إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

جارٍ التحميل...

الأربعاء، 3 أبريل، 2013

العلم بين الحقيقة و النمذجة

إعداد الأستاذ: رشيد الفطناسي    (معهد: محمود المسعدي)
التخــطـــــيط
I ـ دلالة النموذج:
السند: في أصل النماذج ـ  نوال مولود ـ ص:227
II ـ أبعاد النمذجة:
1 ـ البعد التركيبي: (الترييض* الصورنة * البنية * الأكسمة)
السّندات:
 * النموذج بما هو بنية ـ بياجي ـ ص: 242
 * النمذجة و الأكسمة ـ بلانشي ـ ص: 286
      * في النماذج الرياضية والمنطقية ـ سناصر ـ  ص: 229
ـ البعد الدلالــــي: (الافتراض * الملاءمة * النظرية * القانون الواقعي)
السندات:
 * الافتراضي والواقع ـ قرانجي ـ ص:285
 * النموذج والواقع ـ  أورو ـ ص: 254
3 ـ البعد التداولي: (*التفسير* التحقيق * الفهم)
السند:
* النمذجة للفهم ـ لوموانيه ـ ص: 264 ـ 265
* النمذجة والتفسير ـ
III ـ النمذجة ومطلب الحقيقة:
1 ـ الحدود الابستيمولوجية: (*الاختزالية * التاريخية * الأنظمة * التقنية * التبسيطية)
السند:
 * النموذج تبسيط ـ نوفال ـ ص: 258
 * النموذج بما هو نسق ـ  لادريار ـ ص:261
2 ـ الحدود الفلسفيـــــــــــة: ( * الحقيقة * المسؤولية * المعنى)
السندات:
 * مسؤولية العالم ـ أينشتاين ـ ص:301
 * الحقيقة والمشروعية في العلم ـ ليوتار ـ ص:278
 * العلم والتقنية والسياسة ـ موران ـ ص:276
       I ـ في دلالة النموذج والنمذجة:
السند: في أصل النماذج ـ مولود ـ ص:227
الإشكالية:
* هل ينبغي فهم النموذج في العلوم بالعودة إلى المفهوم الأفلاطوني في معناه الفلسفي وتعريفه كفكرة قابلة للتحكّم للتحقّق العيني في الواقع أم بالانطلاق من استعماله التقني وتعريفه كتصميم يمكّن من تمثيل الواقع بشكل مصّغر، مبسّط ومجرّد وحسّي ؟ هل يمكن الحديث عن نموذج نظري مجرّد دون نموذج حسّي مجسّم للواقع المادي ؟ و هل بالإمكان اختزال النماذج العلمية في تصميمات حسّية تعيد إنتاج الواقع دون ابتكار فرضيات جديدة لهيكلة الواقع وتفسيره؟ و بأيّ معنى يمكن تجاوز المأزق و إعادة فهم النمذجة في العلوم بما يعبّر عن الممارسة العلمية بعيدا عن كلّ اختزال أحادي؟
الأطـروحــة:
 للنموذج معنيان يتقاطعان ويتلازمان فهو من جهة تجسيم مادي لمنطوقات العلم النظرية يُمكّن من تمثّل الموضوعات والتفكير فيها ومن جهة أخرى هو نسق نظري مهيكل يهيكل الوقائع الحسّية ويقاربها منطقيا ورياضيا.
العناصــــــــر:
أ ـ  النمذجة:        
 ب ـ النموذج: دلالته / خصائصه/ مجالاته        
 ج‌ ـ رهاناته:
التحليـــــــــــــل:
أ ـ دلالة النمذجة:
 النمذجة هي قدرة على إنتاج نماذج يكون قوامها وعي المفكّر العلمي بطبيعة نشاطه أي أنّ معرفته مشروع وليست موضوعا بما أنّه صانع نماذج مرتبطة بالسّياق الاجتماعي والاقتصادي والحضاري مُحدّدا المراحل التي يمرّ بها الباحث لبناء نموذج ما.النمذجة هي مسار إجرائي للمعرفة يسمح بإنتاج النماذج على أساسه تُمثّل النمذجة التمشّي المنهجي الذي يُفضى إلى إنتاج نماذج وتفترض أنّ كلّ كائن هو منظومة تشتغل على نحو ما.
* و بهذا كان مصطلح النموذج مرتبطا بالدلالة التكنولوجية إذ يحيل على معنى التصميم ولكنّه أصبح مرادفا للعمليّة النظريّة فالدّلالة التكنولوجية أي التصميم يعني أنّ وظيفته في الأصل لم تكن نظرية. بل اليوم أصبحت رياضيّة تمكّن من استكشاف الواقع وبناء تصميمات حسّية تصغّر الواقع الأصلي على أساس التماثل، حيث يتيح إمكان إجراء قياسات وحسابات لا يمكن القيام بها في الواقع الحسّي مثال ذالك ما يحدث في الهندسة المعمارية أو الهندسة الميكانيكية مثل التصاميم المصغّرة لسفن أو قطارات أو مطار. فأصل النموذج هو تقني وهو تصميم لكنّه سيتحوّل إلى مفهوم مركزي في الابستيمولوجيا المعاصرة لفهم العقل العلمي يقول مولود: اكتسب اللفظ قيمة منهجية واسعة.
 ب ـ النموذج:
 دلالة النموذج تتحدّد بوصفه يمثّل كلّ تمثّل ذهني أو مادّي لنسق واقعي يمكن التعبير عنه بلغة أدبية لفظية أو رسوم بيانية رياضية كما يؤكّد فاليزار أو هو بحسب دوران كلّ تمثّل لنسق واقعي مهما كان شكل هذا التمثّل سواء كان تصميما (والتصميم هو صورة لفظية) أو رسم بياني  أو صور رياضية. يعني أنّ هناك نماذج مادية وتصاميم تترجم نسقا مُعيّنا في شكل ظواهر عينيّة متشابهة تكون تماثلية أو مصغّرة،
نماذج رمزيّة: يعني أنّنا نذهب من النظرية إلى الواقع،  من الواقع إلى النظرية أي نمرّ تدريجيّا من النموذج الرّمزي إلى التصميم ومنه إلى التصميم الرّمزي هذا لا يعني أنّ هناك توافقا أو تطابقا كلّيا بين النموذج المادي و الرّمزي بل هو تمثّل و تمثيل. النموذج تصميم هندسي مصغّر أو رسم بياني مجرّد أو ذهني أو حسّي أو ترقيم موسيقي صوري و رمزي.
 * إنّ النموذج بناء افتراضي له طابع إجرائي ومنهجي يستبدل واقعا معقّدا بنموذج عيني أو رياضي أو رمزي مجرّد أو مختزل هو افتراضات يصنعها العقل بمعنى أنّه يُنشئ تصوّرا نظريا للواقع يكون تقريبيّا و تمثيليّا إذن هو نموذج تمثّل لشيء ما و لمسار نسق غير قابل للإدراك على نحو مباشر يجري بناءه في الخيال قبل تجسيده في الواقع إذن هو جدل خلاّق بين الواقع والنظرية و الحسّي والخيال ينشأ بفعل تبسيط متعمّد لأنّه يقوم على استراتيجيا الإغفال والإهمال و متعمّد لأنّه لا يدّعي التطابق بين النموذج وما يحدث في الواقع. النموذج إذن، ليس نسخة أو أصلا لأنّ هذا لا يعبّر عن حقيقة النموذج بل هو ينشأ لغاية معرفية هدفها التبسيط والتوضيح والتفسير فالخريطة التي تمثّل الأرض ليست هي الأرض إذن هو" جوهر قابل للتعميم " كما يقول "سايبر". إذ يقوم على أساس فهم شيء و يهمل أشياء كثيرة وهو يحتفظ بالقليل لأجل الفهم. النموذج ليس المثال " المثال بالمعنى الأفلاطوني هو الفكرة أو المثال الإسمي مثل فكرة الخير الأسمي له دلالة أنطولوجية وميتافيزيقية يحدّد بها مراتب الموجودات إلاّ أنّ النموذج العلمي هو تمثّل عقلاني لأنموذج واقعي.         
* النموذج ليس براديغما، لكن علميا يفيد معنى تمثّل العالم فالنظر إلى الأشياء وفق نموذج إرشادي يقوم على جملة من القيم والمبادئ والمعايير يتوافق حولها مجموعة من العلماء ويستخدمونها لقراءة الواقع وللحكم عليها في مرحلة علمية ما كما بين ذلك "توماس كوهن" في كتابه "بنية الثورات العلمية " و على هذا الأساس يختلف النموذج عن البراديغم إذ أنّ النمذجة تتحرّك وفق مسار إجرائي مرتبط بالكون المبني على أساس الاستكشاف لذلك فالنموذج يمثّل مسارا يبيّن كيفية اشتغال العقل العلمي المعاصر.
* مجالات النموذج: اللامتناهي في الكبر: الفضاء ـ اللامتناهي في الصغر: المادّة ـ اللامتناهي في التعقيد:(الزمن). النموذج يمثّل وحدة و بنية نسقيّة مجرّدة في شكل علاقات صوريّة بين مقادير رياضية وهذا ما يحيل على البعد التركيبي.
  * إنشاء هذه المفاهيم وكذلك الواقع يجعل منه وسيطا نظريّا بين صياغة القانون و وجهته إذ يحيل على واقع بما هو إنتاج خالص وافتراضي وإنشاء على أساس النظريّة والملاءمة والافتراضي والواقعي. هذا هو بعده الدلالي.
* من الناحية الإجرائية النموذج يمثّل منزلة عملية تطبيقية تسمح له بأن يكون فاعلا و ناجعا إذ يفسّر ويفهم إذ هو يبسّط لغاية المعرفة والفهم والفاعلية والنجاعة واتّخاذ القرار إذ يقول "فورنتار" "نتّخذ قراراتنا انطلاقا من نماذج". - وهذا يحيل على البعد التداولي وفقا لعبارة "بول فاليري" إنّنا لا نفكّر إلاّ من خلال نماذج" وهذا معناه أنّ التمييز بين النظرية والنموذج هو اصطناع من وجهة نظر ابستيمولوجية إذ أنّ "حورية سيناصير" ترى أنّ نظرية النماذج ما هي إلاّ دراسة علاقة بين اللغة الصوريّة و بين تأثيرها بواسطة إنجازات محسوسة.
* النموذج ليس جمعا أو تصنيفا وإنّما هو بناء نظرية و نماذج افتراضية مخصّصة لفهم الواقع وتبسيطه وتفسيره.
* يقول "جيل كوهن تينودجي" إنّ النماذج هي وسائط استكشافية إنّها تصميم لنظرية لم توجد بعد أو في طور الصياغة "
* إذ أنّ هدف العلم كما يرى " كيستلار " " .... هو الاكتشاف و ليس اكتشاف وقائع فردية ومعزولة و إنّما اكتشاف أنظمة تعبّر عنها قضايا عامة.
* النموذج إذن يقود إلى الإنتاج ـ التبسيط ـ الفهم ـ والتوقّع.
* رهانات النموذج و النمذجة:
     ü  دحض الاعتقاد في وجود نموذج نظريّ واحد صالح لكلّ معرفة علمية.
     ü الإقرار بتعدّد النماذج وانفتاح العقل العلمي إذ بعبارة " دوسانتي" من باب الظلال أن نعتبر
          المعقولية الرياضية مثالا نموذجيّا و معياريّا.
      ü تعدّد أبعاد النمذجة يجعلنا نتجاوز البعد الأحادي للنشاط العلمي.
      ü العلم من خلال النمذجة هو نسق رمزي كما بيّن " هربرت سيمون".
II ـ أبعـــــاد النمــذجــــة:
  1 ـ البعد التركيبي :)البنية ـ الصورنة ـ الأكسمة)
السندات:  * النموذج بما هو بنية ـ بياجيه ـ  ص: 242
          *  النمذجة والأكسمة ـ  بلانشي ـ ص: 286
          *  في النماذج الرياضية والمنطقية ـ سناصر ـ ص: 229
الإشكالية:
إذا كان كلّ نموذج يتحدّد انطلاقا من بعده التركيبي فما الذي نعنيه بالتركيب ؟ و إذا سلّمنا بأنّ التركيب يقوم على أساس بنية رياضية ومنطقية فهل تستوفي خاصّية الصورنة والأكسمة حقيقة النموذج و طبيعته؟.
الأطروحة:
إنّ النموذج هو نسق نظري و بنية تمكّن من هيكلة الوقائع ومقاربتها بشكل منطقي و رياضي
عناصر التحليل:
   أ‌ ـ البنية. 
  ب ‌ـ الصورنة والترييض.
  ج ـ الأكسمة.
  د ـ قيمة النموذج التركيبي.
التحليــــــــــــل:
إذا كان النموذج من جهة البنية يتحدّد وفق ثلاثة أبعاد فإنّ البعد التركيبي يتعلّق بالعناصر الأوّلية المكّونة لها حيث ينظّم العقل العلمي ويحدّده وفق أنساق تتشكّل بأرقام و رموز و قواعد داخل علاقات تنتظم داخليا و ذاتيا وفق صيغ وقضايا رياضية ومنطقية مرتبطة بالبعد الدلالي والتداولي حيث لا يمكن فصلهما إلاّ إجرائيا.
  * إنّ هذا الترابط وهذا الاتّساع في الأبعاد الثلاثة هو تجاوز للأفق الوضعي الذي يختزل النموذج فيما هو رياضي في حين أنّ المقاربة النسقية (النمذجة) لا ترى في الرياضيات إلاّ بعدا من أبعادها.
 * لكن كيف يتحدّد صوريا ورياضيا على أساس الأوّليات ؟
  أ‌ ـ البنيـــة:
إنّ المقاربة الابستمولوجية سعت لبيان خصائص البنية وآليات النموذج الرياضي إذ يقول "لالاند" هي "نسق يتكّون من مجموعة عناصر تتوقّف بعضها عن البعض الآخر لتشكّل كلاّ منتظما". ولذلك فإنّ مفهوم البنية في العلم يحدّده " جون بياجي "  حيث يرى أنّها نسق من العقلانية التي تحدّد الوحدة المادّية للشيء وهي القانون الذي يفسّر هذه الوحدة إنّ البنية ليست وجودا عينيا أو تجريبيّا وإنّما هي بناء نظري مغلق مستقلّ بذاته دون الحاجة إلى إطار خارجي.
 * إنّها نسق من التحوّلات حيث تحتوي على قوانين يكون كلّ عنصر في علاقة بالعناصر الأخرى هذا التحديد للبنية في نظر "بياجي" له خصائص كليّة وانتظامات ذاتية وملتصقة حيث لا وجود لتناقض وإنّما تتكامل مع بعضها. إنّها فعل تنظيمي يحدّد معيار قدرتها على الإنجاز وصلاحيتها حيث يكون النموذج هنا تحكّمي يحتاج إلى تعديل يقول "غرانجى" " يهدف العلم إلى إنشاء بنيات تكون على النحو الأكثر تجريبا " كي تمثّل الظواهر حيث تسمّى هذه البنيات نماذج وهذا ما نشهده في مجال الرياضيات والمنطق في بناء الأوّليات لذلك فإنّ البنية تتحدّد كبنية صورية ومنطقية و الصورنة هي منح السّمة الصوريّة لنسق أو قضيّة باعتماد رموز منطقية أو رياضية تتحدّد بشكل صارم من قبيل منظومة الأوّليات وتعدّ الصورنة السّمة المميّزة للنمذجة العلمية. حيث هناك فرق بين الحقيقة المادية والحقيقة الصورية.
الحقيقة المادّية: مطابقة القضيّة مع الواقع. تصوّر عقلي لمضمون مادي.
الحقيقة الصورية: تتعلّق بصورة الاستدلال وليس بمضمونه. استبدال ثابت مادي بمتغيّر رمزي رياضي. ذلك أنّ الرياضيات تقوم على التجريب. الصياغة الصوريّة تصاغ في صورة رياضية.
ب ـ الترييض:
الرياضيات علم فرضي استنباطي يقوم على التعميم والتجريب حيث تتمّ الصّياغة للمعادلات الرياضية ذلك أنّ الرياضيات تمثّل لغة كونية. يقول "هوسرل" إنّ المفاهيم الرياضية هي مفاهيم مثالية إذ تعبّر عن شيء لا يمكن أن نراه.
  * الرياضيات تحديد للعلاقات بين الرموز التي تدلّ عليها تلك الرموز.
  * في الفيزياء يتمّ دراسة حركة الأجسام المادية فإنّها تقوم على نسق أكسيومي صوري في نطاقه يتمّ ترييض للوقائع واستنتاج قوانين تمكّن من تفسيرها.
  * النموذج عند "نيوتن" يحدّد النسق. إذ ينطلق من تعريفات أساسية للمفاهيم مثل كمّية الحركة ـ الثقل ـ الكتلة ـ مبدأ العطالة ـ مبدأ الفعل و ردّ الفعل.
إنّ هذه المبادئ تشكّل الأوّليات يضعها العقل ويسلّم بها باعتبارها مستقلّة لا يمكن استنتاجها من مبادئ أخرى.
يقوم النموذج على مفاهيم مجرّدة و علاقات كمّية ومنطقية فمثلا رمز مجرّد لمفهوم القوّة في صيغة موجّه رياضي بوحدة قيس وتصاغ في معادلة هي علاقة رياضية قوامها التساوي بين القوّة وحاصل ضارب الكتلة في التسارع وهذا يعني أنّ النسق الأكسيومي النيوتني هو رياضي صوري.
ج  ـ الأكسمة:
   * البناء الأكسيومي مقترن بالقضية التي لا تستنتج من قضية أخرى صادقة أوّلية ـ ضرورية ـ كلّية ـ ذاتية ـ واضحة متّفق عليها مثال "الكلّ أكبر من الجزء" هو القاعدة الإجرائية يطرح كأولويّة مع بداية استنتاج يعرّفه "لالاند" هو مجموع علم المبادئ الموضوعة".
  * يتّسم بالاختزال إذ " الأكسيومي منظومة من الأوّليات يقوم عليه بناء رياضي مماثل باختلاف الأوّليات التي يقوم عليها كلّ منهما". هذا يعني أنّ الأبنية الرياضية تختلف باختلاف الأوّليات التي تقوم عليها. إنّ المنهج الأكسيومي كما يرى "بورباكي" يستند إلى الرياضيات." إنّ الرياضيات عبارة عن خزّان لصور مجرّدة ". إذ هو صياغة صورية محضة " ويمكن القول مع فاليزار" " أنّ كلّ نموذج يصاغ في لغة صوريّة من مجموع عناصر أوّلية أو رموز وقواعد منظّمة لهذه الرموز في علاقات قابلة للتأويل الدلالي". النموذج يتكّون من عناصر أوّلية ورموز.
    أ‌  ـ أوّليات واضحة
    ب‌ ـ شبه أكسيومات غير دقيقة وقواعد غير صادقة.
   ج‌ ـ مكوّنات النسق الصوري هي أوّليات تكون أساس كلّ برهة ولا تحتاج إلى برهان.
   * النموذج هو نسق متوحّد الشكل و يتحدّد داخله لذلك يعدّ تامّا ونظريّا.
   * كلّ نموذج غير كامل لأنّ كلّ نمذجة تأخذ بعين الاعتبار خصائص معيّنة وتهمل أخرى لتحقيق أهدافها، إذن تقوم على استراتجية الإغفال خاصّيتها الملاءمة الواقعّية ـ الصوريّة
د ـ قيمة النموذج التركيبيّة: كلّ نموذج يتكوّن من ثوابت ومتغيّرات وضوابط وبالتالي البعد التركيبي هو نسق بنية يتحدّد وفق قواعد منتظمة يتأسّس على جملة من الأوّليات قائم على أساس التناسق والتلاؤم.
   * الاستقلالية: مكتفٍ بذاته، لا يحتاج إلى مصادرات خارجية أو يستبدلها بأخرى.
   * القراريّة: يعتمد تمشّيا برهانيّا يسمح بالحكم على قضّية ما بالصواب أو بالخطأ.
   * الاقتصاد في التفكير: الاختزال ـ التبسيط ـ الوحدة ـ تنظيم المعارف إذن هو استكشافي ليس رهين تجربة وإنّما هو وليد مجهود نظري يبنيه العالم افتراضيا.
2 ـ البعـــــد الدلالـــــــــــي:
السندات:
 * الافتراضي والواقع ـ قرانحي ـ ص 258
* النموذج والواقع ـ أورو ـ ص 254
التخلّــص: إذا كان النموذج في تركيبته يشهد التصاقا وانتظاما بفعل صورته وأكسمته وترييضه فإنّ هذا لا يعني عدم صلته بالواقع بل إنّه في علاقة ملاءمة معه إذ أنّ النموذج لا يمكن أن يكتسب صفة الحقيقة إلاّ بقدر ملاءمته للواقع ونجاحه في عقلنته وتفسيره وتبسيطه وهو ما يدفعنا إلى النظر في بعده الدلالي.
الإشكالية: إذا كنّا بحسب "بول فاليري" لا يمكن أن نفكّر إلا ّمن خلال نماذج هل يعني ذلك قطيعة مع الواقع ؟ ولكن إذا سلّمنا بأنّ النموذج يحيل على واقع، فما دلالة هذا الواقع ؟ وما علاقة الافتراضي بالواقعي وهل نحن من خلال النماذج نتمثّل الواقع أم نفترضه ؟
الأطروحة: إنّ النمذجة هي تحديد العلاقات التفاعلية داخل نسق وجعل النموذج أكثر ملاءمة في علاقته بمجال صلاحيته بالواقع وهذا يعني أنّ النمذجة تحيل إلى الواقع من جهة الافتراضي ذلك أنّ الافتراضي هو شرط إمكان تفسير الواقع وما به تتقوّم المعرفة العلمية بما هي معرفة مشروع.
العناصـــــر:
1. الواقع العلمي كإنشاء عقلي يجمع بين الراهن والافتراضي.
2. مفهوم الحقيقة في النمذجة العلمية بين الراهن الافتراضي.
التحليــل: إذا كان النموذج بعبارة " قريكو " يمثّل وسيطا ضروريّا بين القانون وفهم معنى القانون فإنّ هذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن المعنى الدلالي هل إنّ إنشاء نسق صوري لا يكتسب واقعيّا إلاّ بفضل تطبيقه بفعل تجريبي يتمّ إعداده بواسطة تأويل تلك الرموز وترجمتها ؟ وإجابة على هذا النسق يعبّر عن بنية واقعيّة تقوم على التوافق والملاءمة وفي ظلّه يمكن القول إنّ ابستيمولوجيا النماذج تتأسّس على دراسة دلالية قصدها معرفة الملاءمة بين المفاهيم التركيبية حيث يتحدّد البعد الدلالي للنموذج في علاقته التفاعلية بالنسق وهنا يمكن العودة إلى "غرا نجى" حيث نتبيّن أنّ النموذج يهدف إلى هيكلة واقع ما على نحو عقلي لذا فإنّ وجوب تجاوز الحدود والإجراءات النظرية والمنهجية في اختيار النموذج نحو المضامين الدلالية التي يقدّمها النموذج العلمي عن الواقع الذي يتناولها.لكن، هل أنّ الواقع الذي يهدف إلى تجسيد الوقائع وتجسيمها حسّيا أو يضع المفاهيم النظرية لصياغة علاقات ذاتية يمكّن من تفسيرها هي وقائع حسّية راهنيّة تكون فرديّة جزئيّة حيث إنّ إدراكها حسّيا والعثور عليها جائز في الطبيعة.؟
1 ـ الواقع العلمي كإنشاء عقلي يجمع بين الراهن بين والافتراضي:
إنّ النماذج العلمية في تجسيدها الحسّي للنظرية، أو في بناء نسق نظري ما يهيكلها ويُمكّن من استنتاج قوانين تهدف إلى التفسير والفهم والتحقيق والنجاعة والتوقّع، تنطلق من هذا الواقع الراهنى الحسّي إلاّ أنّها لا تقوم بذلك إلاّ لتنفصل عنه وتعيد إنشاءه وبناءه طبقا لبناء علاقات فعلية وغير راهنية أي افتراضية مع فهمنا للواقع في نسق تجربتنا الحسّية المباشرة فالواقع كما يتحدّد في تجربته الحسّية يتّسم براهينيّة أساسها الإدراك الحسّي والجزئي والكيفي والنفعي ذلك أنّ الوقائع هي دائما وقائع فرديّة جزئية يعني أنّها عارضة ولذلك تغيب العلاقات بين الثوابت المتكرّرة فالأشياء تُدرك وفقا لخصائصها الكيفية وهذا معناه غياب الخصائص الكمّية القابلة للملاحظة الخارجية الدقيقة قوامها الوصف والقيس والحساب وهي تستخدم نفعيّا مثل الإنارة لهذا اعتبر "بشلار" التجربة الحسّية المباشرة عائقا ابستيمولوجيا أي يعوق ويعرقل الدراسة العلمية الموضوعية للظواهر إلاّ أنّ هذا لا يعوق إمكان قيام واقع لا يكون موضوع العلم حينها يكون هذا الواقع إنشاء عقلي من داخل نموذج نظري محدود وهذا لا يعني إنّها وهمية أو خيالية أو احتياطية فمثلا الإلكترون وقوّة الجاذبية هي ظواهر موجودة في الواقع وهدف العلماء هو رصد النظام المعقول وتفسيره لوجود المعرفة حتّى وإن كانت مستنبطة استنباطا صارما ومنظّما. يمكنها أن تكون جديرة في نظرها أن تُسمّى علما. فالموضوع العلمي نظري وهو ما يجعله موضوعا يجمع بين الرّاهن والافتراضي الذي تمّ إنشاؤه. إنّ التفكير في موضوعات العلم من خلال فعل النمذجة في المستوى النظري لما هو حسّي أو التجسيم الحسّي لما هو نظري مثال ذلك داخل علوم الطبيعة أو علوم الإنسان يجعله يدركها كأنّها موضوعات راهنة يمكن إدراكها من خلال الملاحظة الحسّية كوقائع فردية غير أنّها لا تجعلنا نعتقد أنّ العلماء يهيكلون راهن الواقعة الحسّية لأنّ هذا الجانب الراهن يتحدّد انطلاقا من جانب آخر افتراضي وعقلي على أساس التجريد والاختزال والتبسيط من خلال إفراغ هذه الوقائع الحسّية من مضامينها الجزئية والفردية وتحويلها من البعد الكيفي إلي البعد الكمّي مثل: حركة الأجسام في الفيزياء. هذا يُفضى إلى تصوّر لإنشاء نظري يضع منها موضوعات افتراضية يقول "غرا نجى" إنّ المفهوم هو إنشاء يتضمّن واجهة راهنية و واجهة مركبّة من الافتراضي."
2  ـ مفهوم الحقيقة في النمذجة العلمية بين الرّاهن والافتراضي:
وهو يتعلّق بمدى الكشف عن ملاءمة هذه الإنشاءات الافتراضية مع الواقع وإلى أي حدّ تستطيع أن تكوّن حقيقة الظواهر؟ لذا نحن نجد انقساما بحسب تميّز العلوم والاختصاصات.
    أ‌ ـ العلوم الصورية: تقوم على أساس قضايا عقلية مستقلّة كعلوم رياضية استنتاجيه والمنطق الصوري كلها ينشئها العقل داخل نسق أكسيومي." الرياضيات هي افتراضية خالصة" الحقيقة الرياضية حقيقة صورية.
    ب‌ ـ العلوم الطبيعية: لا تنطلق من وقائع حسّية بل من إنشاءات نظرية تجمع بين الافتراضي والراهن داخل نموذج محدّد على أساس: ـ التجريب ـ  التبسيط ـ المُتعمّد حيث تصبح الظواهر موضوعات افتراضية قائمة على التحقّق والملاءمة وهو معيار الحقيقة بين الواقع والنظرية حيث يكون كلّ نموذج مؤقّت قابل للتعديل وهو يتخلّى عن اليقين المطلق يقول "كارل بوبر" "تبقى كلّ نظرياتها العلمية إلى الأبد افتراضية ... فاليقين لا يدرك أبدا..."
ج ـ العلوم الإنسانية: تقوم على إنشاءات مجرّدة فالإنسان معقّد يتضمّن قواعد وأفكار وقيم لا تكون قابلة للملاحظة ولا قابلة للتكرار بُنيت في الأغلب على موقف اختزالي شوّهت الواقع مثال ذلك نموذج "واطسن"، هذا النموذج قائم على بناء لشرطين: مثير واستجابة. الحقيقة في العلوم الإنسانية لا يمكن أن تكون مطلقة و لا يمكن دراستها مثل دراسة الظواهر الطبيعية حيث أنّ الانتقال من الافتراضي إلى الراهن يوجب العودة إلى الحدث الفردي والجزئي (علم النفس ـ علم التاريخ مثلا(
* النمذجة وهي تنمذج و تبنى نماذجها من خلال إنشاء الواقع تؤسّس الملاءمة بين الافتراضي والرّاهن من جهة و بين الواقع والنظرية من جهة أخرى إذ أنّ مصادر الانطلاق متعدّدة إذ قد نذهب من النظرية إلى الواقع أو من الافتراضي إلى الواقع وقد نعود إليه وهذا يعني أنّ الواقع ليس معطى بصورة نهائية وأنّ تفكيرنا ليس حبيس ذلك الجانب الحسّي والقابل للملاحظة بل إنّ تفكيرنا لا يفكّر إلاّ من خلال نماذج سواء كانت حسّية أو ذهنية مجرّدة واقعية أو افتراضية وهذا يعني أنّ الحقيقة ليست كما ذهبت المدرسة التحليلية الوصفية بأنّ الواقع معطى بل إنّ المقاربة النسقيّة من خلال النماذج بيّنت أنّ الواقع يتمّ إنشاؤه و بالتالي فإنّ معيار علمية النماذج أو معيار الحقيقة العلمية ليس منفصلا عن الواقع بل هي ملائمة معه وفق نشاط عقلي منظّم لا يرى في الموضوعية المعيار الأوحد لبناء الحقيقة بل إنّ الحقيقة لا تقوم على أساس المطابقة مع الواقع الراهن بل هي إنشاء و خلق يقول "بول فالري" "الحقائق هي أشياء نصنعها لا أشياء نكتشفها إنّها بناءات وليست كنوزا".
3 ـ  البعد التداولي: )التفسيرـ التحقيق ـ الفهم ـ النجاعة)
السندات:
 ـ النمذجة للفهم. ص: 263 -265
 ـ النمذجة والتفسير.
 ـ دلالة النموذج وتطبيقاته.
الإشكاليــــــــة:
ـ ما هي مميّزات البعد التداولي و وظائفه؟
ـ كيف تكتسب صفة العلمية لتكون مهيّأة لقول حقيقة الواقع موضوعيّا ؟
الأطروحـــــة:
يتحدّد للنموذج وصلاحيته بحسب الأهداف التي يهدف إليها والوظائف التي يقوم بها.
مسلّمة الأطروحة: معيار حقيقة النموذج وعلميّته تكمن في ما يحقّقه من أهداف و نتائج.
الرّهـــان: هو فهم الواقع و تفسيره والتحقّق منه من أجل التحكّم و السيطرة والتوجيه.
عناصر التحليل:
1 ـ النموذج الأهداف و الوظائف.
2 ـ الفهم والتفسير والتحقّق: الصلاحية والنجاعة.
التحليـــل:
نعنى بالبعد التداولي ذلك المنظور المنهجي الذي تعتمده المسألة الفلسفية في مقاربتها الإبستيمولوجية للنمذجة العلمية وذلك بالاقتصار على بيان الأهمّية التي تقدّمها النماذج في تغيّر علاقة الإنسان بالواقع بحيث تحرّره من نماذج غير علمية تجعله عاجزا عن تعقّل الواقع لتمنحه خصائص موضوعية بها يكتسب القدرة على فهم معقولية الواقع و تفسيره والتحقّق منه و ما يؤدّى إليه من نتائج و أهداف و من علاقات ومن تأثير وما تبنى عليه من معايير تجعله قابلا للتوظيف ممّا يكشف عن صلاحيته و نجاعته في الإلمام بالواقع و تحقيق الغاية التي يهدف إليها.
1 ـ مستويات الأهداف والوظائف:
ليست النماذج أدوات منهجية فحسب وإنّما هي وسائل يصطنعها المنمذج لغاية إيجاد حلّ وأهداف معرفية إبستيمولوجية تطلب الفهم لذا فهو يتطلّب الفهم والتفسير والتحقيق والنجاعة.
ـ من جهة الأهداف: النموذج نظر في كيفية اشتعال نسق ما بهدف معرفته والتحكّم فيه.
ـ من جهة العلاقة بين منتجي النماذج ومستعمليها والفاعلين في النسق: على اعتبار أنّ المعرفة التي تقود النماذج هي "معرفة مشروع" يقول "فاليزار: " أمّا الحقيقة ذاتها لا تعني أن تكون سوى الفعل ذاته": من جهة تأثير النموذج على الفرد و على المجموعة: على مستوى التمثّلات والتصوّرات   والأفعال وتأثيره في الواقع بتغيّره حينما يبتكر شفرة رمزية جديدة إذ أنّ النموذج وما يمكن أن يتحملّه من تعديلات وفق ما تسمح به القيم الاجتماعية والوسائل التقنية المتاحة لذلك فإنّ الوقائع التي ينطلق منها كلّ نموذج هي وقائع جدالية تعبّر عن تناقض بينها و بين نماذج نظرية سائدة بحيث يوجب ذلك تجاوز هذا التناقض و لا يتحقّق ذلك إلاّ بالتوصّل إلى طرح إشكال علمي مناسب ينشئ نموذجا قادرا على الحلّ. إذن النموذج لا ينطلق من حقائق أو معطيات بل من أخطاء يتمّ تصويبها ممّا يتيح ابتكار نماذج نظرية جديدة.
ـ من جهة معاييره التداولية: بحيث يشترط النموذج أن يكون له أداء ثابت و إيجابي، مرن، قابل للتوظيف.
2 ـ الفهم و التفسير:
إذا كان الهدف الأساسي من النماذج في العلوم التوصّل إلى تحديد علاقات ثابتة متكرّرة بين الظواهر التي تمكّن من تحديد أسباب الحدوث و هذا ما نعني به التفسير فمثلا يتناول عالم الفيزياء ظاهرة التجاذب بين الأجسام فإنّه يتساءل كيف تتجاذب؟ ليصوغ علاقة تفسّرها و هو لا يسأل لماذا ؟ لأنّ سؤال لماذا ؟ يتعلّق بالفهم فإذا كان التفسير يهدف إلى اكتشاف السببية القائمة بين الظواهر طبقا للعلاقات فإنّ الفهم يقتضي التمثّل الفكري لمضامين كيفية في صفة دلالات وقيم تشكّل مصدرا للفعل الإنساني وغاياته لذلك فإنّ الفهم يتعلّق بالعلوم الإنسانية لذلك فإنّ النمذجة تفسّر ما يوجد بما لا يوجد " ليحلّ المرئي البسيط محلّ المرئي المعقّد " الفهم إذن لإيجاد التلاؤم بين الوسط الذي يمثّله النموذج وعناصر العقلنة فيه فإنشاء النماذج يحقّق وظيفتين إنّ الفهم بحسب "لموانييه" البرهنة وتبادل الأفكار وتقريب الواقع لذلك فهو يمثّل مغامرة حيث يمكّن من التمييز بين منجزات الطبيعة التي توضع مرّة واحدة وإلى الأبد و بين إنجازات الإنسان و إنشاءاته التي ليست محاكاة وإنّما هي أنساق وتصميمات صناعية."
ـ استكشافية وسيط معرفي بين حقل العلم والمجتمع: له وظيفة تطبيقية التحكّم والفعل وبناء القرار يقول "فورستار" نتّخذ كلّ قراراتنا انطلاقا من نماذج لتحقيق نتائج أكثر جودة و فاعلية إذ أنّ " هانز فرويندنتال" يرى أنّ النموذج لا يتعلّق بفعل التغيير فقط بل بمجال ممارسة التقنية إذ يهدف لأمثلة تترجم بدقّة و نجاعة. التقنية بوصفها تطبيق نظري للعلم فالدلالة نظرية مجسّدة كما يقول "باشلار" وقد بيّن "لموانييه" أنّ النمذجة للفهم من جهة أنّها تمثيل لعلاقتنا مع العالم من خلال تمثيلها بأنساق رمزية اصطناعية إذ نحن لا نطلق مشاريعنا ولا نستوجب سلوكنا إلاّ بالاستعانة بنماذج رمزية". العقل العلمي وهو ينمذج يؤكّد قدرته على تفسير الواقعي من خلال إبداعه لنماذج قابلة للتطوّرات والتنوّع إذ يقول "برباروس" عندما نعتبر نظرية مقبولة فذلك يعدّ سببا كافيا للإقرار بأنّها حقيقة صحيحة." و هذا يعني أنّ النمذجة تتحدّد وفق صلاحية بتمثّلات تستجيب إلى معايير الصلاحية كما بيّن "نيكولا بوالو" وقد بيّن "كارناب" تطبيقات النمذجة في المستوى الرياضي والفيزيائي، تهدف إلى الفهم والتفسير وبالتالي التبسيط والاختزال والتحكّم ولكن هذا يعكس البعد السبرنيطيقي الذي يهدف إلى التوجيه والتحكّم والسّيطرة إنّها تعكس قدرة العقل العلمي على ابتكار النماذج وهذا يعدّ ثورة معرفية غيّرت من بنية العقل البشري الشيء الكثير في مستوى تفكيره وآليات عمله إنّ المعرفة ذاتها تعكس التغيير الذي طال رؤية الإنسان للعالم والكون وعلاقته بالأنواع الحيّة على أساس التوقّع والتفسير والفهم إذ هي جسّدت اليوم مقولة " ديكارت " "أصبح الإنسان سيّدا ومالك الطبيعة ".
الــرهــــــانــــــات:
ـ رهان نظري:
  ü بناء علاقة عميقة بالعلوم على أساس ما هو سطحي انطلاقا ممّا نراه من تعدّد اختصاصات متنوّعة ولكنّها في الأصل موحّدة تكشف مقوّمات التفكير العلمي.
ـ رهان عملي:
   ü السعي إلى استعمال واستثمار النماذج بصورة أكثر تعقّلا للقدرة التي تمنحها العلوم للإنسان حتّى ييسّر وجوده و يحقّق الكمال وتقدّمه بحيث يحافظ على توازن الكواكب والثروات بعيدا عن كلّ أشكال الاستنزاف للبيئية والطبيعية.
المــــكــاسـب:
نـــظـــــريــا:
   ü إنّ البعد التداولي جعلنا نقف على طبيعة النشاط العلمي بوصفه حوارا متواصلا بين العقلي والقيمي فالنماذج ما هي إلاّ شفرات رمزية بها يقرأ الإنسان واقعه تسمح له بالفهم والتعقل يلائم حينما تستوجب الملاءمة و يعدّل حينما تستوجب التعديل والمراجعة.
   ü إنّ النشاط العلمي لا يقوم فقط وفق ما يبتكره من نماذج وإنّما وفق ما يبتكره من نماذج تكون ناجعة وقادرة على  تجاوز العوائق الابستمولوجية وتصويب الأخطاء.
   ü  قيمة النمذجة تتحدّد بما تقدّمه من معارف وبما تحدثه من ثورات تغيّر جذريا الوضع الإنساني والرؤية للإنسانية.
عــملــيا:
   ü تجاوز الوثوقية.
   ü  اليقين المطلق / الحقيقة الكلّية.
    ü جعل العقل أكثر انفتاحا ومرونة واستعدادا للحوار.
    ü  الوعي بمدى القدرة التي تضعها المعرفة العلمية بين يدي الإنسان للتحكّم في الطبيعة من خلال القدرة على الاستكشاف والتوقّع قبل الحدوث. وخاصة الكوارث.
 III ـ النمذجة ومطلب الحقيقة
إذا كانت أبعاد النمذجة تكشف اليوم عن أهمّية العلم من خلال ما تُبدي لنا من ممارساته وإنجازاته يمكن القول إنّ هذا المصير لا يمكن أن ننظر إليه بمعزل عن المصير الإنساني إذ أنّ النجاعة والتحكّم جعلا العقل العلمي اليوم يتباهى بانتصاراته هذا الانتصار الذي تغافل عن تلك الهوامش التي لم تكن من وجهة نظر العلم إلاّ عوائق من اليسير التغلّب عليها والتحكّم فيها وتوجيهها. إنّ مقاربة العلم من جهة النمذجة بما هي قدرة على إنتاج نماذج فيه تظنن على أنّ العلم هو إنتاج لحقائق كلّية وهنا تكمن المفارقة في أنّ تصوّر العلم مع النزعة الواقعية يمنحه قدرة على معالجة الواقع والتحكّم فيه إلاّ أنّ هذه الواقعية ذاتها هي التي جعلت العلم يتخلّى على الأقلّ كما يبدو على مطلب الحقيقة وأصبح ينظر إلى مسائل الصلاحية والملاءمة والطواعية كمعايير للحقيقة العلمية. لذلك فإنّ السؤال المناسب والذي يجب طرحه ليس معرفة ما إذا كان النموذج حقيقيا أم لا بل ما إذا كان يمكن أن يكون صحيحا أو خاطئا ولكنّه في الغالب ليس كذلك ؟  وهنا يجب أن نعيد النظر في العلم وفي الحقيقة فالعلم ينظر إليه بمعنين: تصوّر معياري مجرّد يتعلّق بمعرفة صحيحة تقاس بدقّة ومن جهة ثانية العلم يعكس بُنَى ثقافية وحضارية وهو فرع من فروع المعرفة المعقدّة يقول " بول فاليري": "العلم مجموع الوصفات التي تكلّل دائما بالنجاح" أو كما يقول" بوانكاري" "نظام من العلاقات" ولكونه بهذه المعاني فإنّ الحقيقة هي ذاتها ليست على نحو واحد: حقيقة رياضية، فيزيائية، تجريبية، واقعية قابلة للملاحظة والتحقّق. وهنا تطرح علاقة المعنى بالحقيقة. نفهم من دلالة المعنى، المسلك الذي ينبغي الاهتداء به للوصول إلى هدف محدّد أو حدّدنا غاية لبلوغها وهو ما يطرح مسؤولية العالم أو المنمذج لا المعرفية والعلمية فقط وإنّما الأخلاقية والإنسانية.
1 ـ الحدود الابستيمولوجية: (الاختزالية ـ التاريخية ـ الأنظمة التقنية ـ التبسيطية)
السندات:
 ـ النموذج بما هو نسق. "جون لادريار" ص: 261
ـ النموذج تبسيط. "نوفال " ص: 258
الإشكالية:
إذا كان البحث العلمي وفق للمقاربة بالنماذج مشروع يتحدّد وفق سياقات متعدّدة (المعرفة العلمية، الاجتماعية،  السياسية، الاقتصادية، الثقافية). فكيف للعلم وللنماذج أن تضمن استقلاليتها ؟ ومن ينتج النماذج ؟ ولأيّة غاية ؟ هل في التشبّث بالصرامة العلمية واللغة المنطقية الرياضية ما يضمن تحرّر العلم من أشكال الاحتواء أو التوظيف الإيديولوجي والسياسي؟
الأطروحة
إنّ منطق النمذجة العلمية منطق تبسيطي اختزالي يهمل تنوّع الواقع وثرائه وبالتالي فإنّ الفكر المركّب هو الشرط الضروري لتحريره من الذكاء الأعمى ؟
الرهان: بناء النمذجة على أسس المعقولية الحوارية بين الأنساق والاختصاصات بين النظرية والتجربة من خلال عقل علمي منفتح.
العناصـــــــــر:
1 ـ النمذجة العلمية بما هي تبسيط واختزال وتجريد.
2 ـ الفكر المركّب شرط ضروري لتجاوز الذكاء الأعمى.
التحليـــــــــــل:
1 ـ النمذجة العلمية بما هي تبسيط واختزال وتجريد:
إذا كان كلّ نموذج علمي في مقاربته للوقائع يستند إلى إجراءات التبسيط والاختزال فإنّ ذلك يعزلها عن بقيّة مجالات الواقع الأخرى ولكن أليس في هذا ما يقود إلى نظرة تعسّفية للواقع تُلغى فيه كلّ الأبعاد المركّبة  والغير القابلة للاختزال؟ و عندئذ هل من الوجاهة القول إنّ حقائق العلوم وما تنجزه من نماذج هي موضوعية إذا كانت تنبني على تعسّف قوامه تبسيط الواقع المركّب واختزاله ؟ وإذا صحّت هذه الفرضية فهل هذا ما يشرّع إلى الشكّ في العلوم ونفي صفة الكلّية والكونية على العقل العلمي ؟ لذلك ندرك أنّ مطلب الحقيقة ليس بمعزل عن المقتضيات العملية ولا الأخلاقية ولا النظرية إذ أنّه واقع بين تعقيد للواقع واختزالية النماذج العلمية لذلك فإنّ المقاربة الابستيمولوجية لا يمكن أن تكون وصفيّة بمعنى أن تقتصر على فهم النشاط العلمي كنمذجة للواقع كما هو الحال في ممارسة العلماء كما يذهب إلى ذلك "ادغار موران" بل يجب أن تكون نقدية تجاه ذلك النشاط لتبيان حدوده ونقائصه ليوجّه انتباهنا إلي المخاطر التي تواجه مطلب الموضوعية كشرط للحقيقة في معرفة الظواهر وفي هذا الإطار تتنزّل مقاربة "ادغار موران" في كتابه " مدخل للفكر المركّب" في نصّ له" من الذكاء الأعمى إلي الفكر المركب" حيث كشف عن حدود المنطق الذي وجّه العقل العلمي منذ الحداثة وخطر تحوّله إلى مصدر للذكاء الأعمى بمعنى أنّه أصبح غير قادر على التواصل مع الواقع إذ يقول :" إنّنا نحيا في ظلّ سلطان مبادئ الفصل والاختزال والتجريد التي تكّون في جملتها ما أسمّيه نموذج التبسيط " ذلك أنّ الاشتغال طبقا لمنطق التبسيط يرجع الواقع المركّب إلى علاقات بسيطة يقع فيها الفصل والاقتطاع يتمّ فيها رسم للحدود وجعلها قابلة للمعالجة الفنيّة الرياضية لذلك فإنّ منطق التبسيط الذي يوجّه النمذجة العلمية يقوم على ثلاث آليات: الفصل، الاختزال، التجريد. هذه الآليات التي تهيكل الواقع وظواهره على نحو اختزالي، وتجعله منه علاقات متكرّرة لها ثوابت كمّية مهملة كلّ ما لا يمكن أكسمته أو ترييضه عندئذ يتمّ التحوّل من واقع عيني محسوس إلى واقع مزيّف إنّ هذا المنطق التبسيطي هو الذي جعل العلماء متفّقين في رؤيتهم للعلم وللعالم. إلاّ أنّ هذا النموذج التبسيطي الذي قاد مغامرة الفكر الغربي في مجال العلوم سرعان ما انكشفت حدوده وعدم ملاءمته لتنظيم نشاط العقل وإعادة انفتاحه على الأبعاد المركّبة للواقع. إنّ الفصل بين العقل و وظيفته النقدية أدّى إلى نظرة وثوقية تأخذ طابعا عرضيا دون النظر إلى شروط المقوّمات المعقولية في العلوم وهو أن تكون حوارية أي حوار داخلي بين الفرضيات وحوار خارجي مع الواقع. إنّ هذا التخصّص هو الذي كان موجّها بنموذج التبسيط عن طريق الاختزال إلاّ أنّ هذا الاختزال للنماذج لا يعبّر بأي حال من الأحوال على نجاعته حتّى وإن تمّ تعميمه على بقيّة الظواهر مثلا تعميم النموذج الميكانيكي على النموذج الإنساني. إنّ هذا الفصل بين المجالات والظواهر هو إفراغ للواقع من أشكاله المتعدّدة المتنوّعة التي تجمع طابعه المركّب، فالواقع ليس جداول إحصائية أو رياضية بل إنّ للواقع طابعا مركّبا تحدّده أبعاد لا تحتاج إلى فصل بقدر ما تحتاج إلى تمييز.
2 ـ الفكر المركب شرط ضروري لتجاوز الذكاء الأعمى:
إنّ أزمة النموذج التبسيطية بدأت مؤشّراتها حينما وقع اللجوء إلى إجراءات الفصل والاختزال والتجريد إلاّ أنّ الكون في نشأته وتركيبته في تغيّر دائم بلا استقرار وهو أيضا علاقات متكرّرة والذرّات تكشف عن جزيئات بخصائص مركّبة لا يمكن إجراء قياسات علمية دون حدوث تغييرات بالمعطيات المتعلّقة بمهامّها يجعلها احتمالية. إنّ هذه الأزمة تبرز وجوب المراجعة الجذرية للنشاط العلمي وتوجيهه نحو عقلنة تفتحه على الفكر المركّب. إنّ الواقع يوجب على العقل أن يتمسّك بالحوار بين النظرية والتجربة بين المنطق والنقد في إنشاء نماذجه وهذا لا يكون إلاّ بالتخلّي عن النموذج التبسيطي بنموذج آخر هو النموذج المركّب.
* فالواقع مركّب بتنوّعاته ممّا يجعله غير قابل للتبسيط والاختزال ندرك ذلك مثلا في (المجرّات، الكواكب، الكائنات الحيّة والكواكب) وفق بنى تفاعلية تأليفية دون اقتطاع بل يوجد التزام بشروط البنية الحوارية للمعقولية العلمية تتجاوز به عرج العقل و وثوقيته.
المكــاسب:
إنّ ما ننتهي إليه من مكاسب نظرية هو إبراز طبيعة الواقع المركّبة التي تسعى العلوم إلى نمذجتها وكذلك الانتباه إلى حاجة العلوم لمحاورة الواقع ضمن ربط يوحّد ويشابك بين الوقائع إنّ هذه المكاسب مترتّبة عن دور المساءلة الفلسفية الابستيمولوجية بوصفها مقتضى من مقتضيات المعقولية العلمية ضمن أفق حواري ضدّ كلّ أشكال الانغلاق دعما للتواصل بين العلوم و الفلسفة،  أمّا من الناحية العملية فإنّ التحرّر من الذكاء الأعمى وبيان محدودية النموذج التبسيطي حرّر العقل من كلّ أشكال الوثوقية في تقويم العلم و لتي طالما اعتبرت أنّ التفكير العلمي والمعقول هو المصدر الوحيد للحقيقة. إلاّ أن المساءلة الفلسفية قدّمت إضافة نوعية للفكر العلمي تتمثّل في ترسيخ روح النقد داخله.
   ü بناء الواقع الافتراضي لا يمكن أن يكون بديلا للواقع الحقيقي.
  ü إنّ الافتراض إذا ما أهمل البعد المركّب للواقع، يباعد بيننا وبينه في حين أنّه يقرّب.
  ü القول إنّ هناك قدرة على تبسيط الواقع، فالتبسيط لا يوضّح بدرجة كافية ما هو معقّد.
  ü إنّ النماذج تبسيط مفرط للواقع ولهذا لا تمثّلها بصدق.
  ü المبالغة في الاختزال والتبسيط أفرغ العلم من أشكال الصرامة إذ حوّل الخطاب العلمي إلى لغة مجازية للواقع في حين أنّ العلم ينشد تحقيق الوحدة وطلب الكونية كصفة ملازمة له من خلال التنويع في الاستعمال إلاّ أنّ هذا يمثّل هلاكا للوحدة لأن العلم يقوم على الفصل.
  ü إنّ النماذج رهينة الطابع التاريخي إذ أنّ النماذج مرتبطة ببعضها البعض وتستثمر بعضها بعضا "كما يقول "بيار دوهيم".
  ü من وجهة "بيرتلنفي" ص: 284  " لا وجود البتّة لنسق كوني وحيد يشمل الكلّ إذ أنّ كلّ البناءات العلمية تقدّم جوانب من الواقع".
  ü ويقول "برنارد داسبانا": " العلم ما هو إلاّ وصفات" أي نظرة جزئية للعلم وحيث " الفهم لا يكتمل في النهاية" كما يقول "هايزنبرغ".
2 ـ الحدود الفلسفية (الحقيقة، المسؤولية، المعنى، الحياد.)
السندات:
ـ  مسؤولية العالم: "اينشتاين " ص: 301
ـ الحقيقة والمشروعية. "فرنسوا ليونار" ص: 272
إنّنا " قد نكون على أعتاب مجتمع ما بعد الحداثة إلاّ أنّنا بالتأكيد لسنا على أعتاب ما بعد الفلسفة " و يواصل فيتقنشتاين القول " حينما نفكّر في مستقبل العالم فنحن إنّما نعي الغاية التي نبلغها إذا ما واصلنا السير". لهذا فإنّ طرح مسألة الحدود الفلسفية للمقاربة العلمية بالنماذج يندرج ضمن الإشكالية العامة المتعلّقة بالنظر إلى النمذجة كأنساق رمزية و رياضية وتجريبية تهدف إلى الموضوعية وهو ما يشكّل مسار تشكّلها وممارستها لكن سؤالنا يتعلّق بما إذا كانت هذه الممارسة تخلو من كلّ أحكام القيمة وما إذا كانت تشكّل حقيقة كلّية صالحة لجميع الناس؟
المشكـل:
هل للعلم معايير أخلاقية ؟ وما مسؤولية العالم وفق ما يبنيه من نماذج وهل يتحمّل تبعات أعماله؟ وهل يقتصر البحث العلمي على طلب الحقيقة أم بالانفتاح على المعنى؟
الأطروحة:
إنّ النمذجة العلمية ينبغي أن تكون على وعي بالمعايير الإتيقية في بناء نماذج يتحمّل فيها العالم مسؤوليته تجاه الحقيقة والمعنى الإنساني.
التحليــــــل:
ـ عندما نتخلّى عن مبدأ كلّ شيء ممكن ومباح والذي يتبناه كلّ من يسعى إلى التحرّر من كلّ حدّ أو نموذج أو قيمة فإنّه في نفس الوقت يطرح مسألة المعرفة والعلم بغير الممكن إلاّ وفق شروط فهم وإدراك يعي بأّنه لا يوجد نسق بديل لكلّ الأنساق الأخرى ولذلك فإنّ التساؤل بشأن المسؤولية والحقيقة والمعنى والحياد يطرح مشكلة الحدود. (حدود العلوم التقنية، البيولوجية، التعديل الوراثي لخلايا جينية، الاستنساخ، الاقتصاد). إنّنا نحن هنا إزاء حدود لأنساق علمية سياسية وأخلاقية وهي ليست فقط حدود ابستيمولوجية وإنّما فلسفية حينما تطرح مسألة العقل والقيمة فإذا كان ثمّة حرص على إنشاء نماذج وتفسير للواقع داخل عملية تحوّل الواقع إلى كيان من كياناته ولكن هذا التحوّل يرافقه ذهول العلماء عن كشف عمّا تنشد إليه هذه التحوّلات من غايات فكلّما كان صمته تكتّما أو خداعا فإنّ المهمّة موكولة إلى عمل الفيلسوف في الممارسه النقدية و رغبته في إنقاذ نمذجة ذات دلالة واستعاده الواقع و معناه، فخلف الغائية والاختزالية والنجاعة يطرح سؤال المعنى في تتبّع نمط ممارسه النمذجة وآليات اشتغالها إذ هل بوسع الممنذج أن يكون خارج النموذج الذي هو بصدد إنشائه أو هو ملزم بالقضيّة الايتيقيه "فلومونيه" يذهب إلى القول إنّ النموذج هو بناء شكل يصبح موضع حكم جمالي (ص 279) فثقافتنا المعاصرة تعبّر عن ذكاء محدود إتيقيا وغامضا جماليا و لأنّ "الهيرمينوطيقا" مرتبطة بمسألة المعنى و تعدّده إذ أنّها موّلد المعنى ومنشأ الدلالة لمقاومة ومجابهة كلّ تبسيط وكلّ اختزال نجدها في قبضة السبرنطيقا وهو ما يجعلنا نعتبر أنّ مشروع الحكمة التقنية قد تكون من استتباعاته أنّ يتحوّل إلى سلطة جبّارة و يتحوّل إلى قوّة وهمية كما يقول كارل بوبر:" أخشى أنّ فكرة السيادة على الطبيعة تتضمّن في الغالب عنصرا آخر.. إنّه إرادة القوّة في حدّ ذاتها". ويدعم هذا الموقف "ادغار موران" حينما يفصل بين المعرفة والسلطة أو يحيد بينهما أن نعرف وأن نفكّر، أن نعرف لا يعني ذلك أنّنا نتوصّل إلى حقيقة مطلقة اليقين وإنّما أن نتحاور مع اللايقين. إنّ واقعنا المعاصر كما يرى "موران" هو نتاج تقنية وسلطة تصدر عن مخابر العلماء ولكن خارج إرادتهم وتمركزت بأيدي مديري المؤسّسات والحكومات وينبهنا إلي خطورة مأسسة المعرفة والفكر إذ لو تمّ ذلك لكنّا إزاء تحالف مريب وشنيع فيه تواطؤ لا مثيل له بين البحث والقوّة أي في غزل متبادل بين العلم والتقنية والسياسة إنّها علاقة قائمة على أساس المصلحة وبالتالي نسأل أيّة مسؤولية تكون للعالم في ظلّ هذه المؤامرة السرّية والجهرية وهو ما يظهر بشكل أكثر وقاحة في الحروب والعسكرة حيث أصبح العلم خادما في الثكنات العسكرية ومصانع الآليات الحربية فيه خيانة للإنسانية ونصيب كثير للعالم أن يتحملّه دون تنكّر أو تضليل إذ لا يمكن أن نتصوّر ماذا يمكن أن تكون صورة العالم لو لم يكن " هتلر موجود " إلاّ أنّ هذه الصورة يمكن أن نراها في حرب الخليج الأولى والثانية حيث نرى الوحشية والدمار الذي تعود فيه المسؤولية إلى العلماء صحيح أنّهم باحثون ولكنّهم مدفوعي الثمن وبكلفة باهضة ليوظّف لخدمة المؤسّسة و لذلك نسأل هل مسؤولية رجل العلم وحده كافية لتحريرها من هيمنة المؤسّسة فمثلا مع الأزمة التي تهدّد الإنسانية كما بيننا لا يمكن لرجل العلم السيطرة عليه ولا المؤسّسة السياسية قادرة على ذلك رغم أنّه يجري الحديث اليوم "سبيرنيطيقيا" القدرة على التوجيه والتحكّم في القيادة ولكن سلطة رأس المال يقابلها دفع رأس مال: كم نحتاج إلى رأس مال لدفعه حتّى نتحرّر من هذه الأزمة ؟
إنّ هذا الوضع يهدّد القيم ذلك أنّه يمكن القول وفق ادغار موران." إنّنا نعيش عصر اللا مسؤولية المعمّمة أي أنّنا لسنا إزاء تهرّبا من المسؤولية فقط وإنّما إزاء تهريبا للمسؤولية؟ فهل كلّ ما يترتّب عن منجزات النمذجة العلمية من استتباعات علمية و كوارث ينبغي ردّه للسياسة ؟ وإذا كان كلّ شيء سياسي فذلك يعني أنّه لا شيء سياسي فرغم أنّنا نشهد فصلا قهريا بين المشكلات العلمية والإنسانية و الفلسفية إلاّ أنّ إمكانية المراهنة والنقد واجبة وواردة ويجب أن نتحمّس إليها بقدر ما يتحمّس الخطاب العلمي إلي موضوعات العلم. فإنّ التساؤل عن حياد العلم ومدى نزاهته و نزاهة حقيقتة يصبح وجيها لقد بيّن " ليوتار" "إنّ الاعتراف هو المسار الذي يخوّل لمشرّع يتناول الخطاب العلمي أن يضع الشروط المسمّاة عموما شروط التماسك الداخلي والتحقّق التجريبي حتّى ينتسب ملفوظ ما إلى الخطاب" ولقد جعل العلم منّا آلهة قبل أن نكون جديرين بإنسانيتنا. كما بيّن " جون روستان" فإنّه يجب مراجعة هذه الإنسانية انطلاقا من التفكير في مشروعية العلم. ولا يكون حقّ تقرير ما هو حقيقي منفصلا عن حقّ تقرير ما هو عادل. إذا "ليوتار" يهدف إلى الحديث عن توأمة بين العلم والاتيقا والسياسة وأنّ خضوع المعرفة لسلطة ما، ما هي إلاّ مسالة حكومية سياسية ولقد بين" ألان باديو" أنّ التوظيف العلمي للنموذج هو خدمة لأهداف سياسية فالنموذج بوصفه موضوعا اصطناعيا ينتج عن فعالية إنسانية أو ما يحصل عنه الإنسان عن طريق تحويل ما هو طبيعي وما يجعل الوقائع الجزئية والتجريبية معقولة.
المكاسب:
ـ على النموذج أن يأخذ بعين الاعتبار كلّ الوقائع وأن يكون قائما على البساطة وأن يكون إنشاءه مقبولا ويقود في النهاية إلى التحكّم والتوظيف فالعلم وفق ابستيمولوجيا النماذج هو بحث كيفية إنتاج النماذج ودراسة العلاقات القائمة بينها وبين الواقع التجريبي.
إنّ الفلسفة بوصفها سعي وحبّ للحكمة فإنّ أي حكمة نظرية لا يمكن أن تكون بديلا أو إغفالا أو إهمالا للحكمة التطبيقية التي تجسّمها النمذجة بوصفها فعل سستمة وإن كانت هذه النسقية ترسم حدودها فإنّ الحدود الفلسفية تظهر من خلال ردّة الاعتبار للفلسفة بكونها ذلك الجهد النظري والعملي في آن والموكول للإنسان حينها يسعى لأن يتجاوز ما هو لا إنساني ليكون الإنساني بإطلاق وإذا كان الكوني هو مطلب ننشد تحقّقه في المستوى الأنطولوجي والأنتروبولوجي فإنّه في الحقل الابستيمولوجي يكون ضروريا وهذا يعني أنّ الكونية لا يمكن اختزالها في نموذج دون آخر يعني أنّه لا وجود لنموذج نهائي ويقيني بل يجب الحديث عن أنساق تتواشج في ما بينها، التزاما بمقتضى الواجب كأمر وملزم عن إرادة عقلية موجّهة وأيضا بمقتضى إراديّ حرّ وخالص حينها يتعلّق الأمر لا بماذا ينبغي أن أفعل؟ ولكن ماذا يكون باستطاعتي أن أفعل؟ هذه الاستطاعة التي تجد تبريرها وأساسها في الرغبة والحبّ ذلك إنّه كما يقول "كانط" "إنّ الحبّ لا يكون بطلب" وإنّما رغبة في العيش الأفضل مع ومن أجل الآخرين أي تجاوز لأخلاق الضرورة نحو إتيقا التعايش المشترك وحكمة العيش معا والعلم فنّ من فنون هذا العيش. ولهذا ينبغي التحرّر من كلّ اعتقاد حتّى وإن كان علميا. والانتباه إلى خطورة الاقتصار على النجاعة كقيمة وحيدة مطلقة في توحيد الحياة الإنسانية دون الاهتمام بقيم مثل الحرية والعدالة والخير والجمال. يجب إذا الوعي بضرورة الربط مجدّدا بين المعرفة والقيم في تعريف مفهوم الحقيقة. إنّ اختزال الحقيقة فيما تقدّمه العلوم من قضايا لا يبرّر إنسانيتها إلاّ إذا التزمت بقيم أخلاقية  وإتيقية ووضعها كمعايير توجّه الحياة الإنسانية استشرافا لما هو إنساني فينا في المستوى القيمي من جهة العمل في علاقة بالاقتصاد والسياسة رهن مهمّة إنسانية في علاقة المواطنة بالدولة والسيادة. في الأخلاق قيم أخلاقية من حيث الأفعال و السّلوكات في علاقة الخير بالشرّ والسّعادة والفضيلة وفي الفنّ في علاقة الجمال بالحقيقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق