إعــــــــــــــــــــــــــلام
مرحبا بكم أيّها الأعزّاء، في مدوّنتكم طريق النجاح.

نرجـو أن تُشــرّفـونا بزياراتـكم ومساهمــاتكم ونعلمـكم أننّــا على استعــداد لنشر كـلّ مـا تتكرّمـون به من مساهمـات تفيــد الأستـــاذ والتلميذ معا. ننتــظر أن تمــدّونا بدروسـكم أو امتحاناتكم أو كلّ ما ترونه صالحا للنشر، يستفيد منه دارس الفلسفة في السنوات الثالثة والرابعة من شعبتي الآداب والعلـوم. للمراسلة والطلبـات والاستفسار يُمكنـكم الاتّصـال على العنوان التالي:

بحث في المدونة

الأحد، 27 ديسمبر، 2009

هويّتنا الثقافية و العولمة

سالم يفوت
مقدمـة:  غرضنا في هذا البحث أن نتناول بالتحليل النقدي سؤالا جوهريا محايثا لسؤال الهويّة و العولمة و لكلّ الأسئلة المتفرّعة عنه و التي تطرحها النخبة المثقّفة بالبلاد العربية، من شأن فحصه و الجواب عنه أن يزيلا العديد من ألوان اللبس و الغموض التي تكتنف مفهوم الهويّة و غيره من المفاهيم المنحدرة إلينا من أسئلة النهضة العربية في القرن الماضي. و السؤال هو: هل يشكّل التاريخ خطرا محدقا بهويّتنا و هل يتهدّدها ؟ أو بعبارة أكثر تخصيصا، تناسب هذا المقام: هل تشكّل العولمة خطرا محدقا بهويّتنا و هل تتهدّدها ؟ تأتي مشروعيه طرح هذا السؤال من اقتناعنا بأنّ التمسّك بالهويّة يشتدّ بفعل هول التحوّلات و المنعطفات و كأنّه نوع 
من الانتقام من قساوات التاريخ، أفلا تكون العولمة، من وجهة النظر هذه، "قساوة" من قساوات هذا الأخير ؟ أفلا يكون طرح سؤال الهويّة من جديد موقفا نكوصيا ؟؟
هل العولمة قساوة من قساوات التاريخ ؟
يمكن القول بداية إنّ "صغر العالم" و تحوّله إلى "قرية صغيرة" ليس ظاهرة مباغتة و بدون مقدّمات و ممّهدات، بل جاءت كتتويج لمسلسل طويل هو مسلسل "التدويل". فظاهرة العولمة امتداد و تطوير نوعي للتدويل يتّخذ مظاهر اقتصادية و اجتماعية و سياسية. فحتّى حدود الثمانينات، ظلّت العلاقات الاقتصادية الدولية تندرج ضمن مسلسل التدويل المتجلّي في انفتاح الاقتصادات الوطنية على المبادلات التجارية و الأموال الخارجية. و بازدياد وتيرة انسياب الاستثمارات عبر الحدود في كلّ القطاعات الإنتاجية، من خلال عمليات اقتناء المشاريع من طرف الشركات المتعدّدة الجنسيات، ممّا ترتّب عنه تقدّم جديد لاندماج المشروعات و تمركزها، حدث تحوّل نوعي في مسلسل التدويل خلال السنوات العشر الأخيرة تمخّض عن العولمة. و يرى الباحثون أنّ ثمّة أربعة عوامل ساهم ارتباطها بتقدّم انتقال رؤوس الأموال و المبادلات التجارية التعجيل بظاهرة العولمة. (1) 
1  ـ  تنوّع و تعدّد منابع تصدير الأموال، فلم تعد الولايات المتّحدة وحدها منبعا، بل أصبحت تشاركها في ذلك اليابان و أوروبا و البلدان الصناعية الجديدة، فتشابكت الاستثمارات الخارجية و تشابكت السيولة المالية المنتقلة بين الأقطار المتقدّمة.
2  ـ  تحرير الأنشطة الاقتصادية نتيجة التخلّي عن التقنيات المنظّمة قطريّا للعديد من القطاعات ذات الصلة بالعمليات المصرفية و الصفقات و المواصلات، فتقلّص حضور الدولة في العديد من المجالات الاقتصادية نتيجة ذلك و نتيجة الابتكارات و الاختراعات الجديدة في مجال الاتّصال. و لم يعد ثمّة بالإمكان الكلام عن استقلالية الأسواق المالية الوطنية.
3  ـ  امتياز الطفرة التكنولوجية المصاحبة للعولمة بأحداث تواصل عضوي بين مختلف مسالك التطوّر التكنولوجي في مجال الطاقة أو الإلكترونيات أو التواصل. وهذا ما جعلها تتحكّم في اقتصاد الزمان و اقتصاد المكان و تساهم في انحدار مكانة المادة الأوّلية داخل الدورة الإنتاجية لصالح منتوجات العقول.
4  ـ  تشابه الأذواق و الحاجيات و تجانس المطالب، فأصبح المستهلك مستهلكا كونيّا يفضّل اقتناء منتوجات ذات مواصفات و مقاييس من نفس النوع كما هو الشأن بالنسبة للأحذية المطاطية و الملابس الجاهزة و السيّارات… ممّا يجعل المنافسة ترتقي إلى درجة عالية جدّا و متقدّمة في العالمية.
أدّى تضافر هذه العوامل الأربعة إلى انطلاق مسلسل العولمة باعتباره مرحلة متقدّمة لظاهرة تدويل الإنتاج و المشروعات، حيث أصبح الشكل المادي للإنتاج خاضعا لمنطق مجرّد لمبادلات الأموال و التواصل و كان ذلك في الثمانينات، فزالت الحواجز بين الأسواق المالية و تغيّرت بنياتها و منظومات التدبير فيها. لقد تجاوز نشاط المبادلات السلع و صار ينصبّ كذلك على الخدمات و شبكات الاتّفاقات كاقتناء البراءات. للعولمة، إذن، ثلاثة اتّجاهات(2):
*  اتّجاه تتحوّل الاقتصادات الحديثة بمقتضاه إلى منظومات مندمجة تلتقي داخلها حركية توسيع مبادلات السلع و التكنولوجيا و الخدمات و رؤوس الأموال و وسائل الاتّصال عبر شبكات مرتبطة ببعضها البعض.
*  و اتّجاه تتحوّل بمقتضاه الأنشطة الاقتصادية الموجودة داخل مختلف الأقطار بكلّ أشكالها إلى نماذج للإنتاج و التبادل عبر مختلف قنوات الاتّصال.
*  أمّا الاتّجاه الثالث و الهامّ، على الأقلّ بالنسبة لهذا المقام، فهو ذاك الذي تندثر بمقتضاه الخصوصيات الثقافية و أنماط الاستهلاك الخصوصية من جرّاء تجانس الطلب و خضوع المنتوجات لتنميطات موحّدة ذات بعد كوني شامل.
"السوق" المعولمة " ترفض اعتبار وجود خصائص و طبائع ثقافية أو سيكولوجية محليّة، و بذلك فإنّ العولمة تقضي بميلاد نموذج جديد للتبادل له بعد كوني. هكذا يفقد تداول السّلع طبيعته الملموسة داخل الأسواق التقليدية (وطنية و جهوية و دولية) ليصبح مجرّدا داخل سوق من نوع جديد"(3). سنؤجّل الإسهاب في هذه النقطة المتعلّقة بذوبان الخصائص و الخصوصيات الثقافية المحلّية و مناقشتها، مكتفين اللحظة بالحديث عن العولمة و القصور البنيوي للاقتصادات العربية، ذلك أنّ العولمة خلقت شروطا جديدة لتنافس جديد على درجة عالية من الحدّة لم تعد معه الكيانات القطرية قادرة على الصمود لمواجهة رهانات تحدّي التنافس. فالكيانات القطرية العربية يطبع اقتصادها ضعف شديد و قصور بنيوي، ممّا يحتّم عليها خلق تجمّع اقتصادي جهوي أو إقليمي لتصبح فاعلة في العلاقات الاقتصادية الدولية. و من مؤشّرات ذلك القصور عدم استقرار وتيرة النموّ لغياب ترشيد الموارد و التي تستعمل لأغراض الاستهلاك التبذيري المفرط و الاستثمارات غير المجديّة. عدم مردودية التعليم رغم ما ينفق عليه من ميزانيات ضخمة. حجم المديونية الخارجية العربية و الذي لا يتناسب و الموجودات العربية الموظّفة أو المودعة في الخارج. الإنفاق العسكري نتيجة التناقضات العربية ـ العربية و غياب أسس الاستقرار السياسي و المجتمعي داخل أغلب الكيانات القطرية. سوء توزيع الدخل و ضعف الفئات الوسطى و انتشار مظاهر الفقر و الأمّية. قصور الأداء السياسي لأغلب الدول العربية و عدم انخراطها في المشروع الديمقراطي و تفعيل المجتمع المدني، و قد ترتّب عن ذلك تغييب الإنسان في عملية التنمية و البناء و تهميش الطاقات و الكفاءات الثقافية و العلمية و تدهور وضع المنظومة التعليمية و البحث العلمي(4) بيّن، إذن، أنّ العرب اليوم مطالبون بأنّ يكونوا في مستوى التحدّي الجديد، تحدّي المستقبل باقتراح أجوبة مناسبة تجعلهم يواكبون التحوّلات التي تفرضها ظاهرة العولمة ولا يظلّون في هامش التاريخ و أوّل شرط من شروط المواكبة: خلق تجمّع إقليمي اقتصادي عربي، ذلك أنّ العولمة أظهرت أنّ الكيانات القطرية لم تعد قادرة على الاستجابة لمتطلّبات الارتقاء التكنولوجي و التنافسي. أمّا الشرط الثاني فهو الاستجابة لمطلب الديمقراطية بخلق أدوات استشارية حقيقية بالانفتاح على طاقات المجتمع المدني و ردّ الاعتبار للاختلاف و التسامح و إدماج البعد الاجتماعي في عملية التنمية الشاملة، فلا تنمية اقتصادية بدون تنمية اجتماعية تقلّ ص الفوار و توفّر العمل.
*********
عمدنا في ما تقدّم إلى إبراز الاتّجاهات الرئيسية العامة لظاهرة العولمة كمدخل أو مقدّمة للجواب عن سؤال نعتبره حاسما نعطيه صياغة جديدة: هل الهلع من العولمة هلع مشروع ؟ و هل الهلع من المتغيّرات هلع مبرّر؟ إنّ ما حاولنا أن نؤكّد عليه في الفقرة الآنفة هو أنّ العولمة كانت ظاهرة مرتقبة، صحيح أنّها شكّلت طفرة نوعية، لكنّها جاءت نتيجة ممّهدات و مقدّمات تاريخية سبق التليمح إليها باختصار شديد. لذا فإنّ موقف الهلع، الذي نلحظه في العديد من الكتابات العربية، من الظاهرة يعدّ في نظرنا تنكّرا للتاريخية و التاريخ، أي عدم اعتبار صيرورة الحقيقة و تسلسلها و عدم اعتبار إيجابية الحدث التاريخي و تسلسل الأحداث. (5)  و يمكن القول صراحة إنّ المجتمع الذي يسير على هدي النظرة التاريخية يسود العالم و لن يستطيع أي مجتمع كان المحافظة على مقامه و حقوقه إلاّ بالخضوع للمنطق الجديد، منطق خوض غمار المستقبل دون رهبة من المستجدّات. (6) من هذا المنظور، لا يجوز الكلام عن "قساوة" في التاريخ أو عن جناية تاريخية أو ما شابه ذلك من العبارات التي تنمّ عن الهلع من المستجدّات إلاّ بالنسبة لذهن يتنكّر لمنطق التاريخ و يهاب المغامرة التاريخية. و تلك حال الذهن العربي فلا تكاد تخلو مجلّة أو صحيفة عربية من الحديث عن العولمة و عن مخاطرها و مساوئها، و كأنّ الأمر يتعلّق ببضاعة تقبل أو تردّ، و كأنّنا في موقع قوّة يبيح لنا أن نستشار في قبولها أو رفضها. و إن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على غياب الوعي التاريخي الذي طبع مواقفنا، نحن العرب، من كبريات المنعطفات في تاريخنا و ما يزال، رغم انطوائها في العديد من الأحيان على قيم يستلزم الأمر أن يستثمرها العرب لصالحهم. لقد تحدّثنا آنفا عن مظاهر القصور البنيوي للاقتصادات العربية و التي تعكس مظاهر قصور آخر أعمق، إنّه القصور السياسي و الاجتماعي و قد ذكرنا أنّ أغلب الدول العربية لم تنخرط في المشروع الديمقراطي و لم يتمّ بها تفعيل المجتمع المدني، كما غيّبت الإنسان في عملية التنمية و البناء و همّشت الطاقات و الكفاءات الثقافية و العلمية… و نظنّ أنّ رفع تحدّي العولمة و الالتحاق بركب التقدّم يفرض الانخراط في المشروع الديمقراطي و تفعيل المجتمع المدني و المراهنة على الإنسان باعتباره أكبر و أهمّ ورقة في عملية التنمية. إنّه الحدّ الأدنى الذي يسمح به للعرب الدخول إلى القرن الحادي و العشرين و إلاّ أقصاهم التاريخ، أو أقصوا أنفسهم منه. إنّ النظام العالمي الجديد أصبح يفرض قيما تستلزم أن يستثمرها العالم العربي لصالحه كمدخل للعولمة و للمستقبل وهي قيم تستند إلى مبادئ كمبدأ عالمية حقوق الإنسان و يتمثّل في تزايد التأكيد على احترام حقوق الإنسان والحريّات العامة، فلم تعد هذه الحقوق مجرّد شأن يخصّ كلّ وطن على حدة و مسألة داخلية، بل أصبحت شأنا عالميا. و مبدأ حقّ الاختلاف و التعدّد، و مبدأ حقّ الجميع في الحياة في بيئة خالية من الأخطار و التلوّث. و مبدأ حلّ القضايا عن طريق الحوار بدل المواجهة… إنّ إمعان النظر في هذه المبادئ يجعلنا نقتنع أنّها مبادئ ما أحوجنا إليها في أقطارنا العربية. لكن الهلع من المتغيّرات الجديدة يجعل بعض مثقّفينا و محللّينا السياسيين يصوّرون العولمة، و النظام العالمي الجديد، قبل ذلك، كغول قادم يبقى على الأقوياء و يسحق الضعفاء، دون الانتباه إلى أنّ من لا يواكب التاريخ و لا ينصاع لمنطقه ضعيف، و إلى أنّ ما يحكم العلاقات الدولية هو منطق الغلبة، و أن المجتمع المتغلّب اليوم هو المجتمع المتقدّم. و الدليل على ما نقول إنّ العالم العربي يقاد، حاليا، إلى الحداثة بالسلاسل، و أغلب أقطاره لم تنقد إلى المبادئ الآنف ذكرها، كمبدأ حقوق الإنسان و الحريّات العامة و الديمقراطية، طوعا و  من تلقاء نفسها، بل قهرا و بقرار أو توصية من البنك العالمي أو صندوق النقد الدولي أو منظّمة العفو الدولية و خوفا من العقوبات. بهذا المعنى، أي حين يحصل الوهم إنّ التقدّم و الحداثة يتمّان قسرا و "بإملاء"، ينظر إلى المستجدّات و المتغيّرات، و من بينها العولمة، على أنّها "قساوة" أو جور تاريخيان، زجّا بمجتمعات في تاريخ ليس تاريخها و مستقبل ليس مستقبلها.
الهويّة و العولمة:
ننفذ إلى هذا الموضوع من خلال تساؤل يفرضه سياق هذا البحث: هل تتهدّد العولمة الهويّة ؟ أو بعبارة أصحّ، هل تؤدّي العولمة إلى اندثار الخصوصيات الثقافية ؟ نقول مباشرة: إنّ السؤال بهذه الصيغة الأخيرة يفرض جوابا بالإيجاب، إذ من بين اتّجاهات العولمة اتّجاه تندثر بمقتضاه الخصوصيات الثقافية، و المقصود بذلك هاهنا، اندثار أنماط الاستهلاك الخصوصية من جرّاء تجانس الطلب و خضوع المنتوجات لتنميطات موحّدة ذات بعد كوني. فأين نحن من الهويّة ؟ إنّ الأمر لا يعدو المستوى الاقتصادي الاستهلاكي و من المعروف أنّه حتّى في هذا المستوى، تظلّ الفئات الوسطى و الفقيرة، و التي تشكّل النسبة العظمى من النسيج الاجتماعي العربي، تحتفظ إلى حدّ بعيد بسلوكاتها الاقتصادية و الاستهلاكية لعدم قدرتها على مسايرة كلّ المتطلّبات الجديدة. أمّا السؤال في صيغته الأولى فيحتاج إلى وقفة نقدية باعتبار أنّ الهويّة أعمّ و أشمل من الخصوصيات في معناها المفصّل أعلاه. تسبّب استعمال لفظ الهويّة في خلط و التباس فكريين منتشرين. فغالبا ما تفهم الهويّة فهما مطلقا معزولا عن كلّ الظروف أو الشروط القائمة و كأن الهويّة تعني أنّ من الواجب على عرب اليوم أن يضاهوا عرب الأمس و أن يتميّزوا عن الغير، و بخاصّة عن الغربيين، و يفترض كلّ ذلك عدم الاقتباس من ذلك الغير حتّى الأمور الصالحة و المفيدة و بدعوى أنّها معارضة لما يطمح إليه العرب من تميّز و مغايرة، إن لم نقل من تفوّق. و كلّما قلّ الاقتباس من الخارج والتفاعل معه، تقوّت حظوظ المحافظة على التشكيلة الاجتماعية و على نفوذ النخبة التقليدية فيها هذا رغم استيراد منتجات استهلاكية ترفيهية لا تمسّ في المثل و الرموز. (7) لقد صار من الشائع ربط الهويّة بالماضي و بما تمّ إنجازه فيه، كما أصبح من المألوف ربطها بما هو ثابت لا يقبل التحوّل و لا يراد له أن يتحوّل حتّى لا تندثر معالم ما يحفظ للأمّة استمرارها عبر الزمن، ولا [تندرس] أصالتها بفعل تحدّيات إنجازات الحاضر أو المعاصَرة (بفتح الصاد). و الهويّة، بهذا المعنى، تغدو، في نهاية المطاف، مرادفة للجمود على الحال و التقوقع في الماضي و الحقيقة. إنّ الهويّة لا ترتبط بالماضي أكثر من ارتباطها بالمستقبل، بطموح الأمّة و آمالها في المستقبل. بهذا المعنى تغدو الهويّة مرتبطة بطموح الأمّة و مطامحها في بناء مستقبل جديد، و ما ترغب في تحقيقه في المستقبل تداركا للتأخير و بغية الالتحاق بالرّكب. لكن ذلك كلّه لن يتأتّى إلاّ ضمن ما هو متاح، عالميا، الآن. العولمة عنصر أساسي من ذلك المتاح الذي لا يمكن تجاوزه. لقد أشرنا، منذ قليل إلى أّن ثمّة مبادئ يستند إليها النظام العالمي الجديد و العوملة لا يمكن للعرب عدم استثمارها من أجل بناء مجتمع مدني تحترم فيه حقوق الإنسان و الحريّات العامة. إنّ كلّ تقدّم يستلزم استيعاب مكتسبات الحاضر و خوض غمار المستقبل، و جعل الماضي أو الهويّة يرتفعان إلى مستوى معيّن، مستوى الحاضر و المستقبل، وهو المدخل إلى العالمية. فهذه الأخيرة لا تقتضي المشاركة فيها، بالضرورة، تذويب ألوان الخصوصية و التعالي على التاريخ و على الاختلافات و صنوف التنوّع. "فإنّ التحوّلات الكونية قد ألقت بنا في أتون آلة حضارية جهنمية لا نملك أن نقف قبالتها عند حدود النظر إلى عجائب تركيبها و طرائق عملها و فعلها مأخوذين بالدهشة أو الاستغراب أو الذعر فحسب إنّ كلّ شيء يوجب علينا، إن كانت الحياة تعني لنا شيئا و إن كان البقاء أمرا يشغل بالنا و يقلق راحتنا، أن نصوّب أنظارنا إلى ما يحدث و أن نبدع الآليات الفاعلة التي تهيِّئ لنا استجابات مطابقة تعين على الحياة و على استمرار الوجود في شروط آمنة لنا نحن و للآتين من بعدنا ممّن يمتّون إلينا بروابط خاصّة في تلك التي نتكلّم عليها و نحيل إليها في كلّ مرّة نريد أن نعرّف بأنفسها و خصوصياتنا الشخصية أو التاريخية أو الحضارية أو الإنسانية قبالة الآخرين و الأغيار (8). إنّ الثقافات البشرية ثقافات متعدّدة، وجدت منذ الأزل كذلك و ستظلّ متنوّعة إلى أبد الآبدين. و لعلّ ما يجعلها تظلّ كذلك تدخل أبعاد عديدة فيها ترتدّ إلى ثلاثة هي: البعد الوطني القومي، و البعد الجماعي، ثمّ البعد الفردي و الشخصي. إنّها أبعاد غير قارّة، بل متحرّكة و متطوّرة بحكم تطوّر التاريخ. فحينما يتمّ الحديث عن هويّة ثقافية ما فإنّ الأمر يتعلّق بتلك الأبعاد الثلاثة و قد تشخّصت في كيان أمّة و حدود وطن أو دولة و شكّلت مرجعا رمزيا لأفراد تلك الأمّة أو ذلك الوطن. فهل العولمة اغتصاب لتلك العناصر مجتمعة و إفراغ لها من كلّ محتوى قصد تفتيتها و تشتيتها بربط الأفراد بعالم اللاوطن و اللاأمة و اللادولة و اللاخصوصية ؟ من الظواهر اللافتة للنظر أنّ الفكر العربي المعاصر "فكر أزمة"، يفترض الأزمات حيثما ينبغي التحلّي بالوعي التاريخي أمام المتغيّرات. يحوّل فشله إلى وفرة في الخطابات، وهو أمر يترتّب عنه غياب تصوّر واضح و محدّد للمفاهيم و الأطروحات موضوع الجدل ممّا يساعد على نشوء صراعات وهمية، وهو أمر يضعف النظر العربي و يحصره في دائرة مغلقة من المغالطات المفسدة لآليات العمل العقلي(9).   فالمتصفّح لما يكتبه العديد من مثقّفينا، اليوم، في موضوع العولمة في جانب آثارها الثقافية على العالم العربي يلاحظ أنّ الأجراس بدأت تدقّ مؤذنة بغزو ثقافي قادم و منذرة بعدوان جديد على الخصوصية الثقافية يتطلّب التحصّن و الدفاع و التأهّب و اليقظة(10).  و على افتراض أنّنا مستهدفون فعلا بغزو ثقافي يخترق تلك الهويّة فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: أين كنّا ؟ ألم يكن الأمر يستلزم من مدّة وضع استراتيجيات و خطط ثقافية ؟ أليست لنا تلك الاستراتيجيات و الخطط ؟ أين إعلامنا العربي ؟ إنّنا نعيش في عصر الفضائيات و الثورة الإعلامية، فماذا أعددنا لكلّ ذلك ؟ لقد تعوّدنا الركون إلى تحميل الغير مسؤولية ما نحن فيه من مشاكل و كأنّنا أمّة غير فاعلة يقسو علينا التاريخ مثلما تقسو علينا الظرفيات المستجدّة و كلّ ما نفعله هو أنّنا نطاوع كلّ ذلك و نصاب بالهلع و الذعر لا نملك ردود أفعال مناسبة و ملائمة يمليها تصوّرنا للراهن و المستقبل و تخطيطنا لهما. إنّنا كالطفل يصاب بالذعر أمام أي شيء لم يألفه و بدلا من أن يحاول اكتشاف مجاهيله و مواجهتها، يصاب بالفزع و يفرّ عائدا إلى حضن أمّه ينشد دفء الرغبة في العودة إلى الرحم، أي إلى مرحلة ما قبل مواجهة العالم بمشاكله و تعقيداته. لم لا يقتدي مخطّطونا في الثقافة، و المثقّفون بمفكّرينا الاقتصاديين الذين يخطّطون للمستقبل انطلاقا ممّا يعرف بالظرفية ممّا يعطي لتوقّعاتهم صبغة أكثر علمية و يضفي عليها طابع الواقعية ؟ فهؤلاء الأخيرون و أمام نفس المشاكل التي تحظى باهتمام الأوّلين، و لتكن مشاكل العولمة، يسلكون سبيل التحليل النقدي الهادئ الذي يقترح ردودا عملية على المستجدات بدلا من أن يفزع أمامها (11).  في زمن يتحدّث فيه علماء الاجتماع و الانطربولوجيا الثقافية و المنشغلون بتطوّر الثقافات عن التثاقف و المثاقفة و التلاقح الثقافي و انفتاح الثقافات على بعضها البعض و حوار الثقافات يركن مثقّفونا إلى أطروحات كثيرة لديهم كالغزو الثقافي و الاغتصاب الثقافي و الأمن الثقافي و اختراق ثقافة لأخرى و هلمّ جرّا، هذا مع أنّ الثقافة العربية برهنت، عبر تاريخها الطويل و الحافل، عن انفتاح قلّ نظيره إنّ كتاب الحيوان للجاحظ كلّه نقول من طباع الحيوان و أجزاء الحيوان لأرسطو، ومن مؤلّفات أخرى يونانية أو غير يونانية. و قس على هذا مؤلّفات الفلاسفة و العلماء العرب كما أن تأسيس "بيت الحكمة" على يد المأمون العبّاسي يحمل أكثر من دلالة و مغزى في هذا السياق، و من الظواهر اللافتة للنظر في تاريخ الثقافة و الحضارة العربية، و التي انتبه إليها ابن خلدون أنّ ثقافتنا، حتّى في أبهى عصورها ظلّت منفتحة على غيرها من الثقافات، بل "مخترقة" من قبلها رغم أنهّا كانت ثقافة "الغالبين"، و بدلا من أن يقلّدها المغلوبون و "تخترق" ثقافتهم، حدث العكس خلافا للقانون القائل "إنّ المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره و زيّه و نحلته و سائر أحواله و عوائده"(12) فما الذي دهانا اليوم ؟ أَنَهَابُ الحداثة و متغيّرات التاريخ رغم أنّ الحداثة قدرنا. نخاف المغامرة التاريخية و نبكي الأزمة في وقت كان الأمر فيه يتطلّب ابتكار أساليب لتدبير الأزمة و إدارتها ؟ هذا إن كانت ثمّة فعلا أزمة.
خاتمة:
هل العولمة قساوة من قساوات التاريخ ؟
تبيّن لنا من خلال ما تقدّم أنّها لن تبدو كذلك إلاّ بالنسبة لنظرة تتوهّم أن التقدّم و الحداثة افتضاض و اغتصاب و اعتداء على هويّة ـ ماهية تعلو على التاريخ و متغيّراته، هويّة بكر تحتفظ بطهرها عبر الزمن و تبدلاّته.
هل العولمة تتهدّد الهويّة ؟
يتّضح ممّا سبق ذكره أنّ الجواب ليس، بالضرورة، بالإيجاب. إنّها لا تتهدّدها إلاّ بالنسبة لرؤية تربط الهويّة بالماضي و تعتبرها معطى جاهزا و مكتملا، بينما الحقيقة أنّ الهويّة ترتبط بالمستقبل كذلك، بطموح الأمّة و آمالها في التجديد و بناء مستقبل جديد لا يتنكّر لمكتسبات العصر، بل يعمل على استيعابها لصالحه، لا يتجاوز المتاح عالميا، بذريعة خلق متاح خصوصي يحفظ الهويّة من تقلّبات التاريخ قد يكون هذا الوهم صحيحا لو كنّا نحن "الغالبين" أي نشكّل مركز العالم، أمّا و أنّنا محيط أو طرف من الأطراف، فإنّنا مضطرّون إلى قبول ما هو متاح و استثماره لصالحنا. إنّ من أعقد الأمور البتّ في المشكلات الثقافية و على رأسها مشكلة الهويّة الثقافية فمفهوم الهويّة الثقافية مفهوم غامض، لا يتحدّد بالإيجاب، بل بالسّلب، إنّ الهويّة هي ما يجعلني مختلفا عن الأغيار و متميّزا عنهم، و ليس من الضروري أن يكون الاختلاف و التمايز هنا بين مستويين من التطوّر والتحضّر، فحتّى بالنسبة لمجتمعات متقدّمة، مثلما نلحظ ذلك حاليا في المشهد العالمي، تتبّع نفس نموذج التحديث و التقدّم و توجد في نفس المستوى من التقدّم، تظلّ الفوارق و الاختلافات الثقافية بينها قائمة، كما تظلّ هويّاتها متباينة. لذا لا خوف على هويّتنا الثقافية من التقدّم و التحديث… و العولمة.
هوامش:
1 ـ انظر فتح الله ولعلو، تحدّيات عولمة الاقتصاد و التكنولوجيا في الدول العربية، عمان، 1996، ص 18 ـ 24.
2 ـ نفس المصدر، ص 25
3 ـ نفس المصدر، ص 26
4 ـ نفس المصدر، ص 47-49
5 ـ عبد الله العروي، العرب و الفكر التاريخي، بيروت 1983، ص 206
6 ـ نفس المصدر،ص 94
7 ـ عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص 200
8 ـ فهمي جدعان، الطريق إلى المستقبل، بيروت 1996، ص 7
9 ـ  كمال عبد اللطيف، مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي، بيروت 1992، ص 6
10 ـ كنموذج لتلك الكتابات، انظر مساهمتي الأستاذين محمد عابد الجابري و عبد الإله بلقزيز في ندوة، العرب و العولمة التي انعقدت ببيروت في دجنبر 1997.
11 ـ انظر على سبيل المثال المجلة الاقتصادية المغربية Signes du présent, Rabat. في عددها الخاص "بمفارقات الأزمة" (د.ت) العدد الخامس 1989
12 ـ ابن خلدون، المقدّمة، القاهرة (د.ت)، ص 147

هناك تعليق واحد: