إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

جارٍ التحميل...

الأربعاء، 12 أغسطس، 2009

نظرية العدالة عند جون راولز

عبد الرحمان بوشمّة:
في فترة الخمسينات ظلّ المشتغلون بالفلسفة يتابعون إنجازات جون راولز و تطويره لـنظرية العدالة التي بدأت بمقال له تمّ نشره في إحدى المجلاّت الفلسفية، حيث لقيَ هذا المقال حجما كبيرا من المناقشات و التعليقات و المتابعات في الوقت الذي كان فيه راولز يعمل على تطوير أفكاره الأساسية من خلال عدد من المقالات و الدراسات، إلى أن أصدر في عام 1971 كتابه الشهير "نظرية العدالة"، و حينذاك كان اسم جون راولز لا يحظى بشهرة كبيرة في الأوساط الأكاديمية لكنّه بعد إصدار الكتاب أصبح أحد ألمع أعلام الفلسفة المعاصرة لدى جماهير المثقّفين في معظم أنحاء العالم.
 لقد تمّ الاحتفاء بهذا الكتاب من طرف الأساتذة البارزين في ميدان الفلسفة السياسية و اعتبروه حدثا فريدا من نوعه، بل وصفوه أنهّ تحفة فريدة، و إسهام منقطع النظير في ميدان الفلسفة السياسية، بل إنّ هناك من المهتّمين من ربط بين هذا الكتاب و بين الأعمال الخالدة لأفلاطون، وجون ستيوارت مل، و إيمانويل كانط. و فضلا عن هذا فقد أُختير هذا الكتاب في باب عرض الكتب الجديدة بمجلّة نيويورك تايمز كواحد من أهمّ خمسة كتب صدرت عام 1971، و من ثمّ اعتبر الفيلسوف الأمريكي جون راولز 1921 ـ2001 من أهمّ المنظّرين للعدالة كنظرية و مفهوم، ذلك أنّه عندما ترجم مؤلفّه لأوّل مرّة أحدث ذلك نقاشا محتدما في العالم القارّي، و نفس الشيء حصل في العالم الانكلوسكسوني، بحيث أثارت "نظرية العدالة" نقاشات كبيرة يصعب الإحاطة بها، إذ في الولايات المتّحدة الأمريكية كانت الفلسفة الأكثر شيعا و رواجا، بالإضافة إلى هذا لا يمكن إحصاء الكتب و المقالات التي كتبت عن هذه النظرية. و إلى حدود عام 1971 كانت الفلسفة الانجلوسكسونية خاضعة للفكر التحليلي مكرّسة بذلك للمنطق الفلسفي الابستيمولوجي، أمّا الفلسفة السياسية فكانت غير مؤثّرة بشكل عميق في التقليد الانجلوسكسوني حيث بقي المذهب النفعي هو المؤثّر من الناحية الأخلاقية و السياسية، إلاّ أنّه مع نظرية راولز للعدالة عرفت الفلسفة السياسية تجديدا و تحديثا، و هذا ما سيحاول هذا البحث رصده من خلال نظرية العدالة عند جون راولز، و ذلك من خلال تحديد مبادئ العدالة و دورها في المجال السياسي العام ؟ و مدى إمكانية نجاحها في تحقيق مجتمع ديمقراطي وعادل ؟ و لكن هل يمكن الحديث عن العدالة في مجتمع يغلب عليه المذهب البراغماتي في السياسة ؟ و الاتّجاه الليبرالي في السياسة و الاقتصاد ... ؟ يقول كارل شميت " إنّ الفكر الليبرالي يتملّص و يتجاهل الدولة و السياسة ليتحرّك في قطبين مختلفي الخصائص و هما الأخلاق و الاقتصاد... بحيث يتحوّل إلى منافسة من جهة الاقتصاد، و إلى جدال من جهة العقل "1 لكن السؤال هو، هل هذا الحكم ملائم دائما للتطوّرات المعاصرة للفكر الليبرالي في أمريكا خاصّة فيما يتعلّق بالفيلسوف الأمريكي جون راولز ؟  يقول راولز في فقرة النفعية التقليدية L'utilitarisme classique "هدفي هو إعداد نظرية في العدالة التي ستعيد تقديم حلّ في إعادة تغيير الفكر النفعي بصفة عامة، و كذا مختلف المشارب الموجودة" 2  خاصّة و أنّ من بين ردود الفعل المنتظرة من قراءة كتاب نظرية العدالة لجون راولز هو الحصول على نظرية سياسية تؤسّس للديمقراطية الاجتماعية 3  Sociale démocratie لكن بأيّ معنى ؟ ذلك أنّ إعادة إدخال شروط إلزامية للعدالة الاجتماعية لا يعني إلغاء حرّيات و حقوق الأفراد، بل ينبغي المحافظة عليها، و من هنا فقط يمكن ولادة الإجماع، يقول راولز " كلّ شخص يملك حصانة قائمة على العدالة لا يمكن انتهاكها حتّى باسم رفاهية المجموعة "، و لكن ماهي الفرضيات التي تقوم عليها هذه النظرية ؟
« chaque personne possède une inviolabilité fondée sur la justice qui, même au nom du bien être de l’ensemble, ne peut être transgresse »
مفهوم الموقف الأصلي أو الوضعية الأصلية:
يتقاطع مفهوم الموقف الأصلي في نظرية العدالة، مع حالة الطبيعة في النظرية التقليدية للعقد الاجتماعي، ذلك أنّ النظريات التعاقدية تفترض حالة الفوضى و الحرب و الاضطراب التي كان يعيشها الأفراد في حالة الطبيعة، الشيء الذي أجبر فلاسفة العقد الاجتماعي على التعاقد و إنشاء مجتمع سياسي على النحو الذي صوّروه  لنا، إلى هنا يبدو الموقف مماثلا، لكن راولز يطرح بعدا جديدا في نظريته، إنّه ما أسماه حجاب الجهالة la voile d’ignoronce . إلاّ أن ّالأشخاص المتفاوضين الذين تصوّرهم راولز و قد اجتمعوا ليتوصّلوا إلى مبادئ للعدل الذي سيتحكّم نشاطهم مستقبلا، يجهلون في نفس الوقت كلّ شيء عن نفسهم، ذلك أنّ كلّ شخص لا يعرف سوى المعلومات التي هي في هوّيته مثل إسمه، عمره، جنسيته و الحقبة التي يعيش فيها كما يجهل قدراته البدنية أو العقلية فمجمل معرفته أنّه إنسان بغضّ النظر عن الاسم أو اللون أو الجنس أو العقيدة أو أي شيء من محدّدات الشخصية الفردية، و يعرف أيضا بموجب معرفته العامة إنّه باعتباره إنسانا، إذ يعرف أنّ له أهدافا، لكنّه لا يعلم ما هي على وجه التحديد ؟ إنّ ما توخّاه راولز من إضافة هذا البعد الجديد (حجاب الجهالة) هو أن تتمّ عملية التفاوض في جوّ محايد تماما، و أن يحول دون أن يتميّز أحد من المتفاوضين بأوضاعه الشخصية بحيث يصمّم مبادئ تلاؤم أحواله، بل يجب أن لا يختلّ ميزان العدالة الذي يروم تحصيل إجماع الأفراد على هذه المبادئ، ذلك أنّ "كلّ المتعاقدين يجهلون مفهومهم الخاصّ عن الخير و ميولهم النفسية، و بهذا المعنى يمكن القول أنّ اختيارهم لمبادئ العدل يتمّ خلف حجاب الجهل" 4. إذن فطالما أنّ كلّ المتفاوضون يجهلون أوضاعهم الخاصّة فإنّه لا خوف من شخص طرح مبادئ غير موضوعية تخدم مصالح البعض على حساب مصالح الآخرين. هذا الموقف الذي نحن بصدد الحديث عنه و الذي سيجد المتفاوضون فيه أنفسهم هو ما يسمّيه راولز بالموقف الأصلي la position originelle بحيث في هذا الموقف تكون هناك مجموعة متفاوضين كلّ فرد فيها يتميّز بالحكمة العامة و الجهل الخاصّ، و كلّ واحد منهم يسعى إلى تحقيق مصلحته الشخصية لكنّه يجد نفسه عاجزا على التمييز بين ملامحه و ملامح الآخرين، و في ظلّ هذا الوضع لا بدّ لهم من أن يحاولوا بلوغ مبادئ للعدالة تنتفي فيها المفاضلة بين الأشخاص بحيث يمكن أن يستفيد منها أي إنسان أيّا كان، و بناءا على هذا يتمّ الاتّفاق بين كافّة المتفاوضين على ضرورة التزام الحياد إزاء المبادئ المطروحة و عدم تحيّزها، بل يتمّ اتّفاقهم حتّى على ضرورة وضع ذوي الميزات الأدنى في الحسبان في هذه المبادئ، ذلك أنّ أهميّة نظرية العدالة لا تتحقّق إلاّ حينما تأخذ مصلحة الفئة الأقلّ حرمانا و الأكثر ضعفا 5 هنا تطرح اقتراحات كثيرة للانتقاء و منها مبادئ للعدالة و من ثمّة تكون لهم مطلق الحرّية في استعراض سائر مبادئ العدل التي عرفها تاريخ الفكر السياسي ليختاروا من بينها ما يلائم شروط عيشهم و الظروف التي يتمّ فيها تفاوضهم، فبإمكانهم مثلا أن يتأمّلوا وجهة نظر القائلة: بأنّ "العدل هو العمل لمصلحة الأقوى أو الأكثر امتيازا" و بوسعهم أن ينظروا إلى وجهة نظر التي ترى أنّ الخير يكمن في الرقي بالجنس البشري، كما يمكنهم الاعتماد على وجهة النظر التي ترى أنّ العدل قوامه الانسجام التامّ مع الطبيعة و التناغم معها...، لكنّهم سيرفضون كلّ هذه الاقتراحات و وجهات النظر ـ حسب راولز ـ لأنّه لا أحد منهم سيقبل بأيّة مبادئ تميل للأقوياء أو المتفوقّين لأنّها ستكون ضدّه إذا أزيل عنه حجاب الجهالة، و اكتشف وضعه السيّئ، أنّه من الضعفاء أو المتخلّفين، فهذه أسباب كافية لرفضها من طرف المتفاوضين، و يفترض راولز أنّهم ربّما يطرحون مذهب المنفعة العامة للنقاش و البحث لكنّهم سيرفضونه بسرعة في رأي راولز بحجّة أنّ هذا المذهب ظالم، لأنّه يسمح بالتضحية بحقوق البعض من أجل الرفاهية العامة و هذا المنطق مرفوض، فالإنسان لا يمكنه القبول بمذهب يمكن أن يهدّد أمنه الاجتماعي، و يعرّضه للقهر في يوم من الأيّام من أجل المصلحة العامة أو غير المصلحة العامة، طالما أنّ هذا الإنسان هو شخص عقلاني و هدفه هو تحقيق مصلحته الخاصّة، مثلما حال باقي أطراف الموقف الأصلي، و هكذا و بعد أخذ و ردّ يرفض المتفاوضون المبادئ المطروحة، و ما فيها من جور، وهي حقيقة يعلمها المتفاوضون حقّ العلم بمقتضى معلوماتهم العامة التي سبقت الإشارة إليها، وهو ما سيقطع مع فكرة التوزيع غير العادل للخيرات، و لكن كيف يحلّ راولز هذه المسألة مع العلم أنّ في المجتمع تضارب في المصالح ؟ بالإضافة إلى تشكيك أفراد المجتمع في إمكانية سنّ قاعدة تنظيمية يحصل بموجبها نوع من التطابق و التكامل في عملية تحقيق النفع العام ؟ انطلاقا من هذا يمكن القول: أنّ راولز يعارض التصوّر القائم على التفاوت بين الناس الذي تتدخّل فيه مجموعة من الاعتبارات "كالأصول الاجتماعية" أو" العرقية" أو "الجنسية" و غيرها، طبقية كانت أو سلطوية، مؤكّدا بذلك على ضرورة التوزيع المنصف للثروات، بمعنى أنّه لا يجوز أن تكون فئة مستفيدة بإحدى الطرق السابقة، أي أنّه ليس لهم الحقّ في اكتساب قدر أكبر من الثروات إلاّ إذا ظهر بأنّ ذلك سيفيد بشكل أو بآخر أولئك الذين لم ينالوا سوى قسطا ضئيلا (الطبقات المحرومة) من الخيرات و الثروات. واضح أنّ راولز استقى مفهوم العدالة التوزيعية من فلسفة "أرسطو"، حيث تلتقي في كتابه الشهير عدّة أطياف فكرية قارّية و أنجلوساكسونية. و استعاد من "كانط" مفاهيم الاستقلالية و الكونية، و الاستعمال العموم للعقل "L'usage publique de raison ، كما يستحضر راولز نظرية التعاقد عند "روسو" و إن كان قد اعتبر نظريته على قدر كبير من التجريد. لكن ينبغي التنبيه بملاحظة في غاية من الأهمّية، وهي أنّ "راولز" قد تجاوز كلّ البنيات الفلسفية السابقة، وهو ما ساعده على بلورة نظرية جديدة للعدالة، التي سيطرح من خلالها مشروعا نظريا لتجديد الليبرالية، و لإعادة التفكير في مستقبل الديمقراطية ذات المنحـى الليبـرالي في المجتمعات الما ـ بعد حداثية "Poste Modernité"  المركّبة بنيتها ثقافيا عرقيا، و ما تمخّض عن ذلك من أزمات و صراعات بين" دعاة المساواة" و"دعاة الحرّيات"، على قواعد أخلاقية للعدالة كإنصاف. و من ثمّة رصد الاختلافات التي تخترق الجسم الاجتماعي الليبرالي. و انطلاقا من هذا، كيف يتصوّر راولز العدالة كإنصاف في ظلّ تعاظم الأنانية و تضخّم الفردانية و استشراء اللامبالاة السياسية "Dépolitisation" ؟ و وفق أيّة مبادئ للعدالة ؟
مبادئ للعدالة عند جون راولز:
خلافا للتصوّر الليبرالي المفرط لمسألة العدالة يقرّ راولز بإمكانية تحقّق العدالة كإنصاف، شرط الإيمان بمبدأ "التعاون" كعنصر استراتيجي لتوفير الرفاهية للجميع، أي أنّ راولز يحثّ على تحقيق البعد الاجتماعي في عملية إنتاج الخيرات مادامت، هاته الأخيرة ، ستوزّع بالتساوي على أفراد المجتمع (العدالة التوزيعية)، يبدو من خلال ما سبق أنّ راولز يضع "مبدأ التعاون" في مقابل "الروح الفردية"، فإذا كان من نتائج التعاون توحيد الصفوف و تكامل الأدوار و إنصاف جميع الأطراف، فإنّ من نتائج الفردانية، التشرذم و طغيان الذاتية و الأنانية على مبدأ المصلحة العليا، و عندما نتحدّث عن تضارب المصالح فإنّنا نعني بذلك أنّ الأشخاص غير مهتمّين أو مبالين بالقواعد التي يتمّ بها توزيع محصول تعاونهم من جرّاء تلهفّهم لتحقيق أهدافهم، فكلّ فرد يفضّل الحصول على الجزء الأكبر من هذه المزايا بدل الجزء الأقلّ، أي أنّ كلّ واحد يسعى إلى تحقيق مصلحته معتقدا أنّ مجهوده الخاصّ كفيل لبلوغ أهدافه و طموحاته و غاياته. و لهذه الأسباب و غيرها يتوصّل "راولز" إلى ضرورة وضع مقاربة جديدة لمفهوم العدالة يتسنّى من خلالها تحديد مبادئ أخلاقية و سياسية تشمل مختلف التصوّرات الممكنة لمسألة العدالة الاجتماعية و تكمّلها، بل إنّ العدالة كإنصاف، كما يرى راولز هي القاعدة التي ستضمن التوزيع العادل للخيرات وفق تصوّر أخلاقي ُيرضي الجميع، و ذلك من خلال مبادئ العدالة الاجتماعية كما بلورها "جون راولز" و التي ستكون وسيلة فعّالة لتوحيد الحقوق و الواجبات داخل المؤسّسات الأساسية للمجتمع، كما أنهّا ستساعد على التوزيع السليم و المتكافئ للأرباح. غير أنّه على الرغم من الاختلاف الملاحظ عند الأشخاص حول المبادئ التي يجب أن تكون بمثابة الأسس القاعدية لمجتمعهم، و مع ذلك فوجود الاختلافات لا يمنع من وجود نظرة خاصّة لكلّ واحد منهم للعدالة، بمعنى أنهّم يدركون الحاجة إلى هذه المبادئ و أنّهم مستعدون للدفاع عنها. هذه المبادئ تسمح بوضع الحقوق و الواجبات الأساسية و تحقيق ما يعتقدون أنّه توزيع عادل للمزايا و الأعباء الناتجة عن التعاون الاجتماعي، و لهذا يمكن القول إنّ مبادئ العدالة كإنصاف من شأنها أن تقدّم تصوّرا شاملا لكلّ التصوّرات المختلفة للعدالة و تحتويها في نفس الآن، بشكل يجعلها تتّخذ أبعادا قابلة للتطبيق عمليا داخل البنيات المؤسّساتية متى توفّرت الظروف المناسبة لذلك. فلا بدّ إذا من وجود تنسيق بين مشاريع الأشخاص حتّى يحصل انسجام بين الأعمال التي يقومون بها، و حتّى لا يتضرّر أحدهم، و من جهة أخرى، فلتحقيق هذه المشاريع يتعيّن أن يسمح بالوصول إلى أهداف اجتماعية عن طريق استعمال وسائل تكون في ذات الوقت فعّالة و غير مخالفة للعدالة. و في الأخير، فإنّ نظام التعاون الاجتماعي يجب أن يكون مستقرّا، و أن تحترم قوانينه الأساسية، يتّضح إذن أنّ هذه المسائل الثلاث لها علاقة وطيدة بمبدأ العدالة، ففي غياب حدّ أدنى من التوافق بين ما هو عادل و ما هو غير عادل سيكون من العسير علينا التنسيق بين الرغبات المختلفة. و انطلاقا من هذا تبرز أهميّة إيجاد قاعدة أساسية لبناء تصوّر معقول لمفهوم العدالة، من أجل إيجاد صيغ مشتركة تضمن الحرّيات الأساسية للأفراد و المساواة في توزيع الثرواث، و تلك هي مبادئ العدالة كإنصاف.
إذن نظرية العدالة بما هي إنصاف عند "راولز" تتحدّد فيما يلي:
1 ـ كلّ الناس أحرار (الحرّية) و لهم الحقّ في النسق الموسّع للحرّيات الأساسية بالتساوي (المساواة).
2 ـ من الطبيعي أن تنتج عن هذا النسق الموسّع للحرّيات فوارق اجتماعية و اقتصادية هائلة بين الناس لكن شريطة أن تنظّم بالكيفية التالية:
أ  ـ  أن تكون في مصلحة الأكثر حرمانا (les plus défavorisés) أي ضحايا النظام الرأسمالي.
ب ـ أن تكون نابعة من مبدأ تكافؤ الفرص (égalités des chances) في الوظائف. لا يرى راولز مانعا في بقاء اللامساواة لكن شرط أن تكون في مصلحة الأكثر حرمانا و الأقلّ حظّا من الناس، و إذا كانت أيضا حصيلة تكافؤ الفرص التي يتيحها النظام الليبرالي الذي يكون قد قبل بمبدأ العدالة كإنصاف، و حصل توافق جماعي حول مبادئها التي نلخّص أهمّها في ما يلي: "المساواة، الحرّية، التعاون الاجتماعي".
و من هنا يتّضح أنّ هدف نظرية العدالة كإنصاف هو محاولة الإجابة عن الأسئلة المتعلّقة بإمكانية تحقيق مجتمع عادل يضمن لأفراده الحرّية و المساواة، بحيث تكون الحدود المنصفة للتعاون موضع توافق بين المواطنين أنفسهم مادام الدخول لمجتمع التعاون يفترض المرور بمرحلة الوضعية الأصلية كإجراء لعرض نظرية العدالة كإنصاف. إذن فما هي مبادئ العدالة التي على أساسها سيكون التوزيع منصفا بين أفراد المجتمع، لما أسماه راولز المنافع الأساسية مثلا: الحقوق و السلطات و الفرص و الدخل و الثروة، و مخوّلات احترام الذات...  ببساطة تتمثّل حسب جون راولز في المبادئ التالية:
ـ المبدأ الأوّل: لكلّ شخص أن يحصل على حقّ مُسَاوٍ في أكثر أشكال الحرّية شمولا و أوسعها مدى، دون المساس بحرّية الآخرين.
ـ المبدأ الثاني: يتم ّتسوية التفاوتات الاجتماعية و الاقتصادية بحيث تكون أعظمها نفعا لأقلّ المستفيدين، و يترتّب عليها مراكز و مناصب متاحة أمام الجميع تحت شروط المساواة العادلة في الفرص.
إنّ المبدأ الأوّل هو مبدأ الحرّية المتساوية، يهدف إلى منح كلّ شخص حقّه و حرّيته السياسية الأساسية: كالحقّ في التصويت، و إمكانية شغل مناصب عامة، و حرية التعبير و الرأي و الفكر، و الاجتماع و الحقّ في الملكية الخاصّة، و اللجوء إلى القانون، و ذلك دون النظر إلى وضعيته الاجتماعية. أمّا المبدأ الثاني فيتضمّن ما يسمّيه راولز بـ " المبدأ الليبرالي للمساواة المنصفة في الفرص" إذ يقتضي حصول الجميع على فرص متكافئة للمنافسة على شتّى المناصب. هنا يدرك راولز أنّ هذا التنافس يحسم بنتيجة تكمن في حصول البعض على مواقع و ثروات مماّ يسمح بظهور فروق اجتماعية، لكن داخل إطار محكوم بتكافؤ الفرص. المشكل بالنسبة لراولز هو السماح بوجود تفاوتات شريطة أن لا يخلق هذا مجتمع فئة محرومة من حقّها في الحصول على حقوقها الكاملة و الفرص الأساسية لحساب فئة أخرى تتمتّع بامتيازات. و من أجل تحقيق هذا المجتمع دعا إلى المساواة الديمقراطية L’égalité démocratique. انطلاقا ممّا تقدم و تأسيسا عليه، يمكن القول، و أنّه لا يمكن التضحية بالمبدأ الأوّل لفائدة الثاني، فللمساواة في الحرّية أسبقية عن المساواة في الفرص، و لهذه الأخيرة أولوية على التوزيع المتساوي للثروات، و داخل كلّ واحدة منها لا يقبل التفاوت ولا تقبل اللامساواة إلاّ إذا كان سيستفيد منها أولئك الذين هم أكثر تعرّضا للحرمان و الضعف و الفقر من غيرهم، و انطلاقا من هذه المبادئ سيتمّ التوزيع العادل للمنافع الأساسية حسب راولز كأهمّ نقطة عملية نحو استعادة العدالة داخل كلّ مجتمعات الحديثة.
 الهوامش:
1- John Rawls: La théorie de la justice. Edition Seuil Tradition Edouard Tuoudor. P: 14
2- John Rawls: La théorie de la justice. Ibid P:49
3- John Rawls: La théorie de la justice. Ibid P:14
4- John Rawls: La théorie de la justice. Ibid P:38
5- John Rawls: La théorie de la justice. Ibid P:30.
6- John Rawls: la théorie de la justice. Ibid, "Promité de juste sur le bien, P:66-67
7- John Rawls: la théorie de la justice. Ibid, "Promité de juste sur le bien, P:37

مراجع معتمدة:
1- John Rawls: La théorie de la justice. Edition Seuil Tradition Edouard Tuoudor.
2- جون راولز John Rawls 1/2، في مفهوم العدالة، تقديم و ترجمة محمد هاشمي، مجلّة مدارات فلسفية.
3- رسالة لنيل شهادة الإجازة في الفلسفة، بعنوان نظرية العدالة عند جون راولز، جامعة الحسن الثاني - المحمدية، كلّية الآداب والعلوم الانسانية - إبنمسيك.
4- رسالة لنيل شهادة الإجازة في الفلسفة، بعنوان الأسس الفلسفية لنظرية العدالة عند جون راولز، جامعة القاضي عياض، كلية الآداب والعلوم الانسانية مراكش.
منقول عن موقع تفلسف

‏هناك تعليق واحد:

  1. غير معرف15/3/14

    شكرا على المعلومات

    ردحذف