو ضرورة أن نميّزعنده بين فِعْلِيَّةِ السّلوك، و حقيقة السّلوك. و نريد بقولنا فعليّة السّلوك، الأفعال و الأعمال التي يأتيها المرء، بما هي أفعال وأعمال خامّ و ظاهرة متعيّنة بالإضافة للذّات، و بالإضافة إلى الذّوات الأخرى. أمّا المُرَادُ بحقيقة السّلوك، فهو المدلول أو المعنى الحقيقيّ له، أي العلّة المتخفّية وغير الظّاهرة فيه. فأنا، مثلا، قد آتي عملا ما، كأن أسرق كتابا من على رفّ المكتبة: و هذا الفعل منّي، لهو، من غير شكّ، فعلي أنا، و سلوكي أنا، متّحد بذاتي غاية الاتّحاد، و متماه معها. إلاّ أنّ حقيقته نفسها، فهي ليست أنا، و ذلك لأنّ ما قد يُفَسِّرُ مثل ذلك العمل منّي ليست فحسب تلك الظّاهرة في مُجَرَّدِيَّتِهَا، بل شيء آخر، أحقّ وأكثر فعليّة، وهو الهُوَ. فأنا هو الذي، بلا شكّ قد سرق الكتاب، تماما مثلما أنّ هذا الفانوس، بلا شكّ، هو الذي يضيء. لكنّها أصل الإضاءة في الفانوس، ليس هو الفانوس نفسه، بل هو المولّد الكهربائيّ، أي أنّ الفانوس إنّما هو فقط مجرّد متلقّي سلبيّ لفعل المولّد الكهربائيّ، فيلزم من ذلك أنّه ليس هو الّذي يضيء بالحقيقة، أي أنّه ليس الفانوس الذي يفعل فعل الإضاءة، أو، بعبارة أخرى، ليس الفانوس الذي يسلك سلوك الإضاءة. و كذلك الأمر فيما يتعلّق بفعل سرقة الكتاب، فلست أنا الذي سلك ذلك السّلوك. يقول سارتر " إنّما أنا هو ظواهري النفسيّة نفسها من حيث أعاينها في حقيقتها المُوعَى بها: فأنا، مثلا، هذا الدّافع لسرقة ذلك الكتاب من على الرفّ. إنّني متّحد به، و أتّحد به بغاية اقتراف فعل السّرقة. لكنّ كلّ تلكم الواقعات النفسيّة ليست هي أنا، لمّا كنت أتلقّاها سَلْبِيَّ التلقّي، فأكون مضطرّا عندها لأن أضع الفرضيّات في أصلها و في معانيها الحقيقيّة... ففعل السّرقة ذاك، إنّما هو في حقيقته صورة متفرّعة من فعل معاقبة الذات. و لكن لسائل أن يسأل، تُرى كيف تُفْهَمُ علاقة الهُوَ بالأنا، في فرضيّة علم النّفس التحليليّ. هل تُفهم بنحو علاقة موضوع بوعي، أم بنحو علاقة وعي بوعي آخر ؟ لا شكّ أن جواب فرويد كان سيكون نافيا للوجه الأوّل، أي أنّه لا يمكن له أن يقبل بتأويل الهُوَ بنحو الشيء في ذاته الموجود بإزاء الوعي كمثل هذه الطاولة و ذلك الكرسيّ. فالهُوَ، كما كنّا قد رأينا، إنّما له أصناف شتّى من الفعل و السّلوك؛ فهو أوّلا، يرغب، و يروم، و يتقبّض، و إلى غير ذلك. و ثانيا، فهو يدرك أنّ الوعي الصّارم لا يتركه لِيَمُرَّ إلى الفعل مَا بَقِيَ على حقيقته المكشوفة، فيأخذ في التقمّص، و التملّق، و المغالطة. و لكن، لعمري، هذه الأفعال كلّها التي نسبها فرويد للهُوَ، ليس يمكن البتّة أن يأتيها إلاّ موجود يكون على نمط الموجود لذاته، أي الوعي، و ليس موجود يكون على نمط الوجود في ذاته، أي الشّيء. فإِذًا نستخلص من ذلك أنّ وضع الهُوَ في علاقته بالوعي، إنّما هو من سِنْخِ de même nature وضع وعي أوّل بوعي آخر. فتأمّلوا جيّدا اللوازم الخطيرة لمثل ذلك التأويل، و لمثل هذه النظريّة. فنظريّة فرويد كانت تزعم بأنّ " الذات ليست وعيا فقط "، و إنّما هي " وعي وهُوَ "، أي، و هذا هو اللازم الخطير، هي وعي و وعي آخر؛ الوعي الأوّل يكون غير واع بالوعي الآخر، مع أنّه هو الأصل فيه !!؟ فالنتيجة الأخيرة إِذًا لكلّ هذه النّظريّة أنّ الذّات تصير منشطرة في نفسها، و أن تتلاشى وحدة السلوك البشريّ آخِرَ التلاشيّ. و لنا أيضا أن نزيد؛ هَبْ أنّ الأمر على ما تصفه النظريّة التحليليّة: أي أنّ الهُوَ هو حقيقة تقوم بذاتها في الذات، وهي بما هي كذلك تكون غير مُوعَى بها، مع كونها الفاعلة الحقيقية فيها، فهل كان ذلك يعني بالضّرورة أنّ السلوك الإنسانيّ الواعي ما هو في آخر الأمر إلاّ أثر لفعل اللاوعي ؟ فنحن نسأل: إذا كان الهُوَ، على ما تؤكّده النظريّة التحليليّة نفسها، هو، على التحقيق، " اللاّوعي"، فإنّ الهُوَ بما كان لا واعيا، يكون لا ـ وَعْيًا؛ أي يكون بالذات ما الوعي لا يكون مُحِيطًا به. و لكن الفرضية الفرودية تتحدّث أيضا عن أنّ الوعي من شأنه أن يقاوِمَ و يُعَانِدَ الهُوَ، كلّما اقترب للظهور. و لكن، ليت شعري ؟  أيّ معنى لهذا الكلام ؟ أليس معناه أنّ الوعي إنّما يتصدّى باستمرار للهُوَ بما هو حقيقة ذات هويّة ينبغي للوعي أن يكبتها ؟ فالوعي لا يقاوم الهُوَ إلاّ لأنّه يكون على بيّنة من حقيقة الهُوَ، أي أنّ الوعي لا يكون نفيا للاوعي إلاّ بالقدر نفسه الذي يكون به واعيا باللاوعي؛ أي إلاّ بالقدر نفسه الذي يذوب به وهم اللاّوعي في يقين الوعي.
الوعي عند هوسرل:
تقوم نظرية الوعي عند هوسرل على الابتعاد عن التجريبية و الروح السيكولوجية التي تفسّر الأحداث التاريخية، و تتوقّف عند العمليات العقلية، لتكشف تراكيب الوعي ذاته، و الظاهرات نفسها، في محاولة لرفض الموضوعية حتّى عن العلوم الطبيعية، و كذلك استبداله للمعضلة الكانطية في عدم قدرة العقل على معرفة الأشياء الواقعة خارج حدوده، بأنّ ما يدرك حسّيًا هو جوهر الأشياء وهذا ما يغنينا عن سواه. هذا الإيحاء بارتباط "الكينونة" بـ "المعنى" يؤدّي إلى أنّ الشخص و الشيء هما وجهان لعملة واحدة لأنّهما مرتبطان مع بعضها البعض، فلا وجود لأحدهما بمعزل عن الاخر. هذا الحنين لجمع العقل و الكون معاً، ضمن العقل ذاته هو "عزاء مناسب لمجتمع تبدو فيه الأشياء مغتربة و مفصولة عن الغايات البشرية، و الناس مغرورين في عزلة مقلقة". (ص: 66). كان المعنى لدى هوسرل يسبق اللغة وهي نشاط ثانوي يسمّي المعاني التي بحوزتنا! في حين نظر "فيتغنشتاين" و المعاصرون بأنّ اللغة تنتج المعنى، و حتّى أنّ المعاني و الخبرات فإنّها ـ أيضاً ـ موجودة لدينا منذ البداية، لأنّنا نمتلك اللغة الحاوية لهذه المعاني. و ما نظنّه فرديّا ما هو في حقيقته سوى تجربة اجتماعية تاريخية بمعناها العميق. إنّ نظرة هوسرل "الماهوية" تتعارض مع نظرة (هيدجر) الذي قدّم عليها (الوجود) فانتقل من رقعة الفكر النقي، إلى فلسفة تتأمّل ما تشعر بأنّه حيّ. (ص: 70) فالعالم ليس شيئا يمكن إذابته و تحويله إلى صورة ذهنية كالذي اعتقده هوسرل، بل إنّه كيان عصيّ على مشاريعنا، و إنّ وجودنا هو جزء منه. تخيّل هوسرل موقعاً متسيّداً للذات المبهمة، التي تطبع صورتها على العالم، بينما أبعد هيدجر هذه الذات، فالوجود "الإنساني هو حوار مع العالم، وأكثر الفعاليات إجلالاً هو الإصغاء و ليس الكلام" (ص: 70). فنحن نكتسب معرفتنا من طريق ارتباطنا بالعالم، و ما النظرية سوى أفكار تجريدية جزئية عن الاهتمامات الحقيقية، أي مثل "الفينومينولوجيا" مبحثه الفلسفي الأساس، بوصفه "علم أشكال الوعي و تأمّل الماهية و الوجود الحقّ المطلق عامة". و حاول تطبيق منهجه هذا في نظرية المعرفة، فحذف منها العياني و الملموس في محاولة منه لدراسة بنية "الوعي المحض" تحليل "ظواهر" الوعي بما هو وعي. و هنا تختلّ العلاقة الموهومة التي أراد تكريسها ما بين الذات البشرية، و الشيء (أو العالم بصفته الموضوعية "فيرجّح من كفّة الذات على حضور العالم. هذه الماهية الهوسرلية اعتبرها خصومها ضرباً من "المثالية" التي تتعارض مع طبيعة الفكر الواقعي، و إنّها شكل من أشكال الوعي البرجوازي، الذي يعكس نسقاً خاصّا من المفاهيم البرجوازية العامة عن العالم و عن مكانة الإنسان و دوره وفق أساس نظري غير دقيق لرؤية العالم.
الوعي عند جاك لاكان:
جاك لاكان (المولود في 1901) اتّخذ موقفا أنتروبولوجيا من الممارسة للغة إذ أكّد على الدور الحاسم للممارسة اللغوية و لنظرية اللغة في التحليل النفسي، متأثّرا في ذلك بفرويد بحيث أسّس لإعادة قراءة الفكر الفرويدي و أن يجعله مقروءا من طرف من ليسوا اختصاصيين في التحليل النفسي، مساهما بذلك في نشر الفكر التحليلي. و من حيث إنّه كان الوحيد تقريبا الذي استطاع أن يفهم التأثير الايديولوجي لفرويد خارج مجال العلاج النفسي، فقد أنشأ، بعد مايو 1962، نظرية الخطابات بصفة عامة. يقسم لاكان الخطابات إلى أربعة أنماط: خطاب السيّد (Le disours du maître) و خطاب الهيستيري (Le discours de l'hysterique) وخطاب الجامعي   (Le discours de l'Universitaire)، و أخير خطاب المحلّل النفسي (Le discours du psychanalyste). الخطابان الأوّلان يشيران إلى علاقة السلطة (سلطة السيّد) بالمعرفة (من حيث أنّ الهيستيري لا يمكن أن يشفى بواسطة المعرفة الطبية التقليدية، " فهو الذات المنشطرة، أو بعبارة أخرى فهو اللاشعور في حالة عمل، وهو يحرج السيّد و يجعله ينتج معرفة  (savoir)؛ إنّ الاكتشاف الذي قام به فرويد، عبر الاضطرابات الهيستيرية، يدعو إلى التشكيك الجذري في كلّ من المعرفة و السلطة. فالجامعي و المحلّل النفسي هما، في تعاصرهما، في موقعين متعاكسين: أحدهما هو موطن معرفة، و الآخر موطن عدم معرفة. الجامعي هو ذلك الذي ينقل الثقافة كمعرفة؛ و المحلّل النفسي - من حيث أنّه "يجهل ما يعرف"  ـ  فهو ذلك الذي لا ينقل شيئا، اللهمّ إلاّ ضبطا يمارس على كلّ ثقافة: مثل هذا الخطاب هو ذلك الذي يسمّيه خطابا ينتمي إلى الحقيقة، الخطاب الذي يتلّكم بواسطة اللاشعور و الذي يجعل من التحليل النفسي علما يحاول إرساء أسسه. يمكن أن نجعل منظومة لاكان قائمة في العلاقة المتبادلة بين منطوقين خاصّين بهاللاشعور هو خطاب الآخر،
اللاشعور منتظم بنيويا على هيأة لغة.
الآخـر:
ليس المقصود بذلك شخصا آخر يكون لاشعوره هو الناطق باسمه. بل بالعكس فالآخريّة (L’alterit) في المنظومة اللاكانية تبدو متطرّفة، أي خالية من أي قوام إلهي أو بشري. الآخر هو المكان الغريب الذي ينبثق منه كلّ خطاب: مكان العائلة، مكان القانون، مكان الأب في النظرية الفرويدية، أو مكان التاريخ و المواقع الاجتماعية، المكان الذي ترجع إليه كلّ ذاتية؛ أن نقول إنّ اللاشعور هو خطاب الآخر معناه إعادة التأكيد بصورة حتمية على أنّ الخطاب "الحرّ" غير موجود، و ذاك هو القانون الذي يحكم كلّ خطاب. و الآخر أيضا موقع في بنية الذات: إذ مثلما أنّ الآخر ليس ذاتا، بل مكانا و موقعا، كذلك فإنّ الذات ليست نقطة بل هي نتاج بنية مركّبة. و لاكان ينشئ هذه البنية على حدث محدّد بعينه يعترض الذات الفردية في مسارها وهو: مرحلة المرآة التي هي اكتشاف سريري قام به لاكان و التي تقع في المراحل الأولى من الطفولة (بين ستّة و ثمانية عشر شهرا). و عن طريقها يأخذ الطفل في الإحساس بذاته كذات مستقلّة و يكتسب فيها صورته عن ذاته بالتعرّف عليها في المرآة. و الطفل ما يزال في هذه المرحلة تابعا كلّيا لمن يعوله و غير قادر على الكلام و على التغذية؛ إنّ تعرّف الطفل على صورته في المرآة يجعله ينتقل من عدم الاكتفاء إلى الاستباق: استباق ما سيكون جسمه البالغ، كجسم مستقلّ و واقع في شبكة اللغة. إنّ الانتقال الذي يقع في هذه المرحلة انتقال أساسي: فهو يضمن للذات صورة كاملة عن نفسها و يضع الأنا كهيأة نفسية لكنّه يضعها ـ بتعبير لاكان ـ  في "خطّ الوهم". إنّ الأنا كوهم fiction    ينتج عن التواجه القائم في المرآة بين الذات و المسافة التي تفصلها عن صورها؛ إنّ الوهم يأتي أيضا من بنية الذات التي تتأكّد من ثمّة بذاتها. إنّ الهيئات النفسية التي يضعها فرويد: الأنا الأعلى، و الأنا و الهو تجد نفسها داخلة في علاقة تجعل التشبيه المكاني المتضمّن فيها يختفي. فالأنا الأعلى يصبح هو الرمزي  Le symbolique، مجال النظام و القانون، و مكان الخطاب الأبوي (و بذلك ينخرط التحليل النفسي في الانتروبولوجيا: إذ أن الرمزي هو نظام الثقافة بالمعنى الاتنولوجي)؛ و الأنا يصبح هو المتخيل  L’imaginaire، مكان الوهم، و الحقيقة، و التغيّر، و الملاحق التجميلية للذات التي هي ملاحق متحركّة و هشّة. و الهو ليس له مكان إلاّ مجازا فهو المكان الذي ليس له مكان وهو العلّة الغائبة للبنية، و يطلق عليه لاكان اسم الواقع  Le réel؛ و إنتاجه يقع على مستوى موضوعات الرغبة. و موضوعات الرغبة، بالنسبة لفرويد، موضوعات متعدّدة، لكنّها تابعة لعلاقة أساسية تحكم كلّ علاقة مع أي موضوع يدعوها لاكان العلاقة بالموضوع؛ و بالنسبة لميلاني كلاين ينقسم الموضوع إلى موضوع "جيّد" و موضوع "سيّء"، وفق علاقة متحركّة و غير مستقرّة تتوقّف عليها علاقة الذات بالعالم. و يذهب لاكان بعيدا في إضفاء صبغة نسقية على الموضوع: فهو يطلق اسم " الموضوع [أ] الصغيرة" على الموضوع النوعي العام لكلّ موضوعات الرغبة: الجزئي و المنفصل، و المهمل؛ و هذا الموضوع هو الأثر و العلاقة الدالّة على الغربة في قلب الذات، وهو علامة على قطيعة لا رجعية فيها: و هذا ما يجعل لاكان يطبعه بشرطة [علامة] مائلة في الكتابة $ وهي العلامة الدالّة على الانشطار الذي أشار إليه فرويد. (مقتطف من مقالة جاك لاكاترين كليمان و التي ترجمها محمد سبيلا  ـ مجلّة فكر و نقد ـ العدد: 6)
III  ـ الإيديولوجيا و الوهم:
1
ـ الإيديولوجيا... بأي معنى ؟
ـ  أصل الكلمة:
لقد ظهرت لفظة الإيديولوجيا لأوّل مرّة بفرنسا كعلم للأفكار و يرجع الفضل في نحت المصطلح إلى دستوت دي تراسي (1754 ـ 1836) إذ ارتبط به إبّان الثورة الفرنسية لسنة 1789 حيث أعطى لهذا المفهوم مدلولين اثنين و هما:
*  مدلول فلسفي:
اعتبر فيه الإيديولوجيا علم أو شبه علم يقوم على الملاحظة والتجربة كنقيض لتفسير اللاهوت للعالم الذي يعتبره دو تراسي تفسيرا أوليا و طفوليا بينما الإيديولوجيا كما يتصورها تمثل التفكير الراشد و الناضج لارتكازها على الملاحظة و التجربة.
*  مدلول إبيستمولوجي:
لقد أعطى دوتراسي مفهوما جديدا في كتابه ( مشروع عناصر الإيديولوجية) في بداية القرن 19 و هذا التعريف هو على الشكل التالي: « العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار أي مجموع واقعات الوعي من حيث صفاتها أو قوانينها و علاقاتها بالعلامات التي تمثّلها لا سيما أصلها» هكذا يبدو أنّ دوتراسي حاول أن يعطي للإيديولوجيا بعدا علميا باعتبارها نسقا من الأفكار و التصوّرات البعيدة عن التمثّلات اللاهوتية و الميتافيزيقية للعالم في كلّ الأحوال فأصبحت الإيديولوجيا بهذا المعنى ضدّ الافكار و الأطروحات المحافظة خاصّة و أنّها ارتبطت بالثورة الفرنسية و ما أحدثته من تغيّر في بناء المجتمع الفرنسي و انعكاسات هذه الثورة على صعيد الأقطار الأروبية تأسيسا على الدلالات السابقة و [ضدّا] على مفاهيمها نحت نابليون مدلولا جديدا للإيديولوجيا حيث اعتبرها أفكار المشاغبين الذين كانوا ضدّ حكمه و من ثمّة أخذت معنى انتقاصيّا لدلالتها مع
دوتراسي إذ أصبح نابليون ينعت خصومه بالإيديولوجيين و ذلك في إطار الصراع السياسي بينه و بين معارضيه. و في هذا الصّراع و السجال ظهرت ما سمّي سجال المصطلحات أو الإيديوفوبيا أي الخوف الشديد من الأفكار فإن كانت تعبّر عن شيء فإنّها تعبّر عن احترام المصالح و المطامح و أصل هذا الاحترام يعبّر تعبيرا قويّا عن المنحى الإيديولوجي و على دور الإيديولوجيا في تفعيل الصراع بين المصالح و المطامح. أمّا لالاند فيعرّف الإيديولوجيا بأنّها " العلم الذي يتّخذ موضعا له دراسة الأفكار أي العلم الذي يبحث في صفات الأفكار و قوانينها و خاصّة أصولها ".
2 ـ  الماركسية و الإيديولوجيا.
إنّ الايديولوجية أخذت تكتسي شيئا فشيئا معنى خاصّا فهي في نظر ماركس و رفيقه انجلز «ليست سوى التعبير الفكري عن العلاقات السائدة في المجتمع، تلك العلاقات التي تجعل من طبقة ما الطبقة السائدة على الطبقات الأخرى.» بهذا المعنى فالإيديولوجيا مجموع الأفكار الذي تسود المجتمع الطبقي و التي ترسم بفعل الشروط المادية و الروحية القائمة على صورة ناقصة و مشوّهة للعلاقات السائدة فيه و في هذا المعنى يقول أنجلز: «الإيديولوجيا هي نشاط فكري ذلك الذي يدعى مفكّرا واعيا في حين أنّه إنّما يصدر عن وعي زائف مغلوط ذلك لأنّ القوى الحقيقية المحرّكة له تبقى مجهولة لديه و إلا ّلما كان نشاطه الفكري ذاك إيديولوجيا». إذن هي البناء الفكري النظري القائم على وعي مزيّف لكونه يجهل مكوّناته الموضوعية هذا و قد وسّع كلّ من ماركس و أنجلز فيما بعد مفهوم الإيديولوجيا فجعلاه البنية الفوقية برمّتها لعصر من العصور التاريخية أي مجموع النتاج الفكري من أدب و فنّ و فلسفة و دين و أخلاق و تشريع بحيث يسود مجتمعا من المجتمعات في عصر من العصور التاريخية. إنّ لينين  يميّز بين الإيديولوجيا البرجوازية و البرجوازية الاشتراكية أمّا الإيديولوجيا الأولى فهي النسق الفكري الذي تقيمه البرجوازية لتخدع به نفسها و تخدع غيرها من الطبقات المضطهدة أمّا الإيديولوجيا الاشتراكية فهي المذهب الذي يقود كفاح الطبقة العاملة و تنير لها الطريق و الذي يأتي من الممارسة النظرية من المثقّفين الثوريين الذين ربطوا مصيرهم بنضال و كفاح الطبقة.  كارل مانهايم يفرّق مانهايم بين الإيديولوجيا الجزئية أو الخاصة و الإيديولوجيا الكلّية أو العامة فالأولى تعني مجموع الأفكار التي يعتنقها الشخص و التي يرى من خلالها حضوره مجرّد غطاء شعوري لتحقيق الموقف الذي يصدر عنه و الذي لا يعبّر عنه بصراحة لأنّها تعارض مصالحه فهي بهذا المعنى تبريرية تعمل على صرف النظر عن فحواها. أمّا الإيديولوجيا الكلّية هي مجموع التصوّرات التي تعتنقها جماعة ما تبريرا لموقفها داخل المجتمع. من خلال ما سبق يتّضح أنّ الإيديولوجيا تحمل مجموعة من التأويلات و القراءات للأفكار و للبناء الفوقي عموما. فهذا بول ريكور (1913 ـ 2005) يرى أنّ الإيديولوجيا ترتبط بثلاث وظائف يأخذ الاستعمال الأوّل معنى الاختلال و التشويه للواقع و هو المعنى الذي يشيع بين عامة الناس و الذي كان مصدره الماركسية حيث تسند للإيديولوجيا معنى يجعل من الممارسة أساسا لها و أنّ الإيديولوجيا مصدر التشويه و القهر. أمّا الاستعمال الثاني فربطه بول ريكور بالشكل الذي تظهر فيه الإيديولوجيا بالشكل الذي تظهر فيه هذه الأخيرة كظاهرة تشويهيّة و تزييفيّة بل يجعلها بول ريكور في هذه الحالة تبريرية أي أنّها تحاول أن تتكلّم بلسان الحاكم المسيطر و تشيّد الشمولية و حين يبرز العنف داخلها تتحوّل الايديولوجيا إلى أداة قهر و نحت الخوف أكثر من المظاهر العنيفة التي تخلّفها طاحونة الصراع الطبقي. أمّا الاستعمال الثالث: فيربطه بول ريكور بما أسماه بالإدماج أي أنّ الجماعة تعمل على استدعاء ذكرياتها الأساسية باعتبارها أحداث أوّلية مؤسّسة للهويّة المحدّدة لهذه الجماعة،  فهذا الاستعمال يساهم في تكوين عنصر جديد داخل بنية الذاكرة الجماعية. إنّ بول ريكور يهدف من وراء تقسيماته هذه للإيديولوجية إلى تأكيد نقطة محورية لا تنفصل عن عملية الإيديولوجيا نفسها وهي حضور الوهم لتبرير وصفي لاسترداد الذكريات لتحقيق الإدماج. أمّا علاقة الوعي بالوجود الاجتماعي فتلك إشكالية أخرى من الفلسفة الماركسية إذ يؤكّد رائد الماركسية كارل ماركس (1818 ـ 1883) على استحالة فصل وعي الناس بوجودهم الاجتماعي و يعطي ماركس للحياة الاجتماعية أهمّية أساسية تحديد الوعي بل يجعلها هي التي تحدّد الوعي فكيف ذلك ؟ إنّ الإنسان عند الماركسيين كائن اجتماعي في جوهره، و بدون المجتمع لا يستطيع الإنسان العيش، إذ لا يمكنه أن ينتج الشروط الضرورية للحياة اللازمة لبقائه إلاّ في إطار المجتمع و لكن أدوات ذلك الإنتاج و مناهجه تعود لكي تحدّد أوّل ما تحدّد العلاقات الإنسانية و خلاصة القول: إنّ كلّ مضمون للوعي الإنساني يحدّده المجتمع و يعدّل و يتغيّر و يتنوّع بحسب التطوّر الاقتصادي. أمّا بالنسبة لنيتشه (1844 ـ 1900) فهو يبرز الوعي الأكثر سطحية و سوءا بمعنى أنّ الوعي لدى الإنسان رغم تطوّره في المستويات فإنّه لا يدرك معنى وعيه لأفعاله و أفكاره و مشاعره بل حتّى حركاته فهو دائما يفعل نتيجة للإرادة قاهرة جاءت في صفة أمر (يجب عليك) و هو هنا يؤكّد مقولة (النيهلستية) أو العدمية و تظلّ تسيطر على الإنسان فهو لا يعرف معنى الفكر الذي أصبح وعيا فالوعي عند نيتشه لا يعدو أن يكون أكثر من أجزاء الفكر السطحية و أكثرها سوءا. إذا كان الوعي هو المسؤول عن إعطاء صورة عن حياتنا الواقعية و طريقة تفكيرنا فإلى أيّ حدّ يستطيع الوعي رسم صورة حقيقية عن واقعنا و ذواتنا ؟ ألا تتدخّل الإيديولوجية في تشويه الواقع و قلب الحقائق ؟ إنّ السؤال الذي يفرض نفسه هل يمكن التحرّر من الإيدولوجيا في العلوم الإنسانية ؟
منقول عن موقع تفلسف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق