إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الأحد، 21 أبريل، 2013

تحليل نصّ: رابعة آداب

                                 تمرين منهجي عدد: 2  محور الفنّ
إعداد الأستاذ: رشيد الرقيق ـ صفاقس
تحليل نصّ:  ماركوز
النصّ: و هكذا أصبحت الآثار الغربيّة و المغتربة المنتمية إلى الثقافة الفكريّة بضائع و منتجات مألوفة. و إذا كانت تنتج و تستهلك اليوم بكميّات وفيرة، فهل هذا مجرّد تعبير عن تغيّر كمّي، أي هل باتت تفهم  و تقدّر على نحو أفضل و بكلمة واحدة، هل أضحت الثقافة ديمقراطيّة ؟ لقد رأى الناس دوما في الأدب و الفنّ، حقيقة نظام أعلى ليس مفروضا فيه أن يزرع البلبلة، و ما كان يزرعها فعلا في عالم الأعمال. و في العصر الحاضر تغيّر الفارق بين هذين الميدانين و تغيّرت حقيقتهما. فالمجتمع بما له من طاقة على 
الامتصاص يستهلك و يستنفد مضامين الفنّ التناحريّة بتمثّله إيّاها. و في ميدان الثقافة يتجلّى النظام الكلّي الاستبدادي الجديد في صورة تعدّد و تناغم تتعايش فيه الآثار و الحقائق المتناقضة على أعنف ما يكون التناقض في جوّ من السلم و اللامبالاة [...].
إنّ التوتّر بين الراهن و الممكن يتجلّى و قد تحوّلت صورته في صراع لا حلّ له و لا يمكن التفكير في إيجاد توفيق له إلاّ عن طريق شكل العمل الأدبي أو الفنّي، أي عن طريق الجمال كوعد بالسّعادة. فبفضل شكل هذا العمل تكتسب الظروف الآنية بُعدا جديدا يبدو فيه الواقع المعطى كما هو فيقول الحقيقة عن نفسه عندئذ و تكفّ لغته أن تكون لغة الخيبة و الجهل و الخنوع. إنّ الخيال يدعو الوقائع بأسمائها. فينهار ملكوتها. و هو يُبلبل أركان التجربة اليوميّة و يبيّن أنّها زائفة و مشوّهةو لكن الفنّ لا يمتلك هذه القوّة السحريّة إلاّ عندما يكون هو نفسه قدرة على النفي. وهو لا يستطيع أن يتكلّم لغته الخاصّة إلا ّعندما تكون الرموز التي تدحض و ترفض النظام القائم حيّة لم تمت.
ماركوز
"الإنسان ذو البعد الواحد"
ترجمة جورج طرابيشي
دار الآداب ـ بيروت ـ 1988 ـ ص 96 ـ 97
الأسئلــة:
ü    أيّة علاقة يمكن إرساؤها بين الفنّ و الواقع: هل هي علاقة دمج و استيعاب و توافق و تناغم أم هي علاقة رفض و مقاومة و تنافر و نفي؟
ü    اشرح قول مؤلّف النصّ: إنّ الخيال لا يستطيع بلبلة أركان التجربة اليوميّة و بيان مظاهر التشويه و التزييف فيها إلاّ عندما تكون الرموز التي تدحض و ترفض النظام القائم حيّة لم تمت". استعرض و اشرح بعض الأسس و المبرّرات التي تجعل المجتمع الحالي قادرا على امتصاص قدرات الفنّ الثورية ؟
ü    إلى أي مدى يمكن موافقة مؤلّف النصّ ثقته في أنّ حلّ التوتّر بين الراهن و الممكن و تسويته لا يكون إلاّ عن طريق الفنّ، أي عن طريق الجمال كوعد بالسّعادة ؟
مرحلة التحرير:
تأطير:
· إنّ التحليل الأنطولوجي للفلسفة الجمالية (من هيجل إلى هيدجير و ريكور مرورا بـ"نيتشه") يفترض إمكانية تعميم ما يقوله على الأعمال الفنّية بوجه عام. و في الواقع، ذلك متعذّر، لأنّ للفنّ مظاهر كثيرة و عديدة، و لأنّ للواقع معاني مختلفة، و لأنّ للخيال تجليّات متنوّعة. و لذلك، لا يكفي أن نواجه إشكالية العلاقة بين الفنّ و الواقع من خلال التناول الفينومينولوجي عند سارتر أو مرلوبونتي على سبيل المثال. كما لا يمكن النظر إلى تمييز العمل الفنّي و غيريته من زاوية أنطولوجية لا غير. ذلك أنّ التحديد الأنطولوجي يبقى عصيًّا على التعيين في مستوى التعامل مع اللغة الفنّية، و على صعيد الواقع الاجتماعي و السياسي.
1)   التعارض بين الواقع اليومي و الواقع الفنّي/ أو الاختلاف الكيفي على مستوى الشكل عند ماركوز:
·  يُمكن أن نستهلّ معالجتنا بطرح السؤال التالي: كيف يستطيع الفنّ أن يتكلّم لغة مختلفة بصفة جذرية عن لغة الواقع اليومي ؟ ذلك هو جوهر التساؤل الذي طرحه، و أجاب عنه ماركوز في سياق نقده للجمالية الماركسية التقليدية، و ضمن الجمالية النقدية، أو في إطار ما عُرف بجمالية ما بعد الحداثة لـمدرسة فرانكفورت التي تتمثّل أيضا في نقد التوجّه العلمي، و في إقامة محاولات نظرية و فلسفية لإدراك المعنى الاجتماعي و السياسي و الإيديولوجي للتجارب الجمالية. و قد قام ماركوز بنقد الموقف الجمالي الذي تبنّته الماركسية. قال ماركوز في مقدمة كتاب "البعد الجمالي": "يرتكز نقدي إلى النظرية الماركسية و ذلك لأنّها تنظر إلى العمل الفنّي في سياق العلاقات الاجتماعية و تنيط بالفنّ وظيفة و طاقة سياسيتين. و لكنّني أرى أنّ طاقة الفنّ السياسية إنّما هي كامنة في الفنّ نفسه و في الشكل الجمالي و أزعم أنّ الفنّ بمقتضى شكله الجمالي يتمتّع بقدر واسع من الاستقلال الذاتي عن العلاقات الاجتماعية القائمة". و قد قام ماركوز (مثل أدورونو) بإقرار القدرة الذاتية المحرّرة للفنّ، لأنّ الأثر الفنّي (في نظر الأوّل) شكل، و ذاتية.
· قد أقرّ ماركوز بأنّ الفنّ قادر على إقامة الاختلاف الكيفي مع ما يحصل في الواقع اليومي. إذ لا يتمثّل الفنّ في نظره في استحضار صور التحرّر المتجذرّة في كلّ أبعاد التجربة الإنسانية، و إنّما في تشكيل تجربة تهمّ كلّ الطبقات الاجتماعية، لأنّها تحافظ على استقلالية، تُمكِّنُ الفنّ من أنّ يكون عامل تغيير اجتماعي و سياسي. و يضيف ماركوز قائلا :"فالطابع التقدّمي للفنّ، و مساهمته في كفاح التحرّر، لا يُمكن قياسها بالأصل الاجتماعي للفنّانين، و لا بالأفق الإيديولوجي للطبقة التي ينتمون إليها. كما لا يمكن الحكم على الفنّ بالاستناد إلى حضور الطبقة المضطهدة أو غيابها في أعمالهم. و ليس لغير العمل نفسه في جملته بما يقوله و بالكيفية التي يقوله بها، أن يقدّم معايير الطابع التقدّمي للفنّ. بهذا المعنى، فإنّ الفنّ هو الفنّ، و ذلك بقدر ما يكشف الشكل الجمالي عن أبعاد من الواقع مقموعة أو محرومة".
·  إنّ الفنّ مرتبط بالمادة الثقافية الموروثة، و يشترك فيها مع المجتمع القائم، رغم ما يقوم به من قلب للمعنى المتداول في الكلمات و الصور. إنّ الفنّ جزء لا يتجزّأ ممّا هو موجود. غير أنّه يستطيع أن يثور على (أو ضدّ) ما هو موجود. فهو من جهة، يُحافظ على التناقضات الاجتماعية، و من جهة أخرى، يعملُ على تجاوزها، بتوليد وعي جديد، يُصاغ في شكل فنّي.
·  و بالنتيجة، فالمسرحية أو الرواية، هي أعمال أدبية، بحكم الشكل الذي يتمثّل المادة. و يُعيد تشكيلها، لأنّ الشكل يسود الأعمال الفنّية الأصيلة. و بالتالي، فإنّ الخضوع إلى الشكل الجمالي، يحمل إلينا التصعيد غير الامتثالي، بحيث لم يعد الأنا و الهو (أو العقل و الخيال) خاضعيْن إلى القمع الاجتماعي. يقول ماركوز: "يجري (بمقتضى قانون الشكل الجمالي) تصعيد الواقع المعطى أو أسماؤه. فمضمونه المباشر يؤسلَب، و المعطيات يُعاد صوغها و ترتيبها بحسب مقتضيات الشكل الفنّي التي تقتضي بعث الحاجة إلى الأمل و إرضائها".
· إنّ هذه الحاجة إلى التصعيد الجمالي تغيّر الجانب التصالحي. و هي الحاجة إلى خلق صور لعالم آخر ممكن، لا تضليل فيه، و لا قمع، و لا ظلم.
·  فإذا كان الغشّ و الخداع هما السمة المميّزة للواقع القائم على امتداد التاريخ (الذي كرّس القمع و التعتيم و الإذلال)، فإنّ مهمّة الفنّ تتلخّص في إماطة اللثام، و في تعرية ما يحتويه ما هو كائن من زيف و تجهيل و تشويه.
·  صورة العالم الآخر الممكن: يظهر في الفنّ بما هو قدرة على تجاوز الأوضاع التاريخية التي كرسّت الشقاء، و بما هو مبعث للأمل في إدراك السّعادة و الجمال، و في إتاحة الفرصة للبشرية قاطبة في الاستمتاع. و من هنا نفهم قول ماركوز :"إنّ الفنّ ـ عن طريق الجمال كوعد بالسّعادة ـ  يستطيع إيجاد تسوية و مصالحة للتوتّر القائم بين الراهن و الممكن".
الرّاهن
الممكن
· الرّاهن ما هو موجود، أي الواقع اليومي. الواقع المعطى كما هو موجود .
·  لغته هي لغة الخيبة و الجهل  و الخضوع. "عالم العمل الذي يعيد فيه المجتمع إنتاج نفسه
و بؤسه". سيادة مبدا الواقع المكرس للقمع.
· عالم الكدح و الجدّية و الشّقاء و الاستغلال و الاغتراب. عالم مأساوي.
· الممكن ما هو منشود الواقع الفنّي الواقع المتخيّل عالم الجمال و السّعادة
·  لغته هي لغة الأصل و المعرفة و الرفض.
· عالم يتحرّر فيه الإنسان عن طريق اللعب الحرّ من كلّ أشكال القمع و يعمد فيه إلى التصعيد غير الامتثالي.
·  عالم يسوده الإحساس و الخيال: الإيروس.
·  عالم يسوده مبدأ اللذّة.
·  عالم تتحقّق فيه الآمال و الأمنيات
·  لقد مثــّـلت إذن القطيعة مع الواقع الاجتماعي الصفة الأساسية في الفنّ. و هي تتلخّص في خلق واقع خيالي، يكون الضدّ و المقابل للواقع القائم. غير أنّه أكثر واقعيّة منه.
· يقول ماركوز:"يتجاوز الفنّ تعيينه الاجتماعي، و ينعتق من عالم القول و السلوك المتواضع عليهما".
· إذا كانت الحضارة قد اتّسمت طيلة التاريخ السابق بصفة القمع، فمن الضروري أن يكون الفنّ (بما هو الأداة و الواسطة التي تحرّكها الذات المبدعة)، وسيلة الإنسان للتحرّر من أسر الواقع المعطى، و للإفلات من مقتضياته الثقيلة التي يفرضها عليه، بدعوى ضرورة الإذعان لمبدأ الواقع الذي يكرّس العنف و الشّقاء.
· الفنّ يبدع عالما خياليا، و ينشد الجمال و السّعادة، و يبدّد التعاسة و الاغتراب الملازم لأنشطة الإنسان في حياته اليومية.
2)   وظيفة الفنّ الثورية:
§  يقول ماركوز:"يكون الفنّ بنظامه الخاصّ (بنظامه غير القمعي) جميلا بقدر ما يُعارض نظام الواقع". و يكون ظهوره في لحظة التفتّح و الطمأنينة الوجيزة، في اللحظة المواتية لإيقاف
البلبلة المتّصلة بالحياة اليومية. و هو ما نتبيّنه في قوله أيضا: "إنّ الخيال يسمّى الوقائع بأسمائها. فينهار ملكوتها، و هو يبلبل أركان التجربة اليومية".
§ إنّ الفنّ في صميمه احتجاج على الواقع القائم. و تلك هي طبيعة الفنّ الصحيح عند ماركوز.  و معنى ذلك أنّ مقاومة الاضطهاد هي المقياس الذي يميّز بين الفنّ الصحيح و الفنّ المزيّف. و إذا كان تاريخ البشرية حتّى الآن، هو تاريخ الاضطهاد، فإنّ الفنّ كان باستمرار يُقاوم هذا التاريخ. و الفنّ يحاول خلق حقيقة مختلفة هي في الواقع نفي للحقيقة التي يعرفها الإنسان المقموع. و لهذا، فالاحتجاج على الواقع يسمح باستعادة الحقيقة الأصلية للعالم. و عبره يهتزّ مركز الأشياء اليومية، من حيث هي أشياء مسلّم بها، و يتهيّأ الجوّ لتصوّر العالم من خلال روح السّلب التي تساعد على تجاوز ذلك العالم. فكلّ من الشعر أو الأدب أو المسرح، يعمل عموما على تقويض العالم القديم، و على خلق تجربة جديدة غير مألوفة، تؤدّي إلى قيام علاقة جديدة بين الإنسان و العالم، و بين الإنسان و الإنسان الآخر.
§  لقد رفضت الجمالية الماركسية رفضا قاطعا فكرة الجمال، و وصمتها بأنّها المفهوم الأساسي في الجمالية البورجوازية، و قالت بأنّ الحديث عن الجمال يمكن أن يظهر لا مسؤولا، اعتبارا لمتطلّبات النضال السياسي.
§  و يقرّر ماركوز بالمقابل أنّ فكرة الجمال ظهرت في حركات تقدّمية بوصفها مظهرا من إعادة ابتكار الطبيعة والمجتمع. و يرى أنّ الجمال يمثّل (من حيث انتمائه إلى الإيروس) مبدأ اللذّة. و هو لذلك يقف في مواجهة لمبدأ الواقع السائد، الذي هو مبدأ السيطرة.
3)   الوظيفة التحريريّة للفنّ:
v   لقد شخّص شيلر مرض الحضارة الأوروربية على أنّه صراع بين قوّة العقل و قوّة الحسّ و الخيال. و نجده يرفض هيمنة العقل من خلال تأكيده على أنّ من شأن غريزة اللعب أنّ تحرّر الإنسان من الظروف اللاإنسانية، و أن تقوده عبر الجمال إلى عالم الحرّية، و أن تخلّصه من كلّ آثار الخوف و القلق.
v   و لقد حاول ماركوز أن يستمدّ من فلسفة شيلر ما لم يجده عند فرويد. و هو الإيمان بحضارة إنسانيّة لا قمعية، قوامها تغلّب مبدأ اللذّة على مبدأ الواقع المكرّس للعنف و الاغتراب، و الاستناد إلى القوّة المحرّرة للوظيفة الجمالية. و في نظر ماركوز لا يمكن للإنسان أن يكون حرّا إلاّ عندما يفقد الواقع طابعه الجدّي، و عندما يقف من الواقع موقف عدم الاكتراث و اللامبالاة. و لهذا، أعلن بأنّ قيام حضارة إنسانيّة حقّة رهن بتحوّل الوجود البشري إلى لعب، لا إلى عمل. و معنى هذا أنّه حين يفقد الواقع طابعه الجدّي اللاإنساني القائم على منطق الحاجة و الفقر، فهناك يصل الإنسان إلى حالة التحرّر التي يمكن معها إشباع الحاجات و الرغبات دون اللجوء إلى شريعة العمل القائم على الاغتراب. و قد كان اللعب في نظر "شيلر" و "ماركوز" بمثابة تحقيق للحرّية و للسّعادة، و هو في رأيهما ليس مجرّد لهو أو شيء كمالي (و كأنّما هو إجازة يتحرّر بها الإنسان من ضغط العالم القمعي)، و إنّما للعب وظيفة جمالية، و هي بمثابة مبدأ كلّي يحكم الوجود بأسره، و يكون من شأنه إحلال المخيّلة محلّ العقل.
المكاسب:
v   يعيد الالتقاء بالخيالي بناء الوعي عند ماركوز، و يهب هذا الوعي تصوّرات. و هذه التصوّرات لا تحرّر الطفولة الإنسانية من مختلف أشكال القمع فحسب، و إنّما تجعل الفنون (من شعر و مسرح و رواية) قادرة (بمقتضى أسلوبها و تشكّلها الجمالي) على تغيير القواعد التي يفرضها مبدأ الواقع القائم. و لهذا الدور وظيفة مزدوجة: فهو من جهة اتّهام يُوجّه إلى الواقع، و هو من جهة أخرى اختفاء يسمح بمقاومة الظلم و القهر السائديْن فيه. و هنا، و تحديدا في هذا الإطار، يبرز تمييز بين نوعين من الحقيقة: حقيقة يوميّة تعادي الفنّ و تدوسه و تهدم الحياة و المجتمع بقهرها للذات و طمسها، و حقيقة فنّية تتعالى باستقلاليتها على الواقع لتنفذ إلى أعماق المجتمع و أبعاده المختلفة، و هي قادرة (بغيريتها و اختلافها) على مقاومة كلّ إقحام أو دمج أو ابتلاع. يقول "بيتر وايس " (PETER WEISS)  في مؤلّفه الحامل لعنوان "جمالية الثورة"، إنّ الاختلاف بين الفنّ و الحياة يشابه الاختلاف القائم بين المظهر و الماهية. و إنّ هذا الاختلاف يمثّل الحيّز الذي تبرز فيه حقيقة الفنّ و قيمته السياسية. و تجدر الملاحظة هنا بأنّ عالم القصد الفنّي، ليس عالم الواقع اليومي. كما أنّه ليس عالم الوهم الخالص أيضا. فإذا ما اعتبرناه غير واقعي، فذلك بالمعنى العادي للكلمة، لأنّه واقع خيالي، لا لكونه يمثّل شيئا أقلّ من الواقع المعطى، و لكن لأنّه يمثّل شيئا أعظم منه، بمعنى يمثّل من الناحية الكيفية شيئا آخر. و لذلك، يتضمّن الواقع الخيالي على الحقيقة أكثر من الواقع اليومي. و ذلك لأنّ هذا الواقع مخادع في أنظمته و مؤسّساته و علاقاته. و هو ما يترتّب عنه أنّه لا يمكن للأشياء أن تظهر في صورتها الحقيقية إلاّ في عالم خيالي. و تنعكس الآية على هذا النحو، فيصبح الواقع المعطى واقعا مزيّفا كاذبا. في حين يظلّ الواقع الفنّي واقعا صريحا و صادقا، لا يخفي الحقيقة. و هكذا يتجلّى الواقع الآخر الممكن في الفنّ الذي يتعالى على كلّ حالة تاريخيّة خاصّة، و الذي يستبق الواقع، و ينظر فيما بعده أو ما وراءه. و يذهب ماركوز إلى أنّ التشكّل الجمالي يتمّ وفق قانون الجمال، لأنّ جدلية الإقرار و الرفض هي في الآن ذاته جدلية الجميل بوصفه حركة للقوّة المحرّرة، و بوصفها نشاطا يُحقّق مبدأ اللذّة، نشاطا يستحضر العنف، و يشهّر به، ثمّ يديم ذكرى لحظات الاستمتاع و الرغبة في الحياة. خلاصة القول يسعى الفنّ إلى إبراز حقيقته الخاصّة المختلفة عن الواقع المعيش، رغم أنّه يرتكز عليها. كما يفتح بعدا ليس في متناول أيّة تجربة أخرى. إذ فيها لن تبقى الكائنات البشرية خاضعة لمبدأ الواقع المكرّس للقمع.
                                                           الحدود:
v   تنطوي آراء ماركوز عن الفنّ (بوصفه قوّة ثوريّة رافضة للنظام القائم)، على قدر مفرط من التعميم. فماركوز يخلط بين القوانين السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، و بين قوانين الطبيعة من جانب آخر. و لم ينتبه إلى أنّ الأولى مُتغيّرة، يُمكن التمرّد و الخروج عليها عندما تكون ظالمة. في حين أنّ الثانية ثابتة في ظلّ أي نظام (أو وضع) اجتماعي. و لهذا، فالخروج عليها لرؤيةٍ (أو إدراكٍ) غير مألوف للعالم، لا يجعلُ من الفنّ أبدا قوّة تثور ضدّ القوانين بالمعنى الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي. إنّه لو كان من الجائز إسناد سمة الثورية للفنّ الذي يتجاوز قوانين الطبيعة، لكان من الجائز القول بأنّ الفنّ التجريدي هو أكثر الفنون ثورية، لأنّه أكثر خروجا عن الواقع القائم، و أكثر تمرّدا عليه. و يبدو أنّ ماركوز يميلُ إلى الأخذ بهذا الرأي القابل للمناقشة. ذلك لأنّ الفنّ التجريدي الذي يصفه ماركوز بأنّه فنّ رافض للواقع، يُمكن وصفه بأنّه اتّجاه يدعو إلى الرضوخ و إلى الاستسلام إلى النظام الاجتماعي و السياسي القائم، و ذلك لأنّ مبدأ التجريد نفسه يُمكن تفسيره بأنّه هروب من الواقع، و ابتعاد عنه. و حين ينغمس الفنّان في التجريد، فمعنى ذلك أنّه يترك الواقع المعيش على ما هو عليه، و يخلق لنفسه عالما خاصّا. فهذا الهروب (حتّى و لو نتجَ عن السّخط و عدم الرضى)، فإنّه ينطوي على موافقة ضمنية على ما يفعله أصحاب النفوذ و على محاولة للتستّر على التناقضات و الصراعات، و على الصمت عن الأوضاع اللاإنسانية الجائرة.
v   من يطلّع على تاريخ الفنّ سيكتشف الصلة الوثيقة بين الفنّ و بين النزعة الأرستقراطية التي لا تريد للفنّ أن يكون معروفا و مفهوما من قبل العامّة (الجمهور). و هذه النزعة واضحة لدى ماركوز الذي أدان انتشار الفنّ والمتاجرة به في الأسواق بدعوى أنّ هذا التبضيع للفنّ يؤدّي إلى ابتذاله، و إلى الخفض من قيمته، و إلى ضياع قدرته على الرفض و الاحتجاج. و هذا يعني أنّ ماركوز قد سعى إلى قصر الفنّ على الصفوة المختارة. بينما الثورة ظاهرة جماهيرية بطبيعتها، و هي تحتاج للتفاهم مع الجموع الغفيرة من البشر. و لهذا، فعندما يبتدع الفنّان لنفسه لغة جديدة منفصلة عن اللغة العادية، حتّى لو كانت ذات قيمة جمالية، فإنّه بهذا يتّخذ موقفا انعزاليا، يتنافى موضوعيّا مع الروح الثوريّة. و على هذا الأساس، يمكن أن نخلص إلى أنّ فلسفة ماركوز ذات نزعة فنّية تجريدية متطرّفة، و إلى أنّ كلّ نزعة من هذا القبيل لا تستطيع في النهاية إلاّ تحقيق رمزي للحرّية. إنّ التغيير الفعلي للأوضاع الإنسانية لا يمكن أن يتمّ على أيدي الرومانسيين من أصحاب النزعات الفنّية و الجمالية المتطرّفة، و إنّما هو ببساطة مهمّة الثوريين العمليين من رجال السياسة و النفوذ. و هكذا، فإنّ أقصى ما يستطيع الفنّ أن يفعله هو أن يكون وسيلة سلبية للتعبير عن السّخط على وضع قائم، و الحلم بوضع مرتقب. و لكنّه عاجز عن توجيهنا في مجال الواقع الفعلي، و بالتحديد في مجال الممارسة السياسية.   
طريق النجاح: نتقدّم بجزيل الشكر للأستاذ: رشيد الرقيق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق