إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الأربعاء، 6 مايو، 2009

الوظيفة التأسيسية للذات عند هوسرل

عبد الحي أزرقان
لا نعتقد أنّ مؤرّخا ما لتاريخ الفلسفة سيعارض فكرة نشأة الفينومينولوجيا ارتبطت بالدرجة الأولى بالدفاع عن ربط الفلسفة من جديد بمسألة التأسيس من جهة، و عن ربط التأسيس من جهة ثانية بالإنسان. و لعلّ كتابات إدموند هوسرل تبقى رائدة في هذا المجال، و بالخصوص منها أفكار أساسية من أجل فينومينولوجيا و التأمّلات الديكارتية. يتّضح من خلال هذين الكتابين أنّ مسألة الذات هي المسألة الفعلية التي ينبغي أن تهتمّ بها الفلسفة لتعيد لها الاعتبار، و لتزيل عنها العوائق التي منعتها من أن تحتلّ المكانة الأولى في التأسيس. قد تبدو الجملة الشهيرة التي تتكرّر في كتابات هوسرل و الفينومينولوجيين على العموم، "إنّ الوعي هو دائما وعي بشيء ما"، دفاعا عن سلبية الوعي في تفاعله مع الواقع الخارجي،
 بل ربّما كانت محاولة لاختزاله في ما هو غيره، أي في عالمه و محيطهغير أنّ تتبّع التحاليل الهوسرلية سرعان ما يؤدّي بنا إلى العكس تماما، حيث نراه يجعل من الوعي، أي من الذات، الكائن الذي يتمتّع وحده بالقدرة على التأسيس. و إنّ ربط وجود الوعي بالأشياء الخارجية وسيلة لتجنّب كلّ فكرة قد تجعل منه حاملا لمعان يستمدّها من مصدر غير مصدر ارتباطه بالأشياء، أو أن يجسّد وجودا ما من غير الوجود الذي يتجسّد عبره في انفتاحه على الأشياء. إنّ اعتبار الوعي وعيا بشيء ما مفاده أنّه لا يحمل في حدّ ذاته فكرة الإله أو الكمال أو الخلود مثلا، كلّ معنى صادر عن الوعي يحصل انطلاقا من ارتباط هذا الأخير بالأشياء. فالتأكيد على الجملة السالفة الذكر يهدف إلى الإعلاء بالوعي و قيمته الوجودية و ليس إلى إثارة تبعيته لوجودات سواه. و تتأكّد القيمة التي يوليها هوسرل للذات في تحديده لما يسمّيه بالاختزال الفينومينولوجي. إنّنا نتمكّن، حسب تحليله، من وضع كلّ ما يجسّد معيشا معيّنا، أي كلّ تفاعل بين الوعي و الأشياء، بين قوسين بما في ذلك الأنا الأمبريقية (1) و كذلك الكائن الإلهي نفسه(2) هناك كائن واحد لا يخضع للاختزال ألا وهو الوعي المحض أو الأنا المحضة. إنّ الأنا المحضة هي التي تتمتّع بالوجود المطلق لأنّها هي وحدها التي يتبيّن أنّ وجودها وجود ضروري، و ذلك لعدم رضوخها للاختزال الفينومينولوجي. "لقد منح لنا الاختزال الفينومينولوجي إمبراطورية، من الوعي الترنسندنتالية: و لقد كان ذلك، بمعنى معيّن، إمبراطورية الوجود "المطلق". إنّه المقولة النموذجية للوجود على العموم (أو المنطقة النموذجية في لغتنا نحن)؛ إنّ المناطق الأخرى تأتي إليها لتستقرّ فيها؛ إنّها ترتبط بها بموجب ماهيتها؛ و من ثمّ فإنّها تتوقّف عليها كلّها (3). تظلّ الأنا إذن فارضة نفسها في وجه القائم بالاختزال الفينومينولوجي كحقيقة وجودية. إنّها آخر ما ينتهي إليه التحليل، و أوّل ما سينطلق منه في العملية العكسية. إنّها تتمتّع بالضرورة كما تتمتّع بالهوية لكونها تفرض نفسها عبر كلّ التقلّبات التي يعرفها المعيش و تحافظ على ذاتها عبر كلّ التغيّرات التي تلحق الأنا التجريبية.
و يتجلّى لنا حزم هوسرل على الإقرار لوجود الذات (أو الإنسان) كأساس كلّ بناء، نظري كان أو عملي، في الطريقة التي سيتعامل بها مع ما يسمّيه بالأنا المحضة. فبعد تعرّضه لبعض الصعوبات في تحديد مكوّنات الأنا الترنسندنتالية، بل و بعد اعترافه بعدم توفّر تلك الإمكانية، نجده يصرّ مع ذلك على إسناد مجموعة من المهامّ للذات تتولاّها باستمرار من تلقاء نفسها. هكذا نجد بداية حديثه عن الوعي الترنسندنتالي تكتفي بالاعتراف بوجوده فقط حيث يقول "و حتّى إذا كانت الأنا متشابكة بهذه الطريقة الخاصّة مع كلّ "معيشاتها" التي تحياها، فإنّها ليست مع ذلك بتاتا بشيء ما يمكن اعتباره لذاته و تناوله كما لو كان موضوعا خاصّة للدراسة. فإذا تغاضينا عن "طريقة ارتباطها" أو "طريقة تصرّفها" فإنّها ستكون مجرّدة بشكل مطلق من المكوّنات الماهوية، بل ستكون مجرّدة بشكل مطلق من المكوّنات الماهوية، بل إنّها لن تتوفّر على أي محتوى يمكننا توضيحه. إنّها غير ممكنة الوصف في ذاتها و لذاتها: إنّها أنا خاصّا ولا شيء "أكثر من ذلك" (4). غير أنّ القارئ سرعان ما يقع بعد اجتياز مجموعة قليلة من الصفحات على كلام يسير في اتّجاه مخالف لما يقرّ به القول السابق، حيث نجد الفيلسوف يعمد إلى ضبط التحديد الذي كان قد نفي إمكانيته، و إلى إيجاد وظيفة للأنا من علاقة حميمية بمحتواها، بعدما أن أكّد على غيابها. بمعنى آخر يلاحظ القارئ أنّ الأنا بدأت تصبح تدريجيا شيئا ما بعد ما قيل إنّها "ليست بتاتا بشيء ما". هذا ما تؤكّده الفقرة الآتية: "إنّ الوعي هو بالضبط وعي بشي ما؛ إنّه لمن ماهيته أن يحتوي بداخله على "معنى" يكون إن صحّ التعبير كنه "النفس" و"الروح" و"العقل". لا تنطبق تسمية الوعي على "عقد نفسية" و"محتويات" منصهرة معا و"مجموعات" أو سيولات من "الإحساسات" قد يمكنها، نظرا لعدم توفّرها في ذاتها على معنى ما، التعرّض لأيّ اختلاط دون خلق معنى معيّن. إنّ الوعي على العكس من ذلك هو وعي في كلّيته. إنّه منبع كلّ عقل و كلّ لا عقل، كلّ حقّ ولا حقّ، كلّ ما هو واقعي و ما هو من نسيج الخيال، كلّ قيمة ولا قيمة، كلّ فعل ولا فعل. يختلف الوعي إذن كلّيا عمّا يريد المذهب الحسّي أن يختزله فيه، و عن المادة التي هي فارغة في حدّ ذاتها من المعنى و التي هي غير عقلية حتّى و إن كانت تسمح بكلّ تأكيد بعقلنتها (5). يحدّد هوسرل هنا بكلّ وضوح وظيفة الوعي. إنّه مصدر المعنى. ولا يمكن لهذا الأخير حسب هذه الفقرة  ـ و حسب توجّه كتابات هوسرل على العموم ـ  أن يرتبط بمنبع آخر غير الوعي. و لعلّ ما ينبغي التركيز عليه هنا هو ضرورة ربط المعنى بالوعي الفردي. لأنّ التوصّل إلى مثل هذه الحقيقة، صدور المعنى عن الوعي، يتمّ عند ممارستنا للاختزال الفينومينولوجي و تصفية الوعي من كلّ ما هو غيره. و ممارسة الاختزال تتمّ من طرف الذات الواحدة على ذاتها نفسها. صحيح إنّ فقرات كثيرة و فصولا متعدّدة يخصّصها هوسرل للكيانات الروحية كثقافة مجتمع ما أو دينه أو حضارته، و نخصّ بالذكر التأمّل الخامس من تأمّلات ديكارت، و صحيح أيضا إنّ هذه الكيانات مشحونة كلّها بالمعنى و تعمل على نشره و زرعه؛ غير أنّ إثارة المعنى بصدد الثقافة و الحضارة لا يتمّ إلاّ للتأكيد على الذات كمصدر للمعنى و ليس العكس. إذ أنّ الأنا الترنسندنتالية تتمكّن من ممارسة الاختزال بصدد ما يعمّر محيطها. و ما دامت الذات مصدر كلّ معنى فإنّه يصعب تفسير سلوك إنسانيّ معيّن، أي تحديد معناه، انطلاقا من مخزون نفسي مثلا، أو من مجموعة من غرائز تتغلّب عند الفرد على جانبه العقلي، و تتحايل عليه لتجرّده منه كي تنفرد بتوجيه سلوكه. كما أنّ نتاج الخيال بدوره لا يمكن إسناده في جانب منه أو في كلّيته إلى مجموعة من الاستلهامات و القوى الغامضة تكون دفينة عند الفرد و غير مدركة من طرف عقله، و من ثمّة منفلتة من مجال الوعي. إنّ ما يهمّنا أكثر في الفقرة السالفة الذكر هو تلك الإثارة للوعي كمصدر "لكلّ قانون ولا قانون"، و لـ"كلّ قيمة ولا قيمة". ففي هذا تأكيد واضح كلّ الوضوح على ربط الأساس بالذات، و من ثمّة بالإنسان و بالإنسان وحده. فجعل الوعي قائما عند أصل كلّ تشريع في مجال القانون، و عند أصل كلّ تقويم في مجال الأخلاق، لا يمكن أن يهدف إلى شيء آخر غير اعتبار الإنسان مصدر وهدف القانون و الأخلاق. لا مجال لإدراج بعد غير إنسانيّ للتنظير في إطار هذين الحقلين الأخيرين. و سنلاحظ أنّ لهوسرل أهمّية جسيمة بهذا الصدد. إنّه كان أوّل فيلسوف يطرح مسألة الذات لإعادتها إلى الساحة الفكرية بعدما كادت أن تنمحي في مجال الفلسفة تحت التأثير الهيجلي، هذا مع الوعي الكامل بضرورة التغلّب على المصاعب التي عرفتها الفلسفة الحديثة عند جعلها من مسألة الذات القضية الفلسفية الأولى، خاصّة فلسفة ديكارت و ليبنتز و كانط. ماذا نقصد بمصاعب الفلسفة الحديثة ؟ إنّ قارئ التأمّلات (6) لديكارت و المونادولوجيا لليبنتز وأ سس ميتافيزيقا الأخلاق لكانط ينتبه، دون أن يكلّف نفسه مجهودا في التفكير وعمقا في النظر، إلى المكانة التي يوليها الفلاسفة الثلاثة للكائن الإنساني ليجعلوا منه أساسا للفعل المعرفي و العملي معا. فديكارت لن يحصل على اليقين بالشكل الذي تقتضيه الصرامة الفلسفية والخروج، من ثمّة، من الشكّ الذي هيمن على نشاطه الفكري سوى بعد اكتشافه للحقيقة المرتبطة بوجود "الأنا أفكّر". إنّه اكتشاف جعله يعرف الارتياح و الطمأنينة الأساسيين للاستمرار في التنظير الفلسفي. و سيحدث اليقين الذي تفرضه "الأنا أفكّر" تحوّلا في تاريخ الفلسفة بأسره، و ليس في فكر ديكارت وحده، لتصبح منطلق عهد جديد سيسمّى بالحداثة، إلى درجة أنّه لا يمكن لمؤرّخ الفلسفة أن يبدأ في رصد الأسس الفكرية للحداثة دون التأكيد على هذه الجملة "أنا أفكّر" و جعلها في مقدّمة العناصر التي تُثار بهذا الصدد. و إذا كان ديكارت يلّقب بأبي الحداثة فالفضل الأكبر في ذلك راجع إلى توقّفه عند هذه الجملة ليجعل منها منطلق الفلسفة، أي منطلق البحث في اليقين و البداهة و الضرورة. و بانتقالنا من ديكارت إلى ليبنتز لا تزداد مسألة الذات إلاّ تعمّقا. فالاستقلالية التي تمتاز بها المونادات و القوى التي تتمتّع بها و الفعل الذي يلازمها يجعلون منها كائنا يحلّ محلّ المكانة التي تقتصر على الكائن الإلهي، أي أساس الفعل النظري و العملي معا. ولا يمكننا جهل الأهمّية التي يوليها هيدجر لليبنتز بهذا الصدد بالضبط حيث يرجع تأويله لمبدإ إرادة القوّة عند نيتشه إلى حدود ليبنتز للإشادة بفضله في إبراز أهمّية القوّة عند الإنسان و ربط الإرادة بها (7). أمّا في ما يخصّ كانط فإنّ إعلاءه للكائن الإنسانيّ في مجال فلسفة الفعل شكّل منطقة تفكيره. و لعلّ كتاب أسس ميتافيزيقا الأخلاق (8) كاف هو وحده للبرهنة على هذه الفكرة. يؤكّد كانط منذ بداية الكتاب على ضرورة التفرقة بين المبادئ المتعالية و المبادئ المحدثية في مجال الأخلاق. إنّ مثل هذه التفرقة هي الدافع الأساسي في دعوى كانط إلى الانطلاق من العقل الخالص في مجال الأخلاق كما هو الأمر في مجال المعرفة، كي لا ننساق في تنظيرنا للفعل الخير مع مبدإ ما لا يحتويه العقل المحض، أي خارج عن الإنسان. و ينتهي كانط، كما نعلم، بعد صفحات قليلة من الكتاب، إلى أنّ أساس الذي ينبني عليه الواجد هو الحريّة، أو ما يسمّيه بالأنا الخالصة. هكذا [يعضي] من محدّدات الواجب في آن واحد ما هو متعال كالوجود الإلهي و الخلود مثلا، و ما هو تجريبي كالرغبات و الأهواء و الميول لكونها تخضع أكثر ممّا [تخضع]. إنّ ربط الأساس بالذات، و من ثمّة بالإنسان، عند كانط، مسألة لا تستدعي البرهنة، لأنّ مختلف نصوصه تؤكّد ذلك بشكل واضح. و إذا كان ليبنتز قد عمل على تجذير الديكارتية فيمكننا القول إنّ كانط سار في هذا التجذير بعيدا، و تحمّل تلك المسؤولية بشكل أكبر. لا نريد الخوض هنا في التفاصيل لأنّ الموضوع لا يهمّنا بشكل مباشر، و إنّما نودّ إثارة أهمّ ما يميّز نظريته المعرفية بهذا الصدد من أجل التوضيح فقط. إنّ كانط هو أوّل فيلسوف يقلب معنى مفهوم ترنسندنتال ليربطه بالشروط القبلية لقيام المعرفة أي بالوجود المحايث، أي بالذات، بدل التعامل معه بمعنى التعالي كما كان الأمر من قبل. كما أنّ إعطاء الأهمّية لمفهومي الزمان و المكان و المقولات في عملية المعرفة لإبعاد هذه الأخيرة عن كلّ فطرية، يعبّر عن رغبة الفيلسوف في جعل بداية المعرفة مقرونة بمبادرة إنسانية و كونها لا تنجم إلاّ عن تلك المبادرة، يمكن القول بالتعبير الفينومينولوجي إنّ المعرفة بهذا المعنى تكون فعلا (Acte). ما هو الجديد إذن عند هوسرل فيما يخصّ مسألة الذات و علاقتها بالتأسيس ؟ أو لماذا يعود هوسرل من جديد إلى هذا الإشكال، مادام أنّ كبار الفلاسفة المحدثين تناولوها بإسهاب، و أكّدوا في مجالات متعدّدة كالمعرفة و السياسة و الأخلاق ؟ كانت العودة مقصودة، و كان الهدف منها كما يتبيّن بالدرجة الأولى من خلال تأمّلات ديكارتية هو تعميق الاتّجاه الذي يربط الأساس بالإنسان، بتخليصه من كلّ ما يمكن أن يكون غير إنساني، أو من كلّ ما يمكن أن يبدو أنّه قد يفعل فعل الإنسان، أو بعوض بفعله. صحيح إنّ هيدجر ـ تلميذ هوسرل ـ يحسم في الأمر، و يخلص إلى أنّ ربط الأساس بالذات و بالإنسان موضوع نفذّته الفلسفة الحديثة، و ما العودة إليه إلاّ محاولة لإحياء هذه الأخيرة للاستمرار في التفلسف في إطار الميتافيزيقا، أي الاستمرار في رؤية الموجود و تمثّله بدل الاستماع للوجود. و لقد أثار انتباهنا كون هيدجر لا يشير إلى أستاذه في كتاباته المتعلّقة بموضوع ربط الأساس بالإنسان، رغم أنّ ما يقوله عن ديكارت و ليبنتز و كانط و شلنغ مثلا ينطبق على أستاذه أكثر ممّا ينطبق عليهم. فالتحديد الذي يعطيه هيدجر للوعي لدى المحدثين يناسب النظرة التي تعرّضنا لها أعلاه عند هوسرل أكثر ممّا يناسب أي فيلسوف حديث آخر. لنورد هذا التعريف: "إنّ هذا الأخير (أي الوعي) هو التأسيس التمثيلي الذي يجمع الموضوعي و الإنسان المتمثّل داخل بعد الوجود المتمثّل الذي يحرص عليه الإنسان بذاته. و انطلاقا منه يتلقّى كلّ حاضر معنى و جنس حضوره، أي معنى و جنس الحضور في التمثّل. يحدّد وعي الأنا، من حيث هي ذات الفكر و من حيث هي حقيقة وجود الذات المتميّزة بهذا الشكل، وجود الموجود" (9). و يكمن الجديد عند هوسرل فيما يخصّ مسألة التأسيس انطلاقا من الذات في تطهيره للوعي من كلّ ما هو ليس وعيا إنسانيا، الشيء الذي سيجعل التأسيس لا يخرج بتاتا عن نطاق الإنسان. فالفلاسفة المحدثون الثلاثة الذين أشرنا إليهم أعلاه يظلّون في نظر هوسرل، رغم الخطوات الجبّارة و الهائلة التي قطعوها في تطهير الوعي، بعيدين عن ربط مسألة التأسيس بالأنا الترنسندنتالية وحدها، أي بما هو محايث وحده. و هنا يكمن الاختلاف الواضح بين نظريتي هوسرل وهيدجر إلى الفلسفة الحديثة. لم تكن إشارتنا إلى ديكارت و ليبنتز و كانط عشوائية. فالتأمّلات الديكارتية تنتقد بشكل مباشر موقف ديكارت من مسزلة تطهير الوعي، كما أنّها لم تهمل إثارة كلّ من ليبنتز وكانط حتّى و إن كان كاتبها لا يثير الاسمين. فما هو مضمون هذا النقد ؟ يمكن اعتبار هوسرل في الحقيقة رائد الفكرة التي سادت في النصف الأوّل من القرن العشرين عند مجموعة قليلة من المؤرّخين للفلسفة الحديثة، و عند كثير منهم في النصف الثاني من هذا القرن. تلك الفكرة القائلة بأنّ الفلسفة الحديثة أعطت فعلا دورا إيجابيا كبيرا للعقل، و أعلت بدون أدنى شكّ من قيمة الإنسان، و لكن دون أن تذهب مع ذلك إلى حدود إحلال الإنسان محلّ الكائن الإلهي بشكل نهائي، ولا إلى اعتبار العقل الأساس الأوّل و الأخير في مجالي التنظير والتسيير بالشكل المتداول لدى أغلبية مؤرّخي الفلسفة. صحيح إنّ هوسرل، رائد الفينومينولوجيا، لم ينطلق ضدّ الفلسفة الحديثة فالدافع عنده إلى "الرجوع إلى الأشياء ذاتها" هو محاربة الاتّجاه الذي "منح للوعي واقعية طبيعية" (10)، ربّما يترتّب عن هذه الفكرة أو يمكن أن يترتّب عنها من إضفاء للطابع الموضوعي على النشاط الإنساني و اختزاله في مجموعة من الظواهر تماثل، إن لم نقل توازي، الظواهر الطبيعية الأخرى من حيث نوعية تركيب علاقاتها، و من حيث تحديد تلك العلاقات. غير أنّ التصدّي لهذا الاتّجاه يفرض العودة إلى الوراء لرؤية ما إذا كان تاريخ الفلسفة يمكنه أن يمدّنا بأدوات تساعدنا في تلك العملية. في هذا السياق يأتي تناول هوسرل للفلسفة الحديثة، إذ تمدّه بمجموعة من الأفكار ذات قيمة كبيرة داخل المعركة التي يخوضها. و من الطبيعي أن تخضع هذه الأفكار للفحص و الغربلة. فلو لم يكن يشوبها نقص لما ظهرت العاهة بعد انتشارها. هذا مع العلم أنّها لا تتحمّل مسؤولية مواجهة فكرة الموضوعية السالفة الذكر، لأنّ هذه الأخيرة لم تكن إشكالية عصرها، بالإضافة إلى أنّ واضع نقط انطلاق فكرة ما لا يكون مطالبا بالضرورة بالتنبّؤ بكلّ ما ينبغي أن تواجهه الفكرة. إنّ الليونة التي يتعامل بها هوسرل مع الفلاسفة المحدثين في تقويمه لهم تعبّر في الحقيقة عن تقديره العميق للعامل التاريخي الذي يخضع له الفكر حتّى و إن كان لا يكشف في تحليله و تفكيره عن أي اهتمام به. نقرأ في التأملات الديكارتية ما يلي: "ماذا يمكن أن يقدّمه حصول الوعي الذاتي الترنسندنتالي المرتبط بالفينومينولوجيا عن هذا الموضوع (البداهة و الموضوعية)؟ لا شيء أقلّ من التأكيد على أنّ هذا المشكل عبارة عن معنى معكوس. إنّه معنى معكوس لم يتمكّن ديكارت نفسه من الانفلات منه، لأنّه أخطأ في المعنى الحقيقي لإيبوكيته الترنسندنتالية و الاختزال في الأنا الخالصة، لدى الفكر اللاحق لديكارت هو أكثر فظاعة، و ذلك بالضبط نظرا لجهله الكلّي بالإيبوكي الديكارتية. إنّنا نتساءل: ما هي هذه الأنا التي تملك حقّ طرح مثل هذه الأسئلة الترنسندنتالية ؟ هل يمكن لي القيام بذلك كإنسان طبيعي؟ هل يمكن لي أن أتساءل بجدّية كيف يمكن لي الخروج من جزيرة وعيي، و كيف يمكن لما هو معيش بوعيي، كبداهة، أن يحصل على معنى موضوعي ؟ فبتناول نفسي كأنا طبيعية أكون قد أنجزت عملية إدراك و تأمّل لعالم المكان، و أخذت نفسي كمحتلّ للمكان الذي أملك فيه مسبقا عالما خارجا عنّي. أليست قيمة الإدراك المتأمّل للعالم مفترضة مسبقا في الطرح ذاته للعالم ؟ ألا تدخل في معنى المسألة ذاته ؟ هكذا كان ينبغي أن ينتج تبرير قيمتها الموضوعية من حلّها فقط. إنّه ينبغي القيام عن وعي بالاختزال الفينومينولوجي للوصول إلى الأنا و إلى الوعي اللذين تفترض فيهما إمكانية طرح الأسئلة المتّصلة بإمكانية المعرفة الترنسندنتالية. و لكن إذا تحوّلنا كـ"أنا" خالصة إلى أخذ الوعي بذاتنا بشكل منتظم، و إلى توضيح مجموع حقل وعينا، بدل الاكتفاء بإيبوكي فينومينولوجية سريعة، فإنّنا نعترف أنّ كلّ ما يوجد بالنسبة للوعي يتأسّس بداخله. و نعترف بعد ذلك بأنّ كلّ جنس من الوجود، بما في ذلك الوجود الذي نضفي عليه خاصية التعالي كيفما كان المعنى الذي يؤخذ فيه، يتوفّر على تشكّله الخاص به. فكلّ شكل من التعالي هو عبارة عن معنى يتشكّل داخل الأنا. و كلّ معنى و كلّ وجود يمكن تصوّرهما، سواء سيما بمحايثين أو بمتعاليين، فإنّهما ينتميان إلى مجال الذاتية الترنسندنتالية. و إذا كانت هذه الأخيرة هي فضاء المعنى الممكن، فإنّ الشيء الذي سيؤخذ كخارج عنها سيكون عبارة عن لا معنى. بل إن كان لا معنى. بل كلّ لا معنى ما هو إلاّ نمط من المعنى و يمكن إظهار بداهة عبثيته (11). إنّ ما يأخذه هوسرل على ديكارت، حسب هذا النصّ، هو عدم توقّفه عند حدود اكتشافه الرائع، أي عند يقين وجود أناه الخالصة، و الأخذ بها كأساس لكلّ بداهة. لم يكن هوسرل من القائلين بكون ديكارت يؤسّس اليقين و البداهة على العقل الإنساني وحده. إنّه لا يحكم على مبدع الكوجيتو انطلاقا من الأفكار السائدة و لا انطلاقا من الروح الفكرية المسيطرة ظاهريا عند الفيلسوف. إنّه يعمد إلى تتبّع النصوص في تفاصيلها لينفذ إلى الفكرة في شموليتها و إلى الإحاطة بالإطار الكلّي. صحيح إنّ هوسرل لا يقدّم لنا نصوصا ديكارتية للبرهنة على الفكرة التي يدافع عنها، و لكن الخلاصة التي ينتهي إليها تبيّن لنا مدى تغلغله في جزئيات النصوص الديكارتية للحكم عليها انطلاقا من مضامينها. نحن نعلم أنّ نهاية التأمّل الثاني يبدأ ديكارت في وضع حدود لشكّه حيث يتأكّد من كونه شيئا ما يفكّر و من ثمّة يوجد. و لكن يمرّ مباشرة بعد حصوله على هذا اليقين إلى تخصيص التأمّل الثالث للبرهنة على وجود الإله، أو لفحص فكرة وجود الإله. و الأكثر من ذلك إنّه يصرّح بعدم قدرته على التيّقن من أي شيء (chose) مادام لم يفحص ما إذا كان الإله موجودا، و ما إذا كان من الممكن، في حالة إثبات وجوده، أن يكون ضالاّ (12). صحيح أنّ ديكارت يقرّ، قبل هذا التصريح، بأنّه لا يمكن لأي كان أن يضلّه فيما يخصّ يقين وجوده و فيما يخصّ كون اثنين و ثلاثة مجموعة معا تساويان خمسة، و كذلك فيما يخصّ أشياء من هذا القبيل؛ و لكن السؤال الفلسفي المطروح، و الذي انتبه إليه هوسرل، هو الآتي: لماذا لم يتوقّف ديكارت عند حدود هذا اليقين الأوّل الذي يقرّ به، فلا ينتقل إلى البحث في موضوع آخر يعتبر لا أساسيا في التيّقن من حقيقة الأشياء ؟ الجواب بسيط. إنّ العلاقة بين الأنا و الوجود الخارجي لا تتأسّس على الأنا وحدها. أو إنّ البناء وسط العالم الخارجي لا يمكن أن يقوم على اليقين المرتبط بالأنا وحدها. إنّ ضمان أساس لهذه العلاقة لا يمكن أن يكون سوى كائن آخر أقوى و أكمل من الكائن الإنساني. يبيّن لنا التأمّل الثالث أنّ ديكارت يريد بعد تأكّده من وجوده، فحص ما إذا كانت "الأنا أفكّر" مصدر الأفكار التي تحملها، ثمّ ما إذا كانت تتوفّر على المعايير التي تسمح لها بالإقرار بصحّة أو عدم صحّة تلك الأفكار. بمعنى آخر إنّه يتساءل عمّا إذا كانت "الأنا أفكّر" أساس أفكارها و أساس حقيقة الأحكام التي تصدرها. إنّ ما هو متأّكد منه بعد اكتشاف الكوجيتو هو "أن مشاعره و تخيّلاته، من حيث هي طرق في التفكير تقطن و تلتقي بكلّ تأكيد بداخله" و أنّه لا يعرف ما هو مطلوب للتأكد من شيء ما معنى هذا أنّ "الاختزال الفينومينولوجي" الذي يقوم به ديكارت لا ينتهي به ديكارت إلى جعل الوعي آخر ما تنتهي إليه عملية التطهير. فهو يجد نفسه مضطرا للاستمرار في الصعود نحو حقل نهائي آخر، بدل التوقّف عند حدود حقل الخالص، و الرجوع من جديد نحو الأشياء الخارجية أو نحو ما هو غير محايث، كما هو الأمر بالنسبة للفينومينولوجيا الترنسندنتالية التي تستحقّ فعلا بهذا الشرط أن تكون فلسفة الذاتية. إنّ التأكيد على كون طرق التفكير والأفكار نفسها تلتقي داخل الأنا و تقطنها معناه أنّ هذه الأخيرة ليست بالضرورة مصدرها، و من ثمّة ينبغي الصعود إلى ما بعد الأنا أو الأنا أو ما وراء الأنا. و هذا ما يثيره ديكارت مباشرة بعد انتهائه من تدقيق الفكرة السالفة الذكر. يبيّن النصّ الآتي ذلك بشكل واضح جدّا: "و لكن حينما كنت أهتمّ بشيء ما في منتهى البساطة و منتهى السهولة يمسّ علم الحساب و الهندسة كإضافة اثنين إلى ثلاثة مثلا تعطي عدد خمسة و أشياء أخرى مشابهة، ألم أكن أتصوّرهما على الأقلّ بما فيه الكفاية من الوضوح لإثبات كونها حقيقة ؟ بالتأكيد، إذا حكمت منذ الحين بإمكانية شكّنا في هذه الأشياء، فلم يكن الأكثر راجعا بتاتا إلى سبب آخر غير حضور فكرة إلى ذهني مفادها أنّ هناك ربّما إلها ما تمكّن من منحي طبيعة من هذا النوع، تجعلني أخطئ حتّى فيما يمسّ الأشياء التي تبدو لي أكثر وضوحا. و لكن كلّما خطرت أمام ذهني هذه الفكرة الرائجة التي تصوّرتها أعلاه كقوّة مطلقة للإله، فإنّني أضطرّ إلى الاعتراف بمدى سهولة التصرّف عنده، إن أراد ذلك، بشكل يجعلني أنخدع حتّى في الأشياء التي أعتقد معرفتها ببداهة كبيرة جدّا. و كلّما أدرت وجهي، على العكس من ذلك، نحو الأشياء التي أعتقد تصوّرها بوضوح كبير، فإنّني أكون مقتنعا جدّا بحيث أنساق من تلقاء نفسي نحو قول هذه الكلمات: ليخدعني من كان في استطاعته ذلك، غير أنّ ما لا يمكن فعله هو أن أكون لا شيئا في الوقت الذي أفكّر فيه بأنّني عبارة عن شيء ما، أو أن يكون صحيحا ذات يوم أنّني لم أوجد أبدا، مادام أنّه حقيقة كوني أوجد الآن (...) أكيد ما دمت لا أتوفّر على أي حجّة لأعتقد في وجود إله ما يمكنه خداعي، بل و أنّني ما زلت لم أعاين بعد الحجج التي تبرهن على وجود إله، فإنّ سبب الشكّ المرتبط بهذا الرأي يظلّ طفيفا، و بتعبير أصحّ ميتافيزيقا. و لكي أتمكّن من إسقاطه كلّيا على أن أفحص إن كان هناك إله بمجرّد ما تمنح لي هذه الفرصة. و إذا تبيّن لي وجوده فإنّه سيكون عليّ أن أفحص أيضا إن كان في استطاعته الخداع، ذلك لأنّني لا أرى، بدون معرفة هاتين الحقيقتين، أنّه سيكون في استطاعتي أبدا التيّقن من أي شيء"(13)هناك في التأمّل الثالث عنصر آخر يستدعي الإثارة، وهو توفّر الفيلسوف على فكرة لا يمكن إرجاعها إلى نفسه كما هو حال مجموعة من الأفكار الأخرى التي امتحنها و يتعلّق الأمر بفكرة الإله. و ينتهي به البحث في أصلها إلى الاقتناع بعدم إرجاعه إلى ذاته وحدها، هذا بالإضافة إلى تأكّده من كون غيابها يجعله لا يتوفّر على أي حجّة تقنعه بوجود شيء آخر غيره، لأنّه بحث عن كلّ الحجج بإمكان كبير و لم يجد أي حجّة أخرى غير هذه (14) لن تمرّ هنا إلى التأمّل الرابع للاستمرار في البرهنة على الأهمّية التي يوليها ديكارت للكائن الإلهي كآخر أساس ستنتهي إليه الاختزال الفينومينولوجي. صحيح إنّ ما يقدّمه الفيلسوف بصدد تمييز الإنسان بين الخطإ و الصواب له مكانته فيما نحن بصدد تطويره، لكن ما أثرناه هنا كان لتوضيح نظرة هوسرل إلى الشكّ الديكارتي و النقص الذي منعه في نظره من جعل الأنا منبع المعنى و التقويم، أي جعل الذات أساس البناء.
الهوامش:
1. لقد أخذ هوسرل هذه الجملة عن برينتانو.
2 ـ تكون "الأنا المحدّدة" في حالة إنجازي للاختزال الفينومينولوجي متعلّقة، كما هو الشأن بالنسبة لمجموع العالم الموقف الطبيعي، بالوضع خارج الدائرة، ولا يصعد إلى المعيش من حيث هو فعل بفضل ماهيته الخاصة".
Husserl, Id?s directrices pour une ph?om?ologie ; trad P.ricoeur, ?. Gallimard 1955, p:270.
3 ـ يدخل هذا "المطلق" و هذا "المتعالي" [الكائن الإلهي] في إطار الاختزال الفينومينولوجي، ينبغي أن يظلّ مقصيا من الحقل الدراسي الجديد الذي يجب علينا تأسيسه، و ذلك نظرا لكونه ينبغي أن يكون "حقل الوقعي المحض " Ibid, p:192  .
4 - Ibid, p:242.
5 - Id?s directrices, p:270-271.
6 - Ibid, p:295.
7 ـ خاصّة التأمّل الثالث، و هناك بطبيعة الحال كتابات أخرى لا بدّ من اللجوء إليها لدعم الفكرة كالمقال في المنهج و البحث عن الحقيقة عبر أنور الطبيعي مثلا.
8 – Cf Heidegger, Nietzsche T2 trad Pierre Klossowski, ? Gallimard 1980 Chapitre VIII.
- Kant : fondements de la m?aphysique des mrs, trad VictorDelbos, ed Delagrave, 1974.
- Cf aussi Critique de la raison pratique, trad Fran?is Picavet, ed P.U.F. 1976, de P1 P31.
9 – Heidegger, Chemins qui ne m?ent nulle part. Trad. Wolfgang Brokmeir, ed Gallimard (Col.Id?s) 1980, p:143-144.
11 - Husserl, Id?s directrices, ed. Gallimard, p:186.
12 ـ التشديد من عند الكاتب.
13 – Cf Descartes, M?itation m?aphysiques, ed Vrin 1978, p :38.
14 – Ibid p :36.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق