إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الاثنين، 16 مايو، 2016

تحليل نصّ: السّعادة عند ديكارت

تحليل نصّ ديكارت:
كانت حكمتي أن أسعى دوما إلى مغالبة نفسي لا إلى مغالبة الصدفة، وإلى تغيير رغباتي عوض تغيير نظام الكون، وعلى العموم أن أتعوّد على الاعتقاد بأن لا شيء يكون تماما تحت سيطرتنا سوى أفكارنا، بحيث أنّنا إذا بذلنا قصارى جهدنا إزاء الأشياء الخارجة 

عنّا، فإنّ كلّ ما يفوتنا من نجاح يكون في نظرنا، مستحيلا على الإطلاق. وقد بدا لي ذلك وحده كافيا لكي لا أطلب في المستقبل إلاّ الأشياء التي أستطيع الحصول عليها، ولكي أكون بذلك مغتبطا. إذ ما دامت إرادتنا لا تتوق بالطبيعة إلاّ إلى الأشياء التي يصوّرها لها الذهن كممكنة إلى حدّ ما، فمن المؤكّد أنّنا إذا اعتبرنا كلّ الخيرات الخارجة عنّا متساوية في بعدها عن مقدرتنا، لن نأسف لحرماننا، دون ذنب اقترفناه، من التي تبدو منها عائدة إلى مولدنا، أكثر ممّا نأسف لعدم امتلاكنا ممالك الصين والمكسيك، وعملا كما يقال بفضيلة الضرورة، لن نرغب في أن نكون  في صحّة جيّدة ونحن مرضى، أو أن نكون أحرارا ونحن في السّجن، أكثر ممّا نرغب الآن في أن تكون لنا أجسادا لا تبلى كالماسّ، أو أن تكون لنا أجنحة نطير بها كالطيور. غير أنّي أعترف بأنّه لا بدّ من دربة طويلة ومن تأمّل متكرّر باستمرار لتعويد النفس على النظر من هذه الزاوية لكلّ الأشياء وأعتقد أنّه في ذلك أساسا يكمن سرّ أولئك الفلاسفة الذين استطاعوا في الماضي أن يتخلّصوا من سلطان القدر، وأن ينافسوا رغم الآلام والفقر، آلهتهم في السّعادة. ذلك أنّهم بسعيهم المتواصل للوقوف على الحدود التي وضعتها لهم الطبيعة، اقتنعوا تمام الاقتناع بأن لا شيء في متناولهم إلاّ أفكارهم، إلى حدّ كان ذلك وحده كافيا لمنعهم من التعلّق بأيّ شيء آخر؛ وقد كانوا متملّكين لتلك الأفكار تملّكا مطلقا إلى حدّ كانوا معه على حقّ في اعتبار أنفسهم أكثر غنى ومقدرة وحريّة وسعادة من أيّ بشر سواهم، لم تكن له تلك الفلسفة، فلم يتملّك أبدا كلّ ما يشاء، مهما حبته الطبيعة وأسعفه الحظ.
                                                 ديكارت: حديث الطريقة (الجزء الثالث)
حلّل هذا النصّ في شكل مقال فلسفي مستعينا بالأسئلة:
1) بيّن كيف أنّ الحكمة الأخلاقية تكمن في مغالبة النفس لا في مغالبة الصدفة، وفي تغيير الرّغبات لا في تغيير نظام الكون؟
2) ماذا يترتّب في نظر ديكارت عن الاعتقاد " بأن لا شيء يكون تماما تحت سيطرتنا سوى أفكارنا؟
3)  كيف تتحدّد ــ في النصّ ــ علاقة الإرادة بالذهن وعلاقة الإرادة بالمقدرة؟
4) هل تعتبر أنّ هذه الحكمة الأخلاقية كفيلة بجعل الإنسان يشعر أنّه "أكثر غنى ومقدرة وحريّة وسعادة من أيّ كان"؟
**********************
فهم النصّ:
الأطروحة: تحقّق السّعادة والرّضاء عن النفس يكمن في مغالبة النفس إصغاء لصوت العقل ودربة على تعويد النفس على الرضاء التامّ بالضرورة.
التمهيد: يمكن التمهيد للمقال بــ:
* قيمة السّعادة مطلبا فلسفيا يجعلها مقصد الجميع وغايتهم وإن اختلفوا في تحديد شروطها فكانت المقاربة العقلانية.
* تحوّلات مفهوم السّعادة مع تنوّع المجتمعات وتطوّرها اليوم يجعل من المهمّ مراجعتها على ضوء تطوّر فهمنا للإنسان.
 طرح الإشكالية: ما الذي يحقّق السّعادة ورضاء النفس التامّ هل في مغالبتها للضرورة توقا لإرادة مطلقة تتجاوز حدود الإمكان أم في مغالبة النفس ذاتها إصغاء لصوت العقل على الرّضاء التامّ بالضرورة؟ وهل لا تكون السّعادة بموجب هذه الحكمة مجرّد وهم نسعى إليه دون تحقيقه ما يحوّلنا إلى بشر خانعين إلى عبيد للضرورة ذاتها؟ أليست السّعادة بماهي خيرا أسمى توق أبديّ إلى الحريّة ورغبة في عالم أفضل؟
التحليل:
يمكن تحليل النصّ وفق التمشّي التالي:
* تحليل أطروحة الكاتب القائلة بأنّ التزام الحكمة في مغالبة النفس إصغاء لصوت العقل هو ما يحقّق السّعادة شرط تدريب النفس على الرضاء التامّ بالضرورة؟ وذلك بــ: الوقوف عند مفهوم " حكمتي" في النصّ والمقصود منها المذهب الأخلاقي الخاصّ الذي يدعونا الكاتب إلى اتّباعه وهو مذهب يقوم على الفهم الديكارتي للإنسان بما هو كائن عاقل وأنّ العقل طبيعة ثابتة فيه (العقل الأعدل قسمة وتوزّعا بين الناس) وأن نفهم أنّ المعرفة العقلية التي اعتمدها الفيلسوف إنّما تعني معرفة حدسيّة فطريّة هي جوهر النفس البشرية (فعرفت أنّي جوهر كلّ ماهيته وطبيعته لا تقوم إلّا على الفكر) فالنفس إذن هي النفس العاقلة العارفة وهي التي يؤسّس عليها ديكارت مذهبه الأخلاقي أو حكمته في نيل السّعادة .
فما هي السّعادة؟ وكيف السبيل الى تحصيلها حسب هذه الحكمة؟
يحدّد ديكارت السّعادة في سياق النصّ بكونها: الغبطة ــ تحصيل الخيرات ــ فضيلة الضرورة ــ وهي أيضا القناعة وغنى النفس والمقدرة والحرية.. وهي معاني كلّها ترتدّ إلى دلالة واحدة تعني الرضاء التامّ للنفس وهو رضاء ينبع من فطرة العقل عندنا غير أنّ تحصيلها مشروط بــ:
*مغالبة النفس لا مغالبة الصدفة.
* تغيير الرّغبات الذاتية بدل تغيير نظام الكون.
*الإصغاء لصوت العقل وتحقيق ما هو ممكن.
وهذا كلّه يحتاج:
دربة طويلة وتأمّل متكرّر باستمرار لتعويد النفس على النظر من زاوية القبول بالضرورة.
وهو تقريبا الموقف نفسه الذي كان يدعو له أرسطو من دربة على التأمّل ومداومة التأمّل العقلي على الفضيلة لأنّ " خطافا واحدا أو يوما مشمسا واحدا لا يصنعان الربيع" كما يقول.
غير أنّ ما يميّز الحكمة الديكارتية كون هذا التحصيل وهذه الدربة هي من طبيعة الإنسان البشرية لأنّ الناس سواسية في العقل بينما هي عند أرسطو ميزة الفيلسوف الحكيم.
فالأخلاق الديكارتية هي أخلاق كلّ إنسان عاقل يملك بالفطرة عقلا وإرادة يغالب بها نفسه متى درّبها على فعل الخير وتحصيل الغبطة إذا ما رام القناعة والتزم فضيلة الضرورة وكان من الحرية والمقدرة ما به يترفّع عن الحواسّ وعن الخيرات المادية والحسّية والإشباع الجسماني. لأنّ الإشباع الحقيقي هو الإشباع الروحي الذي يمتثّل للضرورة لا للصدفة يقتدر على الفعل الذاتي ــ الحرّ بدل مقارعة النجوم في السّماء. فهل تكون هذه الحكمة كافية لتحقيق السّعادة؟ وأيّ سعادة تلك التي يطلبها الإنسان؟ ألا تكون السّعادة بالمعنى الذي يطلبه ديكارت مجرّد وهم نسعى إليه دون القدرة على تحقيقه؟ ألا يحوّلنا الرضاء بالضرورة إلى مجرّد عبيد للضرورة؟
النقاش:
المكاسب:
*تثمين الموقف الديكارتي الذي يؤسّس فكرة السّعادة على العقل والرضاء النفسي وعلى دربة النفس على مغالبة الأهواء والشهوة والضرورة وهو الموقف الذي يتّفق فيه مع أرسطو وروسو وسبينوزا وحتى كانط من جهة التأكيد على الفعل الذاتي (حكمتي أو مذهبي عند كانط) الخلقي والدربة الذاتية على الالتزام بحدود الضرورة تحقيقا للفضيلة.
*تحديد السّعادة بما هي الغبطة وتحقّق الخيرات والقناعة وغنى النفس وهو المعنى الذي يؤسّس السّعادة في النفس لا في الجسم لأنّ السّعادة التي يحدّها الألم ليست سعادة حقيقية ولا تكون سعادة حقيقية إلاّ متى كانت توق النفس الدائم إلى الرضاء التام.
الحدود:
*اعتبار أنّ السّعادة لا يمكن أن تكون مطلب الأخلاق بل الدين "مطلب الخيال لا العقل" كما قال كانط لا تتحقّق كخير أسمى في الدنيا بل في الاخرة.  وهو ما يستوجب الإيمان: بوجود الله وخلود الروح وحريّة الإرادة أي لا يكفي الإنسان فعل الخير بل الإيمان الديني. وهذا من شأنه أن يرحّل مطلب السّعادة إلى الحياة الأخرى ويجعلها مجرّد أمل أو حلم " ليست الأخلاق مبدأ يعلّمنا أن نكون سعداء بل يعلّمنا كيف نكون جديرين بالسّعادة.
*استحالة مطلب السّعادة في الدنيا ما دامت تحدّها الالام. فتكويننا النفسي والبيولوجي يجعل السّعادة مطلبا مستحيلا حسب فرويد فــ" لم يكن في خطّة الخلق أن يكون الإنسان سعيدا ".
 الهادي عبد الحفيظ ـــــــ معهد المنارة ــــــ  قابس: 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق