الأحد، 21 أبريل 2013

تمرين منهجي: محور الفنّ

                             تمرين منهجي عدد: 1    محـــور الفـــنّ
إعداد الأستاذ: رشيــد الرقيــق ـ صفاقس
الأسئلـــة:
هل يمكن القول بأنّه كلّما ابتعد الفنّ عن الواقع، كلّما اقترب منه ؟
"ليس الفنّ مجرّد نسخ للواقع، و إنّما هو خلق له". ما رأيك؟
مرحلة الفهم:
*  يتمحور المشكل الذي يطرحه الموضوع حول علاقة الفنّ بالواقع، أي حول معاني كلّ من الفنّ  و من الواقع. و السؤال الذي يُثار حول معنى الفنّ، هو: هل تكمن حقيقة الفنّ في تسجيل و نسخ الواقع أم في تطلّعه إلى مثل أعلى للجمال ؟ و إذا كان الفنّ تمثيلا للواقع، فما الذي يجب أن يستثير اهتمامنا: هل هو "الشيء" الذي وقع تمثيله أم هو أسلوب تمثيله ؟
* و السؤال الذي يُثار حول معنى الواقع هو:
*  هل يقصد بلفظ الواقع: الواقع الحسّي، الظواهر، الأحداث، الملموس، المباشر، الطبيعي،
*  أم الواقع الاجتماعي المعطى، المعيش، تجارب الحياة اليومية،
* أم الواقع المثالي الروحاني، القيم و المثل العليا،
* أم الواقع الخيالي الممكن اللاراهن، الافتراضي.
* المطلوب هو شرح المفارقة: إذا ما ابتعد الفنّ عن الواقع كيف يتسنّى له أن يُحافظ على صلته به، و الاقتراب منه ؟ كيف يُحافظ الفنّ على واقعيّة إذا ما ابتعد عن الواقع الحسّي اليومي المباشر، و إذا ما أغرق في المثالية و التجريد، و إذا ما ابتعد و تسامى و تجاوز الواقع، و إذا ما اتّجه صوب اللامرئي المعقّد الخفي، بدل الالتحام بالمرئي و الاقتصار عليه ؟
*  المطلوب هو الانتباه إلى المسلّمات الضمنية للموضوع و هي:
* أنّ الفنّ قد يتعارض مع النزعة الواقعية التي ترى أنّه مجرّد نقل و نسخ أمين للواقع (نظرية المحاكاة).
* أنّ مثالية الفنّ لا تتعارض مع واقعيّته.
* أنّ الخيال و الإبداع و الأسلبة و الترميز و التمعين لا تبنى على التعارض بين الفنّ و الواقع
* أنّ الفنّ لا يكتفي بنقل الواقع كما هو، بل يسعى إلى خلق واقع جديد مغاير له.
التمهيــد:
* الإشارة إلى أنّ علاقة الفنّ بالواقع تظلّ إشكالية و متّسمة بالغموض، و تحتاج إلى معالجة دقيقة، و ذلك بالنظر إلى أنّ تعدّد المقاربات و المذاهب و الاتّجاهات الفنّية منذ القِدم، حالَ دون الوصول إلى إجابة حاسمة. و هو ما من شأنه أن يدفع إلى طرح السؤال حول طبيعة العلاقة التي تجمع الفنّ بالواقع، و حول مدى وجاهة القول بأنّ الفنّ يقترب من الواقع أكثر، كلّما ابتعد عنه.
الخطوط الأساسية للمقال:
أ / المستوى الأوّل:
*  يُمكن التعرّض في المستوى الأوّل إلى الاتّجاه الطبيعي و الواقعي الذي اعتبر أنّ الواقع (سواء أكان هذا الواقع هو الطبيعة أو المجتمع) مُنطوٍ على الجمال، و أنّ المحاكاة لم تكن تعني عند أرسطو نسخ الواقع و تقليده، و إنّما كانت تعني وضع رؤية إبداعية من خلالها يستطيع الفنّان أن يخلق عملا جديدا من مادة الحياة و الواقع، طبقا لما كان، أو لما هو كائن، أو لما يجب أن يكون. و بالنتيجة، فإنّ المحاكاة تعني الإبداع، و إعادة الخلق.
*  الحقيقة و الجمال يكمنان في الواقع عند أرسطو خلافا لأفلاطون الذي رأى أنّهما يكمنان في عالم المثل.
 *الفنّ في نظر أرسطو هو بحث عن الشكل المتناسق، و عن الموضوع الجميل و الوجه المليح. إذ في العالم يكمن الجمال.
*  يمكن التعرّض إلى الاتّجاه الواقعي في الفنّ، و إبراز تماثل الجمال الفنّي مع الجمال الطبيعي.
*  لقد ساد هذا التماثل حيث كان الميل قويّا إلى رسم ما يعتبره جميلا في الطبيعة. و برز ذلك في رسوم نماذج بشرية كأجسام الرياضيين و أجسام النساء.
*  و قد قام هذا التماثل على تبنّي نظرية المحاكاة على أساس أنّ الموضوع المرسوم يشبه الأشياء المنظورة في الطبيعة أو في المجتمع بوجه عام.
ب / المستوى الثاني:
* يُمكن التعرّض في مستوى ثان من التحليل إلى التعارض بين الفنّ و الواقع بالإحالة على النظرية الأفلاطونية الثنائية للوجود و نقده للمحاكاة، أو بالتعرّض إلى بعض المواقف الفلسفية أو الاتّجاهات الفنّية التي شدّدت على الطابع الذاتي الإبداعي للفنّ، و التي نظرت إليه على اعتبار أنّه يتطلّب العلوّ و التجاوز للواقع و الابتعاد عنه (أفلاطون، كانط، هيجل، ماركوز، بول كلّي، هيدقير)
* يرتبط التنديد بالمحاكاة عند أفلاطون بمفهومه عن المثل. إنّ الفنّ محاكاة للعالم الحسّي. و العالم الحسّي محاكاة لعالم المثل. لكن الفنّ محاكاة مشوّهة للعالم الحسّي. و العالم الحسّي محاكاة مشوّهة لعالم المثل. و من هنا، يبعد الفنّ ثلاث خطوات عن الحقيقة. إنّ هذه المحاكاة (كما قال أفلاطون في محاورة الجمهورية):"شحّاذة تزفّ إلى شحّاذ لتنجب منه (بطريقة مهينة) أطفالا". و لذلك، يجب علينا أن نتذكّر بأنّ المثل هي جواهر الأشياء و حقيقتها و تعريفها. و هو ما يترتّب عنه أنّ فنّ المحاكاة، هو تزييف لعالم المثل، أي أنّه تزييف لجواهر الأشياء و حقيقتها. و يقول أفلاطون في محاورة السفسطائي:" يجب أن نبدأ بتقسيم فنّ الإبداع لأنّ المحاكاة هي نوع من الخلق للصور على أيّ حال، و ليس للأشياء الحقيقيّة".
مرحلة التحرير:
التمهيد :
* إمكانية أولى: يُمكن الانطلاق من أنّ السمة التي أصبحت مميّزة للفنّ اليوم، هي التعبير عن رغبة في تجاوز الواقع السائد و المألوف، و في التحرّر من كلّ التقييدات و أشكال الضغط و القمع و القولبة التي فرضها المجتمع الصّناعي الحالي، و التي أصبحت تتحكّم في فكر و سلوك الإنسان المعاصر بقوّة و عنف، لم يعرف تاريخ الإنسانية له نظيرا. فتوسّل الفنّ، بما هو تعبير عن موقف من الحياة، هو موقف الانشقاق و النقد و الرفض.
* إمكانية ثانية: يمكن الانطلاق من الإشارة إلى موقفيْن متعارضيْن من الفنّ، على اعتبار أنّه رؤية للعالم، و أحد أشكال الوجود فيه: يرى الموقف الأوّل أنّ الفنّ مرتبط أوثق ارتباط بالحياة، و على أنّه أعظم مظاهر الحيوية والاحتفاء بالحياة و الإقبال عليها (نيتشه مثلا)، و يرى الموقف الثاني بأنّ الفنّ ينفصل عن الحياة و يهرب منها، و ذلك بالنظر إلى الضغط و القمع الاجتماعي الذي يدفع الفنّان إلى خلق عالم خاصّ به، و إلى تأكيد استقلاليته و حرّيته، و رغبته في التمرّد على المعايير و القواعد و القيم السائدة.
* إمكانية ثالثة: يُمكن الانطلاق من أنّ الإيديولوجيات السياسية فقدت في الآونة الراهنة جاذبيتها و نجاعتها. إذ فشلت في تحقيق وعدها بتجسيم الجنّة على أرض الواقع، و نشر السّعادة. و هو ما دفع بعض المفكّرين إلى التعلّق بالفنّ و تثمين طابعه الإنساني الكوني، و قدراته الثورية التحريرية بغاية مكافحة كلّ أشكال الاستيلاب و القولبة و التكيّف و الدمج.
* إمكانية رابعة: يُمكن الانطلاق من ملاحظة أنّ تاريخ البشرية إلى الآن كان يجري في بعديْن: هما بعد التكيّف و الاندماج في المجتمع القائم، و بعد المعارضة الثورية. و الإشارة إلى أنّ الإنسان المعاصر أضاع ملكاته النقدية، و أصبح ذا بعد واحد، خاضعا للحاجات المقولبة التافهة، و عاجزا عن أنّ يحلم بتغيير الواقع، و بتجديد أسلوبه في الحياة.
الإشكاليــة:
* التساؤل عن طبيعة العلاقة التي تربط الفنّ بالواقع: هل هي علاقة تنافر أم تناغم ؟
* التساؤل عن الوسائل و الآليات التي عمد إليها المجتمع الصّناعي لإخماد طاقة الفنّ الثورية و عن كيفية توفيقه بين المتناقضات.
* التساؤل عن امتداد انسداد الأفق أمام النقد و المعارضة الذي تجلّى في النظام الكلّي الاستبدادي الجديد، و الذي ميّز الثقافة المعاصرة.
* التساؤل لماذا أصبحت الثورة مستبعدة، بل مستحيلة.
* التساؤل عمّا إذا كان الفنّ بما هو طريق إلى الجمال و السّعادة يتفرّد بأنّه يحمل تسوية و مصالحة بينه و بين الواقع و بين الممكن و الراهن.
* أي بالتساؤل عن قدرة الفنّ على خرق الانغلاق و الحصار الذي فرضه عليه المجتمع الصّناعي الأحادي البُعد.
التحليـــل:
* يتعيّن على المترشّح تركيز تحريره حول الوظيفة الثورية للفنّ، و حول طابعه الشمولي الإنساني، و الوقوف عند الوسائل التي من الممكن له الاعتماد عليها بغاية اختراق انسداد الأفق، و فكّ المحاصرة التي فرضها عليه المجتمع الصناعي المعاصر.
العنصر الأوّل: بيان انسداد الأفق و الانغلاق الذي يمنع المعارضة و النقد:
* الإشارة إلى أنّ المجتمع الصّناعي أفرغ الفنّ من مضمونه الإنساني الثوري و التحرّري.
* الإشارة إلى أنّ العناصر التي كانت تحتوي في الفنّ و الأدب على حقيقة أعلى و على جذور للفعالية الثورية، أصبحت اليوم مستوعبة و مدمجة داخل المجتمع الاستهلاكي البضائعي.
* الإشارة إلى ظهور نزعة استبدادية شمولية طغت على الثقافة المعاصرة، و هي ليست مجرّد تنميط سياسي عنيف فقط، و إنّما هي تنميط اقتصادي غير عنيف. و هي نزعة تنسجم مع تعدّد الأحزاب، و تنوّع السلط، و تتعايش داخلها الآثار، و الحقائق المتناقضة في جوّ من السلم و اللامبالاة".
* الإشارة إلى أنّ اللغة السياسية تشهد على انتصار المجتمع على التناقضات التي ينطوي عليها، و على أنّ هذه التناقضات تتناغم و تتجدّد دون تفجير النظام القائم.
* عرض أمثلة مستمدّة من الواقع تبرز امتصاص اللغة السياسية الأحادية البعد للتناقضات في المجتمع القمعي الاستبدادي الجديد. و ذلك عندما تسمّى الحكومة المستبدّة، حكومة ديمقراطية، أو الانتخابات المزيّفة انتخابات حرّة، أو عندما تستخدم عبارات مبنيّة على التعارض مثل "السلام هو الحرب".
* استنتاج أنّ الميل في المجتمع الصناعي، هو الميل إلى التكيّف و الاندماج. وهو ما حكم على المعارضة و النقد، بالتلاشي و الزوال.
* استنتاج أنّ الميل (الذي يُرافق الانصهار و الامتثال و يتناسب مع النظام القائم)، هو رفض للرفض، و للنقد، و الاحتجاج، و استحالة أيّ شكل من المقاومة.
* يمكن التعرّض إلى بعض آليات السيطرة، مثل وسائل التواصل الجماهيري، و التشريط الاجتماعي و النفسي و الثقافي، و نشر الرّفاه المادي التي أنتجت مجتمعا أحادي خالٍ من المعارضة.
العنصر الثاني: بلورة الأمل في التحرّر من استبداد المجتمع عن طريق الفنّ :
* الوقوف عند ادّعاء المؤلّف قدرة الفنّ على إيجاد تسوية للتوتّر الحاصل بين الراهن و الممكن.
* بيان الاختلاف و التعارض بينهما. إذ يقصد بالرّاهن الواقع المعطى أو الواقع اليومي أو عالم الأعمال. و يقصد بالممكن الواقع المنشود أو المأمول. و هو الواقع الذي يتخيّله الفنّان، بما هو طريق إلى الجمال و السّعادة.
* بيان أنّ الفنّ يبتعد عن الواقع اليومي المباشر إذا ما أغرق في المثالية و التجريد، و إذا ما عمد إلى إعادة بناء و تشكيل الواقع، أو إذا ما لجأ إلى آلية التصعيد أو اتّجه نحو تجاوز المرئي إلى اللامرئي الخفيّ، و ذلك عبر الأسلبة و الترميز و التمعين، بغاية نفي و معارضة النظام القائم.
* بيان أنّ القدرة على الترميز و التخيّل تفيد بصفة عامة معاني التجاوز و التعالي على السائد، و على مجموع الحقائق و القيم المتّفق عليها، بغاية الانتقال إلى عالم المعاني المتصوّرة، و إلى استحضار الأحداث الممكنة.
* بيان أنّ قدرة الفنّ على تقويض العالم القديم، و خلق عالم جديد عن طريق روح السّلب و المعارضة.
* بيان أنّ الفنّ يبلبل أركان التجربة اليومية، و يظهر زيفها، و أنّ الفنّ يفضح القمع، و يبدّد التعاسة و الشقاء، و بأنّ الفنّ يكفل إقامة مصالحة، و تقديم الحلّ لتجاوز العلاقة المتأزمة بينه و بين الواقع، و بين الإنسان و العالم، و الإنسان و نظيرهما، هو سبيل للإفلات من الوعي الشقيّ الذي يسعى المجتمع الرأسمالي إلى تكريسه لإحباط قوى الرفض، و المقاومة الكامنة فيه.
* استنتاج الطابع الشمولي للفنّ، و ذلك من خلال التأكيد على أنّه يتجاوز الشكل و المضمون الخاصيْن بوضع اجتماعي مُحدّد، من حيث أنّ الآثار الفنّية و الأدبية تتجاوز الحدود الزمانية و المكانية لتخلد قيمة من القيم الإنسانية، مثل البطولة و الشجاعة.
* استنتاج إيمان المؤلّف بحضارة إنسانية لا قمعية، تسعى عبر الجمال إلى عالم الحرّية و السّعادة، و إلى التحرّر من الظروف اللاإنسانية، و ذلك عندما يفقد عالم الأعمال و المشاريع طابعه الجدّي.
* الإشارة إلى أنّ المؤلّف سعى (من خلال مقاربته النقدية) إلى مراجعة الأساس الذي بنيت عليه الحضارة الإنسانية، و هو العقل، و إلى أنّ الفنّ هو تعبير عن تحرير الإيروس و الخيال من كلّ سلطة. إذ فيهما تتفجّر كلّ الطاقات الحيوية الكامنة في الذات، على اعتبار أنّها طاقات انشقاقيّة رافضة، و أنّها تضفي على الآثار الفنّية جمالية و أصالة.
المكاسب:
* إبراز طاقة الفنّ السياسية، على اعتبار أنّها ثاوية في الفنّ ذاته، و في شكله الجمالي، و في تمتّعه بقدر واسع من الاستقلال عن العلاقات الاجتماعية السائدة.
* أظهر النصّ أنّ الطابع التقدّمي للفنّ لا يقاس بالأصل الاجتماعي للفنّان، و ليس لغير الأثر الفنّي أن يقدّم معايير لهذا الطابع، و ذلك بقدر ما يكشف الشكل الجمالي عن أبعاد مقموعة في الواقع.
* الكشف عن أنّ الشكل الجمالي يستطيع (عن طريق الخيال) تغيير القواعد التي فرضها النظام القائم.
* الكشف عن الوظيفة المزدوجة للفنّ: من حيث أنّه، من جهة، اتّهام مُوجّه إلى الواقع، و أنّه من جهة ثانية، احتفاء يسمح بمقاومة الظلم و القمع و القهر السائد فيه، و أنّه من شأن هذه الوظيفة أن تبرز نوعيْن من الحقيقة: حقيقة يومية تعادي الفنّ و تدوسه و تهدم الحياة و المجتمع و تطمس و تقهر الذات، و حقيقة فنّية، تتعالى باستقلاليتها على الواقع، و تقاوم كلّ إقحام أو دمج أو ابتلاع.
* تثمين الوظيفة العلاجية للخيال. فعندما يكون الواقع شديد الضغط و القسوة و العنف، يستطيع الإنسان توجيه اهتمامه نحو اللاواقعي، و نحو الخيالي و الوهمي، حتّى و إن لم يحقّق له أماله إلاّ بشكل من الترضيّة الاستشباحية الوهمية. ليس الخيالي خاليا من الفائدة و القيمة، فهو يخفّف الآلام، و يُداوي الجروح (نيتشه)، و يسمح (و لو لبعض الوقت) بالإفلات من أسر الواقع و هيمنته.
* تثمين الوظيفة الخلاصيّة، ليس بالمعنى الديني، طالما أنّ الفنّ ليس هروبا من رعب الوجود و عبثيته، و إنّما هو تحويل لرعب الوجود إلى آثار فنّية، يكون هذا الرعب بموجبها جميلا، و يكون الألم فيه انتشاء و سعادة.
* معالجة مشكلة الإبداع الفنّي بردّه، لا إلى الرغبات اللاواعية وحدها (فرويد)، أو إلى الظروف الاجتماعية و الاقتصادية (ماركس)، و إنّما إلى الوضع الإنساني الذي من شأنه أن يكسب الشكل الجمالي طابعا شموليا و كونيا.
* نقد المؤلّف النظريات الأحادية الجانب الفرويدية و الماركسية اللتان فسرّتا الإبداع بالإحالة (حسب رأيه) على معايير مُسقطة على الأثر الفنّي من خارجه. و محاولة المؤلّف الربط (بطريقة نسقية و تأليفية) ما استفاده من العلوم الإنسانية، و من الفلسفة، بين الاجتماعي و النفساني، و بين الإنساني في الفنّ.
 الحدود:
* يُمكن التعرّض إلى أنّ آراء المؤلّف حول الفنّ (بصفته قوّة ثوريّة رافضة للنظام القائم) تنطوي على قدر من التعميم المفرط، و ذلك لأنّه، لو كان من الجائز مثلا إسناد صفة الثورية إلى الفنّ الذي يتجاوز قوانين الطبيعة و المجتمع، لكان من الجائز إسناد هذه الصفة إلى الفنّ التجريدي، على أساس أنّه الفنّ الأكثر خروجا و تمرّدا على الواقع. غير أنّه من الممكن أن يؤوَّل على أنّه يدعو إلى الرضوخ و الاستسلام للواقع و للنظام القائم. ذلك لأنّه من الممكن النظر إلى التجريد بما هو هروب و ابتعاد عن الواقع، حتّى و إن كان ناتجا عن السخط، و عن عدم الرضى. فهو ينطوي على موافقة ضمنية لأصحاب النفوذ، و تسترّا على التناقضات و الصراعات، و سكوتا عن الأوضاع اللاإنسانية.
* كما أنّ التغيير الفعلي للأوضاع اللاإنسانية لا يمكن أن يتحقّق على أيدي الفنّانين الرومانسيين الحالمين من أصحاب النزعة الفنّية الجمالية المتطرّفة، و إنّما هو ببساطة مهمّة موكولة إلى رجال السياسة، و إلى أصحاب النفوذ الفاعلين في الواقع.
* ربط الفنّ و إنتاج الآثار الفنّية بالعولمة السياسية و الثقافية التي أدّت إلى انتشار الفنّ، و إلى المتاجرة به، و إلى تبضيع الثقافة، و ابتذالها، و الخفض من قيمتها، و إلى فقدان الفنّ قدرته على الرفض و المقاومة و الاحتجاج.
* التعرّض إلى أنّ مقاربة المؤلّف للمسألة الجمالية طرحت حلما بالتغيير برومانسية ثورية كانت مفتقدة في ظلّ الواقع الاجتماعي و السياسي الراهن للعالم الرأسمالي، و إلى أنّها استهدفت تفتيت الشرعية الزائفة للمؤسّسات القائمة. غير أنّ  هذه المقاربة ليست أكثر من نوع من اليوتوبيا الخيالية، و قد انبثقت من داخل اليأس الساكن في واقع كرّس القمع و الاغتراب.
* التعرّض إلى تناقض المؤلّف، لأنّه إذا كان النظام القائم في المجتمع قد سدّ كل المنافذ لمنع مقاومة، فإنّه يصبح من الصعب تفسير إمكانية أن تحتلّ مقاربته النقدية مكانا فيه.
* التعرّض إلى أنّ هذه النظرية النقدية اليوتوبية ثمّنت الحلم و الخيال و الإيروس (أي القوى الدفاعية) على اعتبار أنّها تحمل وعدا بالسّعادة المفقودة، و على اعتبار أنّها تؤسّس لعالم إنساني بديل، يقوم على إفشال مبدأ الواقع، و إعلاء مبدأ اللذّة.
الخاتمة:
* من الممكن التركيز على الموقف الإيطيقي القيمي الذي تبنّاه المؤلّف.
* كما من الممكن تبنّي الموقف المتفائل القائل بأنّ الفنّ يتّسم بطابع إنساني كوني، و أنّه قادر على تحرير و توحيد الجنس البشري.
* كما من الممكن تبنّي موقف متشائم، و التأكيد على انسداد الأفق أمام أشكال المقاومة و الثورة، و على أنّ العالم الذي رسم المؤلّف ملامحه، ينتمي إل ما يجب أن يكون، و أنّه يظلّ عالما إيطوبيا حالما، و على أنّه، حتّى لو تمّ القضاء أو التخفيف من شدّة الصعوبات، فلن يكون لقاء الإنسان بالإنسان لقاء يقوم على التعايش السلمي، كما لن يكون الوعد بالجمال و السّعادة سوى أمنية وردية، هي أقرب إلى الخيال.
طريق النجاح: نشكر الأستاذ: رشيد الرقيق، و ننتظر منه مزيدا من المشاركات.

هناك 5 تعليقات:

  1. تحية عطرة لصديقي و أستاذي و زميلي العزيز جدا و إليه أبعث رسالة إجلال و تقدير و ثناء فمنه تعلمت الكثير و هاهو كعادته لا يبخل علينا بإبداعاته و بمداخلاته العملاقة مضمونا و الرشيقة آداء فغليه ألف ألف شكر يا اغلى صديق أنجبه هذا الوطن ...أخوك محمد كريم النيفر من القيروان

    ردحذف
    الردود
    1. غير معرف13/4/14

      العفو يا سيد تحية عطرة

      حذف
  2. غير معرف25/4/13

    شكرا لك وصلت التحية
    و في الواقع أنني الأستاذ وجدي المصمودي و الأستاذ رشيد الرقيق هو أستاذي و قد أنجز هذه التمارين و غيرها كثير و أقوم أنا برقنها و بإرسالها فكما تعلم أن جيل الأستاذ رشيد الرقيق جيل لا يفقه في هذه الوسائل الجديدة . لذا أقوم أنا بإرسالها . و هي من إنجازه . و المهم أنه دائما رمز العطاء اللامتناهي رغم المرض و رغم كبر العمر. و نتمنى الفائدة للجميع .

    ردحذف
  3. غير معرف25/4/13

    شكرا لك وصلت التحية
    و في الواقع أنني الأستاذ وجدي المصمودي و الأستاذ رشيد الرقيق هو أستاذي و قد أنجز هذه التمارين و غيرها كثير و أقوم أنا برقنها و بإرسالها فكما تعلم أن جيل الأستاذ رشيد الرقيق جيل لا يفقه في هذه الوسائل الجديدة . لذا أقوم أنا بإرسالها . و هي من إنجازه . و المهم أنه دائما رمز العطاء اللامتناهي رغم المرض و رغم كبر العمر. و نتمنى الفائدة للجميع .

    ردحذف
  4. غير معرف7/5/13

    كلمة شكرا لاتكفي عن جد تحية كبيرة جدااااااااااااا;)

    ردحذف