إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الثلاثاء، 23 أبريل، 2013

الغيـــر

دلالات: الغير ذلك الأنا الذي ليس أنا.
الإنسان كائن اجتماعي، و اجتماعيّته هذه تعني و تقتضي التفاعل مع الآخرين أي مع الغير. و إذا كان تفاعلي مع الأشياء و تمييز نفسي عنها لا يكاد يطرح مشكلة، فالأمر خلاف ذلك فيما يخصّ الغير، لأنّه ببساطة ذلك الشبيه المختلف: إنّه شبيهي ما دام يشاطرني كثيرا من الصفات العامة (الفيزيولوجية، النفسيّة، السلوكيّة... لكنّه لا يفتأ يؤكّد ـ ضمن هذا التشابه ـ اختلافه عنّي في مؤهّلاته و اختياراته و رغباته و مشاريعه ...
إشكالية وجود الغير:
عرّف سارتر: بأنّه "الآخر، الأنا الذي ليس أنا" أي ذلك الوعي و تلك الذات المباينة، المنفصلة عن ذاتي و وعيي ؟ كيف يمكن لذاتي أن تدرك وجود الذوات الأخرى ؟ هل يمكن و الحالة هذه إثبات وجود مثل هذه 
الذات (المفكّرة حتما) بواسطة الأسلوب الديكارتي الشهير مثلا ؟ ما علاقة وجوده بوجودي ؟ هل يرتبط و يتوفّق وعيي بوجودي على وعيي بوجود الغير أم ينفصل و يستغني عنه ؟
تنبيــه: يمكن استثمار معطيات هذا المحور لمعالجة قضايا و إشكاليات عديدة: الغير كأنا آخرـ مفهوم الوعي أو الذات المفكّرة ـ علاقة أو ضرورة وجود الغير بالنسبة لوجود الأنا ـ الوجود و الاعتراف بالوجود ـ مكانة الغير في عالم الذات ...
يلاحظ أنّ وجود الغير يمثّل بالنسبة للحسّ المشترك قضيّة بديهيّة مسلما بها. و كلّما تماهينا مع الحسّ المشترك بداخلنا و افتقدنا الخاصّية النقدية الاستفزازيّة للتفكير الفلسفي، إلاّ و صعب علينا إدراك جوهر إشكالية وجود الغير و مكامن الصعوبة و التعقيد بداخلها. و في الواقع فهذه إشكالية حديثة في تاريخ الفلسفة نفسه. و قد طرحت نفسها بحدّة انطلاقا من الفلسفة الديكارتية: ذلك أنّ اكتشاف الذات كمصدر للحقيقة و مرجع للحكم قد فجّر ـ ليس فقط إشكالية وجود العالم و الأشياء ـ بل و إشكالية وجود الذوات الأخرى (الغير) أيضا: من المعروف أنّ إثبات وجود الذات أو ما يعرف بالكوجيطو يأتي تتويجا لمغامرة الشكّ الشامل. إنّ الشكّ هو الحقيقة الأولى التي لا نستطيع الشكّ فيها دون أن نؤكّدها، و الشكّ يكشف إذن عن وجود الذات و طبيعتها المفكّرة. و لكن بما أنّ الكوجيطو ترجمة لوعي الذات بنشاطها المفكّر وعيا مباشرا بواسطة حدس باطني، فهل يمكن استعمال الكوجيطو في غير ضمير المتكلّم و استغلال قوّته الإثباتيّة في إثبات وجود الغير كذات و أنا واعية ؟ إنّ ديكارت وهو ملتزم بالحذر المنهجي و بأن لا يعلن قضيّة على أنّها حقّ قبل اجتيازها اختبار الشكّ الصارم، يعلن أنّه عندما ينظر من النافذة إلى الأسفل يحكم بأنّه يرى أناسا يسيرون في الشارع رغم أنّه لا يدرك في الحقيقة غير قبّعات و معاطف قد تكون غطاءا لآلات تحرّكها لوالب !! و بالمثل فإنّ الإعلان عن وجود الغير كذات لا يمكن النظر إليه إلاّ كاستدلال عقلي قائم على ملاحظة التماثل في الصفات بين الأنا و الغير كالكلام و السلوك التلقائي الذكي..، ثمّ الاستنتاج بأنّها تمظهرات دالّة على وجود ذات مفكّرة واعية يستحيل إدراكها مباشرة لأنّ ذلك مناقض لمعنى الوعي باعتباره حضور الذات إزاء نفسها. و لكن ما المشكلة في مثل هذا الاستدلال ؟ على عكس حكم الحدس يظلّ حكم الاستدلال ـ و من ثمّ وجود الغير ـ احتماليّا مفترضا و جائزا لا يبلغ درجة يقين وجود الأنا أفكّر. نحن أمام مذهب فلسفي تنتهي نتائجه إلى "وحدانيّة الذات " التي لا تستطيع أن تجزم يقينا سوى بوجودها الخاصّ، و ذلك بسبب تبنّيها لمفهوم الوعي باعتباره تطابق الأنا مع ذاته.
لكن هل يمكن حقا لفعل الوعي أن يستغني عن حضور الغير والعلاقة به بشكل من الأشكال؟ هل يمكن لكائن و لموجود وحيد في عزلة أنطلوجية مطلقة أن يعي ذاته و يشير إليها بضمير "أنا" ؟
يتناول هيغل التركة الديكارتية من زاوية مغايرة: فالوعي ليس كيانا ميتافيزيقيا مجرّدا ثابتا أو معطى أوّليا إنّه بالأحرى كيان ينمو و يتطوّر في علاقته بما عداه من الأشياء (الطبيعيّة) أوّل ثمّ الغير (وعي الذات الأخرى) ثانيا. كيف ذلك ؟ من المعروف أن المنطق الجدلي عند هيغل يؤكّد على مبدأي التناقض و الصيرورة التي تتجلّى بوضوح في العمليّة الثلاثية المستمرّة: الأطروحة ـ النقيض ـ التركيب؛ و بعبارة أخرى فكلّ كائن يحمل بالضروة نقيضه كشرط لوجوده و من ثمّ فالوعي يحمل بالضرورة نقيضه كعنصر سلب و نفي متمثّل في ما سواه. يتّخد هذا الأخير شكل الطبيعة أوّلا: فمن خلال تغييرها و ترك آثار عليها وإشباع الحاجات البيولوجية، يبدأ الوعي في اكتشاف نفسه و "وعيها"، لكن هذا الاكتشاف لا يتجاوز درجة الإحساس المباشر بالذات التي تظلّ مع ذلك غارقة و منغمسة في الطبيعة لكون رغباتها لا تتجاوز الرغبات الطبيعية، لكن هذا يدلّنا على كلّ حال على أهميّة "التوسّط" في وعي الذات، و بعبارة أخرى لا يمكن للوعي أن ينبثق من خلال العلاقة المباشرة للأنا بذاته بل عبر آخر يتوسّط بينه و بين ذاته و لن يكون هذا الآخر في المرحلة التالية سوى الغير أو الذات الأخرى التي يتعيّن أن يكتشف الأنا نفسه فيها من خلال اعترافها به. هكذا ينتقل الأنا من الرغبة في شيء طبيعي إلى الرغبة في رغبة أخرى هي هذا الاعتراف الذي لا يمنح بشكل سلمي لأنّه اعتراف منشود من الطرفين معا. على ضوء هذا التحليل يقرأ هيغل علاقة أو "جدلية السيّد و العبد" باعتبارها أوّل علاقة إنسانية مدشّنة للتاريخ البشري: إنّها علاقة فردين يغامران بحياتهما و يسموان فوق الطبيعة بدخولهما في صراع ينشدّ فيه كلّ طرف موت الآخر، بيد أنّ المنتصر في نهاية المطاف يبقي على حياة المنهزم لأنّ موته لا يحقّق الاعتراف المنشود. إنّ السيّد و العبد وجهان لعملة واحدة هي وعي الذات: الأوّل وعي لذاته خالص، و الثاني وعي تابع أو "وجود ـ  من ـ أجل ـ الغير". صحيح أنّ علاقة الأنا بالغير لا تتّخد دوما هذا الطابع الدراماتيكي، لكن الصراع الضمني أو المعلن يظلّ خاصّيتها المؤسّسة. لأنّ كلّ علاقة من هذا القبيل هي نشدان للاعتراف أو بالأحرى انتزاع له.
تدفعنا المقاربة الهيغيلية إلى القول بأنّ وعي الذات يقتضي وعي الغير، و أنّ الأنا و الغير ينبثقان من خلال علاقتهما و ليس قبلها. و نضيف تأكيدا لضرورة وجود الغير بالنسبة لوجود الأنا حالة " الأطفال المتوحّشين" الذين لاحظ إتيان مالسون أنّ بعضهم يشكو من ضعف أو غياب سيرورات الوعي بالذات كعدم التعرّف على النفس في المرآة و عدم القدرة على الإحساس بالفخر و الخجل... بسبب افتقادهم طيلة طفولتهم إلى العلاقة مع الغير. إنّها إذن علاقة ضروريّة في سيرورة نموّ الوعي و ظهوره. و لنسأل أنفسنا أخيرا: هل يستطيع الواحد منّا أن يعتبر نفسه ذكيّا أو بليدا، ودودا أو حقودا، جميلا أو ذميما، بطلا أو جبانا... من غير أنّ نكون قد استخلصنا ذلك من نظرة الغير أو شهادته ؟
إشكالية معرفة الغير:
تنبيــه: يمكن استثمار المعطيات اللاحقة لمعالجة إشكالات موازية مثل: التواصل مع الغير، الاعتراف بالغير و احترامه أو إقصاؤه، الغير و المشاركة الوجدانية، الغير كذات أو كموضوع، الاتّصال و الانفصال بين الذوات...
لنطرح قضية الغير بتجريد أقلّ: كيف يتبدّى الغير لذاتي ؟ كيف أعرف الغير ؟ و هل هذه المعرفة ممكنة أصلا ؟ إذا انطلقت من افتراض معرفتي لذاتي و لحالاتي النفسيّة الشعوريّة بواسطة إدراك و وعي باطني مباشر، فكيف السبيل لمعرفة الغير؟ ألا تحيله عملية المعرفة إلى موضوع و تنفيه كذات ؟ يبدو أنّ إثبات التلازم الجدلي بين الأنا و الغير عند هيغل لا يتمّ إلا ّمن خلال الطابع الصراعي لعلاقتهما، أفلا يحضر هذا الطابع الصراعي أيضا على مستوى العلاقة المعرفيّة ؟ إذا كنت في معرفتي لذاتي أؤكّدها من خلال وعيي المباشر بحالاتي النفسيّة الداخلية، أفلا تعني معرفة الغير تحويله إلى موضوع و من ثمّ نفيه كذات ؟
تحيل العلاقة المعرفية على ذات و موضوع: ذات تمارس فعل المعرفة مكرّسة بذلك حرّيتها و تلقائيتها و فعاليتها، و موضوع خاضع لشتّى العمليّات المعرفيّة كالإدراك و الحكم و التصنيف أو حتّى الشكّ و النفي. إنّه إذن تحت رحمة الذات أو "الأنا أفكّر" مجرّدا من صفات الذات كالتلقائية و الحرّية غارقا في العطالة كالأشياء. و هذا ما تؤكّده على نحو ملموس تحليلات سارتر لتجربة الخجل الناجمة عن نظرة الغير: فقبل الخجل يتصرّف الأنا في تطابق مع ذاته بحرّية و تلقائية، إنّه مركز عالمه الداخلي، و ما إن يحسّ الأنا حضور الغير من خلال نظرته، حتّى تتّجمد حرّيته و عفويته (التوتّر ـ الارتباك ـ الإحساس بالتفاهة ...) و ينسحب من مركز عالمه إلى هامشه، و قد تحوّل إلى موضوع أو شيء . يقول سارتر: "عندما ينظر إلى الغير فهو يفرض نفسه خارجا عنّي ليحوّلني إلى شيء قادرا على تأويل سلوكي و إعطائه معنى قد لا يكون هو المعنى نفسه الذي أقصده، و بذلك أسقط تحت رحمته و سلطته... " و ذلك لأنّي أحسّ أن صورتي كما يراها الآخر مستقلّة عنّي في وجودها كصورتي الفوتوغرافية، و يرجع سارتر الطبيعة التشييئية لعلاقة الأنا بالغير إلى أنّ هذا الأخير هو "لا ـ أنا" ممّا يعني السّلب و النفي و الانفصال، هذا الانفصال الذي تؤكّده واقعة الانفصال الأمبريقي بين جسمينا. وهكذا لا يمكن للغير أن يتبدّى لي (و العكس صحيح) سوى كـــ"شيئ في ذاته" و لعلّ خير ما يلخّص التصوّر السارتري السابق هو عبارته الشهيرة "الجحيم هم الأخرون."
في نفس السياق القائل باستحالة أو على الأقلّ صعوبة معرفة الغير يندرج تصوّر غاستون بيرجي حول عزلة كلّ ذات داخل عالمها الخاصّ بسبب استحالة التعبير عن العالم الحميمي للذات، عندما يقول: " إنّ ما هو خاصّ به، ما هو حميمي و ما يميّزني عن الأخرين يشكل أكبر عائق أمام كلّ محاولة للتواصل مع الغير: فأنا الوحيد الذي أملك روحي، لكنّي سجينها في نفس الوقت، و حتّى عندما أرغب في الخروج منها للتواصل أفشل، لأن ّحركاتي و كلماتي ليست سوى تلميحات و إشارات إلى ما أحسّه لكن الآخر المستمع لا يعيش هذا الإحساس! إنّ ألم و معاناة الآخرين هي التي تكشف عزلة الذوات على بعضها ".
هل يمكن و الحالة هذه أن نعلن استحالة معرفة الغير و أن نجعل من الذوات جزرا و قلاعا حصينة مغلقة أو" مونادات " بتعبير لايبنز ؟ الواقع أنّ تحليلات فلسفية عديدة ترى غير ذلك: فهذا ميرلوبونتي يقوم بوصف فينومينولوجي لعمليّة التواصل ليستدلّ بها على إمكانيّة معرفة الغير معتبرا أنّ العلاقة مع الغير لا تحوّله إلى موضوع و تنفيه. و أنّ النظرة لا تشيّؤه إلاّ إذا كانت نظرة نافية لإنسانيته بإصرار مسبق: أي نظرة تفحّص و مراقبة لا نظرة تفهّم و تقّبل (كنظرة الأمّ وهي تتابع مشجّعة خطوات ابنها الأولى)، و إلاّ إذا انسحبت كلّ ذات إلى طبيعتها المفكّرة و تموقعت داخل تعالي الكوجيطو متّخدة ما عداها مجرّد موضوعات لعمليّاتها المعرفية. و بالمقابل فإنّ أبسط تجارب التواصل بعد صمت لا تنقل إلي بعض أفكار الغير وأصواته فحسب، بل وعالمه الذي كان يتبدّى لي من قبل متعاليا غريبا منفصلا عن عالمي. إنّ التواصل يثبت أنّ الاختلاف و المغايرة بين الذوات ليست من نمط الاختلاف الطبيعي ( كذاك القائم بين شيئين: طاولة و كرسي حيث الهوّة و الانفصال) بل اختلاف إنساني لا يلغي التقاطع ضمن المجال "البينذاتي" المشترك.  لهذا السبب لا يتحدّث ميرلوبونتي عن المعرفة (connaissance) بل عن الانبثاق المشترك (co-naissance ).
لكنّ الإقرار بإمكانيّة معرفة الغير لا يمنعني من البحث عن أنماط و طرائق هذه المعرفة، لأنّ التواصل يفترض وجود علامات، سنن و قنوات. و في هذا الإطار يبدو كما لو أنّ معرفتنا بالغير قائمة على نوع من الاستدلال الضمني هو "الاستدلال بالمماثلة"، فإذا كانت حالة الخجل تترافق عندي مع احمرار الوجه، و الألم مع البكاء و بعض الكلمات مع بعض المعاني أو المشاعر، فإنّي أسارع إلى تأويل احمرار الوجه كعلامة على خجل الغير، كما أنسب إلى كلماته المعاني و المشاعر المعهودة لديّ...  و هكذا. إنّ معرفة الغير على هذا النحو قائم على افتراض أنّ الغير شبيه و مماثل للأنا، و أنّ العلامات الخارجية الصادرة عنه ( كلمات، حركات، تعابير الوجه...) تترافق مع حالات نفسية داخلية معيّنة كما هو الحال لدى الذات، إنّنا ببساطة لا نعرف الغير مباشرة، بل عبر وساطة ما يصدر عنه من علامات. غير أنّ تناول معرفة الغير على هذا النحو يطرح صعوبات و استحالات: فقد يظهر الغير خلاف ما يبطن قاطعا الصلة بين الحالة النفسية وعلاماتها المعهودة، و قد تفشل التعابير الخارجية (الكلمات مثلا ) في التصوير الدقيق لتلوينات المعاني و الأحاسيس و المشاعر، بل هناك ما هو أكبر من ذلك: عندما أدرك وراء احمرار وجه الغير خجله، فأيّ خجل أدرك بالضبط ؟ ألا أستحضر هنا تجربة خجلي الخاصّة لفهم خجل الغير؟ ألا أدرك إذن خجلي الخاصّ فحسب ؟ إنّني ألتقي هنا مجدّدا بذاتي أنا و ليس بذات الغير ما دمت أختزل خجل الغير إلى خجلي الذي سبق أن خبرته و عشته ؟
إنّ معرفة الغير من خلال استدلال المماثلة تنتهي إلى تناقضات كثيرة نعيها بدرجات مختلفة في حياتنا اليومية، لذلك يرى ماكس شيلر أنّه لتجاوز هذه الصعوبات، ينبغي تجاوز الخلفيات الميتافيزيقية للتحليل السابق الذي يتناول الغير من خلال ثنائيات النفس/ الجسم أو الظاهر / الباطن و اعتبار الغير كلّية أو كلاّ موحّدا لا يقبل التجزئة و الانقسام ولا يحيل فيه ظاهر مادّي (جسدي) على باطن أو عمق مستحيل المنال، بل إنّ حقيقته و هويّته مجسّدتان فيه كما يظهر و يتجلّى للأنا: إنّ حركات التعبير الجسدية لديه حاملة لمعناها و دلالاتها مباشرة كما تظهر. و ينبغي التشديد على هذه الكلمة الأخيرة لأنّها تدلّ على أنّ التحليل الظاهراتي أو الفينومينولوجي (أي وصف التجربة المعيشية مباشرة قبل خضوعها للمعالجة العقلية المجزّئة) يظهر أنّ معرفتنا للغير هي معرفة كلّية مباشرة لا يمكن تجزئتها إلى عناصر و مراحل دون الإخلال بحقيقتها:  فعندما أدرك فرح الغير، فإنّي لا أدرك ابتسامته أوّلا منفصلة عن فرحه الداخلي الذي أستنتجه لاحقا، بل أدرك الأمرين معا ككلّية متزامنة. و ممّا يدلّ على الطابع المباشر لعلاقتنا المعرفية بالغير، قدرة الرضيع على التجاوب مع أمّه و الردّ على ابتسامتها بابتسامة مماثلة مدركا مشاعر الأمان و الحنان و التشجيع الكامنة خلفها وهو غير قادر بعد على القيام بأي نشاط استدلالي معقّد. ألا يشهد ذلك أنّ معرفتنا للغير تفترض نوعا من التعاطف و المشاركة الوجدانية بين الذوات. وهي مشاركة تبدو كمعطى شبه غريزي و كشرط لاندماج الكائن البشري ضمن جماعة الذوات الأخرى. و إذا استعملنا مصطلحات دلتاي سنقول بأنّ معرفة الغير تنتمي إلى مجال الفهم لا إلى مجال التفسير.
هكذا تبدو معرفة الغير أكثر تعقيدا ممّا يتصوّر الحسّ المشترك، بحيث تصدق هنا مقولة التوحيدي: " لقد أشكل الإنسان على الإنسان" وهو تعقيد يتزايد عندما نتأمّل تعدّد وجوه الغير.
وجوه الغير: الصداقة و الغرابة:
و لنطرح القضية بتجريد أقلّ مما سبق: كيف أقرأ علاقاتي المختلفة بالغير؟ ألا تدلّني هذه العلاقات من جهة، على إمكانية التواصل و التماهي معه، كما في حالة الصداقة و الصديق؟ و على حقيقة الانفصال و الاختلاف الجذري و اللاتواصل و اللاتفاهم كما في حالة الغريب من جهة ثانية ؟ و عليه ألا يثير الغير بسبب تماثله و مغايرته مشاعر الاحترام و الاعتراف و أيضا الإقصاء و النفي ؟ و باختصار: كيف أتعرّف على غيريّة الغير و كيف أقرؤها ؟ !
تنبيــه: يمكن استثمار المعطيات اللاحقة كنماذج تطبيقية و أمثلة ملموسة أثناء الاشتغال على إشكاليات متعلّقة بوجود الغير أو معرفته.
ليست علاقتنا بالغير مجرّد علاقة معرفيّة، بل هي علاقة مركّبة: عاطفيّة، وجدانية، اقتصاديّة، سياسية... و لذلك لا يمكن فهمها في المجرّد و المطلق بل بالتخصيص و التمييز: إذ يختلف تناول إشكالية وجود الغير و علاقته بالأنا أو معرفته أو أشكال التواصل معه أو إمكانية احترامه أو نبذه... حسبما إذا كان هذا الغير صديقا أو غريبا مثلا.
من بين كلّ الأغيار، يمثّل الصديق نموذجا لكلّ القيم الإيجابية، فلا عجب أن تكون لفظة الصداقة ـ في اللغة العربية ـ مشتقّة من الصدق الذي يعني الحقيقة و القوّة و الكمال. بل لقد ذهب القدّيس أوغسطين إلى "أنّنا لا نعرف أحدا إلاّ بواسطة الصداقة"، ذلك أنّه مادام التواصل سبيلا للمعرفة بما يخلقه من مجال بينذاتي مشترك، فإنّ هذا المجال يبلغ أقصى درجات اتّساعه في علاقة الصداقة. و إذا كانت كل علاقة للأنا بالغير هي ـ بطريقة ما ـ نشدان الاعتراف، فلربّما كانت الصداقة من الأنماط العلائقيّة القليلة التي يمنح فيها هذا الاعتراف بشكل سلمي باعتبارها علاقة ودّ و حبّ خالصين بعيدا عن كلّ نزوع نحو امتلاك المحبوب و الاستحواذ عليه كملكية خاصّة. و لعلّ ما يميّز الصداقة حسب كانط هو جمعها بين مطلبين يصعب الجمع بينهما: الحبّ بما يعنيه من اقتراب و تماه و الاحترام بما يعنيه من ابتعاد و تقدير.
و لكن أيّ نوع من الصداقة هذا الذي يحقّق هذه الشروط ؟ فالصداقة ثلاثة أنواع حسب أرسطو: صداقة المتعة حيث الجامع شيء أو موضوع للمتعة المشتركة؛ صداقة المنفعة حيث الرابط هو المنفعة المتبادلة ثمّ الصداقة الحقيقية: صداقة الفضيلة التي تقوم على حبّ الخير لذاته و للأصدقاء، دون أن تلغي إمكانية حضور المتعة والفائدة كنتيجتين لا كغايتين. و قد ذهب أرسطو إلى حدّ القول بأنّ الصديق الجدير بهذا الاسم هو ذاك الذي إن خاطبته كدت تقول: " يا أنا " من حيث أنّه " إنسان هو أنت، لكنّه بالشخص غيرك". و بعبارة أخرى، فإنّنا نعثر في الصديق على ذاتنا لما بيننا من تشابه و تطابق. لكن هل نحن فعلا نصادق الصديق لأنّه شبيهنا كما ذهب إلى ذلك أيضا أنبادوقليد ؟ أمّا لأنّه ضدّنا و نقيضنا كما ذهب إلى ذلك هرقليط ؟.
لقد فحص أفلاطون في محاورة ليزيس كلا الاحتمالين و استبعدهما و انتهى إلى أنّ الصداقة علاقة محبّة و ميل و رغبة متبادلة بين الغير و الأنا أساسها حالة وجوديّة وسط بين الكمال المطلق (الخير الأقصى) و النقص المطلق (الشرّ الأقصى)، لأنّ الخير مكتفٍ بذاته مستغنٍ بكماله عن غيره، و من يتّصف بالشرّ و النقص المطلقين لا يجد في نفسه الرغبة ولا الحاجة بل و لا يجد القدرة على إدراك الخير و الكمال و طلبهما. إذن فأساس الصداقة هو انطواء كلّ كائن على مبدإ نقص و عدم كفاية. لكن علينا بالمقابل أن نستحضر على الدوام أنّ الصديق يظلّ غيرا مهمّا بلغة درجة التطابق و التماهي أي يظلّ دوما غير قابل جزئيّا إلى أن يردّ أو يختزل إلى الأنا و كلّ محاولة لفهمه تترك دوما بقيّة من عدم الفهم ممّا يجعل الصداقة تفاهما و وفاقا مستمرّين غير محدودين. إنّها "الغيريّة الجذريّة" بتعبير "غيوم و بودريار".
ذلك إذن هو الغير عندما يتّخذ وجه الصديق. فلْنرَ الآن وجها آخر على الطرف النقيض وهو الغريب إذا كان الصديق عنوانا للثقة و المعرفة و الاقتراب و الاحترام فإنّ الغير يبدو للوهلة الأولى عنوانا للحذر، للمجهول، للنكرة، للابتعاد و الإقصاء. لكن من هو الغريب تحديدا ؟ إنّه مفهوم زئبقي لأنّه يتحدّد دوما كغريب بالنسبة لجماعة مرجعيّة ما؛ إنّه ذلك الذي لا يشاطر أعضاء الجماعة مرجعيّتهم المشتركة، ذلك الذي يجرّ خلفه ثقافة مغايرة مجهولة، إنّه الدخيل بكلّ بساطة، و باعتباره كذلك فقد نظر إليه عبر التاريخ كمسؤول عن كلّ شرور المدينة أو الجماعة و الذي يتعيّن القضاء عليه لإعادة السّلم إلى الجماعة. إنّ هذا الموقف الإقصائي حاضر بقوّة في كلّ مكان بدءا من ساكن المدينة الذي يعتبر نفسه "مدينيا" أصيلا محمّلا جميع مشاكل المدينة إلى هؤلاء الغرباء "البدو" القادمين من البعيد، وصولا إلى الخطابات السياسية القائمة على كراهية الأجنبي المهاجر و ضرورة طرده كحلّ للأزمات ... . لماذا و هل ينبغي أن يكون الغريب دائما اسما مستعارا للحقد و الإقصاء ؟
تقوم سيكولوجية الجماعة على تطابق الأنا أو الذوات الفرديّة مع النحن / الجماعة انطلاقا من آليات معقدّة للتنشئة الاجتماعية، مع اعتقاد راسخ في الطابع الخالص لهوّية الجماعة و ثقافتها. ممّا يسهّل على أفراد الجماعة التعرّف على بعضهم و استبعاد كلّ غريب و آخر، و هنا تتساءل الفرنسية ذات الأصل البلغاري "جوليا كريستيفا": ألا تحمل كلّ جماعة غريبها في ذاتها قبل قدوم الغريب الأجنبي ؟ و ذلك عندما يشعر أفرادها بالرغبة في التمرّد على روابط و قيم جماعتهم و وضعها موضع تساؤل و تشكك أو عندما لا يستطيعون العثور على "أناهم" من خلال "نحن" الجماعة. و هل هناك جماعة ذات هوّية خالصة تبرّر استبعاد العناصر الأجنبية عنها ؟ ما الهوّية المغربية مثلا ؟ أليست مزيجا من هوّيات أمازيغية، إفريقية، عربية، إسلامية، أندلسية، غربية... و اللائحة طويلة. إذا فالغريب أو الآخر ليس سوى ذلك الجزء أو القوّة الخفيّة لهويّتنا التى نحاول إنكارها باستمرار بحثا عن نقاء خالص موهوم. ثمّ ألا تحمل الذات الفردية بدورها غريبها في ذاتها متمثّلا في ذلك الجزء المجهول ـ اللاشعورـ الذي لا يكاد الأنا يعلمه أو يعيه.
كخلاصة، ماذا ينبغي أن يعني الغريب بالنسبة إلى الأنا ؟ إنّه يحيل كلّ هويّة فرديّة أو جماعيّة إلى هويّة إشكالية و ربّما مستحيلة. و الأهمّ من ذلك ـ  كما تقول كريستيفا ـ فإنّنا عندما نتعرّف على الغريب في ذاتنا، نوفّر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته فنتّخد حياله موقف الحوار و التسامح عوض العداء و الإقصاء.
أطروحة الأنا / الذات في مقابل الآخر/ المختلف تفرض ثباتًا حيث لا ثبات، و تستدعي ترسانة من المفاهيم والتوابع ظلّت تنسب الشرّ إلى جهة متحيّزة، و رسمت له ـ و للخير بالتالي ـ صورة بدائية بسيطة، و في الحقيقة أن مفهوم الخير و الشرّ أعمق من هذا و أكثر تركيبًا. و عليه فإنّ الفصل المتوهّم بين "أنا" ثابتة محدّدة متبلّورة، و "آخر" له نفس الثبات و التحديد و التبلّور، ليس إلاّ فصلاً متعسّفًا، لا يمكن تجاوزه إلاّ بشكّ مستمرّ في الذات / الهويّة. ليس بهدف السقوط في نوع من الوسواس أو الفصام، و لكن لنرى الذات منزلة من منازل الآخر، و نرى الآخر منزلة من منازل الذات في دورة واحدة دائمة و دائبة لا تتوقّف، ولا تنفصل فيها منزلة عن منزلة إلاّ إلى حين،. و في إطار نفس التصوّر يمكن أن نرى "الهويّة" كحالة متحركّة دينامية لا تكفّ عن التشكّل و التبلور، و التداخل و التشابك، و الانكماش و التمدّد الداخلي، و هذا مخالف للهويّة كمادّة صلبة تتراكم طبقاتها أو تنكسر تحت الضغوط حيث يتبادل الرحالة و الأهالي موقع الغريب
الهويّة كائن حيّ ينمو و يتنفّس، و يكتسب خبرة و ثراء بالتفاعل و التنوّع، و يختنق بالعتمة و القيود، و الانغلاق و التضييق، و لو كانت كلّها مبرّرات حسنة النيّة، و تدابير حماية. و إذا كان التقدّم التاريخي للبشريّة قد تمّ بفضل تفاعل ثقافات مختلفة في الهجرات و المبادلات و الحروب... حيث تلاقي الذات الغير و المختلف، فإنّ السلوك المطلوب ـ حسب ليفي شتروس ـ تجاه ثقافة الآخر و التي هي مصدر غرابته هو الشعور بالعرفان و التواضع و محاولة المعرفة و الفهم بدل النبذ و التجاهل و الإقصاء.

هناك تعليق واحد:

  1. غير معرف20/9/13

    من كاتب هذا المقال ؟ أعجبني كثيرا مع الشكر على الإضافة

    ردحذف