إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

السبت، 15 مارس، 2014

الدولة: السّيادة والمواطنة

الأستاذ: الفيتوري الرابطي
مدخل إشكالي: يقول أرسطو "الإنسان حيوان سياسي" بمعنى أنّه لا يقدر على العيش في العزلة ولا يستقيم له وجود خارج المدينة / المجتمع،  إلى حدّ اعتبار من يفضّل العزلة، بالطبع، ولا يشعر بالحاجة إلى "العيش المشترك" كائنا من طينة أسمى أو أدنى من 
طينة البشر فهو إمّا إلاه أو وحش. غير أنّ الإنسان أيضا هو كائن أناني وعدواني بطبعه تحرّكه انفعالات المنافسة والحذر والعُجْب ما يجعل منه ذئبا لغيره من الناس وما يحوّل اجتماعه بهم إلى حالة حرب هي حرب كلّ فرد ضدّ كلّ فرد.  هذا التناقض البنيوي في الطبيعة البشرية بين الاجتماعية واللااجتماعية (العدوانية) بين التصرّف بمقتضى انفعالات العدوان والخوف والغضب التي تجعل من الإنسان "ذئبا للإنسان" وبين الإصغاء إلى صوت العقل الداعي إلى التعاون والتعايش مع الآخرين من أجل توفير العيش الرضيّ وحماية النوع من الانقراض، والذي يجعل من الإنسان "إلها للإنسان"، هو ما يصنع المسألة السياسية وما يبرّر البحث في كيفية التوفيق بين الحاجة إلى النظام والقوانين والسلطة العمومية والعدالة لضمان شروط البقاء والأمن ورغد العيش للجميع ولحماية الحياة الجماعية من مخاطر الفوضى التي يسبّبها عنف الأفراد تجاه بعضهم وبين الحاجة إلى احترام حرّية وكرامة وحقوق الأفراد وتحصينها من الاستبداد الذي لا يعدو أن يكون عنف الحكّام على الأفراد. وليس التوتّر بين السّيادة والمواطنة داخل الدولة سوى تعبير عن هذه المطالب المتناقضة التي تقيم في عمق الوجود السياسي للإنسان. فما المقصود بالسّيادة؟ وما هي مظاهرها؟ وعلام تتأسّس سيادة الدولة؟ إذا اعتبرنا السّيادة هي احتكار الحقّ في السلطة وممارستها بوسائل الإقناع ووسائل الإكراه ألا تكون القوّة المادية هي المصدر الفعلي للسّيادة مهما زعمت هذه الأخيرة لنفسها من مبرّرات حقوقية وأخلاقية؟ 
نصّ: العصبية والملك ـ ابن خلدون
لكن إلى أي حدّ تصلح القوّة مبرّرا شرعيا للسّيادة؟ هل الخضوع لسيادة القوّة فعل يمليه العقل والضمير ويحترم على أنّه واجب أم هو فعل يمليه الخوف والحذر ويحترم على أنّه أمر واقع؟ ألا تشرّع سيادة القوّة الحقّ في المقاومة والعصيان؟
 نصّ: في حقّ الأقوى ـ روسو
وإذا كانت القوّة المادية غير جديرة سياسيا وأخلاقيا بتبرير السّيادة بما هي الحقّ في السلطة والاستئثار بالعنف لفرض الطاعة ألا يجب أن تبنى السّيادة على اتّفاق الأفراد وتعاقدهم؟. وهل بإمكان السّيادة التعاقدية فرض هيبتها بدون قوّة؟
 نصّ: الدولة ضمان السلام ـ هوبس.
وإذا سلّمنا بأنّ الدولة كيان سياسي وقانوني ذو سيادة لها الحقّ المطلق في فرض الطاعة على الأفراد بوسائل الإقناع ووسائل الإكراه، من أجل ضمان الأمن والسلام والخير المشترك فما هي الضمانات التي تحول دون إمكان انزلاق السّيادة في الاستبداد وتحوّل الأفراد إلى مجرّد رعايا أو عبيد؟ ما هي شروط تحقيق المواطنة؟ كيف يمكن تنظيم الدولة على نحو يجعل غاية السّيادة حماية المواطنة؟
نصّ: في الديمقراطية ـ سبينوزا
أليس من الممكن اليوم في ظلّ كونية حقوق الإنسان وفي ظلّ المستجدّات التي فرضتها العولمة والثورة الاتّصالية (التداخل الاقتصادي والثقافي والإعلامي بين شعوب العالم ودوله) التطلّع إلى تحوّل الفرد من مواطن محلّي في دولة إلى مواطن عالمي؟
السند: وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
۞۞۞۞
التخطيـــــط
1  ـ  في دلالة السّيادة
2  ـ  أسس سيادة الدولة  
أ ـ القوّة أساس السّيادة ـ نصّ: العصبيّة والملك ـ ابن خلدون
ب ـ في أنّ القوّة ليست أساسا لشرعية السّيادة ـ نصّ: في حقّ الأقوى ـ روسو
ج ـ التعاقد والاتّفاق أساس السّيادة ـ نصّ: الدولة ضمان السلام ـ هوبس
3  ـ المواطنة  
أ ـ مفهوم المواطن ـ  نصّ: في الديمقراطية ـ  سبينوزا
ب ـ حقوق الإنسان والمواطن العالمي ـ وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
۞۞۞۞
1  ـ  تعريف السّيادة:
لغة: السّيادة هي صفة المُقدّم على غيره جاهاً أو مكانة أو منزلة أو غلبة وقوّة ورأياً وأمراً
اصطلاحا: يستخدم مصطلح السّيادة كصفة للدولة التي تملك سلطة عليا وأصلية أي تملك الحقّ المطلق في ممارسة صلاحياتها التنفيذية والتشريعية والقضائية على ترابها وشعبها ولها مظهران :
مظهر خارجي: الاستقلال التامّ عن التدّخل الأجنبي (السّيادة الوطنية) والاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي ككيان ذي شخصية اعتبارية مساوية لكلّ الدول الأخرى وجديرة بالنهوض بكافّة الالتزامات التي تفرضها علاقاتها بالدول الأخرى (مثل العلاقات الدبلوماسية وإبرام الاتّفاقيات المثول أمام المحاكم الدولية، التمثيل في منظّمة الأمم المتّحدة الدّفاع عن المصالح الاقتصادية والثقافية لشعبها أو لمواطنيها..)
مظهر داخلي: هو احتكار الدولة للسلطة والنفوذ وقيامها بكلّ صلاحيتها دون عرقلة أو منافسة أو منازعة من أيّ قوّة اجتماعية  أو سياسية أخرى
بناء على ذلك تتجلّى سيادة الدولة في ما يلي :
علوية سلطتها وهيبتها: أي أنّ الدولة هي صاحبة السلطة العليا التي لا تعلو عليها سلطة أخرى
* استقلال وتمام سلطتها: أي أنّ للدولة حرّية اتّخاذ القرار وتنفيذه حسبما تراه ملائما ودون الخضوع الى تدخّل خارجي أو عرقلة داخلية
* شمولية سلطتها: السّيادة تمنح الدولة حقّا في الاهتمام بكلّ مجالات الحياة العامة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... وعلى امتداد حدودها الترابية دون اعتراض من أي جهة أخرى بعكس الهيئات السياسية الأخرى (البلدية، الولاية) المقيّدة بأهداف وموضوعات محدّدة. فعلام تتأسّس سيادة الدولة ؟ من أين تستمدّ الدولة شرعية احتكار النفوذ والسلطة في إدارة الشأن العام؟
۞۞۞۞
2  ـ أسس سيادة الدّولة :
أ ـ القوّة أساس السّيادة: نصّ: العصبية والملك ـ ابن خلدون
العصبيّة والملك
إنّ العصبيّة بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكلّ أمر يجتمع عليه. وقدّمنا أنّ الآدميين بالطّبيعة الإنسانية يحتاجون في كلّ اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض فلا بدّ أن يكون متغلّبا بتلك العصبيّة، وإلاّ لم تتمّ قدرته على ذلك. وهذا التغلّب هو الملك وهو أمر زائد على الرياسة لأنّ الرياسة إنّما هي سؤدد وصاحبها متبوع وليس له عليهم قهر في أحكامه. وأمّا الملك فهو التغلّب والحكم بالقهر وصاحب العصبيّة إذا بلغ إلى رتبة طلب ما فوقها فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتّباع ووجد السبيل إلى التغلّب والقهر لا يتركه لأنّه مطلوب النفس ولا يتمّ اقتدارها عليه إلاّ بالعصبيّة التي يكون بها متبوعا. فالتغلّب الملكي غاية للعصبيّة كما رأيت. ثمّ إنّ القبيل الواحد وإن كانت فيه بيوتات متفرّقة وعصبيات متعدّدة فلا بدّ من عصبيّة تكون أقوى من جميعها تغلبها وتتبعها وتقتحم جميع العصبيات فيها وتصير كأنّها عصبيّة واحدة كبرى. وإلاّ وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتنازع "ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" البقرة الآية 251 . ثمّ إذا حصل التغلّب بتلك العصبيّة على قومها طلبت بطبعها التغلّب على أهل عصبيّة أخرى بعيدة عنها، فإن كافأتها أو مانعتها كانوا أقتالا وأنظارا ولكلّ واحد منها التغلّب على حوزتها وقومها، شأن القبائل والأمم المتفرّقة في العالم وإن غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا وزادت قوّة في التغلّب إلى قوّتها، وطلبت غاية في التغلّب والتحكّم أعلى من الغاية الأولى وأبعد، وهكذا دائما حتّى تكافئ بقوّتها قوّة الدولة فإن أدركت الدولة في هرمها ولم يكن لها ممانع من أولياء الدّولة استولت عليها وانتزعت الأمر من يدها وصار الملك أجمع لها.
 ابن خلدون ـ المقدّمة ـ دار العودة بيروت. ص: 110
المشكل: هل تتأسّس السّيادة السياسية على الاتّفاق والتراضي أم على القوّة والغلبة؟
تفريع المشكل: ما المقصود بالعصبية؟ وما هي غاية العصبية؟ كيف يتحقّق الملك؟
التحليل :
1  ـ تعريف العصبية
العصبية هي رابطة النعرة والمناصرة والذود عن القريب التي تقوم بين ذوي القربى وأهل النسب والأرحام. هي علاقات الالتحام والموالاة القائمة بين أفراد القبيلة الواحدة.
ü    وظيفتها: تستخدم القبيلة / الجماعة العصبية كقوّة جماعية مادية ومعنوية لتحقيق :
·    الممانعة وصدّ هجمات الغرباء
·    المغالبة للقتال والغزو
·     توفير كلّ المآرب المعاشية لأهلها وتنفيذ كلّ ما يجتمع عليه أهل القبيلة
ü    بنيتها: تتكوّن عصبية كلّ قبيلة من :
·  رئيس يكون عادة من أشرف الأنساب وأقواها وهو متبوع على وجه السؤدد أي الرضى والطاعة الطوعية
·   أتباع هم كلّ أفراد القبيلة وعائلاتها
فما هي الغاية التي تطلبها العصبية؟
2 ـ في أنّ الملك هو غاية العصبيّة
الملك يعني الحكم والسّيادة القائمة على الغلبة والقهر. هو السلطان القاهر الملك غاية العصبية بمعنى أنّ كلّ عصبية تتّجه بما أوتيت من أسباب القوّة العدد والعتاد والبأس إلى فرض سلطانها / سيادتها على العصبيات الأخرى بغرض إخضاعها وغلبتها .
فما الذي يجعل الملك غاية طبيعية للعصبية؟
الملك والتغلّب السياسي على الغير هو غاية طبيعية للعصبية لسببين :
·  ازدواجية الطبيعة البشرية: فالإنسان طبيعيا هو كائن مدني بطبعه لا يقدر على حياة العزلة وهو أيضا كائن عدواني بطبعه  يميل إلى الاعتداء على غيره والتغلّب والقهر وكلّما نال رتبة من ذلك تطلّع إلى رتبة أعلى
·  أفراد العصبيّة الواحدة تقوم بينهم علاقات تناصر وتضامن والتحام ما يدفعهم إلى توجيه عدوانيتهم إلى الخارج إلى باقي العصبيات وما يجعل من صراع العصبيات أمرا طبيعيا .
إذا كان الملك / السّيادة القاهرة غاية العصبية فكيف يتحقّق الملك؟
3 ـ في آلية تحقّق الملك
صراع العصبيات لا بدّ أن يفرز تغلّب العصبيّة الأقوى (الأكثر عددا وعدّة وشوكة وبأس) على العصبية الأضعف فتضمّها على وجه القهر وتزداد بها قوّة لتدخل في مرتبة أخرى من التغلّب حتّى يصبح للعصبية المنتصرة من القوّة عبر ضمّها للعصبيات المهزومة ما يضاهي قوّة الدولة. فإن أدركت الدولة في هرم (أي أنّ الملك القائم ضعيف وغير قادر على النزاع) استولت على الدولة وأقامت ملكها على أنقاض سابقها .
إذن: قوّة العصبية هي أساس الملك / السّيادة السياسية
صراع العصبيات وما يقتضيه شوكة ونعرة وتوحّشا وما يفترض من غالب ومغلوب هو الآلية التاريخية لتكوّن الدول وتفكّكها وضمان سيادتها أو فقدانها .
فهل تصلح القوّة أساسا شرعيا للسّيادة؟ هل تعطي القوّة الحقّ في السلطة والنفوذ؟
۞۞۞۞
ب ـ  في أنّ القوّة لا تصلح أساسا شرعيا للسّيادة ـ  نصّ: الحقّ والقوّة ـ روسو
الحقّ والقوّة
ليس الأقوى بقويّ دائما قوّة تجعله يسود أبدا إذا لم يحوّل قوّته حقاّ والطاعة واجبا. ومن ها هنا كان حقّ الأقوى وهو حقّ ينظر إليه ظاهريّا بضرب من السخريّة وإن كان في الواقع قد غدا مبدأ: ولكن لم لا تشرح لنا دائما هذه الكلمة؟ إنّ القوّة لهي قدرة مادية. فلست أرى أيّ أخلاقيّة قد تنتج عن نتائجها. فالخضوع للقوّة هو فعل من أفعال الضرورة لا الإرادة أو هو في الأكثر فعل من أفعال الحصافة. فبأي معنى يكون واجبا؟ لنسلّم لحظة بهذا الحقّ المزعوم. فأقول إنّه لا ينتج عنه إلاّ هراء لا تفسير له. فما أن تغدو القوّة هي التي توجد الحقّ وتتغيّر النتيجة بتغيّر السبب، حتّى ترث كلّ قوّة تتغلّب على الأولى حقّها. وما إن يقدر المرء أن يعصي دون عقاب حتّى يقدر على ذلك بصورة شرعية، وما دام الأقوى على صواب دائما فليس للمرء إلاّ أن يسعى ليكون الأقوى. أمّا والحالة هذه فما الحقّ الذي يذوي حين تبطل القوّة ؟ فإذا كان لنا أن نطيع بدافع القوّة فلسنا نحتاج إلى أن نطيع بدافع الواجب، وإذا لم نحمل بالقوّة على الطاعة فليس لنا إليها من تكليف. هكذا إذن نرى أنّ كلمة الحقّ هذه لا تضيف إلى القوّة شيئا إنّها لا تعني ها هنا شيئا. أطيعوا ذوي السلطان. فإن يعن هذا: اخضعوا للقوّة ـ  وهذا الأمر حسن ولكنّه غير مجد ـ فإنّي أجيب قائلا إنّه لن ينتهك أبدا. فكلّ قدرة إنّما هي من الله و أنا أسلّم بذلك ولكن كلّ داء فمنه أيضا. أفيعني ذلك أنّه يحرّم دعوة الطبيب؟ وإن طلع علي بعض الصعاليك في غابة فإنّه لا ينبغي لي أن أعطيه كيس نقودي فقط، ولكن حين أقدر على إخفاء الكيس أأكون بصراحة مجبرا على إعطائه إيّاه؟ إذ ـ في الأخير ـ أنّ المسدّس الذي يشهره هو كذلك قدرة. لنتّفق إذن على أنّ القوّة لا توجد الحقّ وعلى أن ليس للمرء إلاّ أن يطيع ذوي السلطان الشرعي.
 ج ـ  ج ـ روسو ـ "في العقد الاجتماعي"
موضوع النصّ: أساس السلطة
المشكل: هل تصلح القوّة أساسا لشرعية السلطة والحقّ أم أنّ حقّ الأقوى هو مبدأ متناقض أخلاقيّا ومدنيا؟
تفريع المشكل: أي تعريف للقوّة والحقّ؟
بأي معنى لا تصلح القوّة أساسا لشرعية الحقّ والسلطة؟ وما الذي يجعل المقاومة حقّا مشروعا؟
التحليل:  
1 ـ تعريف " القوّة" و "الحقّ"
أ ـ مفهوم الحقّ: le droit الحقّ هو الفعل المعترف به، كلّ ما يمارسه الإنسان بصفة شرعية (بشكل متوافق مع قاعدة) ما يجب أن يتمتّع به طرف في ظلّ القواعد الناظمة للحياة أكانت العادات أو الأخلاق أو القوانين الوضعية. كلّ فعل تشرّعه وتبرّره قاعدة ما و تلزم الغير بالاعتراف به.
ü    الحقّ يتعارض مع " الأمر الواقع " le fait لأنّ الواقع هو الفعل عن غير وجه حقّ أي دون مبرّر شرعي معترف به مثلا:
حيازة ساعة على وجه السرقة أمر واقع لا يعطي اللصّ الحقّ في ملكيتها ولا يعفي مالكها الحقيقي من حقّ المطالبة باستردادها.
ü    الحقّ والواجب إضافيان:  
فما يكون حقّا لطرف يكون واجبا على طرف آخر يمكن التمييز بين الحقوق وفق معايير عديدة منها مصدر تشريعها:
§       الحقّ الأخلاقي: وهو الفعل الذي يبرّره الضمير الخلقي
·       الحقّ المدني: الفعل الذي تبرّره القوانين المدنية الوضعية
·       الحقّ الطبيعي: هو مجموع الأفعال المبرّرة من طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان
·       الحقّ الإلهي: الفعل الذي تبرّره الشريعة الإلهية والنصوص الدينية
ب ـ  مفهوم " القوّة": هي القدرة المادية، الوسائل والإمكانيات المادية التي تكون بحوزة طرف لفرض سلطته على الأطراف الأخرى. "القوّة" يعرّفها أرسطو مقارنة ب "الضعف" و"العنف": الضعف هو نقصان القوّة المادية والعنف إسراف في القوّة المادية (العنف فساد استخدام القوّة) بينما القوّة هي المعادل الذي يتوّسط الإفراط (العنف) والتفريط (الضعف)وبصورة عامة على الرغم من التداخل بين القوّة والعنف فهما متباينان: القوّة هي القدرة المادية أو المعنوية ووسائل تحقّقها وهي شيء مطلوب ومحمود فلا أحد يطلب الضعف. أمّا العنف فهو فساد القوّة أو السلوك العدواني الذي يهدف إلى إلحاق الضرر بطرف ما.
العنف أصناف:
·       عنف مادي: إلحاق الضرر بجسد أو مصالح شخص ما.  
§       عنف معنوي: إلحاق الضرر بكرامة أو حرّية شخص ما
·       عنف شرعي: هو العنف المبرّر مثل عنف الدولة
·       عنف ثوري: العنف المضادّ للعنف قصد استرداد الحقوق.  
هل من المشروع أخلاقيا ومدنيا أن تنتظم الحقوق على القوّة؟ هل من المشروع أن تتأسّس القواعد الناظمة للعيش المشترك على القوّة والعنف؟ ما الذي يجعل من حقّ الأقوى مبدأ متناقضا؟
2  ـ في أنّ القوّة لا تصلح أساسا لشرعية السلطة والحقّ:
أ ـ في دلالة حقّ الأقوى: Droit du plus fort  هو القول بأنّ القوّة هي الفيصل بين الحقّ والواجب  فمن يملك القوّة يكون له حقّ الأمر والقيادة ومن لا يملكها يكون عليه واجب الطاعة والخضوع. فالقوّة المادية هي الأساس الذي توزّع في ضوئه الامتيازات والالتزامات بين الأطراف.
كليكلاس: (وهو سفسطائي عرض أفلاطون نظريته في محاورة باسمه) هو من الأوائل الذين دافعوا عن حقّ الأقوى إذ يعتبره تجسيما للحقّ الطبيعي فالطبيعة تقضي بأن يسود القوي الضعيف. والعدل هو خضوع الضعيف للقوي.
أمّا في العصر الحديث يعتبر ماكيافلي أحد أبرز المنظّرين للقوّة في الحقل السياسي. فالأمير ينبغي أن يؤسّس سيادته على القوّة وأن يكون "ثعلبا وأسدا" لأنّ "الغاية تبرّر الوسيلة" وأنجع الوسائل للفوز بالسّيادة والحفاظ عليها هي القوّة. بينما يؤكّد نيتشه على ضرورة "حماية الأقوياء من الضعفاء" فإرادة القوّة هي المبدأ الناظم لكلّ مظاهر الحياة.
فما هي اعتراضات روسو على حقّ الأقوى؟
ب  ـ  تناقضات حقّ الأقوى
يؤكّد روسو " أنّ القوّة لا توجد الحقّ" بمعنى أنّ القوّة لا تصلح أن تكون مبرّرا للسلطة والحقّ. ولا أن تكون قاعدة لإدارة العيش المشترك بصورة شرعية. فتأسيس سلطة طرف ما تجاه الآخرين على ما يملك من قدرة مادية (قوّة) لا يكسب هذه السلطة طابعا شرعيا، لا يجعلها حقّا (فعلا مبرّرا ومعترفا به) بسبب التناقضات التي تشقّ مبدأ حقّ الأقوى وهي :
·       تناقضات أخلاقية: فإذا أراد القويّ حفظ سلطته على الضعيف بصورة دائمة يضطرّ إلى جعل قوّته
حقّا أي يحوّلها إلى قانون (قاعدة عامة وملزمة) وإلى جعل طاعة الضعيف له واجبا أي فعلا قائما على احترام القانون غير أنّ هذا الإجراء متناقض أخلاقيا  :
أوّلا: من زاوية القويّ: فما يحصل عليه القويّ من امتيازات السلطة والنفوذ مصدره القوّة التي يملكها وليس القوانين التي سنّها فما يسنّه من قوانين لا يضيف شيئا لهذه الامتيازات التي يتمتّع بها كأمر واقع. وإن طالب بحقّ الأقوى أي باعتراف الآخرين بامتيازاته حفظا لسلطته فذاك دليل على أنّه لم يعد الأقوى وفي هذه الحالة لن يطيعه أحد إذ "لا أحد يهب نفسه مجانا". لذا فإنّ حقّ الأقوى هو حقّ غير مجد لمن يملكه وممتنع عمّن يطلبه  .
ثانيا: من زاوية الضعيف: الضعيف ملزم بالطاعة على وجه الواجب. غير أنّ فكرة الواجب تتضمّن تحليليا حرّية الإرادة. فالفعل بمقتضى الواجب يفترض في أساسه حرية الاختيار بين الطاعة والعصيان وينتج طاعة طوعية صادرة عن اقتناع، يمليها الضمير. بينما طاعة الضعيف للقويّ هي طاعة قهرية تمليها الضرورة والخوف والحذر وهي دوافع غير "أخلاقية".
ثالثا: إذا كان القويّ يفرض سلطته بحدّ السيف فمن غير المعقول أن يطيعه من كان يملك القدرة على عصيانه فهل من المعقول، مثلا ، وقد سلّمنا بأنّ الله هو الأقوى وهو سبب الأمراض التي تصيبنا أن لا نعرض أنفسنا على الطبيب لمعالجة المرض؟ إنّ الامتناع عن دعوة الطبيب بدعوى طاعة القضاء الإلهي هو أمر مجانب للصّواب و"المعقولية" وهل من المعقول أن يسلّم المرء كيس نقوده للصّ يشهر في وجهه مسدّسا متى كان قادرا على إخفاء كيس نقوده والدّفاع عن نفسه؟ يقول روسو: "إنّ الزعم الذي يفترض بأنّ إنسانا ما يهب نفسه مجانا هو ضرب من اللاّمعقول. فمثل هذا الفعل لا شرعي ولاغ لمجرّد أنّ الذي يقوم به يفتقد الحسّ السليم وما كان الجنون يوما أساسا للحقّ".
سياسيا :
السلطة مبدئيا تسعى إلى الاستقرار فهي بنيويا معنيّة بدوامها وحفظ بقائها أمّا السلطة القائمة على القوّة سلطة الأقوى فهي:
§       تبرّر العصيان والمقاومة فمادام بالإمكان عصيان القويّ فلا شيء يجبر على طاعته وهذا أمر
متعارض مع منطق السلطة
§       تفسد الوجود السياسي إذ تفضي إلى جعل "طلب القوّة" الغاية التي ينشدها كلّ الأطراف "ما دام الأقوى على صواب دائما فليس
 للمرء إلاّ أن يسعى ليكون الأقوى". فتأسيس السلطة / السّيادة على القوّة وحدها يجعل القويّ مشغولا دائما بحفظ قوّته تحسّبا من
 حيلة الضعيف ويجعل الضعيف متربّصا على الدوام بغفلة القويّ للانقضاض عليه. وهذا ما يجعل من المجتمع أو الدولة التي
 يحكمها "حقّ الأقوى" ويتسابق أفرادها على حيازة القوّة دولة الرّعب والعنف والاستبداد وليست دولة الحقوق والحرّيات.
استخلاص: إنّ القوّة لا تصنع الحقّ ولا تبرّر السلطة والسّيادة. فحقّ الأقوى هو مبدأ متناقض أخلاقيا وسياسيا. فما الذي يجعل من السلطة / السّيادة مبرّرة وشرعية ؟
المناقشة :
تكمن مزايا الطرح الروسوي الرافض لتأسيس شرعية السّيادة على القوّة والعنف :
·       في نقض الآراء المبرّرة للسلطة المطلقة للحكّام واستبدادهم
·       في التأكيد على أنّ تأسيس السلطة / السّيادة على القوّة يشرّع الحقّ في العصيان بل يجعل من
المقاومة حقّا وواجبا أخلاقيا وسياسيا من أجل استعادة الحرّية لأنّ من يتنازل عن حرّيته إنّما يتنازل عن إنسانيته
الحدود: إذا كانت القوّة ليست أساسا لشرعية السّيادة أليست وسيلة ضرورية لحماية الحقوق وفرض احترام القوانين؟
إذا كانت القوّة بما هي القدرة المادية لا تصلح، فعلا، أساسا لشرعية السّيادة، فإنّ السّيادة أيّا كان مصدرها لا يمكنها الاستغناء عن القوّة لفرض احترامها وهيبتها إذ لا يوجد مجتمع تحترم فيه الحقوق والقوانين بصفة تلقائية. فإن كانت القوّة لا تمنح الشرعية للسّيادة فإنّ السّيادة الشرعية لا يمكنها التحقّق بدون القوّة التي تسمح لها بممارسة الإكراه والردع. فلا شرعية لقوّة متسلّطة ولا سلطة لسيادة ضعيفةثمّ إلي أيّ حدّ يمكن الفصل بين الحقّ والقوّة؟ يؤكّد فرويد الذي يفترض طبيعة بشرية عدوانية (الإنسان ذئب للإنسان)، أنّ العنف هو المبدأ العام لتسوية صراع المصالح بين الناس. وتبعا لذلك القوّة والحقّ وجهان لشيء واحد هو العنف: القوّة هي عنف الفرد تجاه الآخرين يمارسه بما لديه من قدرات مادية أو عقلية. أمّا الحقّ فهو عنف الجماعة تجاه الفرد تمارسه بالقانون تارة وبالقوّة تارة أخرى. إنّ التداخل بين الحقّ والقوّة والعنف جعل ماكس فيبار يعرّف الدولة على أنّها "الاستئثار بالعنف الشرعي" أي الطرف الذي يملك الحقّ في العنف .
۞۞۞۞
ج ـ الاتّفاق والتعاقد هو أساس السّيادة ـ نصّ: الدولة ضمان السلام ـ هوبس
الدولة ضمان السلام
إنّ البشر وهم ذوو ولع طبيعي بالحرّية وبممارسة الهيمنة على الغير قد أوجبوا أنفسهم حدودا يعيشون في كنفها داخل الجمهوريات التي أسّسوها. وإذ سنّوا هذه الحدود جعلوا منتهى طموحهم وغاية سعيهم وهدف وجودهم أن يضمنوا بقاءهم الذاتي وأن يحيوا حياة أوفر سعادة بواسطة هذه الطريقة، فغايتهم بعبارة أخرى أن يتملّصوا من حالة الحرب المزرية وهي كما بيّنا نتيجة ضرورية للأهواء الطبيعية عندما لا توجد سلطة منظورة تخضعهم وتربط بينهم خشية العقوبات سواء من أجل العمل بالمواثيق التي أبرموها أو لاحترام قوانين الطبيعة. والسبيل الوحيد لإقامة هذا النوع من السلطة المشتركة الكفيلة بصيانة الناس من هجمات الغرباء ووقايتهم من الأضرار التي قد يتسبّبها بعضهم لبعض والقادرة على حمايتهم بحيث تمكّنهم مهارتهم ومنتوج أرضهم من أن يقتاتوا ويحيوا حياة رضيّة هو أن يعهدوا بكلّ ما لهم من سلطة وقوّة إلى رجل واحد أو إلى مجلس واحد حتّى تصبح كلّ الإرادات الكثيرة إرادة واحدة بواسطة قانون الأغلبية. وهذا يعني أن تختار المجموعة رجلا أو مجلسا من النوّاب للاضطلاع بشؤونها بصفتها شخصية معنوية، ولا بدّ أن يقرّ كلّ امرئ ـ إحساسا وإدراكا ـ بأنّه هو مصدر الفعل في كلّ ما يقوم به من وقع تعيينه وفي كلّ ما يمكن أن يأمر به في المسائل المتعلّقة بالسّلم وبالأمن المشترك ولا بدّ بالتالي من أن يخضع كلّ امرئ إرادته وحكمه لإرادة هذا الرجل وهذا المجلس وحكمهما. وهذا أمر يتجاوز في عمقه مجرّد الموافقة والإجماع لأنّه يعني اتّحادا حقيقيا تذوب فيه مجموعة الأفراد في ذات شخص واحد. إنّه اتّحاد ناشئ من ميثاق عقده كلّ فرد مع سائر الأفراد على نحو خاص وكأنّ كلّ امرئ يخاطب غيره بقوله "إنّني تنازلت له عن حقّي في أن أسوس شؤون بنفسي شرط أن تتنازل مثلي عن حقّك وأن تقبل كلّ فعل صادر عن هذا الرجل أو عن هذا المجلس". وإذا تمّ ذلك سمّي اتّحاد الكثرة في شخص واحد جمهورية و هي باللاتينية civitas تلك هي نشأة هذا التنّين الكبير أو لنقل بأسلوب أكثر إجلالا ذاك الإله الفاني الذي ندين له بما نحن فيه من سلام وأمن في ظلّ القيوم الذي لا يموت. ذلك لأنّه قد منح بموجب السلطة التي استمدّها من كلّ فرد في الجمهورية نفوذا وقوّة لهما من الأثر المهيب في النفوس ما جعله قادرا على صهر إرادات الأفراد جميعا في سبيل ضمان السّلام في الداخل وتحقيق التعاون الجماعي ضدّ الأعداء في الخارج. وفي ذاك الإله الفاني تكمن ماهية الجمهورية التي يمكن تعريفها بما يلي "إنّها شخص أوحد على نحو يجعل جمهورا غفيرا من الناس يقيمون فيما بينهم عقودا تعاهد عليها كلّ فرد منهم مع غيره من عناصر المجموعة لكي يستطيع هذا الشخص أن يصرّف قوى الجميع وثرواتهم على الوجه الذي يراه مجديا لضمان ما ينبغي لهم من سلام وقدرة على مدافعة الأعداء "ويسمّى المؤتمن على شخصية هذه الجماعة صاحب السّيادة وتوصف سلطته بالسلطة العليا ويسمّى الآخرون جميعا رعايا.
هوبز ـ "التنّين"
موضوع النصّ: أساس سيادة الدولة
المشكل: علام تتأسّس سيادة الدولة: هل على مصدر متعال عن الإنسان (الله أو الطبيعة) أم على تعاقد الأفراد واتّفاقهم؟
تفريع المشكل: ما الذي يفرض قيام الدولة؟  وكيف تمّ إنشاؤها؟  وما الغاية من قيامها؟
التحليل :
1  ـ دواعي تأسيس الدولة (المجتمع المدني)
يرجع هوبس قيام الدولة إلى سعي البشر إلى التخلّص من حالة الحرب المزرية "حرب الكلّ ضدّ الكلّ" المهدّدة للجميع بالموت العنيف في حالة الطبيعة (الحالة السابقة على الحالة المدنية). فالدافع الذي فرض قيام الدولة هو ما تتميّز به حالة الطبيعة:
ü    من ولع كلّ فرد بالحرّية واعتبارها حقّا مطلقا في فعل ما يشاء من جهة واستعداده لممارسة الهيمنة
والعنف على الآخرين من جهة ثانية تعبيرا عن ذئبيّة الإنسان تجاه الإنسان إذ "الإنسان ذئب للإنسان "Homo homini lupus
ü    من احتكام الأفراد إلى الأهواء لا إلى العقل وتصرّفهم بمقتضى "الحقّ الطبيعي" الذي يهب كلّ فرد منهم من الحقوق تجاه الغير 
على قدر ما يملك من قوّة
ü    من غياب السلطة العامة الرادعة لاعتداء وعنف الأفراد بعضهم على بعض ووقوع الجميع تحت طائلة عنف الفوضى (عنف 
الأفراد على بعضهم بعض)
استخلاص: السعي إلى التخلّص من الحرب المهدّدة للجميع بالموت العنيف في حالة الطبيعة هو ما دفع البشر إلى تأسيس الدولة (المجتمع المدني). فليست الدولة ـ تبعا لذلك ـ  إطارا طبيعيا للإنسان كما يزعم أرسطو بقوله "الإنسان مدني بالطبع" بل هي كيان اصطناعي ينشئه الأفراد للانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية.
فكيف تمّ إنشاء الدولة؟
2  ـ العقد الاجتماعي آلية قيام الدولة (المجتمع المدني)
يؤكّد هوبس أنّه إزاء استحالة الاستمرار في حالة الطبيعة تحت طائلة التهديد بالموت الجماعي العنيف قرّر الأفراد :
·       اختيار رجل واحد أو مجلس واحد يعهدون له بإدارة بشؤونهم
·       إبرام عقد فيما بينهم يقضي بأن يتنازل كلّ فرد عن حقّه الطبيعي في حكم نفسه بنفسه وأن يخضع
لسلطة هذا الرّجل أو المجلس ويقبل بكافّة القوانين والأوامر التي يصدرها .
فماذا يترتّب عن هذا العقد؟
ينتج عن العقد الاجتماعي المبرم بين الأفراد :
§       قيام الدولة (المجتمع المدني) وهي اتّحاد الأفراد في كيان سياسي واحد (شخصية معنوية) يسمّى الجمهورية أو التنّين الكبير أو 
الإله الفاني بالنظر إلى ما يميّز هذا الكيان من قوّة وعظمة وسيادة مطلقة
§       استئثار الرجل أو المجلس المعيّن بالسّيادة وبالتالي بحقّ إصدار القوانين وتنفيذها وحقّ الإرغام والردع " الحقّ في العنف"
§       تحوّل الأفراد إلى رعايا خاضعين لقوانين وأوامر صاحب السّيادة وهو الحاكم المؤتمن على إدارة شؤون الدولة
استخلاص: العقد الاجتماعي الذي بمقتضاه يتنازل الأفراد عن حكم أنفسهم بأنفسهم لصالح رجل أو مجلس يحكمهم بالقوّة العامة المخولة له، هو ما ينقل الأفراد من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية أي ما يوجد الدولة ويبرّر سيادتها .
فماذا يغنم الأفراد من قيام الدولة ؟ ماذا يجنون من نشأة هذا التنّين الكبير؟
3  ـ غاية الدولة
يؤكّد هوبس أنّ الغاية من قيام الدولة / التنّين هي ضمان السّلام والأمن ووقف حالة الحرب عن طريق:
·       استبدال الحقّ الطبيعي الذي كان يسود حالة الطبيعة بالحقّ المدني الذي تكفله القوانين وترعاه السّيادة
·       منع اعتداء الناس بعضهم على بعض في الداخل بفرض احترام القوانين وممارسة الردع والعقاب على كلّ الخارجين عن القانون
 وصدّ هجمات الغرباء وحماية الجميع من الاعتداءات الخارجية
·       حمل الناس على العمل والتعاون لتوفير الثروات والخيرات المادية والروحية بما يحقّق العيش الرضي للجميع
استخلاص: ضمان السلام والأمن وما يلازم ذلك من رخاء مادي وثراء روحي هي غاية الدولة ومنتهى أهدافها
المناقشة :
المزايا: تتلخّص مزايا الطرح الهوبسي  ـ كسائر فلاسفـة العقد الاجتماعي ـ لموضوع أساس سيادة الدولة في:  
1  ـ  نفي أن تكون الدولة إطارا طبيعيا وتجسيدا للطبيعة الاجتماعية للإنسان فالإنسان ليس مدنيا بالطبع ولا هو حيوان سياسي كما يتصوّره أرسطو. بل الدولة هي كيان اصطناعي أنشأه البشر لتنظيم عيشهم المشترك .
2 ـ وضع أساس عقلاني لوجود الدولة وسيادتها (تفرّدها بالسلطة العليا) وهو تعاقد الأفراد واتّفاقهم على الانتقال من العيش تحت سلطان الأهواء إلى العيش تحت سلطان العقل، من العيش في ظلّ قانون القوّة إلى العيش في ظلّ قوّة القانون الذي تمثّله الدولة .
3 ـ  جعل تعاقد الأفراد بمحض اختيارهم أساس وجود الدولة ومبرّر سيادتها يتضمّن تقييدا وحدّا لهذه السّيادة. فالحاكم في الدولة التعاقدية وإن كان ملكا / شخصا فهو ليس صاحب السّيادة لأنّه يملك مؤهّلات كاريزمية تميّزه عن عامة الناس أو لأنّه فوّضته الآلهة أو الطبيعة للقيام بذلك بل فقط بموجب التفويض الذي منحه له الأفراد المتعاقدون واختيارهم له الأمر الذي يجعله مدينا لهم بما له من سيادة ومرتهنا بخدمة مصالحهم العامة التي اؤتمن عليها .
الحدود:
1  ـ ككلّ فلاسفة العقد الاجتماعي يقيم هوبس نظريته في الدولة على فرضية وجود "حالة طبيعة" سابقة على الحالة المدنية. وهي فرضية لا تبرير لها غير وظيفتها المنهجيّة في بلورة كيفية نشأة الدولة والمجتمع المدني، ولا أساس لها في الواقع التاريخي .
2 ـ يصادر هوبس على فكرة الطبيعة الشرّيرة للإنسان "الإنسان ذئب للإنسان" وهي فكرة تعبّر عن حكم مسبق أكثر ممّا تعبّر عن حقيقة موضوعية تؤيّدها الوقائع التاريخية .
3 ـ  ينتهي هوبس إلى:
ü    " تأليه" الدولة واعتبارها دولة / تنّينا متعالية عن الأفراد وقادرة على تذويب إرادتهم الفردية في إرادة عليا هي إرادة صاحب السّيادة (الحاكم) وهي إرادة مطلقة لا يحدّها شيء تكاد تضاهي الإرادة الإلهية
ü    تبرير وتفضيل النظام المونارشي (حكم الفرد) فالحاكم صاحب السّيادة لا يشمله العقد بل يمنحه العقد السلطة المطلقة والقوّة 
القاهرة بينما يختزل دور الرعايا في الطاعة والخضوع للحكم المطلق .
استخلاص عام: لئن قامت الدولة، كما تصوّرها هوبس، من أجل وقف حالة الحرب والقضاء على عنف الأفراد ضمانا للأمن فإنّ استئثارها بالسلطة المطلقة وانفرادها بالحقّ في ممارسة العنف دون قيد قد يؤول بها إلى الاستبداد (عنف الدولة). فهل ثمن التحرّر من عنف الفوضى هو الوقوع في عنف الاستبداد؟ أليس بالإمكان التوفيق بين موجبات السّيادة ومقتضيات المواطنة؟ ألا يمكن الخضوع للقانون دون التنازل عن الحريّة؟
۞۞۞۞
3  ـ المواطنة
أ  ـ  مفهوم المواطنة وشروط تحقّقها ـ نصّ: في الديمقراطية ـ  سبينوزا
في الديمقراطيّة
إنّ الغاية التي ترمي إليها الديمقراطيّة والمبدأ الذي تقوم عليه هو، كما قلنا من قبل، تخليص النّاس من سيطرة الشهوة العمياء والإبقاء عليهم بقدر الإمكان في حدود العقل بحيث يعيشون في وئام وسلام، فإذا حذف هذا الأساس انهار البناء كلّه. فعلى عاتق الحاكم وحده تقع مهمّة المحافظة على هذا المبدأ، وعلى الرعايا تنفيذ أوامره وألاّ يعترفوا بقانون إلاّ ما يسنّه الحاكم. وقد يدّعي مدّع أنّنا بهذا المبدأ نحيل الرعايا إلى عبيد، إذ أنّ العبد، كما يظنّ الناس، هو من ينفّذ أمر إنسان آخر والحرّ من يفعل ما يشاء. غير أنّ هذا ليس صحيحا صحّة مطلقة، فالواقع أنّ الفرد الذي تسيطر عليه شهواته إلى حدّ أنّه لا يستطيع أن يرى أو يفعل ما تتطلّبه مصلحته الحقيقيّة، يكون في أحطّ درجات العبوديّة، أمّا الحرّ فهو الذي يختار بمحض إرادته أن يعيش بهداية العقل وحده. أمّا السلوك الذي يتحقّق تلبيّة لأمر، أي بالطاعة، فمع أنّه يقضي على الحرّيّة على نحو ما، فإنّه لا يجعل من يقوم به عبدا في الحال، بل إنّ الذي يجعله كذلك هو الدافع الموجّه للفعل، يكون الفاعل عبدا لا يحقّق مصلحته الخاصّة. أمّا الدّولة أو نظام الحكم الذي لا تؤخذ فيه مصلحة الآمر بوصفها قانونا أسمى، بل تراعى مصلحة الشعب كلّه، فمن الواجب ألاّ يعدّ من يطيع الحكم عبدا لا يحقّق مصلحته الخاصّة بل مواطنا، وعلى ذلك تكون أكثر الدّول حرّيّة تلك التي تعتمد قوانينها على العقل السليم. ففي مثل هذه الدولة يستطيع كلّ فرد ـ إذا أراد ـ أن يكون حرّا، أن يعيش بمحض اختياره وفقا للعقل. وكذلك لا يكون الأطفال عبيدا بالرغم من أنّهم ملزمون بطاعة أوامر آبائهم لأنّ أوامر الآباء تبغي مصلحة الأطفال قبل كلّ شيء. فهناك إذن فرق كبير بين العبد والابن والمواطن نصوغه كما يلي: العبد هو من يضطرّ إلى الخضوع للأوامر التي تحقّق مصلحة سيّده، والابن هو من ينفّذ، بناء على أوامر والديه، أفعالا تحقّق مصلحته الخاصّة، وإمّا المواطن فهو من ينفّذ بناء على أوامر الحاكم أفعالا تحقّق المصلحة العامّة وبالتّالي مصلحته الخاصّة. أظنّ أنّني بيّنت حتّى الآن بما فيه الكفاية مبادئ الحكم الديمقراطي الذي فضّلته على أنظمة الحكم الأخرى لأنّه يبدو أقربها إلى الطبيعة وأقلّها بعدا عن الحرّيّة التي تقرّها الطبيعة للأفراد. ففي النظام الديمقراطي لا يفوّض أيّ فرد حقّه الطبيعي إلى فرد آخر بحيث لا يستشار بعد ذلك في شيء بل يفوّضه إلى الغالبيّة العظمى من المجتمع، الذي يؤلّف هو ذاته جزءا منه، وفيه يتساوى الأفراد كما كان الحال من قبل في الحالة الطبيعيّة.
 سبينوزا ـ " رسالة في اللاهوت والسياسة" ـ ترجمة حسن حنفي
موضوع النصّ: غاية الدولة
الأطروحة: غاية الدولة حكم الناس بالعقل وتحريرهم من الخوف
المستبعدة: التصوّر الاستبدادي الذي يؤسّس السلطة السياسية على القهر والخوف
المشكل: هل غاية الدولة هي حكم الناس بالخوف أم تحريرهم من الخوف عن طريق إدارة حياتهم بهدي العقل؟
تفريع المشكل: ما الذي يدعو إلى قيام الدولة، وما هو نظام الحكم المناسب لها؟ ما الغاية من الدولة؟
إذا كانت الحرّية غاية الدولة فما هي الشروط الإجرائية لتحقّقها؟ بم يتميّز المواطن عن العبد؟
التحليل:
1 ـ دواعي قيام الدولة و آلية تكوّنها
يفترض سبينوزا ـ كسائر فلاسفة العقد الاجتماعي ـ وجود حالة طبيعة سابقة على الحالة المدنية يوجد الفرد ويتصرّف، في إطارها، بمقتضى الحقّ الطبيعي الذي يمنح كلّ فرد بالتساوي مع غيره :
·       حرّية مطلقة في فعل ما يشاء
ü    حقّا مطلقا في كلّ ما يضمن بقاءه بحسب رغبته وقدرته وبأي وسيلة كانت: العقل أو القوّة أو الخداع لا رادع له عن تحقيق 
رغباته غير قدرته أو قوّة الخصم
فبم يمكن أن تتميّز حالة كهذه؟
ما دام كلّ فرد يوجد ويتصرّف بمقتضى الحقّ الطبيعي المطلق في فعل ما يشاء دون رادع تتميّز حالة الطبيعة
ü    بتغلّب الأهواء على العقل أي سيطرة الكراهية والغضب والخداع ووقوع الجميع تحت طائلة الخوف
ü    شظف العيش وعسر الحياة بسبب غياب التعاون لتوفير الخيرات. والنتيجة العامة وقوع جميع الأفراد تحت طائلة القلق والخوف
 من الفناء فتضطرّهم الرغبة في البقاء وهي أقوى قوانين الطبيعة إلى الاختيار بين الاستمرار في حال يهدّدهم بالفناء وبين الانتقال
 إلى حال أفضل فيفضّلون الانتقال إلى الحالة المدنية بمقتضى قانون طبيعي آخر هو أن لا أحد يترك ما يعتقد أنّه خيرا إلاّ طمعا
 في خير أعظم أو خوفا من شرّ أعظم، عن طريق الاتّفاق والتعاقد (العقد الاجتماعي) على:
ü    احتكام كلّ فرد إلى العقل والكفّ عن اتّباع الأهواء المضرّة به وبالآخرين
ü    تنازل كلّ فرد عن حقّه الطبيعي في التصرّف طبقا لرغبته وقدرته لصالح المجموعة وخضوعه لإرادة المجموعة وقوّتها
ü    تفويض حاكم يمثّل السلطة العليا للمجموعة ويحفظ المصلحة العامة بقوّة القوانين وبوسائل الردع والعقاب
فما هي نتيجة العقد الاجتماعي؟
يفضي العقد الاجتماعي إلى قيام الدولة ككيان سياسي / مدني يوحّد الأفراد في ظلّ النظام الديمقراطي (حكم الأغلبية)
لماذا تمثّل الديمقراطية نظام الحكم في الدولة التعاقدية وليس نظام الحكم المونارشي (حكم الفرد) أو الأرستقراطي (حكم الأقلّية)؟
العقد الاجتماعي يفرز دولة ديمقراطية:
·       لأنّ الأصل في قيام الدولة ذاتها هو اتّفاق الأفراد وتعاقدهم الاختياري
·       لأنّ السلطة العليا / السّيادة ليست لشخص الحاكم أو لأقلّية من الأفراد بل للمجموعة بأسرها أو للأغلبية التي فوّض لها كلّ فرد
 حقّه الطبيعي
·       لأنّ الحكم الديمقراطي هو أفضل أنظمة الحكم توافقا مع الدوافع الطبيعية التي ألزمت الأفراد بإبرام العقد المؤسّس للدولة وهي 
الاتّحاد من أجل التحرّر من الخوف، ومع الغايات الأمنيّة والاقتصادية التي ينشدون تحقيقها من ورائها  فما هي هذه الغايات؟
2  ـ غاية الدولة
تهدف الدولة الديمقراطية المنبثقة عن العقد إلى :
ü    تحرير الناس من الخوف الذي كان سائدا في حالة الطبيعة
ü    تخليص الأفراد من الخضوع لسلطان الأهواء وحملهم على التصرّف بهدي العقل
ü    توفير الأمن والسلام الذي يضمن لكلّ فرد حقّه الطبيعي في الحياة والعمل والاهتمام بمقوّمات حياته الروحية والجسدية دون
 إلحاق الضرر بغيره ودون "إشهار أسلحة الحقد والغضب والخداع" في وجههغاية الدولة ليست إرهاب الأفراد والسيطرة عليهم 
وتحويلهم إلى "وضع الحيوانات أو الدمى الآلية" بل هي ضمان الحرّية أي حمل الأفراد على التصرّف بمقتضى العقل في إطار مدني
 يسوده القانون وينعم فيه الجميع بالأمن والسلام والعدالة وبالخيرات المادية والروحية المترتّبة عن ذلك.
فما هي الشروط الإجرائية التي يستوجبها تحقّق هذه الغاية؟
3  ـ شروط تحقيق الحرّية
يتوقّف نجاح الدولة الديمقراطية في تحقيق الحرّية، إجرائيا، على :
·       تمتّع الحاكم المفوّض من المجموعة بالسلطة المطلقة في إصدار القوانين وتنفيذها واستخدام كافّة  الوسائل بما في ذلك وسائل 
العنف والعقاب والردع لأنّ اتّفاق الأفراد على تحكيم العقل لا يعني ضرورة توقّف تأثير الأهواء على مواقفهم وأفعالهم
·       خضوع الأفراد خضوعا تامّا في أفعالهم لما يسنّه الحاكم من قوانين من غير التخلّي عن الحقّ في التفكير والتعبير عن الرأي
 شرط الاقتصار على الكلام والاعتماد على العقل واجتناب إثارة الفتن تفويض السلطة المطلقة للحاكم في إصدار الأوامر وتنفيذها
 عن طريق وسائل الإقناع أو وسائل الإكراه مقابل خضوع الأفراد في أفعالهم لا في أفكارهم، هي شروط تحقيق الحرّية وقيام دولة
 العقل.  
ألا تفضي هذه الشروط إلى تحويل الأفراد إلى عبيد؟
4  ـ في التمييز بين المواطن والعبد
يشير سبينوزا إلى أنّ التعريف السائد للحرّية على أنّها فعل الفرد ما يشاء دون قيد وتعريف العبودية على أنّها فعل الفرد ما يأمر به إنسان آخر تعريفان خاطئان لأسباب عدّة:
أوّلا: اعتبار الحرّية في فعل الفرد ما يشاء يخضع الإنسان إلى أحطّ درجات العبودية حين تسيطر عليه رغباته وأهواؤه. فليست الحرّية الحقّ في فعل ما نشاء بل في فعل ما يمليه العقل
ثانيا: العبودية ليست في الطاعة ذاتها (فعل ما يأمر به الغير) بل في أهداف الطاعة: فإذا كان هدف الطاعة تحقيق مصلحة الآمر بالفعل كان القائم بالفعل عبدا. أمّا إذا كانت الطاعة لمصلحة القائم بالفعل مثل طاعة الطفل لوالديه، فهي ليست تعبيرا عن العبودية.
يترتّب عن هذا التوضيح المفهومي للحرّية والعبودية أنّ الفرد الذي يطيع قوانين الدولة الديمقراطية وأوامر الحاكم المفوّض من الأغلبية ليس عبدا بل هو مواطن. فما معنى مواطن ومواطنة؟
أ ـ تعريف المواطنة
لغة المواطنة: من واطن قوما أقام وعاش معهم في وطن واحد. ومنها المواطن
اصطلاحا: المواطنة: هي منزلة مدنية للفرد داخل الدولة الديمقراطية تترتّب عليها حقوق (مثل حقوق الانتخاب والترشّح والتفكير وتقلّد الوظائف العامة، التقاضي، التمتّع بالجنسية...) وواجبات ( المشاركة في الخدمة العسكرية، دفع الضرائب...) يحدّدها القانون. المواطنة صفة مشتركة بين أفراد دولة واحدة على اختلاف خصوصياتهم الشخصية (الجنس والنسب والثروة...) .
يتميّز المواطن عن الرعيّ sujet  الذي هو فرد طبيعي خاضع لسيادة ملكيّة. كما يتميّز المواطن عن الأجنبي وهو الشخص المقيم (في بلد غير بلده الأصلي)
ب ـ التعريف اليوناني القديم للمواطن:
المواطن في نظام الحكم الأثيني القديم هو من يحمل صفة المواطنة وهي صفة مدنية تترتّب عليها حقوق (حقّ المشاركة في الحياة السياسية: حقّ العضوية في السلطة التشريعية ecclésia مجلس الشعب وحقّ أن يعيّن قاضيا وأن يملك الأرض وواجبات تجاه المدينة (واجب الدفاع عن المدينة واحترام القوانين). وهي لا تنطبق إلاّ على الرجل الأثيني الحرّ من أب مواطن أثيني وأم أثينية وقام بواجبه العسكري. بينما يحرم العبد والمرأة والأجنبي المقيم في المدينة من حقوق المواطنة. وبهذا التعريف تصبح المواطنة صفة تمييزية تعكس نظاما مراتبيا قائما على المساواة بين المواطنين وتمييزهم عن غيرهم من سكّان المدينة ـ الدولة.
فأي معنى يعطيه سبينوزا لمفهوم المواطن؟
ج ـ  تعريف سبينوزا: انطلاقا من التمييز بين الحرّية والعبودية وبين المواطن والعبد يتّضح أنّ المواطن كما يتصورّه سبينوزا هو:
§       عضو في المجموعة المتعاقدة المؤسّسة للدولة وصاحبة السّيادة (فهو من يملك نصيبا في السّيادة)
§       من يتمتّع بالحقوق التي يكفلها القانون له ولغيره بالتساوي. فالمواطنة تفترض المساواة.
§       من يطيع القوانين التي يصدرها الحاكم لا عن خوف بل اهتداء بالعقل ولا من أجل مصلحة الحاكم بل من أجل المصلحة العامة 
التي فيها مصلحته الخاصّة.
§       من يتمتّع بحرّية التفكير والتعبير.
يمكن أن نسجّل الملاحظات التالية:
ü    المواطنة حسب سبينوزا ليست صفة مراتبية للتمييز بين الأفراد وتصنيفهم بل هي منزلة مدنية مفتوحة لكلّ فرد في الدولة 
الديمقراطية
ü    تفترض المساواة في الحقوق والواجبات بين كلّ أفراد الدولة
ü    تفترض التزاما أخلاقيا من قبل الفرد ـ الذي يتمتّع بحرّية المعارضة الفكرية والكلامية للقوانين ـ  بتنفيذ القوانين سلوكيا ولو 
كانت مخالفة لرأيه الخاصّ وبالولاء للدولة والامتناع عن استخدام حرّية التعبير لإثارة الفتن وتهديد الاستقرار والسلام.
استخلاص: المواطنة هي صفة مدنية تسند لكلّ فرد في الدولة الديمقراطية بغضّ النظر عن جنسه أو ولادته أو ثروته. وهي تفترض المساواة في الحرّية والكرامة أمام القانونإذا كان سبينوزا قد أنشأ مفهومه للمواطن على فكرة تساوي حقوق الأفراد وواجباتهم داخل الدولة واشترط النظام الديمقراطي لدولة المواطنة فقد أسّس بذلك تصوّرا محلّيا للمواطنة. ألا يمكن التطلّع اليوم في ظلّ كونية حقوق الإنسان والعولمة الاقتصادية والثقافية إلى الانتقال من اعتبار الفرد مواطنا محلّيا (داخل دولة الانتماء) إلى اعتباره مواطن عالميا؟
ب ـ حقوق الإنسان والمواطن العالمي
تمهيد: انتقلت فكرة المواطنة تاريخيا من منزلة مدنية تكفلها القوانين لبعض الأفراد يتمتعّون بالحرّية وحقّ المشاركة في الحياة العامة إلى صفة تسند لكلّ فرد في الدولة التي ينتمي إليها تضمن له حقوقا وتفرض عليه واجبات بالتساوي التامّ مع غيره. ومن المؤكّد أن هذا الانتقال لم يحدث بصورة عرضية أو اعتباطية بل هو نتيجة عصور من النضال الفكري والسياسي ضدّ أنظمة الاستبداد، نضال توّج في عصر الأنوار بالإقرار أنّ الديمقراطية، حيث تبنى السّيادة على الإرادة العامة للشعب وتمارس من خلال القانون والمؤسّسات وحيث لا يعدّ الحكام سادة بل مجرّد قادة فوّضهم الشعب لإدارة الشأن العام وفق صلاحيات مقنّنة، هي أفضل أنظمة الحكم وأقربها إلى الحرّية. غير أنّ المستجدات التاريخية اللاحقة على صعيد الواقع والفكر السياسيين فرضت مزيدا من التطوّر على مفهوم المواطن وأقحمت مزيدا من الحقوق التي ينبغي أن يتمتّع بها الأفراد في ظلّ سيادة القانون. وقد شكّل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتّحدة في 10 ديسمبر 1948، نقلة نوعية في هذا المجال.
۞۞۞۞
وثيقة: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
المشكل: بأي معنى يمثّل الإعلان العالمي لحقوق ترسيخا للمواطنة؟ وكيف تشرّع الحقوق التي أقرّها توسيع المواطنة من مواطنة محلّية إلى مواطنة عالمية؟
تفريع المشكل: هل من تعريف لحقوق الإنسان؟  ما هي المبادئ الكبرى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ وما أهمّ وجوه الإضافة التي حقّقها في مجال ضمان المواطنة؟
التحليل :
1  ـ  تعريف حقوق الإنسان
حقوق الإنسان هي كافّة الحقوق والحرّيات الأساسية التي تكفل لكلّ فرد تنمية مواهبه وتلبية حاجياته الروحية والمادية وتعكس تطلّعه كإنسان ذي كرامة إلى الحرّية والعدل والسلام. وهي ما يفترض أن تتكفّل الدول والحكومات باحترامها وعدم انتهاكها.
ويعدّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتّحدة ديسمبر سنة 1948 النصّ المرجعي الضابط لحقوق الإنسان. فما هي الحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي؟
يتكوّن الإعلان من ديباجة و30 مادة.
الديباجة: حول حيثيات ومبرّرات صياغة الإعلان والحقوق التي يتضمّنها
تنقسم المواد الثلاثون إلى :
مادة 1 و2: التأكيد على أنّ الحرّية والمساواة في الكرامة والحقوق هي صفات مشتركة بين جميع الناس وإرساء المبادئ للتمتّع بكافّة الحقوق الواردة في الإعلان دون تمييز.
المواد من 3 إلى 21: تخصّ الحقوق المدنية والسياسية التي يجب أن يتمتّع بها الأفراد
حقوق مدنية: مادة 3: الحقّ في الحياة والسلامة
مادة 10: الحقّ في التقاضي
مادة 16: الحقّ في الزواج وتأسيس أسرة
حقوق سياسية: مادة 18: الحقّ في حرّية الفكر والضمير
مادة 21: الحقّ في تقلّد الوظائف العمومية في البلد
المواد من 22 إلى 27: تعيّن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
مادة 23: الحقّ في العمل
مادة 26: الحقّ في التعلم
مادة 27: حقّ المشاركة في الحياة الثقافية
المواد 28 إلى 30:  
مادة 28:  حقّ الفرد في التمتّع بنظام دولي يكفل له حقوقه
مادة 29: تعيّن واجبات الفرد
مادة 30: منع أي تأويل للإعلان
استخلاص: حقوق الإنسان هي مجموع الحرّيات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يكفلها القانون للأفراد أينما كانوا فما هي مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟
2  ـ  مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
تتلخّص أهمّ مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
ü    في كونه جعل الحقوق الفردية التي نصّ عليها
ü    حقوقا ثابتة: لا تقبل التغيير أو التعديل وفق ما يلائم الأوضاع الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية المختلفة للدول والشعوب 
وبالتالي فهو يفرض على الدول والحكومات الالتزام التامّ بما نصّ عليه من حقوق في تكاملها وشمولها دون زيادة أو نقصان
ü    حقوقا كونية: فهي حقوق تخصّ االفرد في المطلق بصفته إنسانا بغضّ النظر عن خصوصيات الولادة واللون واللغة 
 والجنس.... وتنطبق على جميع الظروف والأوضاع التي يكون فيها الأفراد في كلّ مكان من العالم (ملزمة لكلّ الدول والحكومات 
والأفراد)
ما هي انعكاسات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على مفهوم المواطنة؟
3  ـ انعكاسات الإعلان على مفهوم المواطنة
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو يقرّ بأنّ للإنسان كفرد حقوقا كونية ثابتة ويلزم الدول والحكومات باحترامها ومراعاتها في تنظيماتها وقوانينها الداخلية، يعكس نقلة نوعية في تاريخ التشريع والتنظيم القانوني والسياسي بل هو يمثّل ثورة في تاريخ الحضارة الإنسانية. فهو من حيث المبدأ en droit :
·       يضع حدّا لتاريخ طويل من استبداد الحكام وطغيانهم واستخدامهم الاعتباطي للسلطة باسم سيادة مبنية على التفويض الإلهي أو 
على الفضائل الشخصية (الميلاد / الأصل / الثروة / القوّة .. )
·       يقدّم حلاّ متوازنا وعادلا لمشكل العلاقة بين الدولة والأفراد بين الحكّام والمحكومين عبر التأكيد على حقّ الأفراد بالتساوي في 
إدارة الشؤون العامة وحقّهم في اختيار الحكّام وعبر تأسيس السيادة على الإرادة الشعبية التي تمارس من خلال الانتخابات المادة 
21  وإلزامها بمراعاة حقوق الأفراد في تكاملها وشمولها.
·       يفضي إلى اعتبار الإنسان / الفرد مواطنا عالميا فضلا عن كونه مواطنا في بلده. فلم تعد المواطنة في ظلّ شريعة حقوق
 الإنسان صفة الفرد الذي يتمتّع بحقوق في بلده يكفلها القانون الوطني فحسب بل إنّ كلّ فرد هو مواطن عالمي له في بلده وفي أي 
بلد يحلّ فيه بصفته إنسانا، بغضّ النظر عن جنسيته أو لونه أو عقيدته...، حقوقا يكفلها القانون الدولي المادة 28. مثلا تفرض 
المواطنة العالمية التي يؤسّس لها الإعلان امتناع الدول عن استغلال أو سوء معاملة الأجانب أو حرمانهم من الحقوق المدنية 
والاجتماعية التي تكفل كرامتهم.
·       يفضي إلى توسيع لائحة الحقوق التي يتمتّع بها المواطن بصفته مواطنا محلّيا أو مواطنا عالميا من جهة المحتوى لتشمل إلى 
جانب الحقوق المدنية والسياسية ( كما هو الأمر في إعلان حقوق الإنسان والمواطن 1789 بفرنسا) حقوقا اقتصادية واجتماعية 
وثقافية. فليس المواطن من له حقّ المشاركة في الحياة السياسية وحقّ التعبير عن الرأي وحقّ تقلّد الوظائف العامة في بلده فحسب 
بل هو أيضا من له الحقّ في العمل وفي الحصول على أجر عادل والحقّ في التعلّم والحقّ في السكن والتغذية والضمان الاجتماعي...
استخلاص: لقد رسخ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من حيث المبدأ فكرة المواطنة على مستويين على الأقلّ:
·       على مستوى الامتداد: فلم تعد المواطنة والحقوق المترتّبة عليها حكرا على أفراد بعينهم في الدولة كما كان الشأن في أثينا 
وروما ولا هي فقط صفة كل أفراد الدولة، بالتساوي، داخل الدولة عينها (كما تصوّرها فلاسفة الأنوار) بل هي صفة كلّ فرد في 
أي مكان يوجد فيه من العالم
·       على مستوى المحتوى: لم تعد تقتصر المواطنة على الحقوق المدنية والسياسية بل اتّسعت لتشمل أيضا الحقوق الاقتصادية 
والاجتماعية والثقافية التي لا تتحقّق إنسانية الإنسان في معناها الشمولي، في غيابها
استخلاص عام: يمكن في النهاية أن نرصد ثلاث لحظات في تاريخ تطوّر مفهوم المواطنة: المواطنة الفئوية التي تفترض تمييزا بين المواطنين والسكّان داخل الدولة /المدينة، المواطنة المحلّية / الوطنية المؤسّسة على مساواة محدودة ومشروطة بالانتماء للدولة / الأمّة، المواطنة العالمية المفتوحة بالتساوي لكلّ أفراد النوع البشري في أي مكان من العالم (الدولة / العالم).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق