إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

السبت، 12 مايو، 2012

مسألة العمل

الأستاذ: سامي الملّولي
1 ـ في دلالة العمل
ـ تَحدّد العمل  في الفلسفات القديمة بما هو موضع حقارة لا يقوم به إلاّ العبيد. تماما فإنّ الديانة المسيحيّة قد كرّست النظرة الدونيّة للعمل بما هو لا يتعدّى أن يكون إلاّ عنوان شقاء و تكفير عن الذنب  أو الذنوب.. و رغم اختلاف التصوّرين فإنّهما يلتقيان في الحطّ من قيمة العمل و من العامل... وهو تصوّر كان موضع مراجعة في الفلسفات الحديثة. ليكون العمل مُحدّدا من محدّدات الإنساني في الإنسان.
ـ يتحدّد العمل بما هو النشاط الإنساني المتميِّز و المميَّز و الذي عُدّ حدّ الفصل بين المنزلة الحيوانيّة و الكينونة الإنسانيّة.
ـ  يتحدّد العمل بما هو نشاط واع يعمل على تحويل الطبيعة من معطى خام إلى منتوجات صالحة للتبادل أو الاستهلاك.
ـ يمثّل العمل وسيلة إنتاج لإحكام سيطرة الإنسان على الطبيعة و تحقيق الوعي بالضرورة وهي العملية التي تحقّق التحرّر من الطبيعة و من ضروراتها.
ـ العمل هو فاعليّة إنسانيّة يعمل من خلاله الإنسان على تغيير الطبيعة تغييرا نافعا و يتحرّر من ضروراتها.
ـ تماما فإنّ العمل يتحدّد بما هو الواقعة الأولى في الوجود الإنساني أو هي الواقعة التي أدرك من خلالها الإنسان إنسانيّته و تميّزه عن التجمّعات الحيوانيّة. بما أنّ العمل قد اقترن بدلالتيْ الفعل
و الممارسة اللذين يحيلان على الجهد الذي يبذله الإنسان.
2 ـ في دلالة النجاعة:
يحيل مفهوم النجاعة على حقل البراغماتية، ذلك أنّ النجاعة تعني الوفرة في الإنتاج أو الإنتاجية و المردودية. لذلك تعني النجاعة البعد التداولي للعمل. و يحيل المفهوم على دلالة الفعّال و الفعّالية بكلّ ما يحيل عليه المفهوم من إشارات لرهانات الاقتصاد الصّناعي في المجتمعات الرأسمالية و خاصّة نظام التيلرة أو تفتيت العمل.
3 ـ في دلالة العدالة:
وردت في الكتاب المدرسي ثلاث محاولات لتحديد دلالة العدالة:
صفحة 42 [هامش نصّ: النجاعة و العدالة لجون راوس] « تفيد في معناها الاشتقاقي ما هو مطابق للحقّ  فهي تعود في الأصل إلى كلمة jus  juris / أي الحقّ. و قد اقترنت كلمة العدالة في الفلسفة القديمة بالفضيلة فسجلّها أخلاقي، إذ تتمثّل في فضيلة إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. ممّا يوكل إليها مهمّة احترام حقوق الآخرين. لكنّ هذا المعنى يتعارض مع الفهم الليبيرالي المعاصر الذي يربطها بتوزيع الثروات  والمنافع الاقتصادية والاجتماعية و بالمصلحة العمومية التي تقتضي أشكالا من التفاوت حتّى تتحقّق، لتصبح العدالة خاضعة إلى ضرب من "الاتّفاق العام" كما ورد في تحديد دلالة "منظورية نظرية في العدالة"  ... فما دام غير العادل يتمثّل فيما هو غير مقبول اجتماعيا، فإنّ معيار العدالة هو المجتمع.   و على سبيل المثال، يعتبر اللاتساوي في الأجور بين مهن من اختصاصات مختلفة عادلا لأنّ ذلك مقبول من طرف الجميع، فلا يمكن الاعتراض على أجر عامل يتقاضى أقلّ من أجر موظّف سام أو إطار مشرف في مؤسّسة. و من هنا التأكيد على عدم الخلط بين العدالة الاجتماعية أو الإنصاف و المساواة » إنّ القراءة التي تراهن على التحديد من أجل الكشف عن طبيعة العلاقة و أوجهها تجعلنا أمام مساءلة تعلن إحراجات تتعلّق بسبل التحديد، فهل تتحدّد علاقة النجاعة بالعدالة كعلاقة تضادّ أم علاقة توافق ؟؟   
4 ـ في علاقة التوافق بين النجاعة و العدالة // العمل بما هو ممارسة ناجعة:
لا يتعلّق الأمر بالبحث عن الطابع الإنساني للعمل أو بالتشريع للقول إنّ العمل هو مقوّم من مقوّمات الوجود الإنساني و من أهمّ محدّدات ماهيته... بل إنّ التفكير في علاقة التوافق بين النجاعة و العمل أو في ربط الصلة بين الناجع و فعل الإنتاج الإنساني، فإذا كنّا أمام النجاعة فإنّ ذلك يدفعنا للمساءلة إن كانت مطلبا أم مقتضى... غير أنّ القول بأنّ النجاعة هي قيمة يحيلنا على مقاربة العمل بما هو ظاهرة اقتصاديّة تماما كما هو رابط اجتماعي يحيل على أبعاد العمل التبادلية و الاقتصادية و النفسية و الأخلاقية ...
إنّ القول بعلاقة تناسبية توافقية بين العمل و النجاعة يدفعنا إلى الحفر في ضمنيات الموقف، ذلك أنّ تثمين النجاعة و اعتبارها خاصّية ملازمة للعمل تجعلنا أمام الإقرار بتنزيل النجاعة في خانة المنشود و الذي يراهن عليه الإنسان و يطلبه. مثال ذلك ما كان دي سوسير قد بيّنه من خلال اعتباره العمل يجسّد و يحقّق تماسك المجتمع من خلال تبادل المصالح وهو ما يحقّق حسب الأطروحة السوسيولوجية الشعور بالانتماء. تماما فإنّ أطروحة آدام سميث تجعل من النجاعة مطلبا يحقّق المنافع و المصالح المتبادلة بين الناس لذلك كان تقسيم الأدوار في العمل حسب أطروحة سميث مطلبا، بما أنّ تبادل المصالح  يتجسّد في قاعدة تحدّد طبيعة الوجود الإنساني «أعطوني ما أنا في حاجة إليه و سيكون لكم منّي ما أنتم بحاجة إليه». فالعلاقة بين الناس تتحدّد كعلاقة تبادل منافع  و مصالح وهو ما يجسّد حقيقة "المساعي الحميدة". تماما فإنّ جورج باتاي يرى  في العمل جهدا يُبذل لتحقيق المنافع  وهو ما يتضمّن التأكيد على ارتباط العمل بالنجاعة، فالقيمة البراغماتيّة تفترض حسب باتاي تحقيق قيمة النجاعة و الذي يفترض التحكّم في حركات العامل بما هي "حركات قـُدّت من أجل عمل ". فالنجاعة في تصوّر باتاي مرتبطة بكلّ ما هو فعّال و نافع بما أنّ النافع هو الذي يحقّق المردودية و الفائدة الملموسة وهو ما يجعل النجاعة مرتبطة بقيمة مادية. علاوة على تأكيد علماء الاقتصاد الرأسمالي على ترابط النجاعة في العمل بتحقيق الثروة  و لا سيما من خلال القيمة التبادلية الاقتصادية. فعملية الربط بين العمل و النجاعة كما بيّن ذلك جورج باتاي تهدف لتحقيق الوفرة في الإنتاج وهو رهان يتقوّم على هاجس الخلاص من حالات النقص في البضائع و المنتوج. و تحقيق الرّفاه و التطوّر و الرقي. فالنجاعة تتحدّد من خلال المنفعة و عمليّات التبادل أو المقايضة أو البيع و الشراء وهي قواعد و ضوابط أفرزت تقسيم العمل. غير أنّ السؤال يبقى قائما عن مشروعية العلاقة بين العدالة كمطلب إنساني يندرج ضمن خانة الحقّ تماما فإنّ العدالة تحيل على قيمة أخلاقية تنخرط في البحث في ما يجب أن يكون  لذلك فإنّ العدالة تتحدّد كرهان نسعى إلى تحقيقه. قد يتحدّد في تحقيق المنفعة و المردودية و الفائدة المحسوسة و الملموسة.  فالقول بعلاقة التوازن  تدفعنا إلى البحث في شبكة مفاهيم مجاورة لمفهوم النجاعة مثل مفهوم الوفرة و الثروة، و في شبكة مفاهيم مجاورة لمفهوم العدالة كمفهوم الإنصاف و مفهوم الحرية. فالعدالة في أحد وجوهها لا تتحقّق إلاّ إنصافا بما أنّ الإنصاف يتحدّد بما هو شعور طبيعي بما هو عادل وهو أسمى من القانون. فـإريك فايل يعمل على إيجاد تثبيت العلاقة بين العدالة و النجاعة و إحداث نوع من التوازن بين النجاعة كقيمة مادية و بين العدالة بما هي عدالة اجتماعية و إنصافا. ذلك أنّ العلاقة تتحدّد بما هي تشارطية، ليجعل من عملية التفكير في النجاعة دون العدالة غير ممكنة. فمسؤولية السياسي تكمن في التأليف أو التوليف و إيجاد الملاءمة بين متطلّبات العدالة و مقتضيات النجاعة، فانحياز الدولة للعدالة دون النجاعة أو للنجاعة دون العدالة يجعلها غير عادلة بل حتّى المصلحة التي هي سمة مميّزة للنجاعة هي مقوّم لكلّ مجتمع بل إنّ المصلحة هي التي أفرزت واقعة العمل. لذلك يتوجّب عدم التذمّر من النجاعة و على الدولة أن تجعل النجاعة عادلة، لأنّ النجاعة هي التي تجعل من الإنسان فاعلا ذلك أنّ الإنسان يتحدّد بما هو عضو في مجتمع العمل . فمهمّة الدولة تكمن في تحقيق العدالة في دنيا الواقع و العمل ، هي العدالة من أجل المصالح كما أنّ النجاعة هي تنظيم المصالح.  فمن واجبات الحكومة اعتبار المصالح حتّى يمكنها أن تكون عادلة.
5 ـ في علاقة التعارض بين النجاعة و العدالة: 
لا شكّ أنّ العمل قد ارتبط بالنجاعة سواء كانت مطلبا أو واقعة أو مقتضى وهو ما يكشف عن مفارقة ثاوية في العمل فهو من جهة ما يحقّق عبره الإنسان تفرّده و تميّزه وهو من جهة ثانية المجال الذي يجسّد اللاإنساني في العمل الإنساني. وهو ما يحيل على الاغتراب أو الاستيلاب أي فقدان الإنسان لماهيته... فالعمل لم يعد المجال الذي يحقّق الإنسان فيه ما هو إنساني، فعملية الانصياع للأوامر أو الخضوع لنظام التيلرة هو ما يحوّل العامل إلى شيء يتبع الآلة..." قطعة من اللّحم و الدم ملتصقة بقطعة من الفولاذ " على حدّ عبارة ماركس، فلم يعد العمل هو المجال الذي يترجم الوعي و الفكر و القدرة بل هو مجرّد حركات تــُفرض على العامل.
ـ الاغتراب هو أن يفقد الإنسان لإنسانيته أي لماهيته ـ فقدان مقوّمات وجوده تحت تأثير العوامل الاقتصادية و الاجتماعيّة و الدينية.
ـ تقسيم العمل التقني هو أحد مظاهر الاغتراب.
ـ يتمثّل تقسيم العمل في تفصيل و توزيع مراحل العمل و عزلها بعضها عن بعض  ليتكفـّل كلّ عامل بمهّمة واحدة أو بجزئية عمل محدّدة بدقّة مرتبطة ارتباطا وثيقا بعنصر الزمن وهو ما يجعل العمل المفتّت مقترنا بقيمة النجاعة كقيمة مادية.
ـ  تترجم هذه النجاعة مطلب الوفرة و لعلّ ذلك ما أكّد عليه سارتر في اعتباره العامل في نظام الأجرة « رجل المهمّة الواحدة يكرّرها مئات المرّات»
ـ لعلّ العودة لأطروحة دوركهايم في علم الاجتماع تبيّن لنا القيمة الاجتماعيّة للعمل و لتقسيمه كما تبيّن لنا سلبيات تفتيّته من ذلك استحضار دوركهايم لموقف توكفيل الذي يرى في تقسيم العمل تقدّما
و جودة للصنعة مقابل انحطاط للعامل و لقيمته.
ـ ليس بالبعيد عن ذلك نجد ما ذهب إليه ماركوز في تأثيم الحضارة الغربية المعاصرة أو المجتمعات الرأسماليّة التي حوّلت الإنسان إلى إنسان مجرّد من أبعاده أو هو ذي بعد واحد و اختزاله في كينونة إنتاجية و استهلاكية محضة.
ـ فالحضارة الغربية الصّناعية الراهنة تقوّمت على لوغوس الربح بشكل خلقت في الإنسان إيروس الصّناعي مرتبط بحاجات زائفة يصنعها الإشهار.
ـ أن نكون أمام الاغتراب الناتج عن تقسيم العمل فذلك ما يجعلنا أمام توتّر بين قيمتي النجاعة المادية و العدالة كمطلب إنساني.

هناك تعليقان (2):

  1. شكرا جزيلا أستاذ عمل ممتاز سهل و ماخص و مفيد انساء الله بالنجاح يا رب

    ردحذف
  2. مسروق من عمل الاستاذ زهير الخويلدي

    ردحذف